الفنانة سميرة القادري

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. صوت الذاكرة الأندلسيّة وجوهرة الغناء الأوبرالي في أنماطه المتعدّدة. فنّانة شاملة ومثقفة عميقة وباحثة رصينة توغّلت عميقاً في الموروث الأندلسي خصوصاً والمتوسّطي عموماً. صوتها مُشعٌّ مثل ألماسة نفيسة نادرة أو مثل طائِرٍ حرٍّ لا يهوى التحليق إلّا في الفضاءات الرحبة الشاسعة. خياراتها راقيةٌ محترمةٌ كصاحبتها، تحاول دائِماً أن تكون جسراً جميلاً راسخاً بين الثقافات والحضارات وأن تبقى في الوقت نفسه أمينةً لجذورها وينابيعها الأولى. هي التي تشرّبت حبّ الفنّ والثقافة من أُسرتها الشريفة التي تبرع نساؤها في القصائِد الصوفية والمدائِح النبويّة. يُسعدنا في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب أن نكون منبراً مشرقياً ومغربياً جامعاً ومُضاءً بحضور من هم من قماشة ضيفتنا المُبدِعة الفنانة والباحثة المغربية الراقية السيّدة "سميرة القادري" أهلاً وسهلاً، نوّرتِ "بيت القصيد"

سميرة القادري: شكراً على هذه الاستضافة في هذا البيت العامر بالجمال والشعر والكلمة وأشكرك على هذه الكلمة التي اختصرت فيها تجربتي المتواضعة

زاهي وهبي: يزداد البيت جمالاً ونوراً بحضورك سيّدتي. في اختيارك الغناء الأصيل والعمل على تأصيل الغناء في زمن لا يُمكننا أن نصفه بزمن نهوض، زمن للأسف على المستوى العربي العام زمن انحدار، زمن هبوط. في العالم كلّه الثقافة والفِكر إلى تراجُع لمصلحة أشياء أُخرى. في أي هاجس؟ ألم تفكّري بصعوبة مثل هذا الأمر؟

سميرة القادري: أولاً عندما يكون الاختيار دائماً يكون عن حبّ وعن شغف وعن إيمان. عندما نؤمن بأنّ الرسالة ستصل يوماً فهذا يُحفّزنا أكثر أن نختار طريقاً صعباً وشاقاً ولكن فيه متعة الإمتاع وفي نفس الوقت الشقاء الجميل

زاهي وهبي: نعم، الاستمتاع حتّى في التعب والكفاح والسعي لإثبات الذات. كم نشأتكِ الأولى في العائِلة التي أشرت إليها في التقديم، عائلة من شرفاء (الشرقاوية) في مدينة (الصويرة) في (المغرب)، كم النشأة تركت، بمعنى تشبّعتِ بأجواء البيت والعائِلة الأُسرة؟

سميرة القادري: عندما نتكلّم عن الوسط وعن التنشئة فهي مهمة جداً في تكوين الشخصيات والشخصية الفنية أو الشخصيّة الاجتماعية. فأنا محظوظة جداً أنني أنتمي إلى هذه العائِلة وبالخصوص إلى هذه الزاوية المتواجدة في مدينة (أبي الجعد) كزاوية شرقاويّة. فأُصول الغناء دائِماً كانت حاضرة، هذه الطقوس الصوفية

زاهي وهبي: ولكن حضرتكِ من مدينة (الصويرة)!

سميرة القادري: أنا للازدياد ولِدت في مدينة (الصويرة). رغم أنّ الزاوية أو المجموعة من الشرقاويين موجودين في كلّ (المغرب) ولكن المنبع هو مدينة (أبي الجعد)

زاهي وهبي: نعم. الوالد كان يُحب الموسيقى ويهوى التمثيل، كم كان مُساعداً وغير معارِض، لأنه عادةً الكثير من الأهل في مُجتمعاتنا يعارضون امتهان واحتراف أولادهم وبناتهم الفن حتّى لو كانت أصواتهن جميلة وعندهن موهبة

سميرة القادري: الله يرحمه والدي، اليوم أتمّ العشرين سنة

زاهي وهبي: على رحيله

سميرة القادري: على رحيله

زاهي وهبي: في مثل هذا التاريخ الذي نصوِّر فيه هذا اللقاء

سميرة القادري: في مثل هذا التاريخ، في 09-09-1999

زاهي وهبي: الله يرحمه

سميرة القادري: بقدر ما أنا اليوم سعيدة جداً لأقول له أنني أكملت طريقي ولا زلت فيها في طبيعة الحال لأنّه تحمّل معي، كان السنَد في كلّ شيء والاستشارة أولاً من غير انتمائه لهذه الزاوية وكان حداثياً حتّى في تصوّره وفي تربيته بالنسبة للبيت، الوالدة مُحافِظة ولكن هو شكل آخر. لقد شجّعني منذ البدايات على هذا الميل الخاص وعلى الاختيار على الرغم أنّه اختيار ربما مغامرة ولكنّه منذ البداية

زاهي وهبي: كان مؤمناً بحضرتكِ وبموهبتكِ

سميرة القادري: كان مؤمناً جداً

زاهي وهبي: وحضرتكِ تُغنّين منذ كنتِ في سن تسع سنوات تقريباً، أوّل مرّة وقفتِ على المسرح في عُمر التاسعة. كم البداية منذ الطفولة خلقت أو أسّست مداميك راسخة وثابتة؟

سميرة القادري: عندما نتكلّم عن الطفولة دائِما أرجع إلى الوراء. أنا نشأت في بيئة تنقّلنا فيها من ضفة إلى أُخرى، تنقّلنا من فضاء إلى آخر بحُكم عمل والدي. تعرّفت على كلّ (المغرب) الثريّ والغنيّ بثقافته ولغاته ولهجاته

زاهي وهبي: ماذا كان يعمل والدكِ؟

سميرة القادري: كان يشتغل في مصلحة المياه والغابات. فهذا الانتقال ربّما عرّفني أكثر على ثراء الموسيقى المغربيّة، حتّى أنني لا أتكلّم لهجة من اللهجات الأُخرى ولكن ما يُسمّى بالـ "المونيتيقة" لأنّها في مساري ستُساعدني في أن أشتغل عليها وكذلك أن اتعرّف على خصوصية كلّ من ألتقيه وأحترم كلّ خصوصية، وفي كلّ مرحلة أجد نفسي في خزانة أو ما يُسمّى في ذاكرة معيّنة اختزلتُ فيها مجموعة من الـ Melodies ومجموعة من الأهازيج. فبالنسبة لي والدي لعب دوراً كبيراً جداً في هذا

زاهي وهبي: الله يرحمه. هلّ السيّدة "فيروز" كانت قدوَتكِ في الغناء؟ عندما كنتِ في بداياتكِ كنت تغنين لها دائماً ونشأتِ على سماع أغنياتها، صحيح؟

سميرة القادري: صحيح. بالنسبة لـ "فيروز" الفيروزة أو المدرسة الرحبانيّة هي مدرسة وظاهرة ما زالت مُستمرّة وستظلّ مُستمرّة، بالنسبة لي هي الهرَم، أخذنا منها كلّ شيء. كلّمتنا وتُذكِّرنا في طفولتنا، تُذكرنا في نجاحاتنا وفي إخفاقاتنا، في كلّ شيء. بالنسبة لـ "فيروز" كما ذكرت كنت في سنّ التسع سنوات، فعلاً وجدتُ نفسي أُغنّي وأُقلِّد كذلك "فيروز" في كلّ شيء

زاهي وهبي: هل لا زلتِ تتذكّرين الأُغنيات التي كنت تغنّينها عندما كنتِ طفلة لـ "فيروز"؟

سميرة القادري: كثيراً ما حفِظنا يعني، كنّا نُردّدها في البيت ونردّدها في المدرسة

زاهي وهبي: لو سمحتِ الميكرو إذا تريدين لنستعيد معكِ تلك البدايات الفيروزية إذا جاز التعبير، تفضلي

سميرة القادري: (تُغنّي)

زاهي وهبي: ألف شكر على هذا الأداء الرائِع وعلى هذا الصوت الساحر، وبعد أن سمعناكِ واستمتعنا بالإصغاء إليكِ نذهب برفقتكِ ورفقة زميلتنا "سحَر حامد" إلى "قطع وصل"

قطع وصل - سميرة القادري:

- "سميرة القادري" المرحلة الأولى والمرحلة الثانية والمرحلة الثالثة. المرحلة الأولى في المعهد العالي للفنّ المسرحي والتنشيط الثقافي، ما بعد التخرُّج كذلك لأن فيه جديد، أعني كانت مرحلة إذا قلنا احترافية. درست كذلك وتخصّصت في غنائيات البحر الأبيض المتوسِّط ودرست الـ Bel Canto المتعارف عليه في الأوبرا وهي الحال الأخيرة التي أنا موجودة فيها حالياً                     

- أنا أُغنّي في لغات حيّة ولغات أُخرى منسيّة، الإباليّة الفرنسية الألمانية وما غير ذلك ثم اللغات القُرسطاويّة التي الآن غير معروفة، الغايغو بورتوغاز، اللابينو، الكاستيانو، الألخاميادو إسبانيول بالإضافة إلى الأمازيغية المغربيّة

- بصفتها اللغة، لغة الحب، هي اللغة العميقة والجميلة التي تُخاطب الإنسان في إنسانيّته، لا يوجد أجمل منها. تخاطب كلّ الناس عبر العالم مهما كانت جنسية الشخص ومهما كان دينه أو انتماؤه، لا توجد إنسانية في غياب الحبّ

- أنا في بحث مُستمرّ، تمرين من ضفّة إلى أُخرى، من لغةٍ إلى أُخرى أبحث عن الذات، أبحثُ كذلك عن ترميم شيء ضاع منّا وهو الذاكرة المُشتركة، الذاكرة الجماعيّة. لعل الإنسان فيه القليل من تجميع كلّ هذه الأجزاء والأشياء التي ضاعت منّا

- أظنّ أنني سأكون منتصرة لفعل الموسيقى. الموسيقى هي أكبر سلاح وأجمل سلاح فلننتصر جميعاً على هذه البشاعة وعلى هذا القبح بالجمال، جمال الموسيقى

زاهي وهبي: يزداد الجمال ويتضاعف بوجود الناس أمثالكِ على هذا الكوكب. اهتمامكِ في الذاكرة المنسيّة، في الغناء القديم، في الغناء الأصيل، في حتّى اللغات واللهجات المنسيّة التي تُغنّين فيها، بمعنى بحثاً مهتمّة؟ غناءٍ مهتمّة؟ لماذا؟  

سميرة القادري: هذا المشروع مراميه فنيّة ثقافية جماليّة، أُريد أن أُعطي للصوت وللإبداع مساحة معيّنة كيلا نحصره فقط في الترفيه أو في غناء الأشياء الخفيفة، أن يُصبِح أداةً للنبش في الذاكرة وأُصِرّ على الذاكرة لأنّ هناك أشياء منسيّة ممكن أن نستفيد منها ولو أنّها أتتنا في الماضي لكن أنا أؤمن أنها فكرة حيّة ما زالت تعيش بيننا وحتّى لا تضيع لا بدّ أن أجتهِد وأبحث فيها مثلاً اللغات المنسيّة. ليس الهدف أنّ "سميرة القادري" تُغنّي بلغات متعدّدة لكن الهدف هو حينما أُغنّي سواء الغايغو بورتوغاز أو في اللابينو أو في اللغات القرسطاويّة التي ما عدنا الآن نتكلّم بها لكن حين نسمعها الحسّ دائِماً هو حسّ أندلسي محض وهو الأصل في طبيعة الحال لأنّ المنبع هو منبع واحد والأصل هو (الأندلس)

زاهي وهبي: سأعود إلى هذه المسائِل ولكن أولاً في بدايتك التحقتِ حضرتك في معهد المسرح العالي، معهد المسرح والأدب صحيح؟

سميرة القادري: نعم

زاهي وهبي: وليس في معهد موسيقى، لماذا؟

سميرة القادري: أنا تسلّلت في الحقيقة، كانت بدايتي ربما سأكون مديرة بنك لأنني حصلت على باكالوريا اقتصاد، لكن تسلّلت لاختيار المعهد العالي للفنّ المسرحي والتنشيط الثقافي، إنها ميولي واختياري، ولكن الحظّ هو أنّ بين المواد التي تُدرّس في المعهد العالي والفن المسرحي هي الموسيقى والرقص. بمعنى أنا وجدتُ ضالّتي في المعهد وخاصةً حين كنت أتتلمذ عند أوّل "سوبرانو" في (المغرِب) وهي الراحلة

زاهي وهبي: السيّدة "صفيّة التيجاني"

سميرة القادري: "صفيّة التيجاني"، ألف رحمة على روحها لأنّها أعطت الكثير وآمنت بالمواهب وأنا واحدة من هؤلاء، ولأنها تكلّفت واحتضنتني باحتضان وكرم وحبّ بالرغم من أنني كنت متردّدة في البداية، هلّ فعلاً سأسلك هذا الطريق أم سأسلك طريقاً آخر؟

زاهي وهبي: بدأتِ الغناء الكنسي والأنماط المتعدّدة منها ما ذكرناه ومنها ما سوف نذكره. أعني عندما نقول الغناء الأندلسي (الأندلس) مرتبطة في ذهننا بالمُسلمين، ولكن يبدو أنّ أيضاً الغناء الكنَسي فيه أنماط أندلسية، صحيح؟

سميرة القادري: أنا ما اشتغلت عليه هو تلك المُقاربة ما بين الغناء الأندلسي وما بين الضفّتين. موسيقى مغربيّة مغاربية وحتّى مثلاً موشّحات وزجل لكن لا أحد يعرِف أنّ هناك تأثيرات كما أنّهم كذلك أثّروا فينا

زاهي وهبي: طبعاً

سميرة القادري:  في أنّ الغناء مثلاً حين نحكي عن الموسيقى الأندلسيّة، هلّ هي شرقية أم أنّها غربيّة أم عربيّة؟ هي خليط ومستقلّة بذاتها لأنّها مبنيّة على قواعِد الموسيقى الغريغوريّة وهي هذه الموسيقى الكنائِسيّة منذ بدايتها. من بعد هذا الشتات أو هذه الذاكرة حين نتكلّم عن "التروبادور"، حين نتكلّم عن "الكانتيغا" الإسبانية وهي من بين الأشياء التي اشتغلت عليها وفي حماس لأنّها في كلّ مرة تُعطيني شهية أكثر لأن أبحث أكثر، بحثتُ مثلاً وطرحتُ سؤالاً: إلى أيّ حدّ هناك أوجُه تشابه وتقارُب ما بين "الكانتيغا" الإسبانية والموسيقى الأندلسيّة المغربية؟ بماذا تمتاز الموسيقى المغربيّة الأندلسية؟ لأنها خالية من رُبع الصوت وربّما نحن الوريثين الشرعيين لهذا الإرث لأننا لم نتأثّر بدخول العُثمانيين مثلاً إلى المغرب الكبير، فالموسيقى الأندلسيّة ليس بها رُبع صوت مثلاً كما هو

زاهي وهبي: بقيت كما هي، بِكر دعينا نقول

سميرة القادري: في الحقيقة لا نملِك الحقيقة المُطلقة ولكن أنا أؤمن أنّه حتّى ما يصلنا شفهياً على الأقل ولو أكاديمياً أعني ليس مكتوباً لكن يُحافِظ على الروح لأنّ التنقُّل من الأجيال وعبر العصور

