أفغانستان.. انسحابان متناقضان في حرب الأربعين عاماً

الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان يستوجب استعادة وجه البلاد الحضاري القديم، وإجراء مقارنة بين شكل هذا الانسحاب ومعانيه وظروف الانسحاب السوفياتي من البلاد قبل 3 عقود.

  • لقد عاشت الملكية الأفغانية عصراً متوافقاً مع عصر الملكيات الأوروبية في الزمن نفسه.
    لقد عاشت الملكية الأفغانية عصراً متوافقاً مع عصر الملكيات الأوروبية في الزمن نفسه.

لا يزال مشهد خروج القوات الأميركية من أفغانستان طاغياً على ما عداه من أحداثٍ عالمية، وهو مشهدٌ تبدو صوره مرشحة للعيش طويلاً في الأذهان، إلى جانب الصور التي تلخّص حروباً كبرى أو محطات بارزة في تاريخ العلاقات الدّوليّة.

أفغانستان في مئة عام

أفغانستان لمن يبحث في تاريخها، هي إحدى أهم دول جنوب آسيا الوسطى التي لطالما كانت على خطوط التجارة التي تربط شرق آسيا بغربها وببقية العالم الغربي، ذلك أنها وقعت على طريق الحرير القديم، وعلى خطّ تجارة التوابل من شبه الجزيرة الهندية إلى أوروبا، وهي قبل دخول الاتحاد السوفياتي إليها، والظروف التي نشأت فيها، وصولاً إلى انسحابه منها في العام 1989، كانت ذات وجه مختلف تماماً عن وجهها الذي لبسته في السنوات الأربعين التي تلت.

قبل 100 عام، كانت بلداً متقدماً مقارنةً بجيرانها على مستويات العمران والتخطيط المدني والبنى التحتية الأساسية والصناعية. تبرز هذه الصّورة المختلفة لأفغانستان في ما يسترجع من الصور التي عرضتها معارض في أوروبا الغربية في السنوات العشرين الماضية، إذ يظهر فيها من صور الناس والأحداث ما يعكس نمط الحياة العصري الذي ساد في البلاد لعقودٍ طويلة، قبل أن تدخل في أنفاق الأحداث السوداء، وقبل أن يبتلعها أتون الحرب الذي تعيش فيه منذ 4 عقود.

وللتاريخ السياسي للدول ثقوبه السوداء أيضاً، إذ تقع فيه الدول التي تكثر تعقيداتها، وترتفع قيمتها الجيوبوليتيكية، إلى درجة تكبر على قدرة حكامها وشعوبها على حفظها أو حمايتها من صراعات القوى الأكبر منها. تعد أفغانستان من هذه الدول التي كبرت قيمتها، وكثرت تعقيداتها، ولعبت فيها لعبة الأمم ألعابها مرةً بعد أخرى، إلى حد ضياع هُويتها التي اعتادتها. وقد تشكَّلت على أنقاض هذه الهوية هويّات فرعية متصارعة صنعت بدورها حاضر البلاد الصعب والمستمر، فصور العقود الماضية تعكس صورة نسائها ورجالها ومعالمها الحضارية وبنيانها الفريد الذي يظهر هويتها الحضارية المتفردة.

كان مستوى التخطيط المدني عالياً جداً خلال عقود طويلة في النصف الأول من القرن العشرين، ووصولاً إلى الثمانينيات من القرن نفسه. إضافة إلى ذلك، كانت الصناعة الأفغانية تشمل مجالات متنوعة من صناعات تلك الحقبة، كصناعة الأسلحة والذخائر التي انعكست على صورة الجنود الأفغانيين المدججين بالسلاح والفخورين بأزيائهم العصرية، وصناعة الأخشاب والزيوت والصابون.

لقد عاشت الملكية الأفغانية عصراً متوافقاً مع عصر الملكيات الأوروبية في الزمن نفسه، فواكبت تقاليدها، وشابهت ملامحها، واستخدمت أدواتها في التنقّل والمراسم التي اعتمدها البلاط الملكي، حتى بدت أفغانستان بمظهرها واحدةً من الدول المتقدمة، كما كان الحال في الغرب الأوروبي. وتظهر صور تلك الحقبة وزيارات العائلة الملكية إلى أوروبا أوجه التشابه الظاهرة على هيئة النساء الأفغانيات مع نظيراتهن الأوروبيات، ومظاهر النساء الأفغان اللواتي لبسن الأزياء الغربية، إضافةً إلى الأزياء الأفغانية التقليدية، والتي كانت تشير إلى مناخ الحرية الذي تمتعت به البلاد في ذلك الوقت.

استمرّ هذا المناخ عقوداً طويلة، ليتمظهر في مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، والتي شهدت مرحلة تحرر على مستوى العالم، بعد سنوات الستينيات التي كانت توصف بالعشر المجيدة عالمياً، والتي شهدت ازدهاراً اقتصادياً، وعدد حروبٍ أقل نسبةً إلى العقود السابقة، على الرغم من حرب العام 1967 بين العرب والكيان الإسرائيلي، واستمرار حرب فيتنام، ووقوف العالم على شفير حرب كبرى بسبب أزمة الصواريخ الكوبية.

الاتحاد السّوفياتي في أفغانستان

في الأيام الأخيرة من العام 1979، دخل الاتحاد السوفياتي أفغانستان لدعم الحكومة الأفغانية الحليفة له في ذلك الوقت، والتي كانت تعاني هجمات المعارضين لها، المدعّمين بدورهم من مجموعة من القوى الخارجية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

لقد عاش السّوفيات في أفغانستان المعاناة التي عرفها كلّ من دخل تلك البلاد محتلاً؛ فبعد دخول الجيش الأربعين السوفياتي، بدأت حدة الهجمات ترتفع، وتكبّد الاتحاد السّوفياتيّ خسائر لم تكن بالحسبان، بالتزامن مع تزايد الضغوط الداخلية التي كان الاتحاد يعانيها في ذلك الوقت، والتي تعاظمت وصولاً إلى انهياره.

لقد دعمت القوى الخارجية التي أرادت إخراج السوفيات من أفغانستان القوى الَّتي كانت تقاتلهم في الداخل. وبهذا الدعم، تحولت أفغانستان إلى أرض "جهاد" للمجاهدين الإسلاميين القادمين من كلٍّ حدبٍ وصوب برعاية أميركية. 

وهناك، تجمّع المجاهدون، وكان أبرزهم من القيادات الإسلامية العربية التي جذبها عنوان تحرير أفغانستان "المسلمة" من الاحتلال السوفياتي "الملحد"، على اعتبار أنَّ في ذلك نصرةً لإخوة في الدين، في وجه قوةٍ عالمية مناهضة للتدين بصورةٍ عامة، ومحتلّة لبلد مسلمٍ بصورة خاصَّة، وأصبح هؤلاء يعرفون في وقتٍ لاحق بـ"الأفغان العرب" أو "المجاهدين العرب"، وكان من أبرزهم تلامذة درسوا في مدارس دينية إسلامية عريقة كالأزهر، ونشطوا في تعبئة المجاهدين الأفغان من أجل قتال السوفيات، حتى وصلت خسائر الاتحاد السوفياتي في الأرواح إلى حوالى 15 ألف جندي بحلول شباط/فبراير 1989.

وما يفيد في هذا السياق، استرجاع الطريقة التي انسحب بها السوفيات من أفغانستان، لتحليلها ومقارنتها بالطريقة التي انسحب بها الأميركيون اليوم من البلاد نفسها، واستخراج المعاني الكامنة من هذه المقارنة، توخّياً لاستشراف الغايات التي تضمرها الولايات المتحدة من انسحابها هذا، وبالطّريقة التي شاهدها العالم كلّه.

في العام 1987، أعلن الاتحاد السوفياتي عبر قائد قواته في أفغانستان الجنرال بوريس غرومونوف قرار الانسحاب من البلاد خلال سنتين. وفي 15 شباط/فبراير 1989، كان الجنرال غرومونوف آخر جندي سوفياتي يخرج من أفغانستان سيراً على قدميه، في إشارةِ احترام إلى القرار الذي اتخذته بلاده بحذافيره.

لقد حضّرت قيادة الجيش الأربعين السوفياتي عملية الانسحاب خلال سنتين كاملتين، قامت خلالهما بتسليم الجيش الأفغاني المواقع العسكرية السوفياتية في البلاد، إضافةً إلى تسليمه كميّات من الأسلحة والمعدات العسكرية والذخائر التي أراد السوفيات من خلالها مساعدة القوات الحكومية الأفغانية على مواجهة المجموعات المناهضة لها، إضافة إلى تسليمهم معدّات إصلاح الأسلحة ووسائل النقل العسكرية، وصولاً إلى زيوت التشحيم المستخدمة في عملية صيانة تلك الوسائل، كما يذكر جنرالات سوفيات سابقون شاركوا في عملية التسليم، وتحدثوا في وثائقيات تتناول ظروف انسحابهم من أفغانستان.

وبذلك، أراد الاتحاد السوفياتي تمكين الحكومة الرسمية والجيش الأفغاني من مواجهة خصومه المدعومين بالسلاح الغربي، وبالتسهيلات المختلفة التي كانت تمكّنهم من الوصول إلى تلك البلاد، والانضمام إلى "أرض الجهاد" الجديدة، التي كانت وجهةً جذّابة لطلبة العلوم الدينية، والشباب المتحمّسين لنصرة عقيدتهم، والذين وجدوا فرصتهم لقتال قوة يرون فيها مواصفات العدو العقائدي المناسب في ذلك الوقت.

الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان

قبل سنوات قليلة، شهدت العاصمة القطرية الدوحة انطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة "طالبان" التي تتزعم القوى المناهضة للحكومة الأفغانية، الحليفة بدورها للولايات المتحدة. سارت المفاوضات في خطٍ زمني متأرجح، فاختلفت أخبارها بين انفراجاتٍ وتعقيدات كانت تتوالى على الأخبار الواردة من جلسات التفاوض تلك.

وفي حين كانت الحكومة الأفغانية تعاني من تراجع الحماسة الأميركية لها، الأمر الذي انعكس في تصريحات كبار المسؤولين الرسميين الأفغان، وعلى رأسهم الرئيس أشرف غني، كانت "طالبان" تسيطر على البلاد شيئاً فشيئاً، حتى قضمت معظم عواصم المقاطعات في أسبوع واحد، وصولاً إلى صبيحة استفاقت فيها حكومة أشرف غني على الأميركيين يرحلون من البلاد.

سارع غني إلى مغادرة البلاد بسرعة، وبطريقةٍ فوضوية، كما ظهر من تفاصيل الأخبار المرافقة لرحيله، ودخلت حركة "طالبان" إلى العاصمة كابول، في ظل دهشة عالمية من سرعة اجتياح "طالبان" وسيطرتها على العاصمة وعلى مجمل محافظات البلاد.

ولم يماثل الدهشة من الانسحاب نفسه، سوى تلك الدهشة التي أحدثتها مشاهد مئات الأفغان يستميتون في محاولة التعلق بالطائرة الأميركية المقلعة من مطار كابول، للتمسك بخيط أملٍ بالخروج من البلاد التي عادت أرضاً طالبانية، بكل ما يعني ذلك من معانٍ ستنعكس على حيواتهم في ما لو بقوا فيها، ثم تساقط الشبان الأفغان من الطائرة وهي تحلق في السماء مبتعدةً عن أرض الحرب المستمرة. وكاستمرار للمشهد نفسه، لا يزال ازدحام المتمسكين بأمل المغادرة في مطار كابول يعوق عملية إجلاء ما تبقى من أجانب وجنود لم يسعفهم الوقت بالرحيل بعد. وقد تعرضوا لتفجير انتحاري أودى بحياة العشرات منهم.

وفي حين دخل تنظيم "داعش - ولاية خراسان" على المشهد كمتبنٍ للتفجير الانتحاري، تحاول "طالبان" تسويق صورةٍ عصرية لها كحركة حكمٍ يمكنها أن تتعايش مع ظروف حكم الدول، ويمكن لدول العالم أن تثق بقدرتها على الحكم، مع الحد الأدنى من مندرجات ضرورات الحكم المقبولة عالمياً، فأعلنت عفواً عاماً عن الموظفين العاملين الذين خدموا في المرحلة السابقة، داعيةً إياهم إلى العودة إلى أعمالهم، إضافة إلى إعلام عدم نية الحركة الانتقام من مسؤولي الحكم السابق، والسماح للفتيات بالتعلّم، ومجموعة أخرى من الإجراءات التي تشير إلى حضورهم إلى الحكم تحت ستار اتفاق مع المحتل السابق، الذي تخلى مرةً جديدة عن حلفائه في الحكم، ليخرج بعدها الرئيس الأميركي جو بايدن متنصلاً من كل مضامين الخطاب القيمي الذي دخلت على أساسه واشنطن الحرب على الإرهاب في العام 2001، عندما كان الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش يريد تخليص العالم من إرهاب "طالبان" و"القاعدة"، ونشر الديمقراطية في أفغانستان، وبناء الدولة فيها.

وبعد 20 عاماً، يخرج جو بايدن على منبره ليبرر الانسحاب المفاجئ بالقول: "لم يكن هدفنا بناء الدولة في أفغانستان، ولا يمكننا خوض حربٍ لا يريد الأفغان أنفسهم خوضها". لقد كان هذا الخطاب معقولاً لو أن الانسحاب الأميركي أتى مشابهاً للانسحاب السوفياتي من البلاد قبل أكثر من 3 عقود، من ناحية تسليم القوات الحكومية الأفغانية وسائل المواجهة لحركة "طالبان"، بدلاً من ترك الأميركيين للأخيرة معدات وأسلحة وذخائر ووسائل نقل حربية بكميات هائلة ونوعيات فائقة التطور، وبثمنٍ يصل إلى مليارات الدولارات، إلى حدٍ لا يمكن معه تصديق ترك تلك الإمكانات صدفةً أو على سبيل المفاجأة، بل كخطوةٍ واعية يكون الهدف منها التسليح المقصود للحركة.

أبعد من ذلك، دعت الولايات المتحدة دول الجوار الأفغاني إلى استقبال النازحين القادمين إليها، الأمر الذي زاد من ريبة الشكل الذي حصل فيه الانسحاب الأميركي، ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى انتقاد هذه الدعوات، معتبراً أنَّ الدعوات الغربية لدول الجوار لاستقبال النازحين الأفغان في وقت يقفل الغرب أبوابه في وجههم، هي دعوة لتسلل الإرهابيين إلى الدول المجاورة.

ومع انتقال الاستراتيجية الأميركية للتركيز على شرق آسيا، ومواجهة صعود الصين، وتفعيل استراتيجية الاحتواء ضدها وضد روسيا، يمكن فهم مواقف الدول الثلاث الأكثر تأثراً بالانسحاب الأميركي من أفغانستان وعودة "طالبان" إلى حكمها، وهي الصين وروسيا وإيران.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم موقف القوى الثلاث من الحدث، وهو موقف متشابه تماماً، يحاول امتصاص ارتدادات الحدث وإبداء حسن النية تجاه "طالبان" أو أية قوة تحكم البلاد المتعَبة والمتعِبة لجيرانها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً