ظروف وملابسات إنشاء دولة لبنان الكبير

ظروف وملابسات إنشاء دولة لبنان الكبير... لمحة تاريخية عن الحدود ودور رجال الدين والاقتصاد... فرنسا والانتداب والاستقلال والصيغة الطائفية... الحرب الأهلية والطائف والنتائج ... وأين وصل لبنان بعد مئة عام على إنشائه؟

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، هذا هو لبنان الكبير بعد قرنٍ على إنشائه، يصل لاهثاً إلى مئويّته وفي نظر البعض يصل لافظاً أنفاسه، لبنان الكبير الذي يتغنّى البعض بأن رجل دينٍ كان سبب إنشائه بالاتفاق مع أمٍّ حنونٍ تُدعى فرنسا ادّعت في صكّ الانتداب أنها تريد تدريب اللبنانيين على حُكم أنفسهم بأنفسهم من دون وصايةٍ خارجية، فيما يبدو أن أغلب قادته استمرأوا الوصايات طيلة قرن، وفيما ازدهرت الطوائف وأينعت خلال قرنٍ وأفلس لبنان في السياسة والإدارة والمال. سنبحث مع الدكتور مسعود ضاهر وهو غنيٌّ عن التعريف في لبنان الكبير منذ ملابسات إنشائه إلى حدوده وما مرّ به وواقعه ومستقبله بعد تقريرٍ عن الخطوط والأحداث الكبرى للبنان الكبير في مئة عام.

تقرير: 

في الأوّل من أيلول عام 1920 وقف الجنرال غورو بين البطريرك الياس الحويّك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا في باحة قصر الصنوبر مُعلناً ولادة لبنان الكبير وبداية الانتداب الفرنسي.

وفي 23 من تمّوز عام 1923 أقرّ مجلس المُمثّلين الدستور وأعلن قيام الجمهورية اللبنانية.

في 22 من تشرين الثاني عام 1943 أُعلن استقلال لبنان الذي شارك في تأسيس هيئة الأمم المتحدة سنة 1945 وجامعة الدول العربية بعد سنتين من ذلك.

واجه لبنان أولى مُعضلاته السياسية الكبرى عام 1958 فتدخّل الجيش الأميركي وبقي فيه ثلاثة أشهر، وحصل انقلابٌ فاشل عام 1961 ثم اندلعت الحرب الأهلية عام 1975 واستمرت حتى عام 1990 أي بعد عامٍ من توقيع اتفاق الطائف. 

وأدّت هذه الحرب إلى مقتل 120 ألف شخصٍ وتهجير ونزوح نحو مليون شخص شهد لبنان خلالها اجتياحاً إسرائيلياً واحتلال بيروت عام 1982.

تحرّر جنوب لبنان على يد المقاومة عام 2000 وخرج الجيش السوري من لبنان عام 2005، وشنّت إسرائيل حرباً واسعة على لبنان عام 2006.

وفي أواخر عام 2019 اندلعت احتجاجات واسعة على سياسة الدولة ومصرف لبنان والمصارف لا تزال تضع لبنان على مُفترقٍ صعبٍ بعد مئة عامٍ على إعلان نشوئه.

غسان الشامي: تحيّة لكم، أحيّيك دكتور مسعود ضاهر، شكراً جزيلاً على تلبيتك دعوة أجراس المشرق.

مسعود ضاهر: أهلاً بك. 

غسان الشامي: سيّدي ما هي ظروف ومُلابسات إنشاء لبنان الكبير سنة 1920؟ 

مسعود ضاهر: في الأصل ليست هناك ملابسات، كانت هناك سلطنة عثمانية انهارت في الحرب العالمية الأولى وكانت هناك أكبر دولتين استعماريّتين في التاريخ الحديث هما بريطانيا وفرنسا، كانتا تمتلكان نسبة كبيرة من العالم قبل أن تبرز الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا والدول الأخرى، وبالتالي تشاركتا في ما بينهما في اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم هذه المنطقة بعد أن وعدت بريطانيا الشريف حسين بأنه إذا أعلن الثورة على العثمانيين سيعطونه مملكة تضمّ بلاد الشام وتضمّ الجزيرة العربية، ونكثتا العهود وتوفّى خارج بلاده منفيّاً، وبالتالي لم يكن هناك خيارٌ للقوى المحليّة أن توسّس دولاً لأن المشروع كان قد اتُفق عليه بين العملاقتين الأمبرياليّتين فرنسا وبريطانيا، بريطانيا التي كانت لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها وفرنسا التي احتلّت تقريباً العالم العربي كلّه في المغرب العربي ومناطق أخرى. لم يكن لها في هذه المنطقة سوى رقعة صغيرة كانت تتراوح بعض المدارس الإرسالية في جبل لبنان وبيروت والجامعة اليسوعية، وبالتالي كان التركيز في اتفاقية سايكس بيكو أن تكون لفرنسا حصّة في كيليكيا وحصّة في الأناضول وحصّة في نفط العراق وحصّة في بلاد الشام تقريباً بأكملها بما فيها فلسطين، لكن بريطانيا أيضاً نكثت بوعدها لفرنسا وبدأت عمليّة نقاش حاد وجاد بين الأمبرياليّتين حول حدود فرنسا وحدود بريطانيا. فرنسا هُزِمت في الأناضول وارتحل جيشها من كيليكيا وأُخرِجت من العراق ومن نفط العراق ولم يبقَ لها سوى لبنان. 

غسان الشامي: هذا واحدٌ من الملابسات، منذ 1916 حتى مؤتمر الصلح في باريس وصولاً إلى 1920. 

مسعود ضاهر: هذه حقائق تاريخية، وبالتالي فرنسا تمسّكت بهذه الرقعة لأنها الوحيدة التي طالبت بالانتداب الفرنسي، بينما المناطق الأخرى لم تكن خارج إطار الانتدابات، كانت تطالب بالانتداب البريطاني ومنهم مَن طالب بالانتداب الأميركي حسب لجنة كينغ كراين من دون أن تلقى أذناً صاغية لأن أميركا لم تكن موجودة على الساحة، إذاً بين هاتين العملاقتين الاستعماريّتين كانت الحصة الأكبر لبريطانيا، لها جيش جرّار وعلى طريق الهند و60 ألف جندي بينما فرنسا كان لها حوالى ألفي جندي صغار وخاضت معركة ميسلون، وحاولت بريطانيا حصر فرنسا بالحد الأدنى من الأراضي، لكن عندما أُرسلت الوفود اللبنانية إلى مؤتمر الصلح كانت تركّز على إعادة لبنان إلى ما كان عليه أيام الأمير فخر الدين المعني أي إلى المكان الذي وصلت إليه عساكر الأمير فخر الدين.   

غسان الشامي: يعني إلى تدمر.

مسعود ضاهر: كلا، نحن نتكلّم عن الجهة الجنوبية. الوفود لم تتحدّث عن الداخل السوري. تقول بعض الروايات التاريخية الطائفية إن البطريرك الحويّك رفض ضمّ منطقة وادي النّصارى. 

غسان الشامي: سنأتي إلى البطريرك الحويّك.

مسعود ضاهر: إذاً عملياً لم يبقَ لفرنسا في كل المنطقة التي أُعطيَت لها في بلاد الشام بتأييد بريطاني سوى المنطقة اللبنانية التي طالبت بالانتداب الفرنسي والمناطق الأخرى رفضت الانتداب جملةً وتفصيلاً، وبالرغم من ذلك فرنسا قسّمت دول المنطقة السورية إلى دويلات دمشق وحلب وبلاد العلويين وبلاد الدروز أو جبل الدروز ولواء الإسكندرون. لماذا تمسّكت فرنسا بالوفود اللبنانية ودعمتها؟ القضية ليست قضية لبنانية بالنسبة للفرنسيين، هي قضية امتداد حدود النفوذ الفرنسي والنفوذ البريطاني ودخلت الحركة الصهيونية على خط المفاوضات بقوّة واستنجدت بالأميركيين وأُرسلت عشرات الرسائل من وايزمان وقادة الحركة الصهيونية بأنهم لا يقبلون بأقل من مجرى نهر الليطاني حدوداً لفلسطين أي الحدود اللاحقة لإسرائيل، وأصرّ اللبنانيون على عدم السماح لفرنسا بأن تتنازل عن شبرٍ من هذه الأراضي، فرنسا لم يكن لديها خيار، إما أن تخضع للحركة الصهيونية وإما أن تلبّي مطالب اللبنانيين الذين طالبوا بالانتداب.

غسان الشامي: ولكن قسماً من اللبنانيين لم يطالبوا بالانتداب. 

مسعود ضاهر: بالتأكيد.

غسان الشامي: قسمٌ وازِنٌ من اللبنانيين.  

مسعود ضاهر: الأكثرية.    

غسان الشامي: كيف تمّ الاتفاق إذاً على الحدود؟ كيف تمّ إخراج الموضوع؟

مسعود ضاهر: باقي اللبنانيين الذين لم يطالبوا، أولاً الوفود اللبنانية لم تكن من طائفة واحدة بل من كل الطوائف، ثانياً عندما أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير كان فيها من كل الطوائف، كان فيها البطريرك الحويّك إلى جانب المفتي مصطفى نجا وعائلات بيروتية والعائلات اللبنانية التي انخرطت في الانتداب، معظم العائلات الإسلامية والدرزية والمسيحية المارونية والأورثوذكسية، أي أنها لم تكن من خارج السياق، لم يكن لديها خيار، أيّدوا الملك فيصل لكن معركة ميسلون حسمت وجود الملك فيصل وقسمٌ من اللبنانيين أدركوا أن الملك فيصل كان يفاوض الحركة الصهيونية بأن يمنحها حتى نهر الليطاني، ولهذا السبب رفض البطريرك والذين كانوا يتعاونون معه مشروع الملك فيصل بنفس الدرجة التي رفضوا بها مطالب الحركة الصهيونية.

غسان الشامي: البعض يرى ولا أعلم إذا كنتَ منهم أن في لبنان الكبير دافعاً اقتصادياً وتحديداً منطقة البقاع بمعنى أن ويلات سفر برلك، ويلات المجاعة من عام 1914 ما تزال حاضرة في ذهن اللبنانيين والبقاع هو إهراءات تاريخية. 

مسعود ضاهر: أولاً هناك ظروف لحرب المجاعة، الحرب العالمية الأولى من 1915 إلى 1918، بعض الإحصائيات ترفع عدد الذين ماتوا في المجاعة وقد كتبنا كثيراً حول هذا الموضوع حوالى ثلث سكان المتصرّفيّة، وتعرف أن متصرّفيّة جبل لبنان كانت منطقة جرديّة جبليّة لا سهول فيها، وفي أحسن الحالات لا تعيل زراعياً سكان المنطقة لأكثر من ثلاثة أشهر.  

غسان الشامي: وانهارت زراعة التوت والحرير.

مسعود ضاهر: ومعها أيضاً جاءت الأوبئة والجراد والأمراض إلى آخره. كانت المطالبة اللبنانية في ذهن البطريرك الحويّك ومَن سانده في هذه الدعوة أن يكون لبنان هو فينيقيا القديمة التي تمتد من صور إلى صيدا إلى بيروت إلى طرابلس، هذه المدن فينيقيّة. 

غسان الشامي: أو ما تُسمّى في عِلم الآثار الروماني فينيقيا الساحلية. 

مسعود ضاهر: نعم، من هنا كان سهل البقاع بعلبك هو جزء من فينيقيا لأن الفينيقيين كانوا موجودين في كامد اللوز، وبالتالي أضافوا ليس فقط سهل البقاع. السبب الأول المجاعة وويلاتها والسبب الثاني أن المناطق الزراعية تستطيع أن تعيل لأنه عندما تضيف هذه المدن الساحلية أي صور وصيدا وبيروت وطرابلس وصولاً إلى النهر الكبير فأنت بحاجة إلى إعالة إضافية لأن عدد الذين أضيفوا تقريباً حوالى 70 أو 80% من سكان المتصرّفيّة، وبالتالي أضافوا ليس فقط سهل البقاع بل أيضاً سهل عكار الخصب، وهناك قطعة تُسمّى سهل البقيعة موجودة حتى الآن بين سوريا ولبنان، أصبح لهذه الدولة سهول واسعة وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية لم يشعروا بالمجاعة ولا بالأزمة وكان التدبير في محلّه، ومن هنا لم يكن الاستقطاب من اللبنانيين باتجاه سوريا صعباً، كانت الصعوبة بالنسبة للجنوبيين لأن الحركة الاقتصادية كانت كلها باتجاه فلسطين والعلاقة معها، ولكن عندما أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني لم يعد لديهم خيار، ومع انهيار مشروع الملك فيصل انضمّوا إلى دولة لبنان الكبير، ومن هنا معظم العائلات الجنوبية التفّت حول الانتداب من البقاع حتى الجنوب حتى الشمال وتشكّلت دولة لبنان الكبير بدهاء من الفرنسيين. في البداية كان الشعار نحن مع الانتداب أو ضدّه ليس على أساس طائفي، وبالتالي مَن يتعاون مع الانتداب فأبواب الدول مفتوحة أمامه، الشيخ محمد الجسر والأحدب وعبّود عبد الرزّاق وفي صور عائلة الخليل وجنبلاط، عائلات كثيرة خاصةً حين تمّت أوّل انتخابات في عهد الانتداب وأُعلن عن الدستور وأُعلنت الجمهورية، والمفوّض السامي هنري دو جوفنيل رفع شعار "الحرب على مَن يريد الحرب والسلم لمَن يريد السلم". خلال الفترة بين 1920 حتى الثورة السورية الكبرى عام 1925 حصلت أكثر من مئتي انتفاضة،عصيان ضد الانتداب الفرنسي لكن هذه الانتفاضات غير مدعومة لأن هناك توافقاً فرنسياً بريطانياً، إلى مَن يستندون؟    

غسان الشامي: سيّدي سأعود إلى منطق الحدود ولكن أسألك لأنك مررتَ على الموضوع الطائفي، أيّ دور للبطريرك الحويّك في إنشاء لبنان الكبير؟ البعض يقول أنه هو أساس إنشاء لبنان الكبير والبعض الآخر يقول لا إنها لعبة مصالح فرنسية بريطانية في إقامة لبنان الكبير. 

مسعود ضاهر: أنا لديّ مؤتمر قريباً في عمّان حول ترسيم الحدود، طبعاً البطريرك الحويّك لعب دوراً مهماً في التركيز على المطالب، ليس هو مَن رسم الحدود بل هي لجنة بوليه - نيوكومب عام 1923، رسمت حدود الانتداب البريطاني والفرنسي وليس حدود لبنان، في المناطق الأخرى كانت الحدود نظرية، مجرى النهر الكبير وحدود رؤوس الجبال الشرقية إلى آخره، هذا ليس تحديداً وحتى الآن ليس هناك تحديد دقيق لأنه حتى في رسالة ميلران رئيس الوزراء الفرنسي إلى الجنرال غورو بإعلان دولة لبنان الكبير أنه ستكون هناك لجنة تحديد في الجنوب بين فلسطين ولبنان ولا تشير إطلاقاً إلى الحدود بين لبنان والدويلات السورية لأن هذه الدويلات لم تقبل أصلاً بتقسيم سوريا.   

غسان الشامي: هنا يقول البعض مثلاً ما دام لديك مؤتمر في هذا الموضوع أن رسم الحدود الشمالية كما ذكرتَ على النهر الكبير يقول باستبعاد وادي النّصارى على سبيل المثال الذي هو في أغلبيّته من الروم الأورثوذكس عن لبنان الكبير وأنت من عكار.  

مسعود ضاهر: هناك مناطق مارونية.

غسان الشامي: نعم هناك قرى مارونية ذهبت بالاقتطاع.    

مسعود ضاهر: هذه من الأخطاء الشائعة حتى لا نقول الأكاذيب لأنه لا أساس لها لا في الأرشيف الفرنسي ولا في أي مكان في العالم، ولم تُعرض على البطريرك الحويّك إطلاقاً هذه المناطق لأنه حتى رسالة ميلران واضحة أنه لا علاقة للبنان، ولا تنسى بأن مركز البطريركية الأورثوذكسية في دمشق ومركز البطريركية الكاثوليكية في دمشق.  

غسان الشامي: ولكن وادي النّصارى ما يزال حتى اللحظة يتبع كنسياً إلى عكار، بهذا المعنى الأورثوذكس لم يخضعوا لا لمفاعيل سايكس بيكو ولا لمفاعيل إنشاء لبنان الكبير، أسقفيّة الوادي تتبع الآن إلى حلبا.     

مسعود ضاهر: هذه مسألة دينية لا علاقة لها بالسياسة وبالحدود، حتى أن البطريرك الماروني ذهب إلى إسرائيل لأن هناك جالية لبنانية في إسرائيل تابعة له.

غسان الشامي: هذه تقسيمات إدارية كنسيّة. 

مسعود ضاهر: لكن لا علاقة للتقسيمات الكنسيّة بالتقسيمات الفرنسية إطلاقاً، وحتى الآن ما زالت أراضي عكار ومناطق صافيتا واللاذقية متداخلة، ولدينا في قريتنا الشيخ طابا مركز مطرانية الروم الأورثوذكس والمطران عندنا سوري الجنسية، إذاً هذه المسألة لا علاقة لها بالتقسيم السياسي ولا بالتقسيم الإداري، هذه قضايا روحية وكل طائفة لها امتدادات في المناطق، هناك مطران ماروني على موارنة قبرص مثلاً.

غسان الشامي: أنا أفهم معك هذا الموضوع ولكن هذا التداخل الجغرافي بالدين هو أمر ملفت للنظر من دون أدنى ريب، ولكن أيضاً هناك قرىً لبنانية لا يمكنك العبور إليها إلا إذا دخلت إلى سوريا، كيف تُرسَّم الحدود إذاً؟ على أية قاعدة تمّ ترسيمها؟ 

مسعود ضاهر: عندما تقول بأن حدود لبنان الكبير من الجهة السورية، مجرى النهر الكبير الجنوبي الذي يمتد أحياناً حوالى مئة متر في حال الطوفان وما زالت هناك سيول حتى الآن، فهذا ليس تحديداً جغرافياً، لم توضع خطوط ثابتة. عندما تقول رؤوس الجبال، عندما يختلّ الاتجاه متراً واحداً قد يؤدّي إلى كيلومترات على امتداده، فهذا ليس تحديداً عملياً كما حصل مع الجانب البريطاني، هذه قضايا مشتركة بين لبنان وسوريا تحلّها الدولتان بشكل سلمي، ومؤخّراً عرفنا أن هناك قرىً في سوريا مثل الطُفيل وما شابه ليس لها طريق في الأراضي اللبنانية بعد مئة سنة من لبنان الكبير. 

غسان الشامي: مَن وقف من الطوائف أو من رؤساء الطوائف مع البطريرك الحويّك في مسعاه؟ 

مسعود ضاهر: برأيي أن أكبر جريمة تُرتَكب بحقّ التاريخ اللبناني عندما يُفسَّر على أساس طائفي، هذا تفسير سطحي ولا يمكن أن يوصِل إلى أية نتيجة.  

غسان الشامي: ولكن كل شيء في لبنان طائفي. 

مسعود ضاهر