معركة إدلب وتداعياتها

 

مقـدّمـة 

كمال خلف: سلام الله عليكم. معركة إدلب أمّ المعارِك في سوريا وربّما بداية تسويات كُبرى. في بداية العام حصل لقاء علنيّ بين الجنرالين "علي مملوك" و "حقّان فيدان" بوساطةٍ روسيّة، حينها حُكيَ عن مساعي تهدئة شاملة لكنّ الشمال السوري تحوّلَ إلى صدامٍ مُباشر بين الجيشين السوري والتركي. الجيش السوري تقدَّم في شكلٍ كبير في ريفيّ حلب وإدلب واقترب من آخر معاقِل الجماعات المُسلّحة في مدينة إدلب واستطاع تأمين الطريق الدولي من دمشق إلى حلب لأوّل مرّة منذ العام 2012 وهدّدت أنقرة بعمليّةٍ عسكرية واسعة والتدخُّل المباشِر وهو ما شهِدته الجبهات خلال الأيّام الماضية، و"إردوغان" توعّدَ بضرب الجيش السوري في أيّ مكان. 

الرئيس التركي "رجب طيّب إردوغان": نحن مصمّمون على إخراج قوّات النظام إلى خارِج حدود مذكّرة اتفاق سوتشي وخلف نقاط المُراقبة التركية وذلك نهاية شهر شباط/ فبراير وسنعمل على ذلك باستخدام قوّاتنا الجويّة والبريّة ومن دون تردّد 

كمال خلف: الجيش التركي يُقاتل إلى جانب مجموعاتٍ مُصنّفةٍ إرهابية مثل "جبهة النُصرة" وفقاً للمعلومات الميدانية مع دعمٍ لافتٍ من دول حلف شمال الأطلسي وهي الدول نفسها التي أدانت تدخّل تركيا في ليبيا، فهلّ هناك توريط أميركي لـ أنقرة أم غطاء سياسي وسط خلافاتٍ تركيّة روسيّة؟ 

الرئيس السوري بشار الأسد: آخر المسرحيّات أنه يقول: "قرّرنا أن ندخُل إلى سوريا"، لكن هو منذ تسع سنوات قرَّر أن يدخل ولم يتمكَّن لأنه لم يكن مسموحاً له". ويقول: "نحن أبلغنا الأميركيين بأننا سندخل". يعني أنت "إردوغان" تُبلِّغ الأميركيين، هذا يعني أنّك عبد يعني، ولكن أنت بُلِّغت وقالوا لك ادخل

كمال خلف: الرئيس السوري "بشّار الأسد" زار ريف إدلب قبل أربعة أشهُر وأعلن أنّ مقاومة العدوان التركي واجب وطني ونحن أمام استعادة الأرض عسكرياً. يبدو أنّها معركة كَسْر عَظم في الشمال السوري لكنّ وساطة إيرانيّة برزت على وقع التصعيد فما تفاصيلها؟ هلّ اتصال "إردوغان" و"بوتين" يوقِف صوت المدافِع؟ أم أنّ قواعِد اللعبة تغيّرت وتفاهُمات سوتشي ومُحادثات أستانا ماتت سريرياً وفي انتظار اتفاق جديد أو سنكون أمام غالبٍ ومغلوب؟ "لعبة الأُمم" حيّاكم الله 

المحور الأوّل  

كمال خلف: أُرحِّب بضيوف هذه الحلقة، هنا في الاستديو الباحِث والكاتِب السياسي الدكتور "حسني محلي"، من إسطنبول الكاتِب السياسي "حسين عبد العزيز"، ومن موسكو أُستاذة العلوم السياسية في جامعة موسكو الدكتورة "ثريّا الفرّا". خلال هذه الحلقة مُشاهدينا سينضمّ إلينا في مُداخلة من نيويورك مندوب سوريا في الأُمم المتّحدة الدكتور "بشّار الجعفري". أبدأ الحلقة معك دكتور "حسني محلي" من الوضع الحالي، كيف يُمكن أن نضع تصوّراً الآن أو نُقدِّر موقفاً لما يجري في الشمال السوري في ضوء تصريحات مُتسارِعة استمعنا إليها خلال الثلاثة أيام الماضية على الأقل

حسني محلي: كلّ ما نراه الآن في ما يتعلّق بالوضع السوري التركي في عنصريه المباشرين في اعتبار أنّ هناك عنصران آخران وهما الإيراني والروسي وفق تفاهُمات أستانا واتفاقات سوتشي، والعنصر الخامس هو الأميركي الذي دخل على الخطّ خلال اللحظة الأخيرة في عمليّة استفزاز للرئيس "إردوغان" حتّى يُصعِّد من لهجته العدائيّة بين قوسين في ما يتعلّق بـ تركيا وسوريا. ولكن يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، على الأقل أسبوعاً تقريباً أو أُسبوعين إلى الوراء، عندما زار الرئيس "إردوغان" أوكرانيا ومن أوكرانيا هدَّد وتوعَّد الرئيس "بوتين" في شكلٍ غير مباشِر باعتبار أوكرانيا هي مدينة لها مشاكل مع روسيا، يُضاف إلى ذلك أنّه من أوكرانيا أيضاً أرسل رسائِل في ما يتعلّق بالعلاقات الثنائية لأنّ أوكرانيا مدينة صناعيّة في الصناعات العسكرية وخاصةً الجوية منها والصاروخية، وصهْر الرئيس "إردوغان" وهو زوج ابنته الكُبرى هو الذي يُصنِّع الطائِرات المُسيَّرة التركيّة المُسلّحة منها وغير المُسلّحة. هناك عمليّة لتطوير هذه المُسيَّرات واستخدامها في شكلٍ أوسع سواء في سوريا أو في ليبيا، والآن تُستخدَم أساساً في ليبيا 

كمال خلف: دكتور، متابعتك اليوم لخطاب الرئيس "إردوغان"، ما قاله جاد فيه؟ 

حسني محلي: نعم. أنا أعتقد بأنّه جاد لسببين أولهما أنّه رفعَ من سقف تهديداته ليس فقط في سوريا، رفع من سقف تهديداته حتّى لـ روسيا وفي شكلٍ غير مباشِر لـ إيران عندما تحدَّث عن الميليشيات الموالية لـ إيران كما قال الرئيس "إردوغان"، لكن له علاقة بالوضع الداخلي لأنّ هناك أزمة خطيرة بين الرئيس "إردوغان" وبين المُعارَضة ورئيس الأركان السابق في ما يتعلّق بالاتّهامات المُتبادَلة في المسؤولية عما يُسمَّى بـ "فتح الله غولان" وجماعة "فتح الله غولان"، هذه الأزمة الداخليّة سوف تزداد تصعيداً وحدّةً وشدّةً، فالرئيس "إردوغان" للتغطية على هذه القضيّة وإبعاد أنظار الرأي العام الداخلي عن هذه القضية 

كمال خلف: ساعدها خارجياً 

حسني محلي: أنا أعتقد أنّه سيُساعدها، ليس ساعدها، سيُساعدها أكثر خارجياً  

كمال خلف: دكتور سوف نسألك عن "دولت بهشري" وموقفه هو أيضاً عن "كمال كيلشدار أوغلو" الذي تحدث عنه بقسوة اليوم الرئيس "إردوغان"، لكن أستقبل الدكتورة "ثريّا الفرّا". أسعد الله مساءكِ، الكلّ يسأل دكتورة اليوم، هلّ اتصالات جرت وذهب وفد روسي إلى أنقرة أكثر من مرّة لاحتواء التصعيد الحاصل؟ لكن لم يتمّ التأكيد على حصول قمّة بين الرئيسين "بوتين" و"إردوغان"، البعض قال أنّ روسيا أو الرئيس "بوتين" لا يرغب في ذلك والبعض قال إنّ تركيا هي التي ليس لديها رغبة في عقد مثل هذه القمّة. الوضع يُعتبر الأخطر في مسار العمليّات على الإطلاق منذ أحداث حلب الشرقية أو شرق حلب، لماذا لم تُعقَد قمّة؟ ولماذا الحديث عن القمّة على أنّها مؤجّلة وتتبع التطوّرات وإلى آخره؟ يبدو أنّ هناك شيئاً!

ثريّا الفرّا: نعم، مساء الخير أُستاذ "كمال" 

كمال خلف: مساء النور 

ثريّا الفرّا: لك ولضيوفك الكرام والمشاهدين الأعزّاء. بالتأكيد، بالنسبة إلى العمليّة العسكريّة التي يقوم بها الجيش السوري في مساندة روسيا أرى بأنّها تأخّرت حقيقةً، كان يجب أن تنطلق منذ عام، أن تُنفَّذ في الشكل الواسع. جميعنا نذكُر بأّن في كلّ مرة تنطلق العمليّات العسكرية ويقترب الجيش السوري من إدلب ويبدأ في تحرير القرى يُسارِع "إردوغان" إلى موسكو ويطلب من الرئيس "بوتين" تهدئة الوضع وهدنة على وعد بأنّه سيقوم بتنفيذ اتفاقيّة، نعلم ما نصّت عليه بنود اتفاقيّة سوتشي. لا شكّ أنّ بالتأكيد الرئيس "بوتين" هو مَن يقوم بتأجيل هذا اللقاء وأكبر دليل الاتّصال الهاتفي. مَن بادر إلى اتصال هاتفي؟ مَن بادر اليوم إلى اتصال هاتفي هو بالتأكيد الرئيس "إردوغان" الذي أجرى اتصالاً مع الرئيس "بوتين" بهدف تهدئة الوضع أو إطلاق هدنة جديدة في إدلب. ولكن حقيقة موسكو ما تقوم به، نعم

كمال خلف: يعني الرئيس "إردوغان" صعّد في الإعلام وهدّأ في الاتصالات الدبلوماسيّة 

ثريّا الفرّا: أحسنت، أحسنت. على فكرة، نحن اعتدنا على "إردوغان" ولهجته التي تتبع المثل القائِل: أسمعُ جَعْجَعةً ولا أرى طحيناً. في النهاية لا يخرُج طحين من جَعْجَعة "إردوغان"، نحن اعتدنا على هذه الأشياء والأمور كما يُقال في خواتيمها. أيّة معركة دخلها في النهاية لم يكسب، سواء دخوله في ليبيا أو ما يفعله في سوريا ولكن الآن الورقة الوحيدة التي يستخدمها هي ورقة التهديد وهي كلّ ما تبقّى لـ "إردوغان". لديه مُشكلة في الداخل، لديه مُشكلة في الخارِج، لديه مشاكل مع الاتّحاد الأوروبي، لديه مشاكل مع أميركا، لديه مشاكل مع الدول العربيّة، لهذا ماذا يفعل؟ لا يملك الآن سوى التصعيد، والأخطر من ذلك أنه يريد أن يُبقي الفصائِل المُسلّحة أو لنقُل التنظيمات الإرهابيّة بيده كورقة يضغط بها على دمشق وعلى روسيا وحتّى على الدول الأوروبيّة، مرّةً يُهدّد بالتنظيمات الإرهابية وأُخرى يُهدّد باللاجئين. آخر ما تبقّى لدى "إردوغان" بعد أن ملّ منه المُجتمع الدولي ووصلت الأمور إلى حدّ الاشمئزاز من مُجرّد ذكر اسم "إردوغان"، الآن بدأ يلجأ إلى التصعيد وهذا هو حقيقةً أسلوب "إردوغان"، دائماً هو يلجأ إلى التصعيد ويُظهِر بأنّه قويّ. يعني ذهب إلى أوكرانيا وهدّد من أوكرانيا ثمّ عاد مرّة ثانية كعادته يستسمح الجانب الروسي وهو مَن قام 

كمال خلف: أتسمحين لنا أيضاً، دكتورة "ثريّا" سنُكمل في هذا خاصةً في ما يتعلّق بالقوى الدولية. أُستاذ "حسين عبد العزيز" أسعد الله مساءك. هناك سؤال اليوم، وطبعاً آخذ رأيك بما تفضّل به الضيوف ولكن هناك سؤال اليوم بأنّ الصورة في الشمال السوري تبدو مقلوبة، يعني بينما كانت تركيا تعتمد على جماعات وفصائِل مُسلّحة بالوكالة أو أنّ هذه الجماعات تدعمها تركيا، ولن ندخل في الأسباب، أصبحت هذه الفصائِل والجماعات تريد من تركيا أن تُقاتل عنها بعد سلسلة انهيارات حصلت. هذا التطوُّر أو هذا التحوُّل في الميدان إلى ماذا يُمكن أن يؤدّي؟

حسين عبد العزيز: مساء الخير بدايةً أُستاذ "كمال"

كمال خلف: مساء النور 

حسين عبد العزيز: لك وللضيوف. أنا لا أُريد أولاً أن أُعلِّق على ما قاله الضيفان خصوصاً الضيفة من موسكو، واضح أنّ هناك مُشكلة شخصيّة مع الرئيس "إردوغان" وكلامها يبتعِد عن السياسة ولا يوجد وقت لأدخل في هذه التفاصيل. لكن جواباً على سؤالك أُستاذ "كمال"، تركيا لن تُشارِك في عمليّات عسكرية فعليّة، لا نتوقّع أن تحدُث معركة عسكريّة كُبرى في شمال إدلب يقودها الجيش التركي ويدخُل مباشرةً مع قوّات النظام ولا مع روسيا. الذي جرى بين النظام والجيش التركي هو مُجرّد مناوشة أو مناوشتين، لم تصل إلى أكثر من ذلك في تقديري. أولاً لأنّ هذا سيؤدّي إلى صِدام روسي تركي وهذا لا تقبل به لا موسكو ولا أنقرة. وحتّى نفهم نحن المسار العسكري يجب ألّا نفصله عن الرؤية السياسية العامة التي تربُط البلدين روسيا وتركيا. هناك علاقات مُهمّة بين الجانبين لا أحد يريد التفريط بها، ليس الأمر مرتبطاً فقط في الجغرافيا السوريّة وإنما في جغرافيا المنطقة في شكلٍ أوسع. موسكو في حاجة لـ تركيا في سوريا لأنّها الوحيدة التي تمتلِك اليد العُليا على المعارضة بشقّيها العسكري والسياسي، في حاجة إلى تركيا في الملفّ السياسي في شكلٍ مهم. تركيا لا تستطيع أن تتجاوز أيضاً موسكو في الجغرافيا السوريّة، العلاقات بين البلدين مهمّة على الصعيد الاقتصادي وعلى الصعيد الاستراتيجي. أنت لأوّل مرة تشاهِد تركيا منذ 120عاماً، منذ مئة عام منذ تسلّم "كمال أتاتورك" السلطة، لأوّل مرّة نُشاهِد تركيا تتجه إلى الشرق أكثر مما تتّجه إلى الغرب، هذا تحوّل مهم في الاستراتيجية الدولية

كمال خلف: لكن يبدو أنّها تعود الآن إلى وقع ما يحصل في إدلب

حسين عبد العزيز: لا لم تعُد. سيّدي، موقع تركيا الجغرافي بحُكم علاقتها مع آسيا ومع أفريقيا ومع أوروبا يجعل لديها خيارات، لكن لا نستطيع أن ننكر أنّ العلاقات بين الدولتين خلال السنوات الخمس الماضية في غاية الأهميّة بين روسيا وتركيا على كلّ الأصعِدة، وبالتالي يجب ألّا تصل الأمور إلى نُقطة الصفر، هذا أمر لا تريده لا موسكو ولا أنقرة ولذلك لاحظ التصريحات حضرتك، لاحظ تصريحات الكرملين وتصريحات الرئيس "بوتين" بأنّه يجب العودة إلى اتفاق سوتشي ويجب على تركيا أن تُنفِّذ ما تمّ التوافق عليه في اتفاق سوتشي. ما زلنا نتحدّث عن إطار وعن تفاهُم، إذاً لن تصل الأمور إلى نُقطة تجاوز سوتشي والذهاب في كسر عظم إلى ما لا نهاية. الخطوة هي الخلاف الآن بين الطرفين على نُقطة مهمة جداً 

كمال خلف: وهي

حسين عبد العزيز: ليست معرّة النعمان وليست سراقب، وأنا كتبت منذ أربعة أشهُر تقريباً بأنّ تركيا تتحمّل سقوط سراقب وتتحمّل سقوط معرّة النعمان وهذا ما جرى، لماذا؟ لأنّ هناك اتفاقاً في الأساس على الخطوط الدوليّة عند سيطرة النظام وهذا ما تمّ، لكن تركيا تخشى أن تذهب الأمور إلى ما بعد سراقب أو تحديداً إلى الأُنفور لأنّ الأُنفور يمرّ في عُمق مُحافظة إدلب وأريحا في اتجاه الغرب وفي اتجاه إدلب، هنا تركيا لا تُريد للنظام السوري ولا لـ روسيا التجاوز. قد تقبل بسقوط سراقب، قد تقبل بتشكيل منطقة عازلة جديدة 

كمال خلف: سيّد "حسين" اسمح لي، كلام مهم، لكن بما أنّك ذكرت الطرقات الدوليّة وهي تبدو عقدة أو هدف العمليّة العسكريّة الأساسي، سنرى هذه الخارطة في شكلٍ سريع للطرق الدوليّة ولخارطة السيطرة. مشاهدينا هذه هي خارطة السيطرة وآخر الأماكن التي وصل إليها الجيش السوري. هذا في اللون الأسود من حلب في اتجاه حماه. هذا هو الطريق M5 الذي سيطر الجيش السوري تقريباً عليه في شكلٍ كامل، بقيَت سبعة كيلومترات لم تتم السيطرة عليها بعد ولكن توجد سيطرة ناريّة عليها. M4 الذي كان يتحدّث عنه ضيفنا "حسين عبد العزيز"، هذا الذي يلتقي مع M5 في سراقب ثمّ يذهب في اتجاه اللاذقيّة ، كما نرى الطريق يمرّ فعلاً مباشرةً من داخل إدلب المدينة، هذه هي خارِطة السيطرة. سأعرِض خارطة ثانية زملائي لو سمحتم، نعم هذا هو الطريق الدولي في شكلٍ واضح من حلب إلى دمشق الذي يُرمَز إليه بـ M5 والذي تمّ تأمينه في شكلٍ كامل. مُشاهدينا أنا فقط أستميح ضيوفي، عذراً الانتظار قليلاً لأننا سننتقل إلى نيويورك مباشرةً ومعنا من هناك الدكتور "بشّار الجعفري" مندوب سوريا الدائِم في الأُمم المتّحدة. دكتور "بشّار" حيّاك الله 

بشّار الجعفري: مساء الخير أُستاذ "كمال" وشكراً لاستضافتي في برنامجك المُميَّز هذا والشكر والتحيّة لضيوفك الكرام

كمال خلف: حيّاك الله دكتور. قبل أيّام كان هناك جلسة في مجلس الأمن خاصّة بالوضع في إدلب. تابعنا تقريباً مُعظم المُداخلات التي قدّمها المندوبون لكن نودّ الاطّلاع من حضرتك على ما جرى خارِج عدسات الكاميرات، يعني ماذا كان يُراد من الجلسة، المواقف الحقيقية للدول خاصّةً أنّ في هذه الجلسة أُطلِق لأوّل مرّة موقفان الأوّل يتعلّق بدعم الناتو لـ تركيا والثاني مندوب إيران أعلن عن وساطته 

بشّار الجعفري: شكراً عزيزي. الحقيقة كلّ ما تتحدّثون عنه في برنامجك اليوم مهمّ، مهمّ من الناحية السياسية ومن الناحية السياسية – الجغرافيّة، الجيو بوليتكس، ولذلك أنا أنصح بأن تُسمّي هذه الحلقة الجزء الأول وأن تُلحِقها بعد أيام بجزءٍ ثانٍ 

كمال خلف: إن شاء الله 

بشّار الجعفري: على كلّ حال أترُك الأمر لعنايتك. الشيء الهام عزيزي هو أنّ جلسة مجلِس الأمن التي جرت حول سوريا في السادس من الشهر الحالي جاءت مُباشرةً بعد انتهاء السفيرة الأميركية لدى الأُمم المتّحدة من استدعاء أعضاء مجلس الأمن إلى غذاء عمل في مقرّ البعثة الأميركية، وحضر طبعاً غذاء العمل هذا "كوشنير" صهر الرئيس الأميركي المسؤول عن "صفقة القرن" وتبادل الرأي أو أطلَع أعضاء مجلس الأمن على تفاصيل موضوع "صفقة القرن" ثمّ انتقلوا من غذاء العمل مباشرةً إلى جلسة مجلس الأمن حول سوريا، بمعنى آخر أُريد أن أقول بأنّ الجلسة التي حدثت حول سوريا في السادس من الشهر الحالي هي جلسة طارِئة لم تكن مُدرَجة على جدول أعمال مجلس الأمن لهذا الشهر. بمعنى أنّ هناك مَن طلب عقد هذه الجلسة الطارِئة بين قوسين للتغطية على اللقاء الذي جرى في البعثة الأميركيّة في شأن الموضوع الفلسطيني. يعني أيضاً إذا أردنا أن نشرح أكثر بيت القصيد هو القضيّة الفلسطينية ولا بأس من استخدام أيّ مجال آخر، أيّ ملفّ آخر، أية قضيّة أُخرى للتشويش على هذا الملفّ 

كمال خلف: دكتور، كان هناك انزعاج حول انعقاد الجلسة، حتّى عبَّر مندوب روسيا ومندوب دولة أُخرى أيضاً، أعتقد إندونيسيا، من تكرار عقد الجلسات في ما يخصّ سوريا. يعني عُقِدت جلسة حول الوضع الإنساني، عُقِدت جلسة حول الملفّ الكيميائي وقبل يومين كانت هناك جلسة حول الوضع في إدلب. تكرار الجلسات في هذا الشكل حول الوضع في إدلب ما المغزى منه؟ 

بشّار الجعفري: عزيزي، هذه نُقطة أُخرى مهمّة في الحقيقة. عادةً في كلّ شهر هناك ثلاث جلسات رسميّة حول الملفّ السوري وهذا الشهر في ظلّ الرئاسة البلجيكيّة ستكون هناك ستّة اجتماعات. الاجتماع الأول جرى في 29 كانون الثاني، جلستين إذا تذكُر في نفس اليوم في 29 كانون الثاني  

كمال خلف: صحيح

بشّار الجعفري: جلسة مُشاورات مُغلقة حول الكيميائي في الخامس من شباط، والجلسة التي نتحدّث عنها صارت في السادس من شباط ولاحقاً هناك جلسة مُقرّرة للشأن الإنساني في 19 شباط تلحقها جلسة أُخرى حول الشأن الإنساني في 27 شباط. ستّ جلسات في ظلّ الرئاسة البلجيكية حول سوريا هذا الشهر. طبعاً أوّلاً الرئاسة البلجيكية ليست رئاسة صديقة لـ سوريا كما تعرِف وهي عضو في "الناتو"، والرئاسة البلجيكية، عودة إلى النقطة التي أثرتها وهي مهمة جداً، التهديد بـ "الناتو". يعني الوفد الأميركي، المندوبة الأميركية هدّدت رسميّاً في الجلسة الرسمية لمجلِس الأمن في السادس من شباط بأنّ "الناتو" سيحمي تركيا من تبِعات عدوانها على سوريا ومن تبِعات قيام الجيش العربي السوري بتحرير إدلب. بمعنى آخر أنّها استبدلت أجندة مجلِس الأمن بأجندة حلف "الناتو". هذا الأمر جديد ولم يسبق أن طُرِح في هذه الصورة، بمعنى التهديد المباشر، لكن ما يزيد الأمر سوءاً هو أنّ مجلس الأمن بتركيبته الحاليّة يتضمّن ستّ دول أعضاء في حلف "الناتو"؛ الولايات المتحدة الأميركية بريطانيا فرنسا ألمانيا بلجيكا وأستونيا. ستّ دول يعني تقريباً نصف أعضاء مجلِس الأمن هم أعضاء في حلف "الناتو"، فالسؤال الذي يطرح نفسه على كلّ مَن حضر الجلسة بمن فيهم السفير الروسي والصيني والإندونيسي هو الآتي، هلّ نحن في مجلس الأمن أم نحن في حلف "الناتو"؟ وأيّة أجندة يجب أن يسير عليها مجلس الأمن؟ طبعاً مجلِس الأمن عنده أجندة الأُمم المتّحدة، الأُمم المتّحدة عندها مبعوث خاص اسمه "غير بيدرسون"، فأجندة الأُمم المتّحدة ينفِّذها المبعوث الخاص وليس المندوبة الأميركية وليس حلف "الناتو" وليس مندوب "أستونيا". إذاً الرئاسة البلجيكية ليست حياديّة في المعنى السياسي للكلمة 

كمال خلف: دكتور، موقف الدول الغربيّة في جلسة مجلس الأمن لأوّل مرّة سمعنا بأنّ "الناتو" سوف يدعم تركيا في هذه الجلسة التي حضرتها وأدليت فيها ببيان حضرتك وأشرت إلى أنّ هذا الأمر خطير ويجعل من مجلِس الأمن منصّة لحلف "الناتو". لكن تزامناً مع إطلاق هذا التصريح كان هناك متحدِّث باسم "العدالة والتنمية" خرج ليقول بأننا ننتظر دعم "الناتو". "جيمس جيفري" أيضاً المبعوث الأميركي وصلَ إلى تركيا وقال الشيء ذاته، "نحن ملزمون بدعم تركيا. تبدو الأمور مُنسّقة يعني، أُطلِقت في مجلس الأمن لكن هناك تنسيق سابق قبل أن يُعلَن هذا الموقف في مجلِس الأمن 

بشّار الجعفري: عزيزي شكراً جزيلاً لطرح هذا السؤال الهامّ جداً. في الحقيقة المشهد الذي نراه هو أنّ المجموعات الإرهابيّة تُحاول أن تحتمي بـ تركيا باعتبار أنّ تركيا هي الراعية، يعني تركيا "إردوغان" طبعاً وليس الشعب التركي، الجماعات الإرهابيّة تحتمي بـ "إردوغان" لحمايتها  و"إردوغان" يُحاول توريط "الناتو" من خلال الاحتماء بـ "الناتو"، يعني هذا هو المشهد الذي نراه. لكن حقيقة الأمر هي أنّ "الناتو" هو الذي يستخدم "إردوغان" ويورِّطه في قصد طبعاً ضرب عدّة عصافير بحجر واحد كما نقول في العاميّ. الهدف الأول هو زرع شرخ كبير بين روسيا وتركيا، يعني تقويض التقارُب السياسي والجيو سياسي الذي يُحاول الرئيس الروسي "بوتين" بناءه مع تركيا. الغرب غير مرتاح لهذه العلاقة لذلك يريد توريط تركيا "إردوغان" في تصعيد في المنطقة بحيث يكون هو ونحن والآخرون من العرب الوقود بالنسبة له. في النهاية يكون "الناتو" هو الرابح وهو مَن يستخدم الكلّ. طبعاً رؤية "إردوغان" قصيرة المدى هي أنّه يعتقد بنفسه أنّه سلطان عثماني جديد وأنّ الغرب يحميه للعب هذا الدور، وبالتالي كما تفضّلت أنت أو أحد الضيوف الكرام، قالوا له منذ البداية " التفت شرقاً، نحن سنجعلك سلطاناً على العرب وعلى المُسلمين ولا تلتفت غرباً لأنّ باب أوروبا مقفل أمامك، و"الناتو" سيستخدمك طبعاً تحت عنوان "سنحميك في مغامرتك في سوريا وفي العراق وفي ليبيا وفي أماكن أُخرى". فهذا السؤال في الحقيقة في منتهى الأهمية. الآن "حزب العدالة والتنمية" كشف عن أنيابه، وجلسة مجلس الأمن كانت في منتهى الأهمية من حيث أنه كما قلت لك "الناتو" نعى وجود شيء اسمه "مجلس أمن"، طبعاً هذا "الناتو" اليوم، لكن الرئيس "بوش" الأب نعى الأُمم المتّحدة كلّها في الأول من آب 1990 بعد أن ورّطوا "صدّام" في الكويت وانهارت الكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي، وأطلق آنذاك في الجمعية العامة وكنت أنا موجوداً في القاعة آنذاك، أطلق شعار "نحن الآن ندخُل في نظام عالمي جديد"، والجميع يذكُر أنّه في تلك الفترة صدَرت مجموعة من الكُتب الهامّة جداً التي تُكرِّس هذه الرؤية الأميركيّة. "فرنسيس فوكوياما" نشر كتاب "نهاية التاريخ"، "بول كيندي" نشر كتاب "صعود وسقوط الإمبراطوريّات"، و" صموئيل هنتينغتون" نشر كتاب "صراع الحضارات". فالأميركيون نأوا بنفسهم عن نظام الشرعية الدوليّة كلّه منذ العام 1990، لذلك لم يكن غريباً، باعتبار أنّه لم يكن أحد يُسائلهم. لم يكن غريباً بعد كلّ هذه السنوات أنهم قالوا علانيةً وتحدّوا سلطة الأمن علانيّةً في جلسة مجلس الأمن حول سوريا قائِلين بأنّ "الناتو" هو الذي يُسيِّر العالم، وسياسات "الناتو" هي التي ستحمي "إردوغان" من حماقاته في سوريا  

كمال خلف: لأنّ الوقت ضيِّق، في الحقيقة عندما أعلنّا أنّ حضرتك ستكون في مُداخلة في الحلقة كانت هناك أسئلة كثيرة على صفحة البرنامج. لكن أنا انتقيت الأسئِلة التي تتقاطع مع بعضها. أكثر فكرة كانت تتعلّق بمصير سوتشي وأستانا في اعتبارك رئيس الوفد السوري في هذه المُحادثات. هلّ تعتبر دكتور "الجعفري" بأنّ هذه الاتّفاقات انهارت مع التطوّرات الحاصلة حالياً في الشمال السوري؟ 

بشّار الجعفري: عزيزي، أيضاً هذا سؤال هام لأنّ المندوبة الأميركيّة والمندوبة البريطانيّة ومندوب أستونيا، ثلاثتهم قالوا في الجلسة أنّ مسار أستانا لم يعُد قائِماً، يعني نعوا مسار أستانا وقالوا بأنّ الأُمم المتّحدة ومجلس الأمن ليسا مسار أستانا، بمعنى آخر أنّهم لم يعودوا يعترفون بمسار أستانا، وعلى العكس، السفيرة الأميركية قالت كلاماً أكثر من ذلك، قالت بأنّ مسار أستانا ليس مناسباً وغير ذي جدوى. بمعنى آخر أنّ "الناتو" قرّرت في شكلٍ من الأشكال، لأنهم يعرِفون بأنّ مسار أستانا أنجز الكثير، هو الذي أنجز المناطق المنخفضة التصعيد وهو الذي أوصل الجيش العربي السوري إلى تحرير إدلب حالياً وتحرير الغوطة وحمص والمنطقة الجنوبيّة والجولان من العصابات الإرهابيّة. إذاً "الناتو" يعرِف أنّ الوجع الرئيسي الذي يُصيبه هو نجاحنا نحن والدبلوماسيّة الروسيّة مع حُلفائنا الإيرانيين في مسار أستانا، ولذلك هم يستهدفون الآن مسار أستانا. الآن مسار أستانا ليس مِلكاً لـ "الناتو" كما تعرِف لأنّ "الناتو" لا يُشارِك في مسار أستانا 

كمال خلف: صحيح

بشّار الجعفري: هناك وفد صغير جداً اسمه وفد الولايات المتحدة الأميركية يُقاطِع جلسات أستانا منذ ثلاثة أو أربعة اجتماعات، لا يحضرون، بمعنى أميركا كانت تحضر في شخص سفيرها في كازاخستان في نور سلطان ومنذ أربع أو خمس جولات، في الحقيقة لا أذكُر بالضبط، لم يعودوا يشاركون. إذاً مسار أستانا لا علاقة له بالغرب، والغرب لا يُبارِكه في طبيعة الحال. من هنا مصلحتهم في القضاء على مسار أستانا وتحريك مسار الإرهاب 

كمال خلف: نعم. دكتور توجد أسئِلة كثيرة لكن أنا سأطرح سؤالاً واحداً، أيضاً من المتابعين "عبد الله الشامي"، وهو آخر سؤال، يتحدّث عن الرسائِل التي تُرسِلها الخارجيّة السوريّة عادةً إلى مجلِس الأمن والأُمم المتّحدة والأمين العام للأُمم المتّحدة، يقول إنّه عند كلّ حدث يكون هناك رسالة لمجلس الأمن والأُمم المتّحدة، لكن لا يتمّ التعامل مع هذا الأمر أو لا نعرِف كيف تتعامل الأُمم المتّحدة. إذاً هذه الرسائِل ما أهميّتها في مجلِس الأمن؟ 

بشّار الجعفري: أولاً هذه الرسائِل مهمّة لأننا من خلالها نُطلِع أعضاء مجلس الأمن الأصدقاء، ويوجد أصدقاء لنا في مجلس الأمن، على حقيقة ما يجري. بمعنى آخر أنّه إذا كانت الأمانة العامّة للأُمم المتّحدة تتجاهل عكس هذه الرسائِل أو مضمون هذه الرسائِل في تقاريرها، وإذا كانت الدول الغربيّة لا تُريد أن تتعامل مع هذه الرسائِل وتُشيح نظرها عنها، لكن هناك دول كثيرة في المجلس تحترم هذه الرسائِل وتقرأها وتأخُذ بها وتزيل الكثير من النقاط الوارِدة فيها في الجلسات المُغلقة. بمعنى أنّ هذه الرسائِل وعددها تقريباً اليوم 900 رسالة هي توثيق للحرب الإرهابيّة على سوريا منذ بدئِها في شهر آذار 2011. هذه هي فائِدة الرسائِل 

كمال خلف: في المؤسّسات الدوليّة. الأمور إلى تصعيد أمْ إلى تهدِئة دكتور في رأيك؟ 

بشّار الجعفري: في المعنى الجيو سياسي لا يُمكن أن تكون هناك تهدِئة، لأنها مثلما أنت أسميتها "كسر عظام"، يعني هناك صراع دبلوماسي يتحوّل إلى صراع سياسي، والصراع السياسي الآن يأخُذ أشكالاً عسكريّة من خلال كما قلنا تهديد "الناتو" بالتدخّل لحماية سياسات "إردوغان" العدائِيّة تجاه سوريا. لكن هناك أطراف عاقلة أُخرى في الدنيا الحمد لله، هناك رئيس عاقل اسمه "بوتين"، هناك رئيس عاقل اسمه "بشّار الأسد"، هناك رئيس عاقل في الصين، هناك قيادة حكيمة في إيران، ومعظمهم تربطهم علاقات جيدة بـ "إردوغان" لعلّ وعسى أن يكون هذا بمثابة صمّام أمان. عندما الإيراني يتحدّث مع التركي المفروض أن يؤثِّر في شكلٍ من الأشكال على هذا الجنون الإردوغاني. عندما الرئيس "بوتين" الروسي يتحدّث مع "إردوغان" المفروض أن يؤثِّر عليه خاصّةً كما قلتم في بعض المُداخلات أن الآن هناك خط غاز جديد و S400 والروسي يُحاول أن يُعقلِن "إردوغان" من خلال دمجه في شبكة العلاقات الحكيمة في المنطقة رغم جنونه. لكن للأسف إذا أراد الاحتماء بـ "الناتو" ويظلّ في مسار هذا المنهج الذي يتحدّث عنه وهو التدخُّل في شؤوننا الداخليّة فهذا الأمر سيقوده حُكماً وحتماً إلى مواجهة الجيش العربي السوري في عمليّات تحرير إدلب التي هي أرض سوريّة وليست أرضاً تركية 

كمال خلف: دكتور "بشّار الجعفري" مندوب سوريا في الأُمم المتّحدة من نيويورك أشكرك جزيل الشُكر على هذه المُداخلة وهذا الوقت الذي منحته لبرنامج "لعبة الأُمم"، شكراً جزيلاً

بشّار الجعفري: شكراً لك 

كمال خلف: حيّاك الله. دكتور "حسني محلي" أعود مرّة أُخرى في ضوء هذه القراءة التي قدّمها الدكتور "بشّار الجعفري"، بالنسبة إلى تركيا الآن هلّ العلاقات المُتميِّزة بينها وبين إيران، بينها وبين روسيا يُمكن فعلاً أن تُخفِّض التصعيد؟ يعني نحن ذاهبون بالتالي إلى اتفاق لا يُمكن فيه أن تنفلت الأمور ويُصبِح الصِدام مباشراً بين الجيشين السوري والتركي والروسي أيضاً هناك؟

حسني محلي: أنا لا أعتقد أنّه سيكون هناك خفض، أنا أتوقّع المزيد من التصعيد بالنسبة لـ تركيا أو الرئيس "إردوغان" لأنّه في وضعٍ صعب داخلياً. هناك أزمة داخليّة حادّة لا أريد أن أدخل في تفاصيلها، فلا بدّ أنّه سيُصعِّد في العلاقة أولاً مع سوريا 

كمال خلف: يعني دكتور أنت مع رأي أنّ التصعيد هو حاجة داخليّة للرئيس "إردوغان" 

حسني محلي: أكيد، أكيد. ثانياً يُضاف إلى ذلك أنّ الرئيس "إردوغان" لا يريد أن يُقال عنه بأنّه قد غدر أو قد طعن الإسلاميين من الخلف إن كان في موضوع إدلب أو في المناطق المُحيطة في إدلب الآن بعد سراقب أريحا وجسر الشغور ليتمّ مُحاصرة إدلب بالكامل كمدينة. أنا أيضاً لستُ مقتنعاً بأنّه كانت هناك تهدِئة من الرئيس "إردوغان" في الحوار مع الرئيس "بوتين" لأنّني أرى ذلك أو أوقِع ذلك من الإعلام الموالي للرئيس "إردوغان" لأنّه شنّ ويشنّ هجوماً عنيفاً ضدّ روسيا وضدّ إيران في موضوع سوريا. خلال الأيام القليلة القادمة

كمال خلف: لكن الدكتورة "ثريّا" قالت ما يعني أنّ التصريحات للرئاسة التركية شيء والفِعل على الأرض شيء آخر، وكأنّها أرادت أن تقول: هناك تصريحات عالية لكن الدبلوماسيّة لا تعكِس التصريحات 

حسني محلي: لا، أنا لا أتّفق مع ذلك لأنني أعرِف مدى حجم القوّات التي تمّ حشدها في المنطقة والقوّات التي تمّ إدخالها إلى المنطقة بالإضافة إلى المعلومات التي تتحدّث عن كميّات الأسلِحة التي أُرسِلت للمُسلّحين في المنطقة، بدليل إسقاط المروحيّة السورية يوم أول أمس، وسيكون هناك المزيد من هذا التصعيد لأنّ تركيا أو الرئيس "إردوغان" يُريد أن يُرسل رسائِل عديدة، ومن هذه الرسائِل كما قلت أنت قبل قليل ، عندما طلب المسؤولون الأتراك من الحلف الأطلسي ما معناه: تعالوا وخلّصونا وساعدونا في هذا الموضوع  بدليل أنّ "جيمس جيفري" جاء فجأةً وهو يتحدّث اللغة التركيّة وقال عن الجنود الأتراك الذين سقطوا في المنطقة، قال عنهم بأنّهم شهداؤنا، يعني يقصد شهداء الجيش التركي هم شهداء أميركا في نفس الوقت 

كمال خلف: نعم صحيح

حسني محلي: ويُحاول أن يستفزّ وقال هو ووزير الخارجيّة "بومبيو" بأنّ الحلف وأميركا سيساعدون تركيا في حربها مع روسيا وإيران والرئيس "الأسد" 

كمال خلف: تعتقد الآن دكتور أنّ هذه فُرصة الولايات المتحدة لإبعاد روسيا عن تركيا!

حسني محلي: نعم، هناك الكثير من المعطيات. نحن نعرِف أنّ هناك أزمة أساساً بين تركيا والولايات المتّحدة في موضع F35  و S400 بالإضافة إلى الكثير من العناصر. ولكن الولايات المتّحدة الأميركية التي أعلنت أمس تأييد تركيا في موضوع إدلب وفيه "النُصرة"، وهو تنظيم إرهابي وفق تصنيف 

كمال خلف: لكن في رأيك جادّون الأميركيون دكتور؟  

حسني محلي: نعم، في موضوع الموقف التركي في إدلب وجواره هم جادّون  

كمال خلف: الأميركيون!

حسني محلي: نعم همّ جادّون ولكن هناك تناقُض. يعني هم يقولون بأننا مع تركيا. في موضوع "النصرة"، "النصرة" تنظيم إرهابي وفق التصنيف الأميركي ووفق التصنيف التركي، لكن تركيا تقول عن وحدات حماية الشعب الكرديّة بأنّها تنظيم إرهابي ووحدات حماية الشعب الكردية محمية من الولايات المتّحدة الأميركيّة! يعني هذا التناقض في الموقف الأميركي يعكس في كلّ وضوح أنّ الرئيس "إردوغان" في موقف صعب. هو يريد أن يلعب في الأوراق التي يملكها مع روسيا من جهة، مع الولايات المتّحدة الأميركية من جهة، ولكن أنا أتوقّع أنّه لا يُفكِّر في أيّ شكلٍ من الأشكال أن يخرُج من المنطقة وأن يترُك إدلب في هذا الشكل. آخر جملة، لزميل قال بأنّه والله لأوّل مرّة منذ عشرين سنة دخلت تركيا إلى الشرق العربي أو المنطقة العربيّة. نعم، هي دخلت بعد عام 2002 أنت تذكر عندما الرئيس "عبد الله غول" جاء إلى دمشق ولكن هذا الدخول كان سلميّاً وجميلاً جداً حتّى 2011، بعد ذلك هذا الدخول أصبح عسكرياً 

حسني محلي: أصبح تدخلاً نعم وأصبح شيئاً آخر 

كمال خلف: دكتورة "ثريّا الفرّا"، أيضاً في ما يتعلّق بما جرى خلال الأيام الماضية في ضوء هذا الملفّ كان واضحاً أنّ وسائِل الضغط التركيّة واضحة، يعني تركيا تتجه في اتجاه "الناتو" في اعتبارها عضو في حلف "الناتو" و"الناتو" يقول: "سنحميها". الرئيس "إردوغان" طار إلى أوكرانيا وقال: "لا نعترِف بضمّ شبه جزيرة القرم على الإطلاق"، وهناك اتهامات بأنه حتّى تمّ دعم" جبهة النُصرة" في معركة النيرب وحدث اجتماع في مطار تفتناز وإلى آخره كما قالت بعض مواقع المُعارضة، بمعنى أنّ الرئيس "إردوغان" وضع أوراق الضغط أمام روسيا. في المقابل ما هي أوراق روسيا؟ 

ثريّا الفرّا: إلى الآن "إردوغان" لا يملك أوراق ضغط، يعني ما هي أوراق الضغط! بالنسبة إلى أوكرانيا المسألة مُنتهية، يعني هو على ماذا يُراهن؟ يُراهن على دولة لا تستطيع أن تحمي أراضيها ويُراهن على أوكرانيا، وأستغرب من الضيف عندما يقول بأنّ الموقف الأميركي موقف جادّ. يعني كيف هو الموقف الأميركي؟ نعلم بأنّ أميركا ورّطت "إردوغان" أكثر من مرّة، ونعلم بأنّ "حلف الناتو" تخلّى عن "إردوغان" عدّة مرّات وهذه ليست المرّة الأولى. يعني هلّ يعتقد "إردوغان" بأنّ يتورّط "الناتو" في حرب عسكريّة أو في مواجهة عسكريّة 

كمال خلف: بعد إسقاط الطائِرة الروسيّة أيضاً 

ثريّا الفرّا: أحسنت، بعد إسقاط الطائِرة الروسيّة، هذا أكبر دليل، عندما لجأ كالعادة، "إردوغان" عندما ينهزِم أمام الجانب الروسي ويلوِّح بالعصا الناتويّة، قال له "الناتو" هذه مُشكلة بينك وبين موسكو، إذهب وحلّها بنفسك. الجانب الأميركي كم مرّة خُذِل "إردوغان" من الجانب الأميركي، وضيفك يقول "أميركا جادّة في هذه النُقطة"، على العكس، أنا أرى "إردوغان" لا يملك ولا ورقة ضغط بل على العكس، "إردوغان" يملك أوراق ضغط عليه وليس أوراق ضغط يملكها. المُعارضة الآن تقوى في شكلٍ كبير، حتّى الآن هناك غضب جماهيري، إلى أين يذهب "إردوغان" بالجيش التركي؟ كيف يجعل "إردوغان" من الجيش التركي نقاط تُحاصر من قِبَل القوّات النظامية السورية. إذاً أين يذهب الجيش التركي؟ أين يذهب بأبناء الشعب التركي 

كمال خلف: دكتورة، ما هي احتمالات، عندما نتحدّث عن أوراق ضغط روسيّة، ما هي احتمالات أن تلجأ روسيا في حال التصعيد 

ثريّا الفرّا: إنّه لا يملك أوراق ضغط على العكس هو يملك أوراق 

كمال خلف: لا أنا أتحدّث عن روسيا هنا. في حال التصعيد هلّ يُمكن مثلاً، دعينا نطرح أمثلة، أن تُقدِم روسيا على تسليح فصائِل كرديّة في شرق شمال سوريا؟ هلّ يُمكن أن تلجأ إلى الضغط من خلال نقاط المُراقبة التركيّة المُحاصرة، سبع نقاط مُحاصرة اليوم، في ريف إدلب وريف حلب؟ 

ثريّا الفرّا: صحيح، هناك تسع نقاط تركيّة مُحاصرة، هناك يُحاصر الجنود الأتراك من قبل القوات النظاميّة السوريّة. على العكس روسيا تملك أوراق ضغط كبيرة. أولاً الآن الساحة، حقيقةً الحُكم للميدان، الآن مَن يملك أوراق الضغط، مَن يملك وضع شروط أساسية يسيطر على الميدان. الآن مَن يُسيطر على الميدان؟ الآن تركيا تقريباً شبه خاسِرة، هي كما يُقال في النزاع الأخير ويُحاول "إردوغان" ألّا يظهر أمام الشعب التركي بأنّه مهزوم. روسيا تملك أوراق كبيرة جداً، هي تملك السماء وتملك الأرض. الجيش النظامي السوري يتقدّم في شكلٍ سريع جداً. روسيا أعطت مهلة كبيرة، أكثر من سنة أعطت مهلة للجانب التركي لتنفيذ اتفاقيّة سوتشي. اليوم عندما يهرع "إردوغان" إلى الاتصال بـ "بوتين" هذا لا يعني بأنّ الدولة الأقوى هي روسيا. "إردوغان" لن يدخل في مواجهة عسكريّة مع روسيا. في البداية صعّد من اللهجة مع روسيا ثمّ عاد وندِم كعادته وابتعد عن الجانب

كمال خلف: ولا مع "الناتو"؟ 

ثريّا الفرّا: لا "الناتو" لن يتدخّل. أنا أؤكِّد لك أنّ "الناتو" لن يتدخّل عسكرياً، قد يقوم "الناتو" كالعادة بدعم تقديم سلاح للفصائل الإرهابية المتواجدة، وهذا ما وجده جيش النظام السوري عندما حرّر المناطق المتواجدة فيها التنظيمات الإرهابية عندما عثروا على أسلِحة غربيّة حصلوا عليها بالتأكيد من دول حلف "الناتو" والتي تقوم تركيا، مع العِلم أنّ اتفاق سوتشي ينصّ على ألّا يتم تزويد تلك الجماعات الإرهابية بالأسلِحة لأنّها زوِّدت في السابق والآن تُزوَّد من جديد. روسيا لن تتنازل عن موقفها، روسيا ماضية في 

كمال خلف: دعينا نسمع دكتورة "ثريّا" رأي الأُستاذ "حسين" أيضاً في هذا الأمر. في موازين القوى أُستاذ "حسين" بين الطرفين، إذا ما أراد كلا الطرفين أو الأطراف في الشمال السوري أن تستخدِم ما لديها من أوراق، أيّة أوراق مُرشّحة للاستعمال؟

حسين عبد العزيز: قبل أن نُجيب على هذا السؤال لو سمحت لي بلحظات أُعبِّر عن الموضوع الأميركي لأنّه في غاية الأهميّة. تركيا لن تذهب مع الأميركيين ولا مع "الناتو" ولن تسمح لهما أصلاً بالتدخّل في ملفّ إدلب. كلّ ما هنالك أنها في حاجة لهم على الصعيد السياسي لممارسة ضغط. أصلاً أميركا ليست جادّة في دعم تركيا وأصحاب القرار في أنقرة يُدرِكون ذلك. هي مُحاولة أميركيّة لزيادة التفاقم وتوتير الوضع أكثر بين أنقرة وبين موسكو واليوم "جيفري" حاول أن يُمثِّل ويتحدّث بلغة تركيّة ويقول للشعب التركي " شهداؤكم هم شهداؤنا". استخدام اللغة التركيّة كان مقصوداً لدغدغة مشاعِر الأتراك واستحداث ورقة ضغط على "إردوغان" للذهاب يميناً، للذهاب نحو الغرب. لا أعتقد أنّ "إردوغان" سيفعل ذلك ويترِك روسيا وتصل الأمور إلى نُقطة الصفر. المسألة في غاية التعقيد والعلاقة الروسيّة التركيّة في غاية الأهميّة في هذه المراحل التاريخيّة. أمّا فما يتعلّق بموازين القوى، طبعاً إذا أخذنا المعنى العسكري المحض، موازين القوى تميل إلى صالِح روسيا. طبعاً روسيا لديها ضوء أخضر أميركي أيضاً في السيطرة على الساحة الجغرافيّة السوريّة. لكن في تقديري العلاقة بين البلدين تسمح لـ أنقرة بالقبول في التنازل عن الكثير من المناطق في إدلب، وأيضاً هذه العلاقة تجعل من روسيا تغضّ النظر عن بعض المناطق في إدلب ومن هنا يُمكن حدوث التلاقي بين الطرفين. يعني روسيا لا تريد أن تفصلها عن كامل محافظة إدلب، ليست المرحلة التاريخية الآن

كمال خلف: أُريد أن أسأل سؤالاً بسيطاً أُستاذ "حسين"

حسين عبد العزيز: تفضّل

كمال خلف: ماذا تريد تركيا من إدلب؟

حسين عبد العزيز: أولاً سيّدي تركيا تفكِّر في ما هو بعد، لا تُفكِّر في هذه اللحظة. هي تريد هذه المنطقة الجغرافيّة التي تمتدّ على كامل الشمال السوري للقضاء على الوحدات الكرديّة، لكن هناك مسألة استراتيجية. الصراع السوري لم يصل إلى مُستوى الحلّ، لم نصل إلى مرحلة الحلّ. نحن لا زلنا الآن نتحدّث في مرحلة ما قبل شروط الحلّ، ما قبل شروط تهذيب شروط الحلّ، لكن عندما نصل إلى مرحلة الحلّ تركيا في حاجة إلى أراضٍ جغرافيّة في سوريا، في حاجة إلى قوّة عسكريّة ولذلك هي حافظت على "هيئة تحرير الشام" ورفضت أيّة محاولة للقضاء عليها 

كمال خلف: الدكتورة "ثريّا" تهزّ رأسها، يبدو أنّها غير موافقة على ما تقول. سآخذ رأيها في كلّ الأحوال، تفضّلي 

حسين عبد العزيز: اسمح لي فقط لحظة لأُكمِل الفكرة. لاحِظ حضرتك، توجد نُقطة ربما لا أحد انتبه إليها أو القليلون انتبهوا لها، الولايات المتّحدة الأميركية خلال العام الماضي 2019 شنّت أربع أو خمس غارات عسكريّة في إدلب ولم تكن أيّة غارة ضدّ "هيئة تحرير الشام". والمُفارَقة أن كلّ عمليّاتها العسكرية كانت ضد الفصائِل الإرهابية التي تقف على عداوة مع "هيئة تحرير الشام" لأنّ تركيا استطاعت إقناع الغرب، و"هيئة تحرير الشام" عدّلت من خطابها وألغت الجهاد العالمي وأصرّت على الجهاد المحلّي وهذا أميركا تقبل به

كمال خلف: تماماً 

حسين عبد العزيز: تركيا لن تتخلّى عن "هيئة تحرير الشام" بسهولة، هي في حاجة إلى عديد بشري قوي، تحتاج إلى أرض في المرحلة المقبلة ولذلك الروس يُدرِكون ذلك، ولو لم يُدركوا ذلك لما سمح الروس لـ تركيا بأن تحصل على درع الفرات ولا سمحوا لها أيضاً بالحصول على غصن الزيتون، هذه تركيا حصلت عليها من البوّابة الروسية وليس من البوّابة الأميركية 

كمال خلف: تماماً أُستاذ "حسين"، دعنا نأخذ رأي الدكتور "حسني". رأيك، أنت مع هذا التحليل؟ 

حسني محلي: والله رأيي في صراحة، السؤال الذي سألته سؤال مهم جداً، ماذا تريد تركيا من إدلب والأخ ردّ عليك في ما يتعلّق في إدلب والشمال السوري في شكلٍ عمومي. السؤال يجب أن يكون، ماذا تريد تركيا من شمال سوريا بأكمله وليس من إدلب؟ يعني لماذا دخلت جرابلس وأعزاز وكذا؟ لمحاربة "داعش"، "داعش" خرج لماذا هي باقية؟ لماذا دخلت تركيا إلى شمال الفرات؟ "حزب العمّال الكردستاني" و"وحدات حماية الشعب الكرديّة" اتفقت مع روسيا واتفقت مع أميركا في هذا الموضوع في كلا الحالين أو حتّى في موضوع عفرين أيضاً. يعني في هذه الحال أوكي دخلت وانتهى "حزب العمال الكردستاني" وفقاً للاتفاق الموجود بين روسيا وأميركا واتفقت مع الدولة السورية، إذاً لماذا لا تخرُج؟ في هذه الحال السؤال بسيط جداً ولكن لا يستطيع أحد أن يُناقش هذا الموضوع. لو أنت كنت في تركيا وسألت هذا السؤال، الأسبوع الماضي الرئيس "إردوغان" قال: " مَن يسأل لماذا نحن موجودين في سوريا إمّا هو غافل أو هو عدوّ للأمّة والدولة التركية"

كمال خلف: لكن اليوم قال إنّ هذا أمن قومي تركي 

حسني محلي: لا، الأمن القومي قبل شهر تقريباً مستشار الرئيس "إردوغان" "إبراهيم كالين" قال بأنّ "الأمن القومي التركي لا يبدأ من حدود تركيا الحاليّة ولا يبدأ من حدود ما يُسمّى بالميثاق الوطني، أي الشمال السوري بأكمله، بل يبدأ من بعد ذلك"، هذا كلام مُستشار الرئيس "إردوغان". الرئيس "إردوغان" أيضاً الأُسبوع الماضي قال: "أينما كان أجدادنا العثمانيون سنكون، في سوريا في ليبيا في شرق الأبيض المتوسِّط في شمال أفريقيا في البلقان في القوقاز"، هو قال هذا الكلام وكلامه لا يحتاج إلى تحليل وتأويل. هو يقول ويضع أُسس الاستراتيجية التركيّة وفق منظاره العقائِدي من دون شكّ الإيديولوجي في المفهوم الإخواني وكذلك التاريخي في المفهوم العُثماني 

حسين عبد العزيز: أُستاذ إذا سمحت لي، ممكن أن أُعلِّق؟ 

كمال خلف: تفضّل قبل أن نذهب إلى موسكو 

حسين عبد العزيز: في نصف دقيقة. أنا أُريد أن أُذكّر بوجود نُقطة في غاية الأهميّة، أوّل حديث عن مناطق خفض التصعيد لم يأتِ من موسكو وإنّما أتى من واشنطن من مؤسّسة "راند" عندما وضعت خطّة من أجل السلام في سوريا في نهاية عام 2015. كان الغرض أولاً، ضمن سياسة الحلّ من الأسفل، سيطرة النظام على كافة مناطق خفض التصعيد هذه باستثناء إدلب، وحتّى يتحقّق هذا الأمر يجب أن يتحقّق أمران. الأول إبعاد قطر والسعوديّة من المشهد الجغرافي السوري العسكري وإدخال تركيا، ليس بحكم قوّتها العسكريّة وإنما بحكم وضعها الجغرافي، وهذا يتطلّب حصر فصائِل المُعارضة في بقعة جغرافيّة واحدة وتحت هيمنة دولة واحدة هي تركيا حتّى يجري التفاهُم مُستقبلاً ضمن دولة واحدة هي تركيا. لذلك هناك تفاهُم دولي على أن تكون تركيا موجودة في إدلب. الآن الروسي يريد فقط أن يحصر هذه المسافة الجغرافيّة، لا أن تكون كامل مُحافظة إدلب وإنّما أن يكون القسم الشمالي فقط منها. هنا فقط الخلاف وأنا لا أعتقد مهما تصعّدت وحصل هناك تصعيد، تفضل 

كمال خلف: عندي سؤال أخير لك قبل أو أودّعك أُستاذ "حسين" حول الوساطة الإيرانية التي أُطلِقت من منبر الأُمم المتّحدة ومن الخارِجيّة الإيرانية ويتمّ الحديث عنها، لكن حتّى هذه اللحظة لم تبان معالمها. البعض يقول بأنّها صامتة ولكنها فاعلة، وهناك رأي آخر يقول أنّها ما تزال في طور الإطلاق الإعلامي أو الحديث الإعلامي. في تقديريك هل توجد وساطة إيرانيّة وازنة حالياً؟  

حسين عبد العزيز: شوف، لا توجد معلومات في أنقرة هنا أو في إسطنبول عن هذا الموضوع لكن أعتقد أنّ الإيراني لا يُصرِّح هكذا تصريح إلّا إذا كان يملك شيئاً، وأعتقد أنّ إيران قادرة على إيجاد حلّ. أيضاً إيران وتركيا رغم الخلافات الهائِلة والاستراتيجية في سوريا هناك الكثير مما يربط بين الدولتين في المنطقة، وأعتقد أنّ إيران في حاجة وأن الدور الإيراني مهم إذا ما تدخلت لكن في تقديري الآن الكلمة للروس وليست للإيرانيين. الروس هم المايسترو الفاعل في الساحة السوريّة خصوصاً في الشمال السوري. علينا أن ننتظر الأيام المقبلة لأنّها أيام حاسمة، إذا ما أخذ النظام قراراً مدعوماً روسياً في التوجّه إلى M4 أعتقد، وهنا أتفق مع أُستاذ "حسني"، بأنه سيحدُث اشتباك بين الطرفين

كمال خلف: اشتباك كبير

حسين عبد العزيز: وإذا الموضوع لم يتّجه في اتجاه الغرب أعتقد أنّ الأمور ستتجه إلى اتفاق سوتشي

كمال خلف: ستُحَلّ. أُستاذ "حسين عبد العزيز" الكاتب السياسي من إسطنبول أشكرك جزيل الشُكر. دكتورة "ثريّا"، توجد معلومات عن جهود روسيّة لعقد قمّة بين الرئيسين "الأسد" و "إردوغان" وأنّ اللقاء بين "حقّان فيدان" واللواء "علي مملوك" كان في غرض التمهيد لعقد هذه القمّة لكن التصعيد الأخير، أو هناك من افتعل التصعيد الأخير لأنّه لا يريد عقد مثل هذه القمّة. هلّ فعلاً هذا التصعيد يُعتبر تخريباً للجهود الروسيّة؟ وهلّ فعلاً روسيا كانت جادّة في عقد مثل هذه القمّة في تقديركِ؟ 

ثريّا الفرّا: طبعاً نعلم بأنّ روسيا تعمل على مسارين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري وهذا هو الجميل في التفكير أو التكتيك الروسي، أنّها تحاول قدر الإمكان أن تجمع جميع الأوراق. نعم نعلم أنّ روسيا تُحاول قدر الإمكان تقريب الموقف التركي السوري ورأينا في الفترة الأخيرة "إردوغان" تارةً يُصعِّد لهجته ضدّ الرئيس السوري وتارةً أُخرى يخفض من هذه اللهجة ورأينا أنّه لم يعُد يهاجِم الرئيس "بشّار الأسد" في الصيغة القديمة أو في الخطاب القديم بعد أن بدأ الكلام عن نوع من إجراء لقاء مباشر ما بين كلّ من الرئيس "إردوغان" والرئيس "بشّار الأسد". ولكن نعلم بأنّ دمشق ترفُض، دمشق جملةً وتفصيلاً ترفُض هذا اللقاء. المواقف التركية مرفوضة في شكلٍ كامل، يعني إلى الآن لم يُعطِ، نعم 

كمال خلف: دكتورة "ثريّا" أشكركِ جزيل الشكر "ثريّا الفرّا" أُستاذة العلوم السياسية في جامعة 

ثريّا الفرّا: الجانب التركي لم يُعطِ الأمان يعني 

كمال خلف: شكراً جزيلاً من موسكو. دكتور "حسني"  

ثريّا الفرّا: الآن دمشق تقول بالنسبة إلى تركيا، تعتبر تركيا احتلالاً. نعم 

كمال خلف: شكراً جزيلاً. دكتور "حسني"، بقي أن نتحدّث عن الداخل التركي. هناك موقفان لافتان في داخل تركيا أحدهما لرئيس "الحركة القومية" " دولت بهشري" الذي هو على يمين "إردوغان" وطالبه بالذهاب إلى دمشق واحتلال دمشق، وهناك "كمال كليشدار أوغلو" الذي هاجمه اليوم "إردوغان" بأقزع الصفات ووصفه بالخيانة وإلى آخره. كيف يؤثِّر مدى أو حجم هذه الخطابات داخل تركيا؟ الجنود الأتراك الذين قتلوا أيضاً في سوريا وعادوا كيف يؤثرون في الداخل التركي تجاه ما يحصل في شمال سوريا 

حسني محلي: يعني على السريع جداً، خلال السنوات الثماني الأخيرة ونتيجة موقف المعارضة في ما يتعلّق بانتقاد الموقف الرسمي للرئيس "إردوغان" في ما يتعلّق بـ سوريا سؤال بسيط جداً كما سألنا قبل قليل، أن تسأل المعارضة الرئيس "إردوغان" "ماذا تريد من سوريا "؟ "لماذا أنت في سوريا؟ والآن ماذا تريد من إدلب ولماذا أنت في إدلب بينما بينهم إرهابيون وفق التصنيف الرسمي التركي؟ خاصةً أنّ أكثر من نصف هؤلاء هم إرهابيّون أجانب. هذه أربع جُمَل المعارضة تعتمد فيها على سياسات المهاجمة للرئيس "إردوغان" وهو لا يستطيع أن يردّ من دون شكوى، أن يردّ كما قلنا إنّ الأمن القومي وكذا كذا. الآن بعد مقتل الجنود الأتراك الثمانية والأربعة أصبح لديه ممسَك وجعل من الموضوع قضيّة قومية، "والله شاهدوا يا عالم، سوريا قتلت جنودنا". إذاً هناك قضيّة دم ويُحاول أن يجعل من هذه القضيّة قضيّة دم. خلال السنوات الثماني الماضية الدولة السوريّة والرئيس "بشّار الأسد" والحكومة السوريّة والجيش السوري لم يفعلوا أي شيء ضدّ الدولة التركيّة والشعب التركي والأمن التركي، كلّ الحديث كان مع "إردوغان" 

كمال خلف: دكتور "حسني" الحديث يطول في هذا 

حسني محلي: أكيد 

كمال خلف: دكتور "حسني محلي" الكاتب السياسي شكراً لحضورك هنا في الاستديو. مشاهدينا "لعبة الأُمم" انتهت، منتِج هذه الحلقة أشكره "زاهر أبو حمدة" وأشكر "بترا أبي نادر" مُخرجة هذه الحلقة أيضاً وإلى اللقاء في الأربعاء المقبل