زاهي وهبي: من جيل إلى آخر

سميرة القادري: من جيل إلى آخر

زاهي وهبي: حتّى "الفلامينكو" يُقال أنّ له جذور عربيّة أو متأثِّر بالغناء العربي

سميرة القادري: تضارُب أفكار، هناك من ينتصرون للفِكرة وهناك من يُعارِضون وأنا أقول أنّ له أصول لأن حتّى "الفلامينكو" عندما نقول أنّه جاء من (أوروبا) الشرقية لكنّه استقرّ في (برشلونة) والآن حين نتساءل أين هي الموسيقى التراثية لـ (برشلونة) نجد أنّ "الفلامينكو" ليس موجوداً في (برشلونة). على اعتقادي أنهم حين وصلوا إلى (الأندلس) بمعنى (غرناطة) و(قُرطبة) و(سيلية)، حتى الحقيقة أنّه لم يُهجَّر الكلّ. هناك فئة بقيت، فـ "اللوس مونتانياس" أي " لا سييراس"، كلّ الجبال الموجودة في (غرناطة) كانت تمازُج ما بين المُسلمين أو "الموريسكيين" المطرودين وما بين الغجر

زاهي وهبي: صحيح

سميرة القادري: حتّى مثلاً في بعض المخطوطات وجدت أنّ رقصة "الفلامينكو" متأثرة جداً بالرقص الأندلسي اللاتيني الأصل

زاهي وهبي: حتّى الموّال الذي يقولونه في البداية أو الآهات تحسّينها عربيّة في مكانٍ ما. أنا كمشرقي عندما سمعت الغناء سواء عبر التسجيل أو في (برشلونة) شعرت بشيء يشبهنا في مكان من الأماكن

سميرة القادري: طبعاً هناك كلمات مثلاً "أولّلي" أي الله، هناك كلمات مثلاً لغة "الكالي" لأنّ لغة "الكالي" ليست لغة إسبانية قشتاليّة، فيها أسرار ومفاتيح، وهذا موضوع

زاهي وهبي: حسناً، هل نسمع شيئاً من الأنماط التي تُغنّيها حضرتك؟ أنت اختاري ما تريدينه

سميرة القادري: مثلاً حين نتحدّث عن هذه التأثيرات من هذه الموسيقى المختلفة، أنا سأعطيك أُغنية وستقول لي إذا أحسست أنّ فيها أشياء عربيّة أم لا

زاهي وهبي: تفضّلي

سميرة القادري: سأُغنّيها بالعربي وبالإسباني

زاهي وهبي: أوكي

سميرة القادري: (تغنّي) هذه قطعة

زاهي وهبي: كأنها نفس

سميرة القادري:"الحكاز" يعني في مقام "الحجاز"، نفسها. اشتغلت من غير الغناء مثلاً "الكانتيغا" الإسبانية القريبة جداً لأنها زجل، أزجال ومُوشّحات

زاهي وهبي: مثلاً؟

سميرة القادري: (تغنّي) إلى آخره

زاهي وهبي: حضرتكِ تعتبرين أنّ الموسيقى الأندلسية أثَّرت جداً في الموسيقى الأوروبية وفي الموسيقى الغربيّة عموماً

سميرة القادري: أقول إنّ الموسيقى الأندلسيّة هي اللغة الأُمّ التي تفرّعت عنها مجموعة من الموسيقى. مثلاً في مشروعي المتواضع اشتغلت على هذه المُقاربة كموسيقى أندلسيّة وما هي علاقتها بالـ "كانتيغا" الإسبانية. طبعاً هناك مُنمنمات وهناك مخطوطات وهناك أثار تبتّ في هذه الحقيقة أنّ "ألفونسو" الحكيم الذي عاش ما بين القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر أمرَ جنباً إلى جنب مسلمين ويهود ومسيحيين بان يشتغلوا وجمّع لهم قصائِد تتكلّم عن العذراء "ماريا" احتراماً طبعاً للأجواء والطقوس بسبب سيطرة الكنيسة آنذاك وطلب منهم أن يؤلِّفوا هذا الشِعر الذي هو موشّح وزجل على منوال الموسيقى الأندلسيّة، فهذا طرَح لي عدّة طروحات وحفّزني أكثر لأبحث، هلّ فعلاً هناك تشابُه وتتطابُق وإلى أي حد هناك هذا التشابه؟ فوجدت مجموعة قِطَع موجودة في الآلة الأندلسيّة لها علاقة متينة، فيها روح أعني خاصةً مع فريق عملي مع الموسيقيين وتحيّة لهم من هذا المنبر لأنّهم تقاسموا معي هذه التجربة، بآلات أرجعناها لـ "الكانتيغا"، بآلات عربية. مثلاً "الكانتيغا" الآن موجودة ولكن مصيرها كان مصير المُهجّر الموريسكي، حتّى أنّها صارت تُعزَف وتُغنّى من أصوات أُخرى لكن في شكلٍ غربي محض مئة في المئة. أنا لا، أستمع إليها وأُحاول أن أُمارِس فيها نوعاً من التجريب وأُدخِل عليها الآلات طبعاً استناداً للمخطوطات. فيها الريبيك التي هي الربابة، فيها العود وفيها القانون والصنتور كآلة قديمة، كلّ هذه الأشياء، ولا أقول أنّ ما اشتغلت عليه هو حقيقة مُطلقة ولكن على الأقلّ أُقرِّبك وأُعطي نفسي هذا الحقّ أولاً كأندلسيّة، كمغربية، كمغاربيّة، كعربية، كأمازيغية لا بدّ أن أشتغل وأُضمِّن كلّ هذه الأشياء إلى التجربة

زاهي وهبي: على كلّ حال المزيج الثقافي والتنوُّع الثقافي هو الذي يخلق إبداعاً أكثر توهّجاً وأكثر جمالاً. سنُتابع مع حضرتكِ سيّدتي "سميرة القادري" لكن إسمحي لنا أن نتوقف لحظات ثمّ نعاوِد "بيت القصيد"

المحور الثاني

زاهي وهبي: الصوت الرائع لـ "سميرة القادري" على مشاهِد من (المغرب) الجميل، هذا عمل لوزارة السياحة في (المغرب) صحيح؟                    

سميرة القادري: هذا عمل أحببت أن أُكرِّم بلدي فيه وأن أحتفي بجمال (المغرب) من خلال صوتي أولاً لأحبّب الناس وأقرِّبهم من الأوبرا، وثانياً لنؤثّث في شكلٍ إيجابي (المغرب) الذي لا يعرِفه الآخر. أظنّ أن هذا دورنا نحن كفنانين ومبدعين، أن يكون لنا دور ريادي تنويري، دور جمالي

زاهي وهبي: وهذا ما نُحاوله في "بيت القصيد" وفي "الميادين" عموماً، أن نطلّ من خلال مُبدعي المغرب والدول المغاربيّة على كلّ الجمال الذي تتمتّعون به. على سيرة الأوبرا، حضرتك أيضاً توجد محطة مهمة في حياتك وهي الاشتغال مع الموسيقار أو المؤلِّف الموسيقي الكبير الراحل "مُصطفى عائِشة الرحماني"، صحيح؟

سميرة القادري: صحيح

زاهي وهبي: اشتغلتما على أوبرا عربيّة، يعني على أُغنيات وعلى تطويع الحرف العربي، هلّ يُمكن غناء اللغة العربيّة والشِعر العربي أو القصائِد العربيّة في طريقة أوبراليّة؟

سميرة القادري: ألف رحمة كذلك على المؤلِّف الموسيقي الذي يُسمّيه "مُصطفى عائِشة " "شوبرت" العالم العربي لأنّه اشتغل

زاهي وهبي: نعم، من كبار المؤلّفين الموسيقيين في (المغرب)

سميرة القادري: من كبار المؤلّفين واشتغل على الـ Lead المعروف في (ألمانيا) عن طريق "شوبرت" لكنّ هو استمدّ هذه الطاقة من "شوبرت" وأسماه "القصيد الليريكي" أعطاه إسم "القصيد الليريكي". اشتغل على مجموعة شعراء، وهذه التجربة كانت في بداياتي في طبيعة الحال وآمنّا بأن الشعر العربي هو شعر عميق وسلِس وجميل وطرحنا سؤالاً: إلى أيّ حدّ يُمكن أن نُطوِّعه في قالب من القوالب؟ طبعاً كان يستعصي علينا أن نُطوِّعه في عمل ضخم مثل الأوبرا لأنّ الأوبرا ليس غناءً فقط بل هو إنتاج كبير يزدهر

زاهي وهبي: حوار رقص ملابس وثقة كبيرة، نعم

سميرة القادري: لكن اختصرناه في عملٍ صغير وعميق وهو الـ Lead، فاشتغلنا على مجموعة شعراء

زاهي وهبي: "جبران خليل جبران" "سعيد عقل" "نزار قبّاني" 

سميرة القادري: حتّى الشعر المُترجم، مثلاً غنّينا من "طاغور الهندي" ومن خيرة من الشعراء. هو مشروع في الحقيقة بدأ في الستينات، المُشكلة أنّه بقيَ حبيس أدراج الخزانة لأنه كان من الضروري أن يقرأ صوت المدوّنة الموسيقية المعروفة باسم الـ Partition وضروي أن يكون قد درس سوبرانو أو ميزو سوبرانو إلى غير ذلك

زاهي وهبي: السؤال الذي يُطرَح دائِماً من الكلّ عندما نقول لهم أوبرا عربيّة أو غناء أوبرالياً عربياً، هلّ تصلُح اللغة العربيّة؟ هلّ يُمكن غناء اللغة العربية بمخارِج حروفها وبعض الأحرُف غير الموجودة في لغات أُخرى أو ما يُعادلها على الأقلّ غير موجود، هلّ يُمكن غناؤها؟

سميرة القادري: لا بدّ من الاشتغال. الاشتغال هو أن نؤمِن أولاً أنّ اللغة العربيّة لها "مونيتيكا" خاصّة بها، أعني نُطق خاص، حرف الهاء وحرف القاف غير الموجودين في لغات أُخرى. الشيء الثاني، ليس من الضروري أن نتشبّث في أن نُحاكي أو نُقلِّد الغرب. مثلاً، توجد تجارب في العالم العربي كانت جميلة جداً

زاهي وهبي: مثل مَن؟ مَن يلفت نظركِ أكثر؟

سميرة القادري: مثلاً بالنسبة لي تجربة، وتحية له أنا أحبه كثيراً المؤلف الموسيقي "عبد الله المصري" عندما اشتغل على قطعة مع الجميلة "أميمة الخليل" "على مطر". عندما تسمع "مطر"

زاهي وهبي: "مطر" لـ "شاكر السيّاب" طبعاً

سميرة القادري: "السيّاب"، يعني يتعامل مع "السيّاب" وهو مؤلِّف موسيقي وليس ملحناً ولكن أعطى للفنّانة "أُميمة" مساحة جميلة جداً ولو أنها ليست متخصّصة في ذلك الغناء

زاهي وهبي: الغناء الأوبرالي

سميرة القادري: ولكنها كانت ذكيّة جداً. أنا أعتبر صوتها كآلة، متكامل. أتصوّر مثلاً إذا مؤلفين آخرين أخذوا هذا المنهج، في أن يشتغلوا على قصائِد عربيّة ويُحافظوا على خصوصيّة اللغة العربيّة وعلى الحسّ كذلك لأنّ ما الفائِدة إذا كنت أُغني شِعراً باللغة العربيّة لكن حسّه ليس عربياً؟ ما الفائِدة من ذلك؟

زاهي وهبي: مطّلِعة حضرتكِ على تجارب مغنّيات الأوبرا باللغة العربيّة؟ أعني "هبة قوّاص"، "ريما الطويل"

سميرة القادري: "هبة قوّاص" أجل. تجربة "هبة قوّاص" مُحترمة جداً أولاً لأنها مؤلِّفة موسيقية تعتمِد على نفسها في الدرجة الأولى وقادرة على أن تكتب المُدوّنة وتكتب إبداعاً لصوتِها، أعني تعرِف ما يحتاجه صوتها. تصوّر لو كان، لأنني أعرِف أنّ في الدول العربيّة أصوات جميلة جداً وعندنا كمّ هائِل من مُغنّيات الأوبرا. ولكن نحن نعيش الضياع لأنّ في غياب تأليف موسيقى للشِعر العربي أطرح دائِماً سؤالاً، هلّ الموروث، موروثنا العربي أو إرثنا العربي في الأدب غير قابل أو غير صالِح أو لا يستحقّ أن يوظّف في أعمال ضخمة؟

زاهي وهبي: بل هو الذي يستحقّ، شعر عظيم يُمكن أن يُقدَّم، أعني أن نبتكر صيَغاً وأنماطاً موسيقية تلحيناً وغناءً، أسمعينا إذا سمحتِ

سميرة القادري: قطعة لـ "نزار قبّاني" بعنوان اندفاع. هي لصوت سوبرانو وبيانو

زاهي وهبي: تفضّلي

سميرة القادري: كنت أتمنّى لو كان البيانو يرافقنا لكانت فُهِمت الخلفية في أنّ هذا ليس لحناً أكثر مما هو تأليف (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف ألف شكر. أيضاً مرة أُخرى نذهب مع "سحر حامد" إلى جزء ثانٍ من "قطع وصل"

قطع وصل - سميرة القادري:

- عالمنا اليوم يحتاج إلى أهمّ شيء، إلى الجوهر. يحتاج أن يكون متصالِحاً مع ذاته وأن يرجع إلى إنسانيّته، هذا أهم شيء. والذي يُخيفني أكثر هو ارتباطه بالماديّات في غياب الجوهر وفي غياب أهم شيء. كان لا بد وأن يرجع للروحانيات، هذا أهم شيء وأهم انتصار للإنسانية

- الخوف والقلق، أظن أنّ هذا هو الدافع الأساس لأي فنان وأيّ مُبدِع لكي يُبلِّغ رسالته ويبقى في بحثٍ مستمرّ، هذا يخلق له هاجساّ للوصول إلى الحقيقة، لا أقول حقيقة مُطلقة ولكن على الأقل الاقتراب منها

- فنّ الأوبرا هو فنّ متكامل يجمع ما بين تقنيات الصوت وما بين تقنيات الجسد، يُساعدني كثيراً في حضوري فوق الخشبة وفي انسجامي مع الأدوار. كلّ هذه الأشياء هي مزج ما بين التقنيّتين، الجسد والصوت

- أنا لا أبحث لا عن شعبيّة ولا عن شعبويّة أكثر مما أبحث عن جمهور متذوِّق يحترِم الكلمة ويحترِم الشِعر ويحترم الإبداع كإبداع متكامل متجانِس يشبه أرضه ويشبه هويّته وحضارته

- الموسيقى ليست فقط جسراً ما بين (المغرِب) وما بين الدول العربيّة أو الدول المشرقيّة، هي جسرٌ ما بين كلّ دول العالم. نتكلّم نفس اللغة وتعطينا دائِماً انطباعاً واحداً نحسّ به جميعاً لأننا قبل كلّ شيء نحن بشَر

- أُحاول دائِماً أن أنجح في أن أُحقّق ذلك التناغُم ما بين الشرق وما بين الغرب للمزج بين التقاليد لأنّ في آخر المطاف تبقى التقاليد تجمع الإنسان بالإنسان. أنا في نفس الوقت صوتٌ متوسّطي ما بين الشرق والغرب

زاهي وهبي: تجدين متذوّقين لهذا الفنّ اليوم؟ إذا كنتِ لا تبحثين عن الشعبيّة والشعبويّة والشهرة بمعناها التسويقي، لكن الأوبرا باللغة العربية، الأغنيات من "الموريسكي" إلى القرون الوسطى، هناك من يهتمّ بالاستماع؟                 

سميرة القادري: في كلّ مرّة وفي كلّ تجربة وفي كلّ حفلة يزيد إيماني أنّ لنا جمهوراً جميلاً جداً عندما نحترمه

زاهي وهبي: نعم. في الشعر، ذكرتِ الشِعر وغنّيتِ لكبار الشُعراء كيف هي علاقة حضرتكِ الشخصيّة بالِشِعر ومن أحبّ الشُعراء إليكِ؟

سميرة القادري: طبعاً أنا متصالِحة جداً مع الشِعر، الشِعر هو جزء من الحياة. أنا أُسمّيه ذلك المناخ، ذلك الطقس الذي يتقلّب كلّ مرّة ويعطيك مزاجاً من خلاله يذكِّرنا بطفولتنا، يُذكِّرنا بهمومنا، يخفّف علينا، يُذكِّرنا بأشياء حتّى لا ننسى في يوم من الأيام أننا نحن موجودون فوق هذه الأرض ليس في شكلٍ مجّاني ولكن لكي نكون منتِجين. الشِعر له دور كبير فأنا اشتغلت منذ البدايات على توليفات ما بين الشِعر ما بين الموسيقى، ما بين الشِعر وما بين الرقص كذلك. في الأخير يكون كلّ مساري نحو الاشتغال على الشِعر في عشر سنوات. كتجربة في البداية الأغلبية كانوا لا يشجّعونني على هذا، مَن سيسمعكِ؟ لمّن تتوجّهين؟ ولكن يكفيني، ليس بالضروري أن يكون مثقفاً بل أن يكون متذوقاً وحتّى من الناس البُسطاء

زاهي وهبي: على كلّ حال الفنّ يكفي أن نحسّه أحياناً وليس بالضرورة أن نفهم كلّ شيء. الموسيقى مثلاً، نحن لا نفهم، كمستمِع أنا متذوِّق لا أفهم تقنيّات الموسيقى ولكن أستمتع بالموسيقى

سميرة القادري: طبعاً

زاهي وهبي: في الشِعر يمكن أن يكون الأمر كذلك وإن كان بنِسَب مختلفة ومتفاوتة. ممكن أن تسردي روايتكِ وما توصّلتِ إليه، خلاصة التجربة اليوم ممكن أن تكتبيها في كتاب؟

سميرة القادري: أنا أشتغِل على كتاب

زاهي وهبي: قرأت أفكاركِ إذاً

سميرة القادري: أفكاري

زاهي وهبي: أقول أنا قرأت أفكاركِ

سميرة القادري: طبعاً لأنّ ما بين الشِعر، وأنت شاعر وقريب كما نقول من المسرح وهو أبو الفنون، هناك أشياء كثيرة فيها تقاسُم وتقاطُع. أُفكِّر في يوم من الأيام، هذه بعض الأحلام وبعض الأفكار التي تُراودني، تُراودني في البداية وتستهويني ولكنها تستفزّني. إلى أيّ حد يُمكن أن أشتغل مثلاً على كتاب؟ إلى أي حد يُمكن أن أشتغل على فيلم وثائقي أجمع فيه كلّ هذه الأشياء؟

زاهي وهبي: يا ليت والله. تستحق هذه التجربة والاشتغال على لُغات منسيّة وقديمة، على أنماط غنائية متعدّدة. فكّرت أن تُقدّمي شيئاً؟ أعني ليس بحثاً عن شعبيّة ولكن أن تُغنّي أُغنيات قريبة إلى حدٍّ ما، تُقرِّب مثلما قلنا، تجذُب المُستمِع إلى هذا العالم، عالمكِ الغنائي ويكون الكلام واضحاً ونُطق الكلمات أكثر وضوحاً، قصائِد ربما لشُعراء معاصرين، فكّرتِ بهذا الأمر؟

سميرة القادري: إذا لاحظت، أنا لا أضع نفسي أو أحبس نفسي في تجربة واحدة، قد تجدني في الجاز وقد تجدني في أغان أندلسيّة تقليدية وفي كلّ هذه الأشياء لأنني أحترِم الجمهور وأول سؤال في أول دعوة تتوجه لي، من هو هذا الجمهور؟ ماذا يريد أن يسمع منّي؟ طبعاً من دون أن أنزِل مثلاً أو أفقِد جمهور الأوبرا أو جمهور غير متواجد في العالم العربي إلّا النُخبة ولو أنّ التجربة الأخيرة كانت في (الشارقة)، جمهور آخر. مثلاً الأغاني القُرسطاوية تصل إلى الناس، عندنا جمهور لكن في الأعمال التي اشتغلت عليها كتبت في اللهجة الدارِجة

زاهي وهبي: أعطني نموذجاً من الأُغنيات التي تعتبرينها ممكن أن تكون قريبة من أيّ مُستمِع، من أيّ متلقّ

سميرة القادري: مثلاً (تغنّي) إلى آخره مثلاً، وهناك موسيقى إيقاعية

زاهي وهبي: "القرُسطاويّة" مثلاً، أُغنيات القرون الوسطى يعني، مثل ماذا؟ كيف كانوا يُغنّون؟

سميرة القادري: كيف كانوا يغنّون، أغاني

زاهي وهبي: تعرفين أنتِ انطباعنا عن القرون الوُسطى خصوصاً في (أوروبا)، تعلمين كانت عصور الظلام القرون الوسطى

سميرة القادري: كانت عصور الظلام لكن أنا لا أراها عصور الظلام، فنياً كانت عصور أنوار. لأنه أولاً لم تكن هناك قطيعة ما بين ما هو غربي ما هو شرقي، كان تمازجاً ما بين

زاهي وهبي: كان يوجد تواصُل

سميرة القادري: ما بين الغناء "التروبادوري" ما بين الغناء "الاسكانتيكا"

زاهي وهبي: كلّه من خلال (الأندلس)

سميرة القادري: كلهم من خلال (الأندلس)

زاهي وهبي: لو سمحتِ قبل أن يُداهمنا الوقت، لأن الوقت بدأ يُداهمنا، شيء من القرون الوسطى أو من اللغات المنسية مثلاً

سميرة القادري: (تغنّي) مثلاً

زاهي وهبي: أغنيات القرون الوسطى تبدو أجمل بكثير من أُغنيات اليوم خصوصاً التجارية المفروضة علينا فرضاً ليلاً ونهاراً

سميرة القادري: أُغنية "أبي نمار" مثلاً التي هي أُغنية "ابن عمّار" (تغنّي)

زاهي وهبي: جميل جداً. قبل أن يُداهمنا الوقت، أولاً أُريد أن أقول إنّنا من اللازم أن نعرِض جزءاً ثانياً من هذا الحوار، يعني بعد أشهُر، بعد سنة، المهم أنه عندما يكون عندكِ شيء جديد نستكمِل لأنّ هناك قضايا كثيرة لم أتحدّث عنها وأرغب أن أتحدّث عنها. نلتِ عدّة جوائِز وهي جوائِز قيّمة من الأكاديمية الفرنسية مثلاً مهمة جداً ومن "اليونيسكو"، في (أستراليا) نلتِ جائِزة مهمة أيضاً. كم تُحفِّزكِ هذه الجوائِز بمعنى "أن هناك أحداً ما ينتبه إلى عملي وإلى شُغلي ويقول لي: يعطيكِ الصحة ويعطيكِ العافية"، العافية المشرقية وليست المغربية

سميرة القادري: شكراً، الصحة والعافية كما نقول في مدينة (تتوان). طبعاً أنا لا أشتغل من أجل الحصول لا على تكريمات ولا على جوائِز، أنا في البداية آمنت في المشروع ولم أكن متأكِّدة هلّ فعلاً سيصل؟ ربما كان سيصل بعد سنوات لكن عندما يُلتفَت إليك في بلدك أو في خارِج بلدك في تجربة معينة فالجائِزة تُحفِّزك أكثر أن تنبُش أكثر وأن تكون لك جرأة أكثر على الاشتغال وقول أشياء أكثر جرأة من البداية

زاهي وهبي: نعم. أنا قلت العافية المشرقية وليست المغربية لأنّ في بعض مُدن ودول (المغرِب) العافية معناها النار، فأنا أكيد أعني بالعافية الصحة والقوّة والحماس. قبل أن أطلب منكِ أن تختمي غناءً، كلمة صغيرة. مستقرّة في (تتوان) حضرتكِ، في مدينة (تتوان)، ماذا أعطتكِ؟ بماذا أغوتكِ (تتوان) حتّى استقرّيتِ فيها؟

سميرة القادري: "تتوان يا تتوان"، "تتوان" الأندلسيّة تُحيلك في كلّ شيء، في أزِقتها في شوارِعها في هندستها في لهجتها في طقوسها في عاداتها، (تتوان) هي مدينة، هي أُخت (غرناطة)، هي أندلسيّة أصيلة وهي احتضنتني في الحقيقة. أعطتني الكثير لأنني أصبحتُ جزءاً من هذه المدينة. أولاً كلّ الأصدقاء والمُبدعين متواجدين في هذه المنطقة، مدرسة الفنون الجميلة، معهد الموسيقى، التقاليد النسائية

زاهي وهبي: حضرتكِ حالياً مُديرة

سميرة القادري: المركز الثقافي في (تتوان) ومُديرة المهرجان الدولي للعود، أعني هي مدينة ثقافية، عاصمة الثقافة وكذلك صُنِّفت مؤخراً مدينة مُبدِعة

زاهي وهبي: نُحيي "تتوان" وأهلها ومُبدعيها و(المغرب) كلّه ودول المغرِب العربي الكبير. أشكركِ على تشريفكِ "بيت القصيد"، نوّرتِنا، لنا لقاء آخر، لنا جزء آخر من هذا الحوار في الأشهُر المُقبلة بإذن الله وأترُك لكِ مسك الختام غناءً بصوتكِ الرائِع

سميرة القادري: إن شاء الله. (تغنّي- يا موطن الحمراء)

 

              

        

          

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل