الاقتصاد المقاوم: الأساس النظري والمصداق العملي

أصبح الإقتصاد أهم ورقة استراتيجية وفاعلة ومؤثرة في أيدي دوائر الإستكبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد قاعدة نابليون بونابرت "إذا أردت أن تستعمر شعباً ففقّره". إن الهدف من سياسة التفقير هو اجبار الناس على الخضوع للسلطة وإجبار السلطات للخضوع إلى الإرادات الدولية التي باتت الآمر الناهي في بلادنا، وقد فقدت بلادنا العربية والمسلمة إستقلالها منذ زمن ونحن نتغنّى بالاستقلال الصوري فقط، والحاكم الفعلي لبلادنا هو أميركا التي أصبحت دولة آمرة، فالحكومات تقوم بإذنها وتنهار بأمرها، والطريقة الوحيدة لصيانة القرار السياسي الوطني والسيادي هو امتلاك زمام الإقتصاد والتحرر من التبعية وبناء اقتصاد مقاوم قوامه تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الناتج المحلي خاصة الزراعي والصناعي. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية استحوذت أكبر الرأسماليات على اقتصاد العالم العالم العربي والإسلامي والثالث دون أن تترك فرص حقيقية لباقي الدول خاصة السائرة في طريق النمو.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. إذا رفض حاكم دولة ما غواية القتلة الاقتصاديين تحرّك للعمل مَن يسمّون الواويات أو بنات آوى، وهؤلاء مجرمون محترفون مهمتهم تصفية الحاكم العنيد تصفية جسدية أو الإطاحة به والإتيان بحاكم مطيع. وقد كان هذا مصير جيم رولدوس رئيس الإكوادور وعمر توريخوس رئيس بنما اللذَين اغتيلا في حادث تحطّم طائرتيهما واحتراقهما. أما في العراق كما يقول الكاتب فقد فشل القتلة الاقتصاديون وبنات آوى جميعًا، لذلك لم تجد الولايات المتحدة سبيلًا لإخضاعه سوى باحتلاله عسكريًا حسب تعبير الكاتب أن العراق مهم جدًا لنا أهم بكثير مما هو ظاهر على السطح، بل كانت الحرب على العراق للسيطرة على نفطه وموقعه الجغرافي والجيوسياسي بغضّ النظر عن الذرائع التي سيقت في الحربين، هذا ما قاله جونبرنكينز صاحب كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم.

أصبح الاقتصاد أهم ورقة استراتيجية وفعّالة ومؤثّرة في أيدي دوائر الاستكبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي تعتمد قاعدة نابليون بونابارت إذا أردت أن تستعمر شعبًا ففقّره. إن الهدف من سياسة التفقير هو إجبار الناس على الخضوع للسلطة وإجبار السلطات على الخضوع للإرادات الدولية التي باتت الآمِر الناهي في بلادنا.

لقد فقدت بلادنا العربية والمسلمة استقلالها منذ زمن، ونحن  نتغنّى بالاستقلال الصوَري فقط والحاكِم الفعلي لبلادنا هو أميركا التي أصبحت دولة أمرك، فالحكومات تقوم بإذنها وتنهار بأمرها وتعتمد الامبراطورية العالمية على كون الدولار يلعب دور العملة القياسية الدولية. فأميركا هي التي يحقّ لها طَبْع الدولار فتقوم بفرض الديون والمساعدات المشروطة للدول مع عِلمها أن تلك الدول غير قادرة على سَداد الديون، وعندما تعجز هذه الدول تطرحها أرضًا وتجرّها إلى الهاوية. والطريقة الوحيدة لصون القرار السياسي الوطني والسيادي هو امتلاك زمام الاقتصاد والتحرّر من التبعيّة، وبناء اقتصاد مقاوِم قوامه تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الناتِج المحلي خاصة الزراعي والصناعي، وإرخاء العنان للإبداع، والابتكار، والصرف على البحث العِلمي والتمكين للعقول المُفكّرة واسترجاعها من الغرب لتساهم في بناء النهضة الوطنية. ويجب أن نحقّق الأمن الغذائي والسلع الإنتاجية وتأمين مواردها في الاقتصاد المقاوِم. علينا الاعتماد على الطاقات والموارد الداخلية وننطلق من الذات لمقاومة الآخر.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استحوذت أكبر الرأسماليات على اقتصاد العالم، ومنه العالم العربي والإسلامي والثالث من دون أن تترك الفرص الحقيقية لباقي الدول السائرة في طريق النمو، بل وقفت هذه الرأسماليات المتوحّشة في وجه تنمية وتقدّم شعوب أغلبية دول العالم. كرّست هذه الإمبراطوريات مقولة أو قاعدة نحن ننتج والمسلمون مستهلكون، وممنوع أن يتقدّموا لكي نظلّ مُنتجين ومُسيطرين على الإنتاج العالمي.

وسياسة تفقير الشعوب تدفع صندوق النقد الدولي الذي تأسّس في العام 1944 بعد الحرب الكونية الثانية لإصلاح المسار الاقتصادي ثم بتفقير الدول والشعوب ثم الدعم بشروطه، ثم هذا الصندوق يشتري الحكّام والبلدان والدول ويؤسَّس لمُعادالاته في بلادنا. 

"الاقتصاد المقاوِم الأساس النظري والمصداق العملي" عنوان برنامج أ ل م. ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور محمّد بوجلال الخبير في الاقتصاد الإسلامي، ومن فلسطين الحبيبة وغزَّة الصامِدة الأستاذ محمّد أبو جياب رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"الفقر صناعة الرأسمالية" مهدي حنا.

تعرّض العالم للكثير من المُتغيّرات العاصفة في السنوات القليلة الماضية، ولنكن أكثر تحديدًا في السنوات العشرين الأخيرة. فقد اهتزّت أركان الأرض وتزلزلت على إيقاع المُتغيّرات السياسية والاجتماعية والذي أوصل تراكمها إلى إحداث تغيّرات في البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العديد من البلدان على وجه البسيطة. ولعلّ التغير الذي طرأ حديثًا على النسيج الاجتماعي نتيجة التزايُد المُطرد لرقعة الفقر على الساحة الكونية من أهم المشكلات التي تعترض حياتنا اليومية. ورغم أن الفقر ظاهِرة قديمة لكنها في تزايد مستمر وخاصة في ظلّ النظام الرأسمالي الأميركي التوتالايتاري الطابع في عالم أصبح بفضل وسائل المواصلات والاتصالات كالقرية لكنها قرية كونية تتحكّم فيها الرأسمالية وكأنها دمية إلكترونية.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد من الجزائر الحبيبة كيف أصبح الاقتصاد أهم عامل لتكريس التبعية في خط طنجا جاكرتا؟ وكيف تحوّل إلى ورقة تستتبع بها الأنظمة والدول وبالتالي تسيير هذه الدول وفق المسارات التي تريدها الامبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية؟

محمّد بوجلال: تحيّاتي أستاذ يحيى أبو زكريا وللسادة المشاهدين في الوطن العربي وخارجه. نعم الحديث عن الاقتصاد مهم جدًا لأن الدول التي ليست قوية اقتصادياً بالتأكيد تفقد مناعتها في المحافل الدولية. لذلك يعجبني الشيخ شعراوي رحمه الله لما سُئل عن نصيحة لمصر وما أدراك ما مصر فقال "أتمنّى من مصر أن تأكل من فأسها حتى يكون تدبيرها من رأسها".

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

محمّد بوجلال: فالدول التي تنتج الدول التي تعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي فهي تسعى بكل تأكيد إلى اكتساب المناعة ضد التدخلات الخارجية وما أكثرها في هذا الزمان. ولذلك لو لاحظنا عبر التاريخ أن العامِل الاقتصادي كان هو المحرّك لموجات الطغيان والاستدمار واحتلال الدول من أجل تحقيق مآرب مادية. ولذلك أعتقد أن الدول العربية والدول الإسلامية قاطبة تحتاج إلى وقفة لمعالجة هذا الأمر الخطير، ونحن على أسبوع من قمّة ستُعقَد في كوالالمبور يوم 19 ديسمبر كانون الأول بحضور خمسة رؤساء دول كما تعلمون هي ماليزيا وإندونسيا وباكستان وتركيا ومن الدول العربية قطر. نتمنّى أن تلحق بهذه الدول دول أخرى كبرى لها وزنها مصر، الجزائر، نيجيريا، وإن شاء الله تبعث أملاً للشعوب العربية والإسلامية أنه بتكافُل الجهود ستكون لنا كلمة في هذا العالم الصعب، هذا العالم الذي لا مكان فيه إلا للأقوياء.

يحيى أبو زكريا: الدكتور محمّد أحسنت قولًا أنّ استعباد الشعوب ومصادرة خيراتها هو منهج في المركزية الغربية لم يبدأ اليوم، لكن اليوم اتخذ طابع العِلم والذكاء والانتيليجانسيا. أستاذ محمّد أبو جياب اليوم العالم العربي والإسلامي عُرضة للابتزاز للسرقة، هنالك تناقُضات فاضِحة وواضِحة، عالم عربي وإسلامي يمتلك موارد عديدة جدًا، نمتلك النفط، الغاز، الفوسفات، اليورانيوم، الحديد، الذهب وكل ما خصّ الله البشرية من نِعَم تجدها في خط طنجا جاكرتا. لكن هذا الغرب دائما يضع الأسلوب تلو الأسلوب المنهج تلو المنهج لاستعباد ليس القرار السياسي فقط لاستعمار الشعوب مرة أخرى. ماذا عن آلية الاستعمار عن طريق الاقتصاد؟

محمّد أبو جياب: أولًا دكتور يحيى تحيّاتي لك ولضيفك دكتور محمّد من الجزائر العزيز. نحن أمام معادلة ليست بالجديدة على مستوى السيطرة والهيمنة الاقتصادية للدول العربية والإسلامية، نحن من سنوات قديمة جدًا نتحدّث عن إنكلترا عندما اجتاحت من الهند وصولًا إلى الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط لم تكن بهدف الاجتياح كانت بهدف السيطرة على موارد هذه الدول من نفط، ومن موارد طبيعية كما تفضّلت من الذهب والألماس والمناجم ذات العلاقة بالرصاص الخام في أفريقيا وغير ذلك. نحن أمام معادلة أزليّة لفرض السيطرة والهيمنة بأدوات اقتصادية، وبالتالي اليوم نحن لا نتحدّث عن ذات أدوات الهيمنة ذات أدوات الهيمنة التي كانت تصلح في عهد القِدَم ما قبل خمسينات القرن الماضي لم تعد تصلح اليوم من خلال إرسال الجيوش وتجنيد الجنود واقتحام الدول واجتياحها واحتلالها. اليوم نحن أمام أدوات تتناسب وعصر العَولَمة الموجود لدينا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد أبو جياب: نحن نتحدّث عن أدوات أصبحت تأخذ طابعًا شرعيًا دوليًا من خلال ما يُسمّى بمنظمات المجتمع الدولي، لدينا صندوق نقد، ولدينا بنك دولي، ولدينا أمم متحدّة تقرّ القوانين والقرارات والإجراءات التي لا تلبّي إلا مصالح الدول العُظمى بما يمكنها ويدفع بهيمنتها ومزيد من هذه الهيمنة على مصادر ومقدّرات الشعوب العربية والإسلامية.

نحن أمام معادلة أصبحت جزءًا من النظام السياسي العربي والإسلامي للأسف الشديد أنّ كل دولة توقّع على مجموعة المعاهدات داخل الأمم المتحدة، وتقرّ الاتفاقيات ذات البُعد الاقتصادي الإنساني، وذات البُعد المرتبط بالتجارة البينية، والمرتبط باتفاقيات البحار، والمرتبط بالتنقيب عن الثروات إمّا في البحار، أو في الأراضي اليابسة. نحن أمام منظومة دولية هيمنت عليها الولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت تتعاطى أولًا لحفظ أمنها الداخلي وجنودها وإمكانياتها وعتادها، وهذا ما يفعله اليوم ترامب بالانكفاء إلى الداخل الأميركي من خلال الانسحابات العسكرية من بعض البلدان العربية، والاكتفاء بمزيد من الهيمنة والسيطرة على مقدّرات المال العربي. وكما قال في أكثر من مكان عليهم أن يدفعوا، عليهم أن يدفعوا لقاء حمايتنا لأنظمتهم. هذه الحال الذي تعاطت معها الأنظمة العربية والإسلامية هي ما أوصلنا إلى الانبطاح كلية أمام هذا الأداء المُهيمن الذي يسيطر على مقدّرات الأمّة العربية والإسلامية، وهذا الذي أتاح ليس فقط دكتور يحيى إلى إفقار الشعوب، ولكن إلى تحويلها إلى أدوات أينما شاءت الولايات المتحدة تحرّكها. نحن نتحدّث على سبيل المثال في مصر، فنتاج الأزمات الاقتصادية السابقة اليوم مصر مستدانة أو تستدين من خلال قرض من البنك الدولي، هذا القرض طلب من أجل الحصول عليه من مصر أن ترفع الدعم عن الغذاء وعن الوقود وعن الأدوية وعن مستلزمات العيش الكريم للمواطن المصري.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد أبو جياب: اليوم المواطن المصري يكتوي بنار الجوع والعطش والحرمان، ليس من باب أن السلطة المصرية والدولة المصرية تريد ذلك. لكن عليها أن تطبّق ذلك حتى تحصل على أموال من صندوق النقد الدولي أو من البنك الدولي. هذه السياسات لن تفرز إلا مواطنًا عربيًا غاضبًا على الحُكم مهدّدًا، وتشعر الحكم بأنه مهدّد وبالتالي يأتي هنا دور السياسيين لإعطاء غطاء الحماية للأنظمة السياسية بما يخدم مزيد من المصالح على المستوى الاستراتيجي في ما يتعلّق بمزيد من الهيمنة وفرض السيادة والسيطرة على مقدّرات وموارد الأمّة العربية والإسلامية. ودعني أقول أمرًا مهمًا دكتور أنّ سوريا حقّقت اكتفاءً ذاتيًا في القمح، هذا لم يعجب أميركا، ولم يعجب روسيا، ولم يعجب الدول الغربية لأنّ  كما تفضل ضيفك منذ البداية من يأكل من فأسه سيتحوّل قراره من رأسه، بالتالي هذا لم يعجب الولايات المتحدة الأميركية. 

وبدأت الدولة السورية في شق الطريق باتجاه مزيد من التطوّر الصناعي والإنتاجي، هذا لا يعجب. بدأت بمزيد من التطوّر على مستوى البحث والتنقيب في الغاز والنفط، هذا سيؤمِن مزيد من القوّة الاقتصادية، هذا لا  يعجب. وبالتالي وجّهوا للأدوات الميدانية على مستوى الفوضى، والآن يحاولون ممارسة كل الضغوط في ما يتعلّق بالبُعد السياسي والمالي هذه الهيمنة والسياسة.

يحيى أبو زكريا: نعم أستاذ محمّد يقينًا سنغوص في كثير من المصاديق، لكن دعني أبحث فكرتك أكثر مع الدكتور محمّد في الجزائر. دكتور محمّد أنا أتذكّر لمّا قاطعت فرنسا شراء النفط الجزائري وأسمته بالنفط الأحمر عندما أمّم الرئيس الراحل هواري بومدين النفط الجزائري قال عندها بومدين بينا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء نأكل التراب ولا نبيع كرامتنا. ماذا عن مصاديق تدخّل صناديق النقد الدولية التابعة كلها للموساد، لأميركا، للحركة الصهيونية العالمية الماسونية هي رائحة روتشيلد إن صحّ التعبير. كيف يتحكّمون في اقتصادات الدول العربية؟ ولماذا انتفى شيء إسمه التكامل الاقتصادي العربي؟ الأستاذ محمّد في غزَّة الصامدة تحدث عن تجربة سوريا، لكن سوريا تعمل وحدها اليوم تفرّدت هذه الإرادات الاقتصادية العالمية بكل دولة على حدة.

في لبنان، أسّسوا لفقر في لبنان ثم يطالبون المقاومة بأن لا تشارك في الحكومة، وهي التي حرّرت لبنان، في العراق لهم نفس السياسات، في اليمن حتى في الجزائر، وفي تونس، وفي المغرب العربي.

كيف نتحرّر من هذه الهيمنة السرطانية؟

محمّد بوجلال: أخي يحيى أولًا تحية لأخي من غزَّة، نسيت هذا وغزَّة في القلب وفلسطين في القلب يا أستاذ.

محمّد أبو جياب: أشكرك دكتور أشكرك.

محمّد بوجلال: الأستاذ محمّد ذكر أمرًا جميلًا جدًا أن سوريا حاولت أن تحصل على اكتفائها الذاتي من القمح فكان لا بدّ من ضربها.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد بوجلال: وأنا أحيّي الشعب السوري كافة لأنه شعب منتج شعب له إرادة قوية للخروج من الهيمنة الصهيونية العالمية.

على كلٍّ أستاذ محمّد هناك دراسات كثيرة الآن أثبتت أن لا صندوق النقد الدولي ولا البنك العالمي أخرج بلدًا واحدًا من التخلّف من الفقر.

يحيى أبو زكريا: أحسنت أحسنت.

محمّد بوجلال: هذا النظام الرأسمالي القائم على الربا انتقل ضرره من الدول الضعيفة مثلنا إلى الدول الغربية نفسها، وأقول هنا أن هذا النظام قد يؤدّي إلى حرب عالمية ثالثة ربما هذا الكلام تسمعه مني من الجزائر تقول إن الأستاذ يبالغ، هناك الكثير من المؤشّرات، وهناك الكثير من الكتّاب العالميين، أذكر كيان ليو من الصين التي كتب مقالًا في غاية الأهمية يقول فيه "من الأزمة الاقتصادية إلى حرب عالمية ثالثة". بمعنى آخر أن نظام الاستدمار المالي، هذا المطبّق في دول المنظومة التمويلية العالمية أضرّت بالدول الغربية نفسها سبحان الله الذي حرّم الربا، لأن الربا فيه المضرّة للدائِن والمًدين سواء بسواء.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد بوجلال: إسمح لي أن أنبّه إلى أمر مهم.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد إذا سمحت، أمضي إلى فاصل قصير، ثمّ أعود إليك مباشرة حتى لا أقطع حبل أفكارك. أشرت إلى حُرمة الربا وأنا أقول ومن أصدق من الله قولًا.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

"قرن العشرون الطويل، الاستعمار الاقتصادي الأميركي لدول العالم الثالث" دجومو كوميسوم درام.

يتناول كتاب القرن العشرين الطويل الاستعمار الاقتصادي الأميركي لدول العالم الثالث ثلاثية الهيمنة الأميركية والتنمية غير المُتكافئة والتفاوت العالمي. الكتاب من تحرير جومو كوميسون درام الأمين العام المساعد  للتنمية الاقتصادية في الأمم المتحدة، ونقله من الإنكليزية إلى العربية محمود كامل وصدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة 2016. ويعنى بعواقب التفاوت على التكامل الاقتصادي العالمي في سياق ما سمّي بالامبريالية الحديثة أو الرأسمالية. لقد أصبحت الهيمنة الأميركية أمرًا لا لبس فيه بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة بعد انعقاد مؤتمر بارتنودز وبداية الحرب البارِدة وإطلاق مشروع مرشال بديلًا من دبلوماسية السفن الحربية.

المحور الثاني:

"الاغتيال الاقتصادي للأمم" دجون باركنز.

ذاع صيت دجون باركينز بعد أن اعترف بأنه كان قاتلًا من نوع خاص شارك في الاغتيال الاقتصادي لدول بأكملها، وبواسطة الرشوة والابتزاز كان يُرغِم زعماء الدول النامية على أخذ قروض من الولايات المتحدة الأميركية، ويدخلها في مستنقع الديون والتبعية الاقتصادية للولايات المتحدة. وبحسب شهادته إذا ما حاول أحد الزعماء السياسيين رفض شروط التعاون ترسل الأجهزة الخاصة الأميركية عناصر خاصين يسمّون بالدجاكارز لتصفيته مثلما حدث في باناما والأكوادور، وفي حال فشل الدجاكارز تدفع الولايات المتحدة بجيشها كما حدث في العراق. ظل القاتل الاقتصادي دجون باركينز صامتًا قرابة عشرين عامًا، وهو لا يجرؤ على نشر مذكّراته خوفًا من التهديدات التي كان يتلقّاها باستمرار، وقد قَبِل رشوة كبيرة لقاء حفاظه على الصمت في مطلع الثمانينات، لكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر اتخذ قرارًا حاسمًا بإذاعة الحقيقة مهما كانت العواقب.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، عدنا والعود أحمد ومن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الاقتصاد المقاوم. وأذكّر في هذا السياق ببعض عناوين الكتب "الفقر صناعة الرأسمالية، لمهدي حنا فقراء زمن العولمة لمحمّد العودي، والكتاب المهم جدًا اعترافات قرصان اقتصادي الاغتيال الاقتصادي للأمم" وأنصح بقراءته صحيح هو يتحدّث عن ثمانينات وتسعينات، لكن اليوم الاستكبار أبدع طرائق كثيرة وحيلاً جديدة منها حروب الجيل الخامس، إيجاد الثورات في داخل المجتمعات العربية لإخضاعها، القرن العشرون الطويل الاستعمار الاقتصادي الأميركي لدول العالم الثالث".

دكتور محمّد هلاّ أكملت فكرتك رجاءً، وأنا أعتذر على هذه المُقاطعة الضرورية، الفاصل. تفضل.

محمّد بوجلال: نعم أسترسل في فكرتي أن الإنسانية الآن تواجه خطرًا كبيرًا جدًا متمثّلًا في الفقاعة المالية التي نحن أمامها الآن، أعطيك رقمًا مُخيفًا أنّ المديونية العالمية الآن لو أخذنا كل دول العالم وجمعنا كل المديونية على وجه البسيطة والكرة الأرضية لوجدنا أنها تساوي 250 بالمئة من الإنتاج العالمي، بمعنى أن كل دولار منتج يقابله دولاران ونصف دولار مديونية هذا الوضع غير قابل للاستمرارية. ولذلك نعم هنالك خطر يداهم البشرية كافة، ولذلك نجد من المفكّرين الغربيين مَن يُنبّه إلى خطورة هذا الوضع، ومنهم مَن يرى أن الحل في مبادئ التمويل الإسلامي. قالتها صراحة كرستين لاغار مديرة صندوق النقد الدولي سابقًا، ووزيرة الاقتصاد في فرنسا أيام الرئيس ساركوزي قالت إنه من المناسب أن نسترشد بمبادئ التمويل الإسلامي لإصلاح النظام المالي العالمي.

إذًا المشكلة مشكلة عالمية، ولذلك لمّا جاء نظام التمويل الإسلامي وتبيّن للعالم أن هذا النظام يختلف كليّة عن النظام التقليدي، وأنه فيه من المكوّنات ومن مبادئ ما تضمّن استقرار النظام المالي تماشيًا مع استقرار النظام الاقتصادي، هذه أعتبرها مساهمة كبيرة من العالم الإسلامي نحو إرساء معالم السلام العالمي السلام الاقتصادي، السلام السياسي يأتي بعد حين إن شاء الله. ولكن هذا واقع يجب أن ننّبه إليه.

بالعودة أخي الكريم وأنا العبد الضعيف رجل اقتصاد على كل حال، ولكن تنبّأت في كتاباتي بما سيحدث في السودان وحدث، وبما سيحدث في العراق وحدث، بما سيحدث في لبنان وحدث، وبما سيحدث مع كل أسف هذه تنبّأت ولست نذير شؤم، ولكن هذه وقائع اقتصادية في مصر، مصر فيها مستويات عالية من الفقر بسبب كما ذكرت أنت أخي الكريم في مقدّمتك أن النظام الحالي ضاعف مديونية مصر ثلاثة أضعاف في فترة وجيزة جدًا. فكلّ ما زادت مديونية الدول تجاه المؤسَّسات المالية الدولية كل ما فقدت مناعتها وكل ما زادت مساحة الفقر، وكل ما أدّى ذلك بكل تأكيد إلى هذه التظاهرات تظاهرات الفقر التي تطفو فوق كل اعتبارات مذهبية أو أي شيء آخرلأن الفقر ليس له لون لأن الفقر يضرب الجميع ولا يفرّق بين فلان وفلان.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد طبعًا أشير إلى أن البعض يتصوّر أن صندوق النقد الدولي هو صندوق كريم، ولطالما تغنّى العرب بالكرم وأشادوا به إلى أقصى درجة هو إذا أعطاك مئة مليون دولار سيأخذ منك 500 مليون دولار وإذا أعطاك 500 يأخذ منك ملياراً، وإذا أعطاك ملياراً يأخذ منك الجيش والدولة والمجتمع.

أستاذ محمّد أبو جياب اليوم الاستعمار الاقتصادي حقيقة وليس نحن مَن يقول ذلك، بل كلينتون قالها ذات يوم إن الأحلاف التجارية أهم من الأحلاف العسكرية، ونظر لهذا الأمر مَن يقرأ لنعوم تشومسكي يدرك أهمية الاستعمار الاقتصادي، لكن الإشكال أين اليوم عندما تطرح فكرة الاقتصاد المقاوِم أن كل دولة عربية وإسلامية تحقّق اكتفاءً ذاتيًا أمنًا استراتيجيًا غذائيًا يكون عندها صناعات تطوّر من الأسلحة تصنع في العسكرية وما إلى ذلك يأتي القرار الدولي أنه ممنوع ممنوع. إذا كان هذا المنع قائمًا وشديدًا كيف نؤسّس إذًا لاقتصاد مقاوِم في خضمّ هذا الضعف العربي والإسلامي وفي خضمّ التحارب العربي والإسلامي؟ هناك دول عربية تقول لأميركا يا أميركا لوجه الله دمّري لنا هذه الدولة العربية كما حدث مع سوريا مثلًا.

محمّد أبو جياب: بداية إسمح لي دكتور أن أشير إلى أن الولايات المتحدة حديثاً أنشأت ما يُسمّى بمجلس الأمن الاقتصادي على غرار مجلس الأمن القومي.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد أبو جياب: وهذا في سياقات إتقانها بالتنبّؤات ذات العلاقة بالمعارك الاقتصادية القادمة سواء بين الولايات المتحدة والصين أو الهند أو ماليزيا أو بعض الدول التي تصعد باتجاه التصنيف الاقتصادي المتقدّم. في ما يتعلّق بسؤالك ذات العلاقة بأنه كيف للدول العربية والإسلامية أن تؤسّس، أنا أقول يجب أن نبدأ من الداخل يجب أن تكون هناك قناعة واضحة أن البناء الاقتصادي والاستقلال الاقتصادي هو المفتاح الأساس للاستقلال السياسي إذا اقتنعت القيادة السياسية أنّها بحاجة إلى استقلال سياسي، وأنها بحاجة إلى أن يكون قرارها مستقلاً، أنها بحاجة أن تعلن رفضها الولاء لأيّ من الأنظمة العالمية سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو لإسرائيل أو لأيّ من الدول الأوروبية. يجب أن تطبّق ذلك ميدانيًا بدءًا من أصغر مصنع في داخل الدولة مرورًا بتطوير الكفاءات والقُدرات العالمية والطاقات المُنتجِة والمهندسين والمتخصّصين ذات البُعد الإنتاجي.

هذه الخطوات العالم لن يمنعها لكنها تحتاج إلى قرار سياسي واضح ويطبّق كسياسة عُليا في الدولة، ويتابع نحن أمام دول تصعّد اليوم لماذا تصعد ماليزيا؟ ولا تصعد مصر؟ لماذا تصعد تركيا؟ ولا تصعد السعودية؟

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمّد أشرت إلى هذه النقطة وهي جديرة، لكن أنا أتصوّر أنه قبيل تكريس هكذا سياسات يجب أن ننتقي المُصلحين والصالحين والنُزهاء لإدارة ثروات الأمّة. لأنه تأمّل معي العالم العربي للأسف كل صنّاع القرار سرقة ولصوص ومافيات، للأسف الشديد فأنت يجب أن تعيّن مَن يتقّي الله في ثروات الأمّة حتى يحسن إدارة هذه الأمّة؟

محمّد أبو جياب: دكتور يحيى أنت الآن أجبت على سؤالي لماذا تنهض ماليزيا ولا تنهض مصر؟ لماذا تنهض تركيا ولا تنهض السعودية؟ رغم أن السعودية لديها من الموارد والإمكانيات والقُدرات والطاقات والموارد الطبيعية ما يفوق ما لدى تركيا. لكن النظام هنا يقرّ ويعترف ويعمل ويجاهد من أجل أن يكون الصالح في المكان المناسب ويطبّق السياسة العليا للدولة لبناء عِزّة وكرامة واستقلال وسياسة مستقلة وقدرة إنتاجية مستقلة واقتصاد مستقل كدولة بينما على الصعيد الآخر في دول الخليج وتحديدًا في السعودية لدينا دول تدفع نصف ترليون دولار في زيارة رئيس الولايات المتحدة الأميركية كمشاريع تشجيعية في الولايات المتحدة، فتفرز ملايين فرص العمل في الولايات المتحدة، لكنها تدمّر وتفقّر المواطن السعودي وتهدر مقدّرات الأمّة ككل. نحن أمام إجابة حقيقية جديرة بالحصول أو جديرة بالتطبيق مَن يُدير قدرات وإمكانيات وثروات الأمّة هل هم الأشخاص الأمينون الذين لديهم رؤية واضحة باتجاه بناء دول وسياسات مستقلة والارتقاء لتصل إلى مصافي الدول المتقدّمة. 

أنا أقول لك بكل وضوح مَن يُدير ثروات الأمّة مجموعة من اللصوص والسرقة الذين يقسّمون ويستخدمون مقدّرات هذه الأمّة لتأمين مناصبهم وحكمهم ووجودهم السياسي أمام العالم، بل ويتمسّكون بوجود الغربي والأميركي والإسرائيلي، ليس من منطلق القناعة بالشراكة معهم. ولكن من منطلق أنهم من دون هؤلاء لن  يأمنوا في مناصبهم السياسية ولا في حكمهم، هذا التشبه بالخارج بالأجنبي بالإسرائيلي بالأميركي هو النمط السائد لدى منظوماتنا الحاكمة في الدول العربية والإسلامية.

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمّد دعني أحيّي الجزائر واقعًا لأنه قبل أيام تم الحكم على رئيس الحكومة الجزائرية السابق أحمد يحيى وأيضًا سلال والتهم كانت خطيرة سرقة أموال الشعب الجزائري. وهنا أعود إلى الأستاذ محمّد.

أستاذ محمّد في التجربة الجزائرية الجزائر كانت تصدّر القمح إلى كل أوروبا 80 في المئة من احتياجات أوروبا من القمح أيام الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال صرنا نستورد كميات كبيرة من القمح. أين الخَلل في التجربة الجزائرية، في عهد بومدين كانت الجزائر يابان العالم العربي، وتعرف بدأت بالصناعات الثقيلة والثورة الزراعية. وفجأة وقعت الجزائر في انهيار اقتصادي كبير مع مجيء الشاذلي بن جديد. أين الخَلل لأن الجزائر دولة كبيرة وعملاقة نجاحها هو نجاح للعرب والمسلمين؟ أين الخَلل الذي كان فيها اقتصاديًا؟

محمّد بوجلال: فعلًا أخي الكريم الجزائر دولة كبيرة دولة قارّة أخي الكريم صدر مؤخرًا كتاب لأحد الأساتذة في الـ m I t في أميركا الماساسشوت إنفورمايشن وف تكنولوجي عنوانه لماذا تفشل الأمم، وحاول الكتاب أن يلخّص عوامل النجاح أو الفشل في أية دولة فوجد أن 50 بالمئة من عوامل النجاح هو الاستقرار المؤسّساتي أن أية دولة إذا بنت شبكة من المؤسّسات قوية فيها الشفافية، فيها الإدارة الحَسنة للموارد هذا العامِل يعطي 50 بالمئة للنجاح الموارد الطبيعية لا تساهم إلا بعشرة بالمئة فقط. وهناك عوامل أخرى كنوعيّة التعليم وإلى غير ذلك. ما أريد أن أقوله في هذا الصَدَد أن هنالك عوامل داخلية ساهمت في ما نحن فيه اليوم المحاكمات التي تجري الآن في الجزائر والأحكام التي صدرت عن القضاء على مسؤولين كبار في الدولة الجزائرية. أعتقد أن الظرف كان سانحًا أن تجرى مثل هذه المحاكمات وأن الأمر لا يختلف في بلدان كثيرة عربية.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد بوجلال: لو سنحت الفرصة هنالك لرأينا مثل هذه المحاكمات أي بمعنى أن الفساد الآن أنا قرأت بعض الأرقام تقول إن حجم الفساد في الوطن العربي يتجاوز مليار دولار يوميًا بمعنى أكثر من 360 ملياراً سنويًا ما يكفي لنهضة هذا العالم. ولذلك نحتاج الآن إلى رجالات من نوع إردوغان وماهاتير محمّد وغير ذلك، نحتاج إلى بناء مؤسّسات قوية تكون فيها الشفافية تامّة. ولذلك لو أذكر على سبيل المثال دولة صغيرة أصبحت الآن من الدول المتقدّمة هي دولة سنغافورة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد بوجلال: عندما جاء كوال يي لو هذا الرجل الفذّ الذي توفّى سنة 2015 هو رائد النهضة في سنغافورة، قال إني عملت على إرساء ثلاثة مبادئ أساسية في سنغافورة، أن تُعطى المسؤولية وتُسند لمَن يستحقّها. الكفاءة قبل كل شيء، قبل الولاء الكفاءة وليس لديهم مشكلة مع المذاهب الاقتصادية أبدًا المذهب الذي أو الإجراء الاقتصادي الذي يأتي بالخير على البلد فذلك تعتمده الدولة وعلى سبيل المثال أن نسبة السكان المسلمين في سنغافورة قليلة جدًا لا تتعدى 10 في المئة في كل الحالات، لكن التمويل الإسلامي فيها منتشر بشكل كبير وهي رائدة في هذا المجال لأن فيه مصلحة اقتصادية. المبدأ الثالث الأمانة، والأمانة هذه نستشفّها من القرآن الكريم سيّدنا يوسف عليه السلام لم يتحدّث عن مظلوميّته وبلده في أزمة قدم حل اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، حفيظ عليم بمعنى أنه يجب أن تتوافر في من تسند إليه المسؤولية شرط الأمانة أي الأخلاق والاقتدار الذي هو ليس مقتدرًا لا يتقدّم إلى المسؤولية.

إذًا هذه مبادئ بسيطة جدًا، ولكن نتمنّى أن الدول العربية حكّام دول العرب أن يتنبهوا ويلتفتوا بعض الشيء إلى شعوبهم ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار أبدًا. الارتكان إلى العامل الخارجي لا يأتي بتنمية أبدًا والتنمية لا تستورَد.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد إن شاء الله أعدك بحلقة خاصة عن البنوك الإسلامية ستكون معنا لأنك واحد من أهم الخبراء في الصيرفة الإسلامية والتمويل الإسلامي. ونحن يهمّنا عندما نقول إن ديننا دين الحياة يجب أن نقدّم للناس قواعد صلبة ويمكن تكريسها في الواقع، لمَ لا من ديننا الحنيف؟ والمولى عزّ وجلّ الذي خلق الإنسان يعرف ما يحتاج إليه هذا الإنسان ولذلك هيَّأ له أحكامًا شرعية مناسبة. وقلت أيضًا إن الفساد في العالم العربي يكلّف العالم العربي مليار دولار يوميًا معنى ذلك أن الله حبا العالم العربي بخيرات كثيرة، لكن ابتلي العالم العربي باللصوص والسرقة والمافيات. وأنا أعد بأن أقصّ شواربهم جميعًا إن شاء الله. أستاذ محمّد أبوجياب عندما نتحدّث عن الاقتصاد هنالك إفرازات وتداعيات للاقتصاد المنهوب والمنخور إبن خلدون رحمه الله عنده كلمة جميلة يقول الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها. عندما ينتشر الفقر في وطن تنتشر الفاحِشة، الفسق، السحر، الشعوذة، الاحتيال، هنالك منظومة أخلاق ومنظومة قِيَم كلها تنهار بعد أن يدبّ الوَهن في الاقتصاد الوطني. أليس كذلك؟

محمّد أبوجياب: بكل تأكيد دكتور الحديث عن الانهيار الاقتصادي يتبعه مباشرة انفكاك وانهيار على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الأخلاقي وحال من الفساد المستشري في كافة القطاعات الاجتماعية. إذًا ما تحدّثنا عن أن مواطنًا مقهورًا لا يقوى على توفير لقمة العيش سيلجأ إلى كل ما هو مُتاح أمامه من أجل أن يفعل ذلك. إذا قلنا بأن منظومة فاسِدة تُدير اقتصاداً مُنهكاً ستنتج لدينا مجتمعات مفكّكة إشكاليات أسرية قضايا خطيرة على مستوى الظواهر الاجتماعية التي قد تتنافى وأخلاقيات الأمم، وليس فقط على المستوى الإسلامي. نحن أمام نتيجة حتمية أن حال الإفقار ليست هدفًا بحد ذاتها بقدر أن إفساد المجتمعات إنهاك المنظومة التعليمية، إنهاك المنظومة القِيَمية، إنهاك المنظومة الصحية، إنهاك المنظومات الخدمية. هذا سينتج على المستوى الاستراتيجي دولة لا يمكن أن تقوم لها قائمة ليس لديها قِيَم ولا منظومة مجتمع ولا قُدرات ولا إمكانيات ولا خبراء ولا متخصّصون. كلّما مضى عليها الزمن وهي في هذه الحال ستكون أمامها سنوات ضوئية من أجل أن تنهض فيما لو صدرت قيادة معينة قرارًا بأنها تريد أن تعود إلى صدارة الأمم.

نحن أمام حال من التدمير على المستوى الاقتصادي تتبعها حال من التدمير والإفساد على المستوى الاجتماعي بكل مكوّناته. النتيجة الحتمية لكل ذلك أمم لن تستطيع النهوض مجدّدًا، أمم لن تستطيع البناء، أمم يسهل السيطرة عليها وإغواؤها بما تريد من حال الانحلال والفساد. وأيضًا يسهل رشوتها ويسهل السيطرة عليها ويسهل تهديدها من خلال حفظ أمنها ومكوّناتها لإبقائها في ذات الحال الفاسدة المنهكة من أجل تمرير كل السياسات ذات العلاقة بالسيطرة والهيمنة على مواردها وإمكانيتها، وتحويلها إلى مجتمعات مُستهلِكة تستهلك ما ينتجه المتطوّر الذي يُهيمن ويسيطر على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والاجتماعي، بل والأممي من خلال المنظومة التي يصيغها هو في ما يتعلق بمؤسّسات الأمم المتحدة وصناديقها وإفرازاتها بل وقوانينها وقراراتها.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد واحدة من أسباب السقوط الاقتصادي التفكّك بين الدول العربية يعني لو كانت مثلًا الجزائر تعطي نفطها للسودان، وتأخذ من السودان القطن، وتعطي الغاز لمصر، وتأخذ من مصر الفواكه والمنتوجات الزراعية، وهكذا دواليك من الصعوبة بمكان أن نحصر كل المصاديق. لكن الجامعة العربية في ميثاقها نصّت على ضرورة التكامُل الاقتصادي العربي رأينا الجامعة العربية ترحّب بالناتو في ليبيا، ترحّب بطرد سوريا من الجامعة العربية ترحّب باتهام المقاومة بالإرهاب وما إلى ذلك ما صارت جامعة عربية.

لماذا لا نعمل نحن بمبدأ التكامُل الاقتصادي بين الدول العربية؟ هل أميركا تقول للحكّام العرب يُمنَع عليكم أن تتكاملوا وتتعاونوا؟ وأنتم أيها الحكّام العرب لا تعملوا بقول ربكم "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

محمّد بوجلال: أستاذ يحيى صراحة أن نطرح كل مشاكلنا على العامل الخارجي فيه نوع من المبالغة. نعم الغرب غرب والشرق شرق، هذا أمر معروف ولكن إحصائيات الدول العربية هي 5 بالمئة من سكان العالم وتستورد 50 بالمئة من سلاح العالم بمعنى أصبحنا نحن الـ 5 بالمئة نتقاتل في ما بعضنا البعض ولا يكفي ما فعله النظام المالي بنا من صندوق النقد الدولي كما أشرت الآن نستورد السلاح لقتال بعضنا بعض والله نحتاج الآن إلى وقفة مع الذات. كفانا حربًا في ما بيننا.

يحيى أبو زكريا: صحيح، لا حول ولا قوّة إلا بالله.

محمّد بوجلال: المشاكل التي تواجه الأمّة أكبر من أن نلجأ إلى السلاح. نحتاج أن نلجأ إلى سلاح التكامُل كما قلت إلى سلاح التفاهم، إلى سلاح العِلم والمعرفة. ما يُحزنني أنا اليوم أن الدول الغربية لم تكتف باستغلال ثرواتنا الآن تستغلّ شبابنا المتعلّمين المثقّفين. مئات الآلاف من الشباب يحلمون عندما ينالون شهاداتهم أن يجدوا لهم فرصة عمل خارج الديار وبدأوا يشعرون بتقويض الآخر على حساب بلدانهم، ولذلك نحن فعلًا بحاجة إلى وقفة مع الذات، وأن نراجع هذه الحسابات.

يا أخي عدو العالم العربي ليس إيران. عدو العالم العربي هو الصهيونية العالمية، وكذلك أنا لست هنا لأعطي دروسًا في هذه المسائل. نتمنّى كذلك من إيران أن تقدّم أمورًا ملموسة في التهدئة مع جيرانها في دول الخليج وأن تنعم المنطقة بالسلام، وأن نتّجه إلى الاستقلال الاقتصادي، ولا نبقى نحن الآن في هذا الوضع المُزري مع كل أسف فقر مُنتشر أكثر من 40 بالمئة من سكان العالم العربي تحت مستوى الفقر هذه نسبة مُخيفة جدًا.

يحيى أبو زكريا: والله يا أستاذ محمّد كلامك هذا أثار فيّي اللواعج والأشجان. كيف دولة عربية تستورد f 18 لتقتل طفلًا يمنيًا جائعًا لا يجد إلا الشجر ليقتات منه. لكن نوجّه هذه الشكوى لرسول الله ونقول له يا رسول الله حسبنا الله. أما دعوتك إيران والسعودية إلى التفاهم أنا معك أيها العالم الإسلامي تفاهم تحاور تلاقى قوّة الإسلام في اجتماعكم جميعًا وليس في الحفر لبعضكم البعض.

وهنا لا ننسى فلسطين الصامِدة أستاذ محمّد فلسطين أيضا تقاوِم بكل ما أوتيت من قوّة. فلسطين تجوع تُحاصَر تُقتَل ماليًا، أمنيًا، عسكريًا في جغرافية صلبة للكيان العبري نسأل الله أن يزيله من الوجود. ماذا عنكم في فلسطين بإيجاز أستاذ محمّد.

محمّد أبو جياب: الواقع الاقتصادي في فلسطين قد يختلف كليًا عن الواقع العربي. نحن أمام اقتصاد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاحتلال، وليس لدينا منافذ برية وبحرية أو جوية، ليس لدينا من السلطات والتمكّن على المستوى الجغرافي. الحصار يطبّق على الأراضي الفلسطينية من كل جانب وقيود الاحتلال الإسرائيلي المفروضة وفقاً لاتفاقيات أوسلو ومعاهدة باريس أو بروتوكول باريس الاختياري يجعل المجتمع الفلسطيني مرتبطاً ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي. ولك وللسادة المشاهدين أن يعلموا أننا في إطار بروتوكول باريس نتحدّث عما يُسمّى بالمنطقة الجمركية الموحّدة، أي ما يُفرَض على المواطن في دولة الاحتلال من جمارك وضرائب يُفرَض على المواطن الفلسطيني بذات القيمة بينما الفارِق في مدخولات المواطن في دولة الاحتلال والمواطن الفلسطيني الحد الأدنى لسلّم رواتب في الأراضي الفلسطينية لا يتجاوز 300 إلى 350 دولاراً بينما لدى الاحتلال الإسرائيلي الحد الأدنى لرواتب الموظفين هناك يتجاوز 1500 و1700 دولار ويدفع كلينا ذات الجمارك والضرائب والتعريفات الجمركية.

نحن أمام إلزامات سياسية أو وقّع عليها الجانب الفلسطيني من خلال منظمة التحرير في ما  يتعلق بأوسلو وملحقاتها واتفاقياتها ومعاهداتها المختلفة قيّدت أيّ هامش للحركة على المستوى الخارجي كل حركة أو سكون على المستوى الاقتصادي للشعب الفلسطيني لن يتم إلا بموافقة الاحتلال.

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمّد أعدك أعدك أعدك ووعدي مستنبط من وعد الله لن يطول الاحتلال سوف تنتصرون. نحن في الجزائر ظل الاستعمار الفرنسي جاثمًا على رقابنا مئة وإثنين وثلاثين سنة من 1830 إلى 1962 جاء رجالات الجزائر الأحرار رضوان الله تعالى عليهم وصفعوا فرنسا. وأذكّرك أن الجزائريين يحبّون فلسطين فجمهورنا الجزائري في ملعب كرة صفّق لفلسطين ولم ينتصر للفريق الجزائري. نحن مع فلسطين.

محمّد أبو جياب: وفلسطين بالتأكيد تحبّ وتعشق الجزائر.

يحيى أبو زكريا: نحن مع فلسطين ظالِمة أو مظلومة كما قال هواري بومديان محمّد أبو جياب من فلسطين المُنتصرِة إن شاء الله شكرًا جزيلًا لك.

الدكتور محمّد بوجلال من الجزائر الحرّة الثائرة الرائعة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

"فقراء زمن العولمة" محمّد العودي

يصل الوضع في شتّى مناطق الجنوب إلى درجة من الفاقة والانحطاط تبدو معها الشرائح المقهورة، وكأنها تحوّلت إلى مجرّد نفاية بشرية في عالم أصبح مُختلًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وبذلك فإن الفقر الذي يشكّل إحدى السِمات المُشينة لهذا العالم الشغوف بثقافة الديمقراطية وقِيَم حقوق الإنسان. أضحى الظاهرة الأكثر جدلاً خاصة وقد تكثّف التعتيم على أبسط المفاهيم حتى بات من البديهي التحدّث عن الحِرمان الاجتماعي المُنظّم للتعبير في ظروف مُتغيّرة عن واقع الاستغلال الطَبقي الصريح. يبدأ مؤلَف الكتاب محمّد العودي بالسؤال كيف يمكن القيام بتحليل نقدي لواقع الفقر في ظلّ  الإيقاع الجارِف للعولمة مع كل ما يفترضه ذلك من دقّة علمية من دون معاكسة المقارنات المهينة وآلياتها المادية والفكرية المتطوّرة والخلفيات الأيديولوجية المتحكّمة فيها بهدف التسخير لعملية إخضاع شاملة للتوجّهات الجَشِعة للمنظومة الرأسمالية الحديثة.