علوية صبح - روائية عربية

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. لا مبالغة في قولنا أنّ ضيفتنا من ألمع الكاتبات العربيّات وأكثرهنّ إخلاصاً لفعل الكتابة. وما فوزها مؤخّراً بجائِزة "العويس" الثقافية عن فرع الرواية سوى تحيّة مـتأخّرة لمبدعة لبنانية عاشت مواسم الحبر والورق على تنوُّع الفصول واختلافها وظلّ ما تكتبه ربيعاً دائِمَ العطر والاخضرار ذلك لأنّها اختبرت العيش في أزمنة الحرب والسلم وما فيها من ويلاتٍ ومُغريات، فكتبت (بيروت) والجنوب والمرأة والحبّ والجسد وفنّدت التحوّلات العاصفة في الناس والأمكنة وسطّرت من خلال مصادر فرديّة الأحوال التي طرأت على الجماعات والبلاد. نهضت من نوم الأيام وسردت "حكايا مريم" و"دنيا" ورفيقاتهما لتغوصَ في بحر حبرٍ رحبٍ وتكتشف عالماً شيّقاً أخّاذاً "إسمه الغرام"، وضيفتنا روائيّةٌ عربيّةٌ لبنانية مبدعة إسمها "علويّة صُبح". أهلاً وسهلاً ومرحباً 

علويّة صُبح: شكراً يا أُستاذ "زاهي " على هذه المقدِّمة المؤثِّرة 

زاهي وهبي: العفو

علويّة صُبح: والتي هي جائزة أيضاً 

زاهي وهبي: تستأهلين أكثر، تستأهلين كلّ الجوائِز. مبروك أولاً جائِزة مؤسّسة "سلطان العويس" الثقافية عن سنة 2019 فرع الرواية

علويّة صُبح: شكراً، الله يبارك فيك 

زاهي وهبي: ماذا عنى لكِ هذا الفوز؟ 

علويّة صُبح: للحقيقة أنا سُعِدت جداً في الجائِزة وشرّفتني، أولاً لأنّ جائِزة "العويس" جائِزة عريقة ومشهود لها بمصداقيّتها ونزاهتها وانحيازها للفنيّة وهذا هو شرطها 

زاهي وهبي: كنت تتوقعين هذا الأمر أم كان مُفاجِئاً بالنسبة لكِ؟ 

علويّة صُبح: لا، في الحقيقة كان مُفاجئاً لأنني لا أهتمّ ولا أُتابع كثيراً الجوائِز، ولكن تفاجأت من ناحية واحدة وهي هذا الانحياز للفنيّة في أعمالي التي أُخِذت في عين الإعتبار في الجائِزة، تفاجأت لأنني كسرت كلّ الـ Taboos أو المحظورات بعد أن حُجبت عنّي الكثير من الجوائِز العربية 

زاهي وهبي: نعم، بسبب جرأة كتاباتكِ 

علويّة صُبح: نعم، بسبب جرأة كتاباتي. ففي هذا الموضوع فاجأني الأمر وسُعدت جداً في الحقيقة كما أنّ القدر الذي أسعد الناس والقراء والكُتّاب والمثقفين العرب بالجائزة أيضاً أسعدني جداً

زاهي وهبي: طبعاً لأنّ الكلّ يعرفون قيمتكِ الأدبيّة والروائِيّة والفِكريّة ويحبّونكِ 

علويّة صُبح: والكل قالوا لي أنني تأخّرت 

زاهي وهبي: ويعتبرون أنّكِ ظُلِمتِ لأنّ في جوائِز أُخرى كان اسمكِ دائِماً مطروحاً ولكن لأسباب كثيرة وتدخّلات أحياناً لا نريد ذكرها بل نريد أن نقول أنّكِ تستعدّين لإصدار رواية جديدة بعد تقريباً ثماني سنوات من التوقُّف عن النشر. عن ماذا تتحدّث روايتكِ الجديدة؟

علويّة صُبح: لو تدع هذه الـ Surprise للقارئ

زاهي وهبي: يعني الموضوع الرئيسي، أو هلّ فيها استكمال لما بدأتِه في الروايات السابقة؟ في "مريم الحكايا"، في "دنيا"، في "إسمه الغرام"؟  

علويّة صُبح: أنا لا أُكرِّر ذاتي، التحدّي أمام نفسي ألّا أُكرّر ذاتي. رواياتي الثلاث الأُول اعتبرها النقّاد ثلاثيّة ولكن كلّ رواية منها لها عالمها وخصوصيّتها وبناءها الفنّي، ولكن ما يجمعها طبعاً هو الكلام، السرد عبر الكلام 

زاهي وهبي: ممكن أن يُصبحوا رباعيّة في الرواية الجديدة أم تتجهين إلى مُفترق طُرق؟ 

علويّة صُبح: لا، متّجهة إلى مكانٍ جديد ومناخٍ جديد، وحقيقة ما أُريد أن أقوله أنّ روايتي الجديدة لا تنفصل عن الزمن العربي الآن 

زاهي وهبي: نعم، ما يدور في العالم العربي 

علويّة صُبح: في العالم العربي، ولأكون صريحة تعرّضت لمرض صعب 

زاهي وهبي: أنا كنت سأسألكِ، يعني توقفتِ قسراً تقريباً عن الكتابة لكنك ظللتِ مُصرِّة رغم الظرف الصحّي الصعب جداً الذي مررتِ فيه على أن تظلّي موجودة في المقهى وعلى أن يظلّ القلم وتظلّ الورقة، ما زلتِ حضرتكِ تستخدمين القلم والأوراق في الكتابة. كيف عشتِ هذه التجربة القاسية؟ 

علويّة صُبح: تجربة قاسية لسنوات

زاهي وهبي: ما الذي حصل بالضبط؟ 

علويّة صُبح: هي مُشكلة توتُّر أدّت إلى عُطب في خليّة لاقت مادة "الدوبامين"

زاهي وهبي: نعم 

علويّة صُبح: فبالتالي تعرّضت لتشنّجات وارتجافات وعدم قُدرة على التمسُّك بأيّى عضلة أو بأيّ عصب في جسمي، والأدوية كانت مُهدّئة ومُخدِّرة جداً. السنوات الأولى الخمس ربما كانت صعبة جداً جداً عليّ، حتّى أنني كنت أحياناً أغيب عن 

زاهي وهبي: شبه فقدان ذاكرة تعنين؟ 

علويّة صُبح: لا، عدم تركيز وعدم تذكُّر أيّ شيء، يعني كانت تجربة قاسية 

زاهي وهبي: اليوم، عفواً، عندما ترين الأوراق، وكنتِ تخبرينني أنّ عندكِ أوراق كثيرة عليها كتابات ولا توجد فيها كلمة إلى جانب كلمة أُخرى كما قلتِ لي

علويّة صُبح: أجل في الحقيقة 

زاهي وهبي: ما هي المشاعِر؟ ما الذي تستعيدينه عندما ترين هذه الأوراق؟ 

علويّة صُبح: أنا لم أتوقّف عن الكتابة. كنت أكتب في المقهى، كنت أذهب يومياً إلى المقهى وفي الحقيقة حتّى في عزّ مرضي لم أتعامل مع نفسي كمريضة وكنت دائِما أعتبر أنّ هذا الأمر عارِض صحّي ولم أفقُد لا ابتسامتي ولا روحي وفرحي بالحياة وشغفي في الحياة وشغفي في الكتابة

زاهي وهبي: وأنا أشهَد على ذلك 

علويّة صُبح: فكنت أذهب إلى المقهى وأكاد أقع على الأرض ولم يكن هذا الأمر يهمّني. عندما بدأت أُعيد تصفُّح الأوراق لأُعيد الكتابة وجدت دفاتر لا توجد فيها كلمة إلى جانب أُخرى لها معنى 

زاهي وهبي: حلو هذا الإصرار الذي كان عندكِ 

علويّة صُبح: ولكن ابتسمت وتركت هذه الكتابات ذكرى بالنسبة لي، فبالتالي الرواية لا تنفصل فيها تجربة المرض كمرجِع واقعي وحيد في الرواية إنّما الباقي متخيّل. حياة امرأة شُجاعة متحرّرة تستعيد ذاكرتها من خلال أيضاً الكلام 

زاهي وهبي: على سيرة المقهى وقبل أن نتحدّث أكثر عن علاقتكِ بالكتابة في شكلٍ عام ورواياتك دعينا نذهب إلى المقهى، إلى مقهى "الروضة" في (بيروت) برفقة "سحر حامد" زميلتنا لنستمع إليكِ في الجزء الأول من "قطع وصل" 

قطع وصل - علويّة صُبح: 

- إذا أردتم أن تلتقوا بي في (بيروت) أنا أمكث في مقهى دائِم في (الحمراء)، وحينما أُريد أن أرتاح وألتقي بأصدقاء تكون مواعيدي في "الروضة" لأنّه مكان أنيس وله ذاكرة وله تاريخ ويُطلّ على البحر. منذ بداية عهدي بالكتابة وأنا أكتُب في المقهى يعني هو المكان الذي أؤرِّخ فيه كتاباتي               

- المثقّف ليس عنواناً إذا قرأ أحدهم كتاباً أو كتابين، الثقافة هي معرِفة، هي عالم واسع من الاطّلاع، هي إنتاج معرفيّ وليست فقط استهلاكاً وقراءة. الثقافة حوار بين ما تنتجه المرأة وما ينتِجه الرجل أو بين أيّ مثقف وآخر 

- "النسويّة" تغيّرت الآن، لم تعُد أصوليّة أو تقول للرجل "أفسح لي أريد أن أكون مكانك، أو أن ألغيك، أو أن أسترجل، أو أكون أنا بديلاً عنك"، بالتالي النسويّة بالنسبة لي هي فقط كيف يُمكن أن أكتشف وأن أُعبِّر عن مكنونات المرأة ولغة المرأة، وهذا لم يكن سهلاً عليّ

- أصعب خسارتي هي ربما رحيل والدتي لأنّ خسارة الأُمّ من أصعب الخسارات، وأجمل انتصاراتي أنني تمكّنت من أن أصل إلى القارئ والقارئة وأن يُحبّوا أعمالي. أعني هذا شيء كبير وليس قصة نصر بل سعادة ومسؤوليّة جديّة لإنتاج المزيد من الإبداع بما يُرضيني ويُرضي القارئ 

زاهي وهبي: إن شاء الله الانتصارات دائِمة، وانتصرتِ أيضاً على المرض مثلما قلنا ورجعتِ إلى الكتابة وتستعدّين لإصدار روايتكِ الجديدة

علويّة صُبح: نعم 

زاهي وهبي: كم العودة إلى الكتابة هي عودة للفرح، عودة للحياة بالنسبة إلى حضرتكِ؟ 

علويّة صُبح: شوف، أنا لم أعُد إلى الكتابة، كنت دائِماً أكتُب 

زاهي وهبي: لا، أقصد الكتابة في المعنى الواعي، النشر وإصدار رواية جديدة 

علويّة صُبح: بالتأكيد، استخدمت الكثير من الأشياء التي كتبتها وستكون مُفاجأة لأنّها فعلاً أيضاً جداريّة كبيرة وملحمة وشخصيّات وحيوات لنساء ورجال، وأكتُب بصدقٍ فظيع كما العادة. سيُفاجئ القارئ بعمل مختلف عن أعمالي السابقة لأنه يُتابع إذا أردت مشروعي في الكتابة. أنا لديّ مشروع 

زاهي وهبي: ما هو عنوانه العريض؟ 

علويّة صُبح: هذا المشروع هو كيف يُمكن؛ إذا أردت عنوانه في جملتين. "كيف يُمكن أن أكتب كأُنثى وكامرأة وأن أُعبِّر فعلاً عن حيوات وأسرار النساء في لغتهنّ الحقيقية وليس في استعارة من أدب ذكوري أو الأدب الذي أسسه 

زاهي وهبي: يعني تؤمنين بجنسٍ للأدب؟ يعني أدب نسويّ وأدب 

علويّة صُبح: لا، لا أؤمن بأدبٍ نسويّ، الأدب أدب لكن أقول حساسيتي كأُنثى، تعرية ذاتي كأُنثى، كشف أسرار النساء وخباياهنّ والعلاقة بالرجل. يعني هذا شواغلي

زاهي وهبي: لأيّة غاية؟ يعني لماذا 

علويّة صُبح: الغاية، يعني هذه العلاقة بين المرأة والرجل هي كاشفة لأسرار كثيرة للمُجتمع، للذهنيّات التي تتحكّم بالعلاقة بين المرأة والرجل، لمفاهيم اجتماعية. يعني حتّى الكتابة عن الجسد ليست مجّانيّة أو ليست 

زاهي وهبي: يعني ليست كتابة مُبتذلة 

علويّة صُبح: لا، هي أيضاً كاشفة. لا يُمكن أن نختزل الجسد بالجنس، الجسد مسألة حياة بكاملها، يعني أنت غير موجود من دون جسدك وبالتالي هذا الوجود، هذه العلاقة مع الآخر هي كاشفة للذات الإنسانيّة وللذات البشريّة ولمجتمعنا ومُضيئة على كلّ ما في خفايا المُجتمع 

زاهي وهبي: نعم، كم من خلال الأصداء التي تصلك من قرّائك، كم تقبّل قارؤك هذا الاشتغال على هذه الموضوعات؟ كم كان متقبّلاً لجرأتكِ، لاشتغالكِ على الجسد، على العلاقة بين الجنسين، على علاقة المرأة بنفسها؟ 

علويّة صُبح: شوف، أريد أن أقول لك شيئاً. أتذكّر قبل أن تصدُر "مريم الحكايا" قرأها الدكتور "سماح إدريس" مع ناشرتي مديرة "دار الآداب" 

زاهي وهبي: نعم "رنا إدريس" صديقتنا "رنا إدريس" 

علويّة صُبح: "رنا إدريس" التي آمنت بي وهي أولّ من قرأ الرواية وأصرّت عليها. أذكر أنّ الدكتور "سهيل إدريس" قال لي: "لا، أنا لا أنشُر هكذا رواية جريئة"

زاهي وهبي: والدها 

علويّة صُبح: نعم والدها وكان لا يزال على قيد الحياة الله يرحمه، الكاتب الكبير أعني

زاهي وهبي: طبعاً معروف 

علويّة صُبح: فكان ردّي وكنت أُدرِك تماماً أنّ هذه الرواية ستكون، لأنني اشتغلت عليها كثيراً وكنت أُريدها أن تكون صادمة ونُقطة تحوُّل في كتابة المرأة وكتابة الرواية العربيّة فقلت له في كلّ بساطة "لا يا دكتور "سماح"، لن يشتمني أحد. هذه الرواية سيحبّونها ولن تجد من سينتقدها. فقال لي: " ما هذه الثقة بنفسك!"، فقلت له أنني أعلم ما اشتغلته ولست أتحدّث من باب 

زاهي وهبي: الدعاية

علويّة صُبح: لا أبداً لكن قلت له أنني اعرِف ما هو الأدب وأنا أتوقّع هذا النجاح 

زاهي وهبي: أنا سبق 

علويّة صُبح: ولكن سأقول لك شيئاً، ما فاجأني أن الكثير من الناس في البداية اعتبروا أنني أكتب بجرأة 

زاهي وهبي: جنس و 

علويّة صُبح: مع أنّ الجنس لا يأخذ منها سوى أشياء بسيطة، ولكن بعضهم قال: " كيف تكتُب هكذا؟ وهذا الكتاب لا نضعه في بيتنا حتّى من مثقفات وباحثات"، فتفاجأت وأنا لم أكن أعتقد أنني أكتب بجرأة لأنّه لا يُمكنك أن تكتب الأدب من دون حريّة 

زاهي وهبي: هل يمكنني أن أقول أنّ القرّاء كانوا أكثر تسامحاً من بعض المثقفين؟ 

علويّة صُبح: أجل لكن بعد ذلك تغيّروا عندما فتحتُ مجالاً أيضاً للكتابة الحرّة. ربما كنت من أوائل من فتحوا هذا المجال الواسع وأكيد "ليلى بعلبكي" فتحت أيضاً هذا المجال 

زاهي وهبي: نعم، الروائيّة صاحبة "أنا 

علويّة صُبح: "أنا ذهبت أنا أحيا". "حنان الشيخ" أيضاً عندها أشياء كُتِبت بجرأة 

زاهي وهبي: و"غادة السمّان" 

علويّة صُبح: "غادة السمّان"، ولكن كتاباتي تميّزت بأن القرّاء وجدوا فيها شخصياتهم وحيواتهم وذواتهم وأحبوها لأنهم وجدوا مجتمعهم، يعني لحدّ الآن مثلاً، روايتي "مريم الحكايا" منذ عشرين سنة، لا يزال الناس يقولون لي،  "هذا المشهد وهذا الحوار"

زاهي وهبي: حتّى أنني أذكُر اللهجة الجنوبيّة المحكيّة، محكيّة جنوب (لبنان) موجودة في شكلها الفِطري كما هي 

علويّة صُبح: حتّى في السرد لجأت إلى المحكي لأنني وجدت هذه "الشهرازاديّة" عندي فلجأت إلى المحكي لأنني وجدت أنها وسيلة جميلة يُمكن أن تكون إبداعاً حقيقياً 

زاهي وهبي: على كلّ حال نحن سبق وتحاورنا حول مضمون رواياتكِ ولكن علاقتكِ في شكلٍ عام في الشخصيّات يشعر القارئ أنّها علاقة حميمة سواء مع الشخصيّات الإيجابية أو السلبية، مع شخصيّات تشبهكِ فعلاً وحقاً في الواقع. من معرِفتي أنا كقارئ يعرِف الكاتب 

علويّة صُبح: بعض التسرّبات منّي أجل 

زاهي وهبي: أو حتّى الشخصيّات النقيضة لشخصيّتكِ لكن توجد علاقة بينكِ وبين هذه الشخصيّات، لا أدري، كأنّكِ أُمّهم، كأنّكِ حبيبتهم، كأنكِ تُحبّينهم 

علويّة صُبح: أولاً لا يُمكنني أن أكتب شخصيّة من دون أن أتقمّصها حتّى لو كانت قاتلة، حتّى لو كانت مهما كانت. عليّ أن أحسّ أنّ هذه هي الشخصية، يعني أنا أغيب عن "علويّة" وأغيب عن الواقع كلّه أثناء كتابتي وتصير هذه الشخصيّة، رغم أنّ رواياتي فيها شخصيّات كثيرة وقصص تتوالد من بعضها البعض وشخصيّات مُتناقضة، ولكن كلّ شخصية أحسّ أنني صرتها 

زاهي وهبي: لكن عندما تنتهي 

علويّة صُبح: عندما أحسّ أنني أكتُب لكن ليس في يدي 

زاهي وهبي: في عصبكِ، في شرايينكِ  

علويّة صُبح: في عصبي، في إحساسي، في شراييني، في لحمي، في دمي، ربما من أجل هذا يشعر القارئ أنّ شخصيّاتي من لحمٍ ودم، شخصيات حيّة  

زاهي وهبي: نعم، كأنّها شخصيّات حقيقية رغم أنّ مُعظمها متخيّل أو مُخترع 

علويّة صُبح: طبعاً 

زاهي وهبي: لكن عندما ينتهي العمل الروائي 

علويّة صُبح: لكن سألتني سؤالاً جميلاً جداً أريد أن أجيبك عليه، بالنسبة لعلاقتي مع الشخصيات لا أحكم في قيمة الشخصية أثناء كتابتي عنها  

زاهي وهبي:  في أنّ هذه جيّدة وهذه غير جيّدة 

علويّة صُبح: أحاول أن أفهمها وأن أُعبِّر عنها ولا أُلبِسها لغتي ولا أُلبِسها إحساسي بل أجعلها هي تنطُق. من أجل هذا عندي تعدّد أصوات في رواياتي، لا أُسيطر، يعني لا أكون أنا الراوية العليمة التي تُصادر لغة الشخصية أو الراوية الاستبدادية. بعد أن تنتهي روايتي أقوم بحُكم قيمة على الشخصيّات، قد أُحب هذه ولا أُحب تلك الشخصية. مثلاً "دنيا" عندما عدت وقرأتها قُهِرت منها لأنّها ضعيفة إلى هذا الحدّ مع أنّ نهايتها تركتها مفتوحة على الحريّة، وقارئاتي قلن لي "غيّرتِنا، اكتشفنا ضعفنا"، الكثيرات من النساء قلن لي "دنيا غيّرتنا"، الكثير من النساء قلن لي أن شخصيات رواية "اسمه الغرام" عرّفتنا على أجسادنا وصرنا متصالحين مع أجسادنا"، "ليتني أنا "نهلة" أو أُخرى قالت لي "أنا نهلة". يعني قدرتي على خلق الشخصيّات الحيّة جعلت قرّائي يُحبّونني ويُحبّون أعمالي ويحسّون أنهم موجودون فيها. شوف، مهما كان الأدب إبن الواقع لا ننسى أيضاً أنّ الواقع هو إبن الثقافة التي ننتقيها

زاهي وهبي: طبعاً. لو سمحتِ لي فقط لنتمكّن من أن نتحدّث في أكثر من محور. من خلال المصائِر، يعني من خلال مصائِر أفراد شخصيّاتكِ التي تعني في النهاية مصائِر فرديّة 

علويّة صُبح: صحيح 

زاهي وهبي: كم في نفس الوقت كتبتِ ذاكرة جماعيّة إن أمكننا القول؟ كم في رواياتكِ استعادة لزمن الحرب وزمن السلم والتحوّلات التي طرأت على المكان؟ عندما نقول المكان نقصد (بيروت) و (لبنان) والعلاقات الإنسانية في هذا المكان؟ 

علويّة صُبح: أكيد، رواياتي لا تتحدّث فقط عن الجسد بل عن الحرب وعن الصداقة وعن الزمن الماضي زمن العثمانيين. دائِماً أجيال ودائِماً شخصيّات متنوِّعة منها المّثقفة منها الشعبيّة، وأكثر ما يغويني هو الشخصيات الشعبيّة

زاهي وهبي: نعم

علويّة صُبح: تغويني في شكل كبير لأنّها كاشفة جداً جداً 

زاهي وهبي: أكثر وضوحاً ربما الشخصيّات الشعبيّة 

علويّة صُبح: ليست قصة أكثر وضوحاً بل حيّة 

زاهي وهبي: أكثر حياة

علويّة صُبح: فيها حياة أكثر وفيها قاع المُجتمع، فيها روائِح وفيها 

زاهي وهبي: حقيقة المُجتمع 

علويّة صُبح: حقيقته نعم. بالنسبة إلى كم استطعت أن أعكس الأزمنة، ربما، لا أدري. الروائي الكبير "صنع الله إبراهيم" أرسل رسالة لـ "دار الآداب" يقول فيها: "علويّة صبح" عكست في رواياتها خمسين سنة من حياة الأُمّة العربية"

زاهي وهبي: وفي روايتكِ الجديدة تعكسين حياة الأُمّة العربيّة في السنوات العجاف 

علويّة صُبح: أيضاً وفي الماضي، دائِماً أنا ألعب في الزمن أذهب وأعود ودائِماً تُشغلني الذاكرة، أتعلم لماذا تُشغلني الذاكرة؟  

زاهي وهبي: وللمفارقة أنّ هذه السنوات العجاف كانت على المستوى الشخصي عجافاً، يعني تجربة المرض التي عشتها، ومرض أوطاننا للأسف. سأسألكِ أكيد بعض الأسئِلة عن الواقع الذي نعيشه في (لبنان) وفي الوطن العربي ولكن اسمحي لنا أن نتوقّف لحظات ثمّ نُتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني: 25:00   أأ           

زاهي وهبي: مُشاهدينا نُتابع "بيت القصيد" مع الروائيّة العربيّة اللبنانيّة المُبدِعة "علويّة صُبح". تحدّثنا عن اشتغالكِ على الجسد وتشتغلين كثيراً على علاقة المرأة بجسدها في أحوالها المُختلفة وفي أعمارها المُختلفة. يعني في "اسمه الغرام" تتحدّثين عن علاقة امرأة متقدّمة في السنّ يُمكننا أن نقول. علاقة الرجل في جسد المرأة أيضاً تحضُر في أعمالكِ 

علويّة صُبح: طبعاً 

زاهي وهبي: وكأننا نفهم منكِ أنّ الرجل يشتهي جسد المرأة لكنّه مُرتبِك في العلاقة معه أو يخافه 

علويّة صُبح: شوف، أنا أُريد أن أتحدّث عن أعمالي 

زاهي وهبي: من خلال أعمالكِ طبعاً 

علويّة صُبح: وماذا قلت في أعمالي ومن خلال الشخصيّات. المُشكلة أنّ الرجُل في بلادنا، وهذا له علاقة أيضاً في التأثير على كتاباته، الكتابة الذكورية، أنه يفترِض أنّه مالِك هذا الجسد وليس هذا الجسد هو الآخر 

زاهي وهبي: الندّ 

علويّة صُبح: لا ليس الندّ، الآخر 

زاهي وهبي: الشريك 

علويّة صُبح: الآخر الموجود كآخر وكإنسان. المرأة ليست إنساناً عنده بل فقط أداة للجنس، أداة للتملُّك، أداة، يعني أصلاً لا يعترِف بكونها إنساناً 

زاهي وهبي: لكن كم هذا الأمر مؤلِم للمرأة؟ 

علويّة صُبح: طبعاً. لكن المُشكلة وما يؤلم هو أنّ النساء لبِسنَ هذه الصورة التي يتعاطى الرجل معهنّ فيها وصارت المرأة تعتبر نفسها فقط للغواية. وجودها هو لإغواء الرجل فقط وليست هي الآخر الأُنثى التي تتحقق شخصيتها مع الآخر الرجل وكلاهما يكتشفان جسدهما وكلاهما فاعلان في العلاقة وكلاهما شركاء في الأشياء. يعني عدم الاعتراف بالمرأة وكأنها أصلاً غير موجودة، وكأنها كما سيارته وكما ممتلكاته. فكيف يُمكنك أن تفهم جسدها وحياتها وشخصيّتها وأسرارها وعالمها إذا أنت لا تعترِف فيها كآخر؟ كجسد حرّ، كجسد لا تملكه؟ أنت تكتشفه وتتعايش معه وتتكامل معه، أنتما تتعلمان الحبّ، تتعلّمان الجسد معاً. هذا ما حاولت أن أقوله في "اسمه الغرام" في شكلٍ خاص 

زاهي وهبي: والمشاعِر والأحاسيس هي حق للطرفين 

علويّة صُبح: طبعاً، يعيشانها. لا يُمكنك أن تعيش وكأنّ الآخر أداة 

زاهي وهبي: كأنّ المرأة لعبة، كأنّها وسيلة للمتعة 

علويّة صُبح: وكأنها أداة للاستمتاع وليست إنسانة. مثلاً أنا قمت بتحقيق واسع جداً، لا بأس إن تحدّثت بجرأة قليلاً، الكثيرات من النساء حتى في أعمار السبعين أو الثمانين لا يعرِفن ما معنى 

زاهي وهبي: لحظة الذروة 

علويّة صُبح: لحظة الذروة مع أزواجهنّ، ويسألونك "ماذا يعني هذا؟". يعني أنا كلّما كتبت شيئاً أُجري تحقيقات ولاحقاً أستخلِص. الرجل عندنا لا يعترِف بوجود المرأة 

زاهي وهبي: عفواً وإن كنت سابقاً، ربما منذ عشرين سنة، سألتك هذا السؤال؛ اشتغالكِ كصحفيّة بدايةً ثمّ كرئيسة تحرير مجلّة "الحسناء" ثمّ فيما بعد رئيسة مجلّة "سنوب الحسناء"، يعني مجلّات نسائيّة، وفي ذاك الزمان كانت المجلّة مجلّة نسائية واجتماعية ولكنها راقية ومُحترمة. كم اشتغالكِ في عالم النساء واهتمامات النساء قرّبكِ أكثر وأفهمكِ 

علويّة صُبح: أنا اتجهت إلى مجلّة نسائية كي أُجري تحقيقات وأقوم بأشياء أُزيد فيها من وعي المرأة، لكن عملي في النهاية هو كاتبة، أنا أشتغل ككاتبة 

زاهي وهبي: لكن كلّ تجربة في الحياة نتعلّم منها أشياء 

علويّة صُبح: بالضبط. كلّ تجربة نتعلّم منها أشياء حتّى لو كانت سيّئة أو سخيفة أو مهما كانت. لكن أنا في الحقيقة أُراقب وأسمع، أنا التقط وعندي حواس، لا أدري

زاهي وهبي: رادار                                                 

علويّة صُبح: رادارات إذا أردت، وأشتغل في الكثير من التحقيقات وأسمع كثيراً قبل أن أكتُب الرواية ولاحقاً أخلِق شخصيات من خيالي وأجعلها كأنها واقعية. لكن مثلاً مشهد الرضاعة، أنا لم أتزوّج ولم أُنجِب ولا أرضعت، لكن سألت أكثر من مئتي امرأة  عن أحاسيسهنّ في الرضاعة. لكن المرأة لا تُحسن التعبير جيداً وعندما تمكنت من 

زاهي وهبي: التقاط هذا الإحساس وترجمته   

علويّة صُبح: وأنا من النوع الذي يتأثر بكتاباته. يعني عندما أكتب مشهداً مثيراً أحس بالإثارة، عندما أكتب مشهداً حزيناً أعيش الحزن، مشهد يُبكي تنزل دمعتي، مشهد ساخر أبتسم. أعيش الحياة على الورق، أعيش حياة الشخصيّة، حتّى عندما كنت أكتب مشهد الرضاعة أحسست في لحظة أن الحليب نزل من صدري  

زاهي وهبي: وكأنّكِ صرتِ أمّاً مُرضِعة في تلك اللحظة 

علويّة صُبح: نعم، أحس الشخصية كثيراً 

زاهي وهبي: في هذا المعنى، عمليّة الكتابة هل هي عمليّة ممتعة أم شاقّة؟ 

علويّة صُبح: بالنسبة لي يترافق مع مرض الكتابة. أنا أكتب في الكثير من الجهد والكثير من الـ Stress، حواسي كلّها تكون مُستنفرة، ووعيي ولا وعيي وخيالي والواقع يكونون شبكة من كائِن بشري بحيث أنا لا أعود أعرِف نفسي، حتّى عندما أنظر في المرآة لا أعرِف نفسي 

زاهي وهبي: دعينا نُريحكِ قليلاً ونذهب مرة أُخرى إلى مقهى "الروضة" مع "سحر حامد" لنسمعكِ في الجزء الثاني من "قطع وصل" لو سمحتِ 

قطع وصل - علويّة صُبح: 

- للحقيقة شخصيّاتي أحياناً تُفاجئني، لا أدري كيف تكون لكن أكيد أستوحيها من الواقع لكن ليس كما هي. أحيانا شيء بسيط في شخصيّة يجعلني أبني عليها الشخصية فقط لأجعلها من لحم ودم

- نجاح روايتي الأولى "مريم الحكايا" لم يُرعبني أبداً، أنا لا تُرعبني الكتابة ولا تُحدِث لي إرهاباً على نفسي لا في النجاح ولا في الفشل، بل نجاحها ساعدني كي أتحدّى نفسي أكثر، وهذا التحدّي هو مُساعدة 

- علاقتي مع العُمر هي علاقة تصالُح وربما هذا الشيء عبّرت عنه في رواية "اسمه الغرام". لا توجد عندي أية مُشكلة مع العُمر ولا مع المرآة أبداً، على العكس متصالحة معهما إلى آخر درجة 

- طبعاً أؤمن بالثورات، أنا إنسانة ثائِرة حتّى منذ أن كنت طفلة، تجذبني، والثورات هي لحظات شاعريّة بالنسبة لي، والمُجتمع والإنسان من دون أن يثور دائِماً على الأشياء هو إنسان ميت. حتّى أنا أثور على نفسي باستمرار لكي أظلّ نظيفة. الثورة تزيل الأوساخ الموجودة في المُجتمع والموجودة في النفس. أنا أُشارِك في الساحات لأنّها الحق والعدالة وهي الصوت الوطني، هي الصوت اللا طائفي. لا يُمكنني أن أكون سوى مع الناس الجياع والفقراء والمظلومين. أنا مع مُجتمع مدني، مُجتمع وطني متجانس، مع إلغاء الهويّة الطائِفية، مع مُحاسبة السارقين ووضعهم في السجون. صوتي من صوت هؤلاء الناس 

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً صوتكِ يظلّ صادحاً. بما أننا نتحدث عن المرأة، كيف وجدتِ حضور المرأة اللبنانية في الحراك اللبناني؟ أو في الانتفاضة الشعبيّة اللبنانية؟  

علويّة صُبح: رائِع، الصبايا كلّهنّ حياة وأحلام وفاجأننا كلّنا بلا طائفِيّتهن وفي دعوتهنّ لنظامٍ مدني

زاهي وهبي: هلّ فاجأكِ وعي الجيل الجديد من الجنسين؟ 

علويّة صُبح: جداً 

زاهي وهبي: لأننا نشاهد فتيات في أعمار الأربع عشرة أو الخمس عشرة سنة وتسمعين كيف يتحدثن، ما زلن طالبات مدارس 

علويّة صُبح: الشعب اللبناني كلّه تسيّس في الأساس، ثلاثون سنة من الحروب ونضطر أن نسمع ما يحدث في آخر العالم. أذكر جدّتي حينما كان عُمرها ستّين سنة عندما كانت تسمع الأخبار وتحدّثني عمّا يحدث في لا أدري أي بلد، هذا يعني أننا شعبٌ مُسيّس 

زاهي وهبي: جدّتكِ كانت حاضرة في "مريم الحكايا" أليس كذلك؟ 

علويّة صُبح: أجل 

زاهي وهبي: شخصيّة محوريّة في "مريم الحكايا"

علويّة صُبح: فعلاً فاجأني وعيهم لأنني كنت في لحظة من اللحظات يائسة فعلاً من الأحزاب الطائِفيّة ومن العُنصريّات وكنت أتألم على بلدي وأتألّم على الشباب. فعلاً فاجأتني هذه الروح الحرّة الجميلة، يريدون مُجتمعاً يحلمون فيه، يريدون دولة يحلمون فيها تُحقّق لهم العدالة 

زاهي وهبي: يريدون حقوقهم البديهية كمواطنين 

علويّة صُبح: طبعاً، طبعاً. يريدون حقوقهم الوطنيّة ويريدون حقوقهم الاجتماعية 

زاهي وهبي: عندي سؤال على سيرة الوعي لو سمحتِ. كما تعلمين في أيّ حراك، في أيّة حيوية شعبية هناك محاولات لاستغلالها ولحذفها وأخذها شمالاً ويميناً وتوجيهها في اتّجاهات مُعيّنة. هلّ نُراهن على هذا الوعي في أنّه لا يُبدِّد أحلامنا مرة جديدة؟ وحضرتكِ من الجيل الذي عاش خيبات الحرب وانكسارات الأحزاب اليسارية والتقدّمية 

علويّة صُبح: طبعاً. لا شكّ أنّ هناك أطرافاً تُحاول أن تُجيِّر هذا الحراك لطرفها، لكن أعتقد أنه حتّى لو تعرّض لا سمح الله لانتكاسة معينة لكن هناك شيء إسمه وجدان لبناني عروبي مدني حقيقي حلو عند الناس سواء في (طرابلس) أو في (صيدا) أو في (صور) أو في (بيروت)، حتّى أن الناس تألّموا من الطائِفيّة. هناك جمال، أنا عشت وأعيش لحظات من الشِعر. أنا أعيش لحظات من الشِعر

زاهي وهبي: رأيتِهم يغنّون "موطني"، يهتفون لـ (فلسطين)، يحرقون العلم الإسرائيلي، كم هذا أيضاً دليل على وعي وإدراك على وجودنا وضمن أيّ محيط نحن 

علويّة صُبح: طبعاً، يعني الجوع كافر، والجوع يُمكن أن يوصِلك إلى أن تكون قاتلاً ويُمكن أن يوصلك إلى أن تكون ثوريّاً جميلاً، فهذا الجوع أوصل الناس إلى أن يكونوا ثواراً جميلين 

زاهي وهبي: "علويّة"، حضرتكِ إبنة جنوب (لبنان)، عشتِ كلّ العدوانيّة الإسرائيلية والاحتلالات وشهِدتِ على كلّ ما حصل، كم الفساد هو احتلال آخر؟ أعني كم مقاومة الفساد في الدولة، في السُلطة هي في منزلة مُقاومة الاحتلال؟ 

علويّة صُبح: هي أصعب. أصعب لأنه في الداخل وليس في الخارِج. الاحتلال تطرده لكن هذا في وطنك وداخل في شرايين الوطن وداخل ليبلع الدنيا، طالما هناك نظام طائفيّ سيبقى الفساد. لا يُمكنك أن تتعامل مع أيّ زعيم فاسد إذا أرادت طائِفته أن تحميه. لا يُمكن للنظام السياسي الطائِفي 

زاهي وهبي: هو الفساد في حدّ ذاته أصلاً

علويّة صُبح: هو فساد ويُخلِّف الفساد 

زاهي وهبي: لأتّه يُميِّز بين المواطنين

علويّة صُبح: لا يُمكن للمُحاسبة الحقيقية، حتّى لو تمّت هذه المُحاسبة ستكون ناقصة ما لم يكن هناك مجتمع مدني ونظام مدني. إلا يريدون تطبيق "الطائِف"؟ فليستحدثوا مجلس الشيوخ وليلغوا 

زاهي وهبي: وليلغوا الطائِفيّة السياسية 

علويّة صُبح: وليلغوا الطائِفية السياسية. إذا أنت لم تلغِ الطائِفية السياسية لن تلغي الفساد ولن تبني وطناً ولن تفعل شيئاً. لن نحصد إلّا الحروب والخيبات والدمار 

زاهي وهبي: والأزمات المتناسلة 

علويّة صُبح: طبعاً 

زاهي وهبي: "علويّة"، حضرتكِ مع حفظ الألقاب تتذكّرين أنني في مرة كتبتُ مقالاً يتحدّث عن أنّك من العلامات الفارِقة في المدينة، علامة مُضيئة في شارع (الحمرا)، في مقاهي (الحمرا)، عندما يراك المرء يستعيد الوجه الثقافي لـ (بيروت) 

علويّة صُبح: ساعدتني كثيراً في مقالك، ساعدتني فيه كثيراً 

زاهي وهبي: وكان في زمن المرض، كان تحيّة لحضرتكِ حينها، لكن ما أُريد أن أسأله أنّ هذه المدينة عشنا فيها لحظات فرح ولحظات حزن ولحظات أمل ولحظات انكسار ويأس 

علويّة صُبح: طبعاً 

زاهي وهبي: كم ما جري، يعني هبّة الشعب اللبناني في كلّ المناطق جدّدت إذا أمكننا القول أمَلَكِ بالمدينة؟ أو إيمانكِ بالمدينة؟ يعني في (بيروت) كعاصمة ثقافيّة، عاصمة متنوِّرة، مكان للحياة 

علويّة صُبح: شوف أنا ولا مرّة استطعت أن أنسلِخ عن (لبنان) 

زاهي وهبي: أعتذر عن كوني قدّمت خطاباً وليس سؤالاً 

علويّة صُبح: لا على العكس، لم أقدر ولا مرة أن أنسلِخ عن مكاني وعن بلدي. حتّى عندما عُرِض عليّ في (ألمانيا) أن أذهب وأنال الجنسية، قلت لهم، "لا أجيد الكتابة سوى في بلدي"، " لا أجيد الكتابة إلّا على الطاولة التي أجلس عليها" 

زاهي وهبي: كنّا أرسلنا له "غادة" الله يسامحكِ لو قلتِ أمامي حينها 

علويّة صُبح: أنا للحقيقة ملتصقة جداً في البلد، ملتصقة كثيراً ولكن أكيد كنت موجوعة جداً جداً 

زاهي وهبي: كما تعلمين، السنوات الماضية كانت كلّها أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة 

علويّة صُبح: كنت موجوعة جداً جداً وخائِبة وفاقدة للأمل. للحقيقة فينا شيء مُدمّر في الداخل مع أنني دائماً كنت أقول لا، مثلما يقول الكاتب الكبير الله يرحمه                  

زاهي وهبي: "أمل دنقل"؟ 

علويّة صُبح: لا 

زاهي وهبي: سعد الله ونّوس"؟ 

علويّة صُبح: "سعد الله ونّوس"، تمهّل عليّ قليلاً، وقوله "نحن محكومون بالأمل". عن جدّ يظلّ المرء يجد نافذة ضوء، قد تكون نافذة ضوء في حلمه، في خياله، في لحظة حبّ يعيشها، في تنزّه يتنزّهه، في منظر طفل يراه، في منظر عاشقين، كلّ شيء موجود في الحياة يُعطيك فُسحة ضوء ويجعلك تحسّ أنّ الحياة لا تنتهي، الحياة لا تنتهي لكن تنقص أحياناً كثيراً لكن لا بد وأن تعود. الحياة هي وجودنا، نحن وجودها وهي وجودنا، لا يمكنني أن أيأس من الحياة، أنا عاشقة للحياة. في روايتي "اسمه الغرام" كتبت عن أمرأة جريئة وكتبت في روايتي الأخيرة عن أمرأة شُجاعة ستكون هي أيضاً شخصيّة غير نمطيّة مثل "نهلة" بطلة "اسمه الغرام"، امرأة شجاعة ذات جسدٍ شُجاع وذات إرادة شجاعة لأنني لا أُحب الضعف، لا أُحب الانكسار. حتّى في عزّ المرض والأوجاع والخيبات وكلّ تلك الأشياء أظلّ أقول، "لا بدّ من أن يكون هناك فسحة ضوء" 

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً منتصرة ولا تنكسرين 

علويّة صُبح: لا أنا ولا الناس 

زاهي وهبي: أشرتِ في البداية إلى علاقتكِ بالمقهى وصوّرنا "قطع وصل" في المقهى. رغم كلّ التحوّلات التي طرأت على المدينة وعلى الناس وعلى الأمكنة لم تتغيّر علاقتك مع المقهى، بقيت راسخة، بقيت ثابتة، بقي هذا المقهى كأنه رِئة إضافية تتنفسين من خلالها. ما السرّ؟ ما سرّ علاقتكِ في المقهى لتكتبي وتكون أوراقكِ منتشرة على هذه الطاولة أمامكِ في الحرب والسلم وفي الأزمات؟ 

علويّة صُبح: لا أجيد الكتابة إلّا في المقهى، ربما في البيت أخاف، أخاف أن أكتب في البيت

زاهي وهبي: تستوحشين 

علويّة صُبح: لا، أخاف من أشياء 

زاهي وهبي: من ماذا؟ من هذا الجنون الذي تعيشينه لحظة الكتابة؟ 

علويّة صُبح: أجل، أخاف 

زاهي وهبي: تستحضرين هذه الشخصيات، يعني تحضير أرواحاً

علويّة صُبح: طبعاً تحضير أرواح وليس هذا فقط، أحياناً أحس أن من الممكن أن أرمي نفسي عن البلكون، يعني أخاف بينما في المقهى أحسّ أنني محضونة ومُستأنسة 

زاهي وهبي: خصوصاً إذا أنا كنت قريباً من الطاولة 

علويّة صُبح: طبعاً، ياما كتبنا أنت على طاولة وأنا على طاولة. يعني المقهى أولاً

زاهي وهبي: حياة

علويّة صُبح: يُكمل الحياة، حتّى عندما لا أكتب أذهب إلى هناك حتّى لو جلست لوحدي أو تفرّجت أو شاهدت أصحابي، لكن لا أجيد الكتابة سوى في المقهى ولا أعود أسمع أيّ صوت، تتلاشى كلّ الأصوات ولا أعود أسمع شيئاً لكن أحسّ بأُنسٍ ما وكأنه يحميني 

زاهي وهبي: حسناً، علاقتكِ بالمكان، يعني حضرتكِ لم تتغيّري، علاقتكِ بالمكان لم تتغيّر، لكن المكان ألم يتغيَّر؟ 

علويّة صُبح: المكان تغيّر كثيراً. أنا من سكّان (الحمرا) منذ أكثر من ثلاثين سنة، منذ أن تهجّرنا من الشرقيّة 

زاهي وهبي: يعني القسم الشرقي من (بيروت) 

علويّة صُبح: من القسم الشرقي من (بيروت) أيام الحرب 

زاهي وهبي: تُذكَر ولا تُعاد 

علويّة صُبح: أجل، الحرب القذرة. من اللازم عندما نقول الحرب الأهلية أن نقول الحرب القذرة

زاهي وهبي: ما الذي تفتقدينه في المقهى اليوم؟ 

علويّة صُبح: أفتقد أولاً اُنس المكان الذي كان سواء أكان مقهىً أم مطعماً، الآن روائِح "الكاتشاب" و"الهمبرغر" 

زاهي وهبي: نعم، الوجبات السريعة 

علويّة صُبح: والوجبات السريعة، وأُناس الحمراء تغيّروا وروائِح الشارِع تغيّرت، والمُدن تشبه ناسها وتشبه العابرين فيها وتشبه سكّانها. تغيّرت كثيراً ولم يعُد فيها هذا الأُنس، صارت أقرب أحياناً إلى الضجيج وسيارات عابرة، ويؤذيني كثيراً منظر المتسوّلين على الطرقات 

زاهي وهبي: يؤذيكِ في أيّ معنى؟ من أجلهم؟ 

علويّة صُبح: يؤذيني من أجلهم وأيضاً يؤذيني أن المكان من غير اللازم أن يكونوا في شوارِعه، يجب أن يكونوا في أمكنة أُخرى ومن اللازم ألّا يكون أحد يستجدي في المدينة، فكيف الحال في شارِع لم أرَ فيه أحداً في حياتي يستجدي؟

زاهي وهبي: ماذا تعنين في أمكنة أُخرى؟ تعنين يأخذونهم إلى دُور تُعنى بهم؟

علويّة صُبح: إلى دُور 

زاهي وهبي: نعم، للأحداث، للفقراء 

علويّة صُبح: طبعاً، وليس أن يمكثوا في الشارع ويستجدون فيه

زاهي وهبي: أنا أسأل وأستوضِح كيلا يُفهم موقفكِ كموقف عنصري أو طبقي 

علويّة صُبح: لا، ليس عنصرياً ولا طبقياً لكن أنا أتألّم عندما أرى منظر شحّاذين في الشارع، أتألّم لو كنت أمرّ في أي شارع في سيارتي أو حين يدق على بابي أحد يستجدي

زاهي وهبي: الله يعين الناس 

علويّة صُبح: لأن الاستجداء يجعل الناس أذلّاء وأنا لا أحب أن أرى أناساً أذلّاء 

زاهي وهبي: كما تعلمين هناك أناس مُحتاجين فعلاً وهناك أناس يستغلّون، يعني هؤلاء الأطفال توجد مافيا تُشغِّلهم للأسف وتأخذ منهم حتّى ما يستجدونه 

علويّة صُبح: وهذا ما يؤلمني وأرى كيف يلمّونهم، تأتي سيارة تلمّهم كلّهم 

زاهي وهبي: نعم، للأسف 

علويّة صُبح: بالنسبة للشارع، يظل في الشارع الذي أقطنه شيئاً من عراقته ومن مدنيّته بحث تجد محجبات ونساء يلبسن ما خفّ من الثياب، يعني هذا التنوّع 

زاهي وهبي: ما خفّ حمله وكثر ثمنه 

علويّة صُبح: هذا التنوّع من البشر، من الأديان، من الطوائِف. (رأس بيروت) تمكّنت من المُحافظة 

زاهي وهبي: على طابع المدينة. لا يزال عندي دقيقة وسؤالان لو سمحتِ، في دقيقة أجبينني على سؤالين. اللغة المتحرّرة عندكِ كم لها علاقة بالمكان؟ بمعنى (بيروت) كمكان منفتِح، كمدينة منفتحة غير مغلقة، غير مُحافِظة 

علويّة صُبح: ما من شكّ أنّ الكاتب الذي يتعرّض لقمع في بلده لن يستطيع أن يُعبِّر، والذي يُعرِّض نفسه لقمع اللغة ويكون رقيباً على نفسه لن يستطيع أن يكون 

زاهي وهبي: أخطر شيء أن يكون رقيباً على نفسه

علويّة صُبح: طبعاً لمَن يستطيع أن يكون حراً في الكتابة 

زاهي وهبي: كم فيكِ حكواتيّة من خلال رواياتكِ؟ يعني الحكي كما قلتِ في البداية، عندكِ القدرة على السرد وعلى الحكي، ونحن شعوب نحب الحكاية. الحكواتي جزء من تاريخنا ومن تراثنا 

علويّة صُبح: طبعاً 

زاهي وهبي: كم فيكِ حكواتيّة، حتّى على المُستوى الشخصي؟ 

علويّة صُبح: على المُستوى الشخصي ليس كثيراً، أنا أسمع أكثر مما أحكي

زاهي وهبي: لكن كم تعني لكِ الحكاية؟  

علويّة صُبح: كثيراً، تسحرني. عندما أبدأ في سرد الحكاية التي تظهر أمامي على الورق ولا أدري من أين تأتي في خيالي أبتهِج. أيضاً لا تنسى، صحيح أن الرواية إبنة الغرب وأنا مطّلعة على التقنيات والروايات الغربية وطبعاً متأثّرة في الثقافة العالمية لكن أنا متأثّرة بتراثي، بـ "ألف ليلة وليلة" وبالتراث العربي، وأنا مفتونة أصلاً بالحكي كوسيلة للسرد، أجد أن عنده قدرة على فنيّة عالية وأرتاح لطريقة السرد عبر الحكي 

زاهي وهبي: وأعتقد أنّ هذا شيء جيّد للقارئ أيضاً، القارئ يُحب 

علويّة صُبح: وهذه أيضاً من خصوصيّتي 

زاهي وهبي: في الكتابة الروائية؟

علويّة صُبح: طبعاً

زاهي وهبي: على كلّ حال نحن حاولنا اليوم أن نُقدِّم نوعاً من تحيّة لحضرتكِ وليس كما يقولون حواراً نقدياً أو سجالياً إنما تحيّة لنقول لك مرة أُخرى "مبروك فوزكِ جائِزة مؤسّسة "سلطان العويس"، هذه الجائِزة القيِّمة التي تستحقينها وتستحقّين المزيد من الجوائِز إن شاء الله. ونحن في انتظار روايتكِ الجديدة في شغف 

علويّة صُبح: شكراً 

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد" 

علويّة صُبح: شكراً لك وللمستمعين 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. الشُكر دائِماً لفريق العمل ولمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

                

               

    

     

     

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل