المشهديّة خاص - طلال أبو غزالة

 

لانا مدوّر: من لاجئٍ الى مالك أكبر شركةٍ في العالم، بالإرادة والتصميم حوّل المعاناة الى فرصة العمر. مستثمرٌ شجاع، رؤيويٌ حاد وثابتٌ في المبادئ. من فلسطين الى لبنان فالأردن فالعالم، تنوّعت أعماله لكن هويته واحدة، عربيٌ قوميٌ أصيل.

في المشهدية خاص نتحدث عن السياسة والإقتصاد، عن الإنسان والقيم، مع رجل الأعمال الدكتور طلال أبو غزالة.

 

       مساء الخير وأهلاً بك دكتور أبو غزالة مباشرةً معنا من الأردن، العاصمة الأردنية عمان، وأهلاً بك في المشهدية خاص.

 

 

طلال أبو غزالة: أنا سعيد وفخور بهذا اللقاء.

 

 

لانا مدوّر: ونحن أيضاً نتشرف بلقاءك خصوصاً أنك في الآونة الأخيرة أثرتَ الكثير من علامات الاستفهام حول توقعاتك بأزمة عالمية، وبحرب، كل تلك التفاصيل، الجميع يسألك، الجميع يريد أن يعرف لماذا وصلت الى هذه الرؤية وكيف وصلت إليها؟ لذلك لا بدّ أن نتحدث في مشهدنا الأول عن "الأزمة العالمية".

 

       دكتور أبو غزالة تقول بحسب رؤيتك أننا سنشهد أزمة عالمية في عام 2020 وحرب تؤدي، طبعاً هذه الحرب تكون حرب عالمية أيضاً ثالثة، بعدها يتّفق القطبان الإكبر الصين وأميركا على إنهاء تلك الحرب ما سيولّد نظاماً عالمياً جديداً. الأزمة الجديدة كما تقول لا تُشبه عام 2008 لا بل ستكون أقسى بكثير وتؤدي الى ركود عالمي ومن بعدها ستشهد منطقتنا العربية حالة إزدهار.

من الجيد بعد أن نقرأ كل تلك المعلومات المحبطة أن نرى أنه سيكون إزدهار في ما بعد. لكن أنا أريد أن أسألك دكتور طلال في البداية هل هذا يعني أنك بحسب ما تراه الآن كل النظام العالمي الذي عشنا في إطاره بعد الحرب العالمية الثانية سننساه بعد 2020؟

 

 

طلال أبو غزالة: ليس فقط هذا سيحصل، هو عملية بدأت وحصلت فعلياً، كل ما هو جاري الآن من عقوبات إقتصادية وصراع تجاري وحرب تجارية هو إلغاء للنظام العالمي الحالي، النظام العالمي الحالي أحد مؤسساته الرئيسية هي المنظمة العالمية للتجارة والتي كان لي الشرف أن أكون على مجلس خبراءها، قوانينها لا تسمح بأي من الإجراءات التي اتّخذتها أميركا ولا التي ردّت بها على أميركا الصين. فنحن في عالم كما يقول رئيس الوزراء البريطاني السابق براون، في عالم ليس فيه أنظمة وليس فيه قيادة.

دعيني أبدأ من التاريخ، حين يكون المرء عجوز مثلي دائماً يحب أن يروي القصص. في عام 1985 حضرتُ ندوة في National science academy في واشنطن، كان عنوانها أين ستكون أميركا عام 2020؟ ثلاثة إستنتاجات، أولاً أن الصين ستكون الاقتصاد الأكبر في العالم، ثانياً إذا كانت الاقتصاد الأكبر فهي القوة الأعظم في العالم لأنه لا قوة بدون اقتصاد أكبر، ثالثاً إذا كان ذلك فيجب على أميركا أن تتخذ كل الإجراءات لمنع حصوله.

 

 

لانا مدوّر: هذا منذ عام 1985، هذه التوقعات تحصل اليوم.

 

 

طلال أبو غزالة: هذه ندوة في 1985 في National science academy حضرتها كافة فئات المجتمع ما نسميه Stakeholders، المجتمع الأميركي من الحكومة ومراكز الأبحاث والأكاديميين، والإقتصاديين، الى آخره، وأنا كنت حاضر فيها بصفتي أرأس منظمة أبحاث ودراسات في أميركا.

إذاً أنا أريد أن أقول من ذلك اليوم بدأت أدرس مستقبل العالم عام 2020، وتابعت مراكز الأبحاث الأميركية في دراساتها الأخيرة، ومنذ سنتين تبيّن لي أن هذه التوقعات بدأت تحصل، الصين أصبحت التاجر الأول في العالم وليست فقط موازية لأميركا، Air Force Magazine قالت أن الصين وصلت الى مساواة مع الاقتصاد الأميركي. إذا أخذنا بعين الإعتبار أن نسبة النمو في الناتج القومي الصيني على الأقل 6% في حين أن الناتج القومي الأميركي ينمو على الأكثر بنسبة 2%، إذاً نحن أمام وضع فيه فرق بنسبة النمو سيؤدي تدريجياً الى أن تصبح الصين الاقتصاد الأكبر بدون منازع. وبالتالي أحد المراكز الأميركية، لست أنا، يقول أن إذا حصل ذلك سيُضطرّ، إذا حصلت هذه الأزمة الاقتصادية التي نتكلم عنها وهذا التطور في البُعد الصيني، يقول هذا المركز سيضطر الرئيس ترامب أن يصطنع، to manufacture، أن يصطنع حربًا مع الصين. طبعاً هذه الحرب ليس هدفها أن يحتل الصين ولا هدف الصين أن تحتل أميركا، ليس هنالك خلافات حدودية وكذا. كل ما هو مطلوب أن تجلس الصين وأميركا على طاولة لوحدهم، أميركا ترى أن النظام العالمي الذي تفضلّتِ بالإشارة إليه، الذي نتج عن 1948 لم يعد صالحاً مع أن أميركا كانت الصانع الرئيسي لهذا النظام، بما فيه اتّفاقيات بريتون وودز، هذا لم يعد يصلح، نحن بحاجة الى نظام جديد بما فيه حقوق الملكية الفكرية، وأريد أن أؤكد..

 

 

لانا مدوّر: من خلال اختصاصك في مجال حقوق الملكية الفكرية كيف سيتأثّر؟

 

 

طلال أبو غزالة: هذا ما أردت أن أقوله، أنا أتابع أن الحرب أحد أسبابها الرئيسية، أنا أزعم والأيام ستُثبت، أن الخلاف الرئيسي هو خلاف حول حقوق الملكية الفكرية لأن الإختراعات هي أساس التكنولوجيا، والتكنولوجيا هي أساس التقدم الاقتصادي.

 

 

لانا مدوّر: تماماً، وقد بدأت بوادرها دكتور أبو غزالة في أعمال المديرة المالية لهواوي في الحرب الدائرة الآن بين شركات الإتّصالات الصينية والأميركية وكل ذلك.

أريد أن أفصّل معك في هذه النقطة أكثر، لكن لأنك تتحدث عن موضوع مهم جداً وهو موقع الصين راهناً في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتّحدة الأميركية والصين، ما رأيك أن نستمع معك الى كلام قاله دونالد ترامب عن الصين وعن رؤيته لتلك الحرب وسأعود وأناقشك بما قاله. نشاهد سوياً.

 

 

دونالد ترامب: أحب الصين، وقد بعت للتو شقة ب15 مليون دولار لشخص من الصين، فكيف لي ألا أُحبهم إذاً؟ أملك حصة كبيرة في مبنى مصرف أميركا في شارع 1290 وقد فزت بها من الصين في معركة، وهي حصة قيّمة جداً، أحب الصين. والمصرف الأكبر في العالم صيني، وأتعلمون أين يقع مقر هذا المصرف في الولايات المتّحدة؟ إنه في هذا المبنى في برج ترامب، أحب الصين. يتّهمني الناس بأنني لا أحب الصين، لكنني أفعل، غير أن قادتهم يفوقون قادتنا ذكاءً بكثير، لذا لا يمكننا الحفاظ على استدامتنا، فالأمر كأن فريق نيوإنغلاند بيترويوتس ونجمه توم برايدي يلعبان ضد فريق كرة القدم في مدرستكم، وهكذا هو الفرق بين القادة الصينيين وقادتنا، فهم يمزقوننا، ونُعيد بناء الصين وكثير من البلدان غيرها. وإذا ذهبتَ الى الصين الآن، فسترى فيها طرقاً وجسوراً ومدارس لم ترَ لها مثيل من قبل، وفي الصين جسور تجعل جسر جورج واشنطن يبدو تافهاً مقارنة بها، وفي جميع أنحاء العالم الصين جسور كتلك. نملك جميع المقومات، لكننا لا نعرف كيفية استخدامها، ولا نعلم حتى أننا نتمتع بجميع المقومات لأن قادتنا لا يفهمون قواعد اللعبة، إذ يمكننا أن نضع حداً لذلك من خلال فرض ضرائب عليهم حتى يتصرّفوا كما ينبغي.

 

 

لانا مدوّر: إذا تركنا كلامه الشعبوي جانباً، أحب الصين، وما يقوله بأسلوبه أسلوب ترامب، هل توافقه دكتور أبو غزالة على أن قادة الصين هم أذكى من قادة الولايات المتّحدة الأميركية، وبالتالي ترامب هو الرجل الذكي الذي سيُعيد التوازن في العلاقة بين الولايات المتّحدة الأميركية والصين؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا لا أحب أن أنصّب نفسي حكماً وإن كنت أرى أن سؤالك إجابته فيه. هي ليست قضية حكمة، قضية سياسات واستراتيجيات تتبعها الدول، أميركا كيف لها اليوم أن تشتكي إذا هي وضعت مصنع آبل ومصنع بوينغ في الصين؟ وقالت أيها الصين هذه تكنولوجيا صناعة الطائرات وصناعة الهواتف والكمبيوترات. تفضّلي، هنالك 240 ألف عامل يعملون في آبل صينيين ومهندسين، اطّلعوا على التقنية، كذلك هنالك ما يشابه ذلك في مصانع بوينغ. أين المشكلة؟ أنّ ما قاله هو تعبير عن الخلاف والجدل الأساسي والأهم. أنا أعتقد أن الصين، أولاً أنا أعرف أن امريكا تريد أن تجسل مع الصين لتصل الى عالم مزدوج القيادة، أن يكون بقيادة الصين واميركا مشتركين بدل أن تقوده الصين إذا تُركَت الأمور. الصين ترفض ذلك لأن، وأنا قلت هذا الكلام منذ شهرين، أميركا ستتطالب بتريليونات، وقالها الرئيس ترامب كما تفضّلتِ في ما بثّيتِه بكل قدرة، هذا ما سببه؟ كيف وصل الى هذا الإدّعاء؟ النظام العالمي للملكية الفكرية والذي صاغته المنظمة العالمية للملكية الفكرية في الأمم المتّحدة الويبو، وأيضاً بقيادة أميركية، هذا النظام يقول أنه إذا إنسان أو مؤسسة اخترعت اختراعاً وجاء آخر أخذ هذا الإختراع وطوّر عليه وأنتج منه شيئا حديثاً مفيداً يعتبر إختراع جديد، أميركا تقول لا هذا كلام فارغ، تقول أنا اخترعت أول موبايل جهاز ذكي أي جهاز ذكي بعده هو سرقة لجهازي، هذا صراع كبير جداً لأن كل ما في الدنيا من أدوات وأساليب ومنتجات ستتأثّر وإذا كان عليّ أن أطالب بالتعويض عن كل ما حصل في العالم، ليس فقط من الصين، إذا طُبّق هذا المبدأ أطبّقه على الدول الأخرى التي استفادت من أي إختراع أميركي. هذا الخلاف الرئيسي والأكبر والأصعب.

إنّما أنا أكرر أن ما قاله ترامب يلخص موقف أميركا التي من خلال السنوات الماضية لم تتّخذ سياسات واستراتيجيات لتتفوق على الصين وتركت الصين تتفوق عليها تقنياً. ما حصل، نحن نتذكر قبل عشرين سنة هذا المُنتَج لا تشتريه، هذا درجة ثانية، هذا صناعة صينية، الآن تُنتج الصين منتجات منافسة في جميع المواضيع وليس فقط في المنتجات التي نستعملها، في التقنيات، في إختراعات الإتّصالات، في كل ما يخطر عل بال الإنسان اخترع الصينيون.

 

 

لانا مدوّر: عفواً، يعني كل ما كان سائداً في السابق عن أن الصين هي التي تنسخ ولا تبتكر انتهى هذا الزمن، وبالتالي أنت لا توافق على أن الصين تسرق الولايات المتّحدة الأميركية كمتخصص في مجال الملكية الفكرية؟

 

 

طلال أبو غزالة: أبداً، أنا لا أوافق بموجَب معايير منظمة التجارة العالمية الواضحة والدقيقة والتي وقلت أن أميركا كان لها الدور الرئيسي في صياغتها، Uruguay Round في المنظمة العالمية للتجارة أخذت تسع سنوات لأن المفاوض الأميركي كان يذهب ليحصل على موافقة أميركا على كل بند الى أن وصل الإتّفاق الى المنظمة العالمية للتجارة، وأنا أتكلم عن المنظمة والويبو لأنهما مترابطان، هناك شيء اسمه trips agreement أي نواحي الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة العالمية، وكل عضو في المنظمة العالمية في التجارة ملزَم بأن يلتزم بقوانين واتّفاقيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية. هنا تأتي الدالي لاما، أميركا تريد أن تقول أنا لست موافقة على هذه القوانين فتخرقها، وكل ما قامت به سواءً من اعتقال كما تفضلتِ أو عقوبات هو فقط لاستفزاز الصين لتجلس معها.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة انطلاقاً من ذلك عندما نتحدث عن WTO والمنظمات الدولية الأخرى التي خرجت بعد هذا النظام العالمي، بعد Bretton woods وكل ذلك، بات هنالك تنظيم لها، مثل البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، كل تلك المؤسسات التي تُقرِض، التي تنظّم حتى التجارة والعلاقات الاقتصادية بين الدول ستنتهي بعد 2020؟ يعني مجرد أن تحصل هذه الحرب بين أميركا والصين سينتهي دورها وتؤدي ربّما الى ظهور مؤسسات أخرى؟

 

 

طلال أبو غزالة:  أنا أزعم أننا خلال سنة 2020 لأسباب عديدة أولها أنه أصبح واضحاً صعود الصين وتفوقها، ثانياً أن هناك أزمة مالية واقتصادية خانقة بدأت مظاهرها، العالم اليوم مفلس، الدين العام العالمي ثلاثة أضعاف الناتج القومي المحلي، يعني المرء مديون ثلاث مرات قدرته على ..

 

 

لانا مدوّر: يعني هذا على كل العالم، هذه الأزمة لا تشمل دول بعينها دكتور أبو غزالة.

 

 

طلال أبو غزالة:  مئة بالمئة، الأزمة المتضرر منها الرئيسي الدول الحليفة لأميركا، خذي منها أوروبا، لم يحصل بالتاريخ أنها وصلت الدول الأوروبية كلها الى نسبة نمو تقريباً صفر أو أقل، دخلت في ركود اقتصادي دول أوروبا ودول كثيرة غيرها، أميركا نفسها، أميركا لولا أنها، وهذا الموضوع الرئيسي الثاني في الخلاف ألا وهو الدولار، أميركا الآن من خلال الدولار تفرض عقوبات كثيرة وأقوى من العقوبات التي تفرضها بالطائرات والدبابات والسياسة وكل شيء.

 

 

لانا مدوّر: عفواً على المقاطعة لكن لأنك دخلت في موضوع الدولار وأنا لديّ مدخل ممتاز لهذا الموضوع لكن قبل ذلك أريد أن أعلّق على مسألة، الى أي مدى الدول العربية بدأت تدرك أهمية الصين؟ مثلاً لفتنا كثيراً أن يتم إدراج اللغة الصينية بالمناهج في السعودية، هل السعودية مثلاً من الدول التي فهمت تغيّر هذا التوازن الدولي؟ ونحن نعلم كيف الآن ترامب يستغل المملكة بالأموال، هل بدأت تغيّر؟ نحن نعلم أيضاً أن السعودية في وقت من الأوقات وقّعت اتّفاقيات تسليح منذ الثمانينيات مع الصين، إذاً هل هناك تغيّر، هل هناك دول عربية بدأت تلتقط هذه الإشارات بتغيّر الموازين؟

 

 

طلال أبو غزالة: أولاً أريد أن أُشيد بقدرتك على الإلمام بالمواضيع لأن ما ذكرتِه هو حقيقة مهمة، إذا كانت المملكة العربية السعودية وهي شريك مهم اقتصادي وتجاري ومالي لأميركا، وجدت أهمية تعليم اللغة الصينية، أنا وجدت هذا القرار من أربعين سنة، نحن من أربعين سنة بدأنا العلاقة مع الصين، نحن كمؤسسة، وأنا أفخر أننا كمجموعة الشريك الوحيد للصين من القطاع الخاص لتعليم اللغة الصينية ولتعليم الثقافة الصينية.

لا شك أن هنالك وعي كامل عند صانعي القرار في الوطن العربي كله، كلهم يعرفون هذا الكلام وأنا لا أخترع شيء، أنا تلميذهم وأتعلم منهم، ولكن هنالك ظروف وقدرات على اتّخاذ القرار تختلف بين دولة وأخرى، يوجد موازين واعتبارات وأنا لا ألوم الدول التي لا تستطيع أن تتصرف بسرعة أو تأخذ مواقف لاعتبارات هي أعلم فيها مني.

ولكن الحقيقة الواقعة والتي لا مفر منها أنّ هنالك دور للصين أصبح واضحاً من خلال مشروع ما يُسمونه الحزام والطريق والذي كان اسمه طريق الحرير سابقاً، وهو المشروع الأول بالنسبة للصين. الصين عندها مشروع واحد، إذا أردنا أن نقول أولويات الصين، الطريق والحزام كما يسمونه، الطريق والحزام، الطريق والحزام. بينما أميركا لها ثلاث أولويات..

 

 

لانا مدوّر: أنا كنت أتمنى أن تكون معنا في الإستديو هنا لكان الحوار حيوي أكثر ولكن هذه هي الظروف. كنتَ تقول أن أولويات الولايات المتّحدة الأميركية ثلاث ما هي؟

 

 

طلال أبو غزالة: وأنا لا أخترع، وزير الدفاع بالوكالة قبل السابق كان اسمه شاناهان، وهذا وزير دفاع، قال أولويات أميركا ثلاث، الصين، الصين، الصين.

ماذا أريد أن أقول؟ أنا إذا قرأت هذه الرسالة من وزير دفاع أفهم أنه ليس لأميركا عدو في الدنيا ولا صديق إلا الصين، هي تريد حب الصين، وبالنهاية أتمنى أن تقبل الصين دون أن ندخل في حرب عالمية ثالثة، أن تجلس مع أميركا وبحب ومودة نخرج بنظام عالمي جديد. بدون هذا النظام العالمي الجديد..

 

 

لانا مدوّر: عفواً، يوجد مسألة استذكرتَها في حديثك، هي مسألة الثقافة، عندما نتحدث عن سيطرة الولايات المتّحدة الأميركية على العالم ليس فقط بالتكنولوجيا والدولار والإقتصاد، طبعاً تقول أنه تغيّر الاقتصاد، يوجد سيطرة ثقافية، اللغة، السينما، المنتجات، الكتب، الأفكار، هنا الى أي مدى الصين قادرة على المنافسة؟ لنأخذ أبسط الأمور مستوى اللغة، هناك لغة منتشرة عالمياً كل العالم يتكلمها، ولغة لا أعرف كم حرف في أبجديتها، أي صعبة أن يتم تعليمها بشكل سهل وانتشارها، هذا عائق أمام الصين أليس كذلك؟

 

 

طلال أبو غزالة: كم عدد المتكلمين باللغة الإنكليزية بالعالم؟ وكم عدد المتكلمين باللغة الصينية؟ لا نريد أن ننسى ..

 

 

لانا مدوّر: هذا هو المعيار؟ العدد؟ الصين لوحدها نصف العالم.

 

 

طلال أبو غزالة: عندما نريد أن نتكلم عن العالم، كل شيء علينا أن نأخذه من كل جوانبه.

لذلك عندما أتكلم عن الصين أنظر لها بحجمها العالمي، وحجمها العالمي أيضاً أنا أصدرت دراسة عن توقعات عام 2030 الصين ستكون طبعاً ضعف الاقتصاد الأميركي عام 2030، بعدها تأتي الهند، أي بعد أميركا، بعدها إندونيسيا، وروسيا، لماذا؟ لأنها سكاناً أكبر، المستقبل هو للدول والتكتلات الأكبر سكانية.

 

       أعود للثقافة وهي موضوع مهم، الآن بدأت الصين تفتح مراكز لتعليم اللغة الصينية في كل الدنيا، ونحن نعرف هذا الموضوع بحكم علاقتنا مع الصين.

 

 

لانا مدوّر: أتتكلم الصينية دكتور أبو غزالة؟

 

 

طلال أبو غزالة: درع من الرئيس الصيني شي جين بينغ نفسه، رئيس المليار ونصف، درع دعم وتطوير العلاقات الصينية العربية. أنا أعرف أنه لو يوجد درع أو أوسمة بأميركا كانوا أعطوني الشيء نفسه لعلاقتي مع أميركا. أنا لا أميل الى هنا أو هنا، أنا أميل لأن تحصل علاقة حب وتفاهم بين الدولتين لأن في ذلك مصلحة العالم كله.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة في موضوع الدولار الذي هو موضوع مهم جداً، لذلك نحن اخترنا أن نتحدث عنه مما قاله الشريك للصين والحليف فلاديمير بوتين الرئيس الروسي. ما رأيك أن نشاهد ماذا قال فلاديمير بوتين في منتدى سان بطرسبورغ في حديثه عن التكتّل لإيجاد بديل للدولار، تكتل عالمي الآن لإيجاد بديل للدولار؟ نشاهد سوياً.

 

 

فلاديمير بوتين: هذا ما يفعله أصدقاؤنا الأميركيون إنهم يقوّضون الثقة بالدولار بصفته أداة الدفع العالمية وعملة الإحتياط الأساسية، لذا بدأ الجميع بالتفكير في خطة بديلة، تريد دول الأعضاء في الإتّحاد الأوروبي أن تتاجر مع إيران، إذ لا تعتقد أن إيران قد خرقت الإتفاق النووي الذي أبرمته مع المجتمع الدولي وهي بالفعل لم تفعل، لكن قرر شركاؤنا الأميركيون إعادة النظر في الإتّفاق، لكن أوروبا غير موافقة على ذلك، لذا تفرض الولايات المتّحدة عقوبات على أي بلد يتاجر مع إيران، ولسبب ما سُمّيَت هذه العقوبات عقوبات ثانوية، ولا تريد الشركات في السوق الأميركية أن تنقص من أرباحها وسيغادر بعض الشركات الولايات المتّحدة في أي حال، لكن بعض الشركات غير محدودة بالسوق الأميركية وستسعد بالإستمرار في التعامل مع إيران. لكننا نحتاج الى طرق دفع مختلفة ونحتاج الى نظام عالمي آخر غير نظام المعاملات العالمي الحالي "سويفت".

 

 

لانا مدوّر: إذاً بوتين يقول نحتاج لنظام عالمي للتجارة والدفع غير نظام سويفت الأميركي، الإتّحاد الأوروبي بدأ يبحث أيضاً معنا في الخروج من العقوبات على إيران، الولايات المتّحدة الأميركية هي التي اختارت أن نخرج. يقول بوتين أيضاً نحن لا نهرب من الدولار، الدولار يهرب منا، وأنت صاحب نظرية ممتازة في الواقع دكتور أبو غزالة لفتتني أريد أن تفصّلها لنا، تقول إنّ الدول التي تفرض عقوبات على الآخرين هي أيضاً تتضرر، هل الولايات المتّحدة الأميركية الآن بفرضها للعقوبات أيضاً تأتي بالضرر على شركاتها وعملتها؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا سعيد بإشارتك لهذا اللقاء في سانت بطرسبورغ لأنني كنتُ حاضراً فيه وألقيت كلمة فيه أيضاً وهو لخّص موقف روسيا في هذا الموضوع، تكلّم أيضاً في نصف الجلسة الرئيس الصيني وما أجمل كلامه ومودته وحبه لأميركا، لم يشكرها إلا كمن يغازل حبيبه. أنا أقول أننا في موضوع العقوبات التي تفرضها أميركا ليس لأميركا هدف من هذه العقوبات لتحقيق دخل للناتج القومي أو الاقتصاد الأميركي، لأنكِ إذا رفعتِ رسوم على منتج صيني يدخل أميركا، سيدفع المواطن فرق الضريبة لأنه سيصبح سعرها أغلى. هنالك دراسة أمامي تقول بأنّ الطرفين متضرران والمستفيد الأكبر هو الاقتصاد الثالث المتربّص، أي الهند، لماذا؟ لأننا يجب أن ندرك أن هدف أميركا من العقوبات ومن اعتقال ابنة رئيس هواوي وغير ذلك، وكل ما تقوم به من استفزازات ومن كلام قاسي، ليس تحقيق نتيجة من هذا الكلام إلا واحدة، أن يستفز الصين لتجلس معه. لا يهدف من هذه الإجراءات لتحقيق مكاسب، ولم تحقق مكاسب، ولن تحقق مكاسب، وكلها أضرار على الطرفين وعلى العالم.

 

 

لانا مدوّر: الدول المتكتّلة في وجه الدولار قادرة على الخروج من نظامه؟ من سطوته؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا أتمنى أن لا يحصل هنالك حرب على العملات، أي العملة الوحيدة التي هي الدولار، لأننا في هذه الحالة، لا أقول ذلك دفاعاً عن أميركا، سينهار النظام الاقتصادي العالمي كله لأنه أصبح مكبّلاً بالدولار وذلك بفضل بريطانيا التي في Bretton woods تنازلت عن عملة الإسترليني وأصبح الدولار هو الملك. الآن إذا حاولنا أن نكسر هذا الحكم للدولار على العالم "سيتبهدل" النظام المصرفي في كل الدنيا وستنهار اقتصادات العالم في كل الدنيا، سوق المال سينهار، سوق الأسهم سينهار، الى آخره.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة العملة الرقمية قد تكون بديل للدولار؟

 

 

طلال أبو غزالة: لا، ليس هنالك عملة بديل للدولار أبداً، ولا أتمنى، وأنا أكرر ليس لحبي لأميركا، أنا أحب أميركا لكن ليس لهذا السبب، أنا أقول ليس هنالك بديل للدولار إلا أن يجلس الطرفان ويتّفقان على نظام مالي جديد يقرر فيه ما هي العملة التي ستحكم العالم، ولذلك أنا هذا اللقاء مهم وإن شاء الله يتم بدون حرب، ولكنني غير مقتنع أنه سيتم بدون حرب.

 

 

لانا مدوّر: اليوان معقول أن يكون بديلاً للدولار؟

 

 

طلال أبو غزالة: ليس هنالك بديل للدولار. هذا كله كلام، حتى ماكرون قال آن الأوان ليكون في العالم عملة أخرى، بريكس أعلنوا ذلك قبل عشر سنوات أنه نريد عملة أخرى، الأوروبيين حاولوا أن يجعلوا من اليورو عملة أخرى، البنك الدولي يقول من أربعين سنة اقترح عملة دولية، ليس هنال بديل وليس هنالك إمكانية لبديل.

 

 

لانا مدوّر: لكنه أليس مرتبط بقوة الولايات المتّحدة الأميركية السياسية دكتور؟ أم يوجد حسابات أخرى؟

 

 

طلال أبو غزالة: أبداً سيدتي، هو أداة للقوة الأميركية وليس بسببها، الدولار في اتّفاقيات Bretton woods نُصّب ملكاً على العالم، هذا العرش لن ينزل عنه إلا إذا حصلت مذابح، أو يتم بالإتّفاق.

 

 

لانا مدوّر: فاصل قصير جداً وبعده..

 

 

طلال أبو غزالة:  براون أيضاً قال يجب أن يكون هناك عملة أخرى، صدام حسين قال أريد بيع النفط بعملة أخرى وانتهى.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة نتوقف مع فاصل قصير جداً، بعد الفاصل أريد أن أسألك أسئلة سريعة في هذا المحور لننتقل لمواضيع أخرى.

إذاً فاصل قصير مشاهدينا ونعود.

 

 

فاصل

 

 

لانا مدوّر: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد في المشهدية خاص في القسم الثاني مع الدكتور طلال أبو غزالة رجل الأعمال الفلسطيني وصاحب السيرة الذاتية الملهمة، أولاً أودّ جداً أن نتكلم عن هذه السيرة لكن للأسف المشاكل العالمية أخذت من وقتنا كثيراً وهي تستحق طبعاً. أن نعرف كيف تفكر بها دكتور أبو غزالة ليفهم الناس واقع الحال.

 

 

طلال أبو غزالة: اسمحي لي بمقاطعتك أيضاً، وهي أهم من أن تتكلمين عني، الأهم أن نعالج شؤون العالم وشؤون الناس.

 

 

لانا مدوّر: لكنني أخالفك لأن سيرتك ملهمة للأجيال الجديدة التي تعاني الآن من هذه الضغوط الاقتصادية والبطالة وكل هذه المشاكل وتلجأ الي الإحباط للأسف، سيرتك فيها إلهام وفيها تغلّب على الصعاب.

أريد أن أسالك بشكل سريع دكتور بعض الأسئلة عن منطقتنا العربية، عندك فكرة لماذا السيد ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي السابق انتقدك وقال دبي ستشهد ثورة إقتصادية عكس توقعاتك بالأزمة؟

 

 

طلال أبو غزالة: ضاحي خلفان صديق عزيز وهو لم ينتقدني، هو أبدى رأيه أو اختلف معي بالرأي وأنا رديت عليه وقلت له أنا أتكلم عن الأزمة العالمية، أما حديثك عن توقعات دبي فأنا أتمنى تحقيقها خصوصاً وأنني أؤمن، وقلتها في كثير من مقابلات ومقالاتي ودراساتي، أنّ الحرب والأزمة فرصة فيها رابح وخاسر، الشاطر الذي يجعل من الأزمة فرصة، نحن نتذكر أن هنالك في التاريخ دائماً أغنياء حرب وأن دولاً ازدهرت في الحرب، فأنا أتمنى أن تكون توقعات ضاحي صحيحة.

 

 

لانا مدوّر: دبي تعاني اليوم من تباطؤ إقتصادي دكتور أبو غزالة، هل النموذج الاقتصادي لدبي يزدهر خلال فترة هذه الحرب برأيك؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا لستُ مطّلعاً على ما تخطط له دبي، أنا قريب جداً من دبي ومؤسساتها وقيادتها، ولكنني غير مطّلع على ما تخططه لمواجه الأزمة.

أنا أريد أن أنتهز سؤالك الهام لأقول أن كل دولة أتمنى عليها أن تقرر ما هي الإجراءات والإقتراحات والسياسات التي يمكن أن تنتهجها لتجعل من الأزمة فرصة، على سبيل المثال نحن كمؤسسة، وهنا أعطيكي نموذج نفسي ليس للتسويق ولكن لأكون نموذجاً للآخرين سواءً مؤسسات أو حكومات. نحن من سنتين بدأنا نخطط، ليس من الآن إنّما من سنتين، بدأنا نخطط التمثيل، فكما بدراسات، أنا بدأت اقلق على الوضع العالمي من عشر سنوات، من سنة 2008 عندما ظن الناس أنها أزمة إقتصادية وهي لم تكن إقتصادية، كانت أزمة سوق مال لم تؤثر على الاقتصاد. ما يقلقني الآن أننا أمام أزمة اقتصادية ستنتهي بما يسمى Stagflation أي Stagnation وInflation سوياً، أي أزمة اقتصادية حقيقية.

 

 

لانا مدوّر: يعني انكماش وتضخم في الوقت نفسه.

 

 

طلال أبو غزالة: تضخم وغلاء أسعار. هذا القادم، هذا لم يكن موجود إطلاقاً، كان هناك ناس ربحت في الأسهم وناس خسرت، لا علاقة بهذا.

المهم، أنا أقول نحن كمؤسسة والأسبوع القادم، أنا سُئلت هذا السؤال من حكومات عربية عديدة، يا فلان أنت تكلّمت عن أزمة ماذا تعطينا من اقتراحات؟ وبدأت أشتغل على هذا الموضوع من ستة شهور، وسنُصدر الأسبوع القادم وسأرسل الى كل الحكومات العربية لأن هذا وطني، هذا حياتي، هذا مستقبلي ومستقبل أحفادي. سأعطيكي مثال واحد سيدتي، وجدت أن هنالك قصور في وطننا العربي وسنواجه أزمة في وطننا العربي في الكمبيوترات واستعمالها وأسعارها، إذا حصلت حرب أو لم تحصل نحن أمام أزمة إقتصادية سيصبح فيها سعر الجهاز سواءً اللابتوب أو المحمول غير متيسّر غير أنه غالي جداً. هذه أجهزة، الموبايلات بالذات الأجهزة الذكية هامش الربح فيها بين 50% و70%، هكذا أصبحت هذه الشركات التي تنتجها آبل وسامسونغ وغيرها قيمتها بالتريليون.

إذاً نحن أنتجنا الآن وأنا أتكلم معك، أنزلنا الى الأسواق منتَج صناعة عربية وتصميم عربي وكل ما فيه عربي من الأردن بأعلى من المواصفات الأعلى في الدنيا وبنصف السعر. أنا حين أنتج هذا المنتج لا يمكن واحد في حالة أزمة اقتصادية أن يشتري منتج غالي لأن آبل يعجبه مثلاً، في حين أنّ هنالك منتج أفضل منه بنصف السعر. بنفس الوقت أنا دخلت في نشاط جديد يُدخل لي إيراد ويجعلني أستفيد من الأزمة، أعطيك مثال كيف يمكن لشركة بسيطة مثلنا أن تستفيد من الأزمة.

أنا أعرف أنني أمام صراع عمالقة ولن يتركوني بسهولة لا آبل ولا مايكروسوفت ولا غيرها، لأنني أدخل، وأنا كررت بهذه التجربة سنة 1972 عندما أنشأت المجموعة وحوربت من الشركات الكبرى الثماني لأن هذه ظاهرة جديدة تأتي من خارج الغرب لتنافس الشركات الكبرى، فتعلمت من تلك التجربة وانتصرت بها. الآن أنا انتصاري هنا سيكون أسهل لأنني مررت بالفترة التي تعلمت فيها الدروس والآن أنا في قدرة أكثر على تحمّل الحرب المقبلة عليّ ولكنني أنا أعدك خلال عشر سنوات، لا أقول سنة، أن هذه المجموعة ستصل الى أعلى مستويات شركات تقنية المعلومات في الدنيا، وهذا فخر للأمة العربية وليس لي أنا.

 

 

لانا مدوّر: هذا هو هدفك دكتور أبو غزالة؟ أن تنافس في مجال التقنيات والإتّصالات، هذا إعلان مبشّر.

 

 

طلال أبو غزالة: نعم سيدتي، حتى الذي يسمعني لا يعتقد أنني أحلم، أنا ترأّست فريق الأمم المتّحدة لتقنية المعلومات والإتّصالات، وفريق الأمم المتحدة للتكنولوجيا لأغراض التنمية في أوائل هذا العقد أي في 2001.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة سنذهب الآن الى المشهد الثاني وهو في إطار ما تتحدث به الآن "القيم والعبَر".

 

       دكتور أبو غزالة تبقى لدينا تقريباً 5 دقائق فقط من هذه الحلقة لكن أريد أن أعرف رأيك بجملة مواضيع بشكل سريع. نحن نتجه الى الإنترنت، الى الثورة في عالم الذكاء الإصطناعي، في كل شيء في عالمنا، أنت من المتحمسين جداً لهذه المرحلة رغم بعض المخاوف لدى الناس، وهنا أريد منك ربّما إما أن تعزز المخاوف أو تبددها، لذلك أريد أن أسألك في البداية وأن تفسّر لنا، ألا ترى أن الذكاء الإصطناعي تطور تطوُّر روبوتي أيضاً في العالم سيؤدي أيضاً للبطالة وخروج الكثير من الناس من سوق العمل؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا بدأت اهتمامي بالذكاء الإصطناعي عام 1982 في ندوة كنت فيها أنا على المنصة مع بيل غيتس وسألته بماذا تسمي هذا القرن؟ ليس العقد إنّما القرن، قال لي الذكاء الإصطناعي، وأنا تلميذ عندما أسمع شيئاً لا أفهمه أدرس، درست هذا الموضوع واستنتاجاتي سريعة، أولاً، الذكاء الإصطناعي سيحكم تطور العالم شئنا أو أبينا، نستطيع أن نبحث إذا كان جنس الملائكة ذكور أو أناث لنبحث، ولكن ليس هنالك عودة أو رجوع، التكنولوجيا لا تسير إلا الى الامام، نحن أمام مستقبل سيحكمه الذكاء الاصطناعي. ثانياً، الذكاء الاصطناعي ككل شيء في الدنيا له حسناته وسيئاته، الوظائف ليست من سيئاته، أي فقدان الوظائف، لأنه ستنتهي وظائف وستُخلَق وظائف تقنية بدلاً عنها، ما يقلقني بالذكاء الاصطناعي أنه سيغيّر ليس فقط بالأدوات والآلات والأشياء والزراعة والطقس، أبدًا، هو سيغيّر الإنسان، الذكاء الاصطناعي سيجعل من البشر درجتين، إنسان متفوّق جينياً وذكاءً وصحةً وكل شيء، وإنسان ليس له قدرة على استخدام ما يُسمى قدرة الذكاء الاصطناعي ليكون إنسان من الدرجة الثانية. نحن أمام فجوة جديدة، تكلمنا عن فجوة الفقر، تكلمنا عن فجوة العلم، تكلمنا عن فجوات كثيرة، الآن نحن أمام فجوة أخطر بكثير، إذا لم يُتَح لكل إنسان الإستفادة من الذكاء الاصطناعي سيموت الإنسان من الدرجة الثانية عمره ستين أو خمسين سنة، والإنسان الآخر عمره مئة وخمسين سنة.

 

 

لانا مدوّر: أي ستتعمّق الهوة بين عالم ما يُعرَف عالم الشمال وعالم الجنوب أيضاً على مستوى الدول؟

 

 

طلال أبو غزالة: عالم البشر، في المستقبل سيدتي أنا خوفي أن نصبح نحن عالم متخلف وليس عالم فقير وليس عالم جاهل إنّما عالم متخلّف كبشر وهذا مؤلم جدًا، أن يصبح الإنسان العربي أقل مستوى من الغربي.

 

 

لانا مدوّر: دكتور لماذا استقلتَ من مجلس الأعيان الأردني؟

 

 

طلال أبو غزالة: أنا استقلت لأنني أحترم القانون، صدرت فتوى تفسير من المجلس الأعلى لتفسير القانون، الهيئة الدستورية العليا، أنا أولاً أشكر جلالة الملك بدون حدود أن كرّمني وعيّنني لدورتين على مجلس الأعيان. صدر هذا التفسير وأنا كنت أود أن أبقى وأن أستمر في خدمتي ودوري ولكن عندما يصدر تفسير قانوني يقول لا يجوز للوزير ولا النائب ولا العين أن يكون له تعاقدات مع الدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أنا أخدم الدولة كمؤسسة، أخدم الدولة في مجالات كثيرة.

 

 

لانا مدوّر: يعني نفهم أن سبب الإستقالة هو فقط رضوخاً للقانون وليس هناك مشاكل. لكن هناك بعض الأقاويل تقول بأنك تتحضّر لمنصب أكبر من ذلك، ربّما لرئاسة الحكومة، وهذه الإشاعات تلاحقك منذ زمن، صحيح؟

 

 

طلال أبو غزالة: كنت أتمنى أن لا تسأليني هذا السؤال، لكن بما أنك سألتِ سأُجيبك بكل صدق ويشهد عليّ المستقبل، أنا لا أصلح أولاً للحكومة، لستُ رجلاً يصلح ليكون رئيس حكومة، تكويني تركيبتي أن أكون إنسان، أنا أعمل معرفة، أنا سُئلت قبل البرنامج ماذا تجد نفسك؟ أنا أعمل معرفة، عملي أن أدرس وأنقل ما أعرفه للبشرية. ثانياً، إذا أنا كنت استقلت لوجود عقبة دستورية في علاقتي مع الدولة سينسحب هذا الموضوع على رئاسة الوزراء، لا أستطيع أن أكون رئيس وزراء لأن لديّ عقود مع الدولة.

 

 

لانا مدوّر: يعدّلون الدستور لأجلك دكتور أبو غزالة.

 

 

طلال أبو غزالة: سامحك الله ولا استجاب منك.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة سأطمع منك الآن بإجابة بكلمة..

 

 

طلال أبو غزالة: هنالك مرشّحين لرئاسة الوزراء بالعشرات وهم كلهم أساتذتي وأفضل مني وأقدر مني وأحسن مني.

 

 

لانا مدوّر: دكتور أبو غزالة في الختام سنرى بعض الصور أريد منك انطباعك عن هذه الصور بشكل سريع، أي بجملة كحد أقصى.

سنشاهد أولاً صورة لبيروت الجامعة الأميركية فيها، قل لي كلمة عنها.

 

 

طلال أبو غزالة: الجامعة الأميركية في بيروت تكوّنت فيها كقومي عربي وترأّست مع أحد الزملاء الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء، الشريف عبدالحميد شرف في الأردن، رئاسة حركة القوميين العرب في الجامعة الأميركية في بيروت وتعلّمت وتربّيت على قادة حركة القوميين العرب، ورغم أن الحركة انتهت إلا أنني قومي عربي سأموت قومي عربي، بالنسبة إليّ كل قطر عربي هو بلدي ووطني وأنا خادمه.

 

 

لانا مدوّر: ونحن نرى الآن صورة ليافا على الشاشة، وأنت طبعاً تتحدّر من يافا، أريد أن أسألك، أنت قلت بأنني عملت كل حياتي لكي أنتصر على من جعلني لاجئاً، بعد 81 عاماً في هذه الدنيا هل انتصرت على الذي جعلك لاجئاً؟

 

 

طلال أبو غزالة: نعم، أنا سيدتي عندما أُلقيت خارج وطني قسراً وكان عمري عشر سنوات، يعني الذي يحسب العمر الآن يعرف أن عمري 81 سنة، عندما طُردتُ من فلسطين سنة 1948 ونظرت الى الكآبة على وجه والدي، ليس أمي بل هي كانت تعطينا التفاؤل والمحبة والثقة، والدي أُحبط لأن كانت له مكانة كبيرة إقتصادياً واجتماعيًا وغيره وأصبح لا شيء، فكان في منتهى اليأس والإحباط، أردت أن أنتقم له وليس لنفسي، كيف أنتقم لهذا الرجل؟ قررت أنني، وأنا أحترم كل وسائل الإنتقام الأخرى بما فيها النضال، بما فيها ال، يعني اصبع أي فدائي أشرف من رأسي ، وأن اقر وأدين بالفضل لكل المتضلعين وكل من يعمل في السياسة لتحقيق هدف إنهاء الاحتلال، أنا لا استخدم كلمة أخرى غير إنهاء الاحتلال في فلسطين، فلسطين ليست دولة ودولتين ولا فيها حدود، فلسطين هي فلسطين من البحر الى النهر وهي تحت الاحتلال.

أودّ أن أقول أنا اخترت أن أتفوق على عدوي لكي أنتقم منه، فكانت رسالة، أنا رسالتي حتى هذه اللحظة وأنا أتكلم معك وأشكرك على هذا الشرف، أنا كانت رسالتي في الحياة أن أكون الأفضل من عدوي، وليس عندي عدو في الدنيا كلها إلا العدو الصهيوني، كيف أصبح أفضل منه؟ أن أتفوق عليه وأُصبح أفضل منه، وأنت أكرمتِني في البداية لا نعرف كيف نناديك ونسميك، لا، أنا الآن وأنا أخاطب الطلبة لأحثّهم أن لا ييأسوا ولا يظنوا أن هذا العدو المحتلّ غير قابل للهزيمة، أقول لهم أنتم تقومون بدراسات كطلبة، ادرسوا وهاتوا لي شخص صهيوني حصل على المكانة وأنجز الإنجازات وحقق النجاحات التي أنا حققتها؟ لم يأتِني أحد حتى الآن. هذه رسالتي، ليس أن أصبح غني أو مهم ولا أن أصبح مشهور، رسالتي أنني أقول للعالم أن هذا اللاجئ الفلسطيني يستحق وطناً أكثر من هذا الصهيوني المحتلّ.

 

 

لانا مدوّر: متى ستعود لوطنك؟ متى العودة الى يافا؟

 

 

طلال أبو غزالة: العودة الى يافا سيحددها ظروف العالم، وأنا أشكرك على هذا السؤال أيضاً، أنا اليوم فرح جداً بأسئلتك، عندما يجلس العملاقان سيكون الحديث على كل شيء في الدنيا. نحن في عالم تهيمن عليه القرارات والسياسات الأميركية، لا يوجد أمل، طالما أميركا هي القوة العظمى الوحيدة لن يكون هنالك لنا فرصة في أن يكون هنالك عدل في قضية فلسطين. وأنا لا أخاف، من دون أن تسأليني، من صفقة القرن لأن صفقة القرن أبدأ أقلق منها عندما يوقّع عليها طفل فلسطيني من الذين يخرجون يوم الجمعة في غزة على الحدود أو طفل فلسطيني على حواجز الضفة الغربية، هذا الذي يوقّع صفقة القرن، لا رئيس منظمة التحرير، ولا رئيس السلطة الفلسطينية ولا الرئيس الأميركي ولا الرئيس الصيني، ولا إنسان في الدنيا يملك أن يوقع صفقة القرن إلا الطفل الفلسطيني المناضل. لذلك أقول أن هذا الاحتلال، وكل احتلال في الدنيا ينتهي، هونغ كونغ 99 سنة محتلّة.

 

 

لانا مدوّر: دكتور لم أسألك عن صفقة القرن لأن موقفك واضح أنت دائم الأمل بأن أرض فلسطين هي فلسطينية ونأمل فعلاً أن تكون هذه الرؤية التي شاركتها معنا اليوم بتغيّر موازين القوى أن ترخي بظلالها..

 

 

طلال أبو غزالة: هي لن تعود سيدتي، لأنكم تقولون لي متى تعود.. فلسطين موجودة وباقية وهي تحت الاحتلال، فلسطين دولة قائمة تحت الاحتلال.

 

 

لانا مدوّر: أنا كان قصدي متى أنت تعود دكتور أبو غزالة وليس متى تعود أرض فلسطين، هذا كان المقصود من السؤال، لذلك نحن نتمنى فعلاً في الواقع أن كل هذا التغيّر في الموازين الدولية يكون بإفادة لتلك القضية، قضية فلسطين وعودة الفلسطينيين الى أرضهم.

 

 

طلال أبو غزالة: لذلك سيدتي أنا لا أريد الكآبة أن هناك حرب قادمة، الحروب تأتي معها خيرات وأحد خيراتها هو الإزدهار في المنطقة لماذا؟ لأننا أكثر منطقة مدمّرة في العالم وأكثر منطقة فيها موارد، فستبدأ عملية إعادة الإعمار والإزدهار من هذه المنطقة، وأنا متفائل أيضاً لأن قضية فلسطين ستعود الى المسار الصحيح عندما يجلس العملاقان ويتّفقان.

 

 

لانا مدوّر: دكتور طلال أبو غزالة شكراً جزيلاً لك على مشاركة أفكارك معنا في المشهدية خاص لهذه الليلة، كنتَ معنا من العاصمة الأردنية عمان، شكراً لك.

 

       مشاهدينا شكراً أيضاً لمتابعتكم لهذه الحلقة، الى اللقاء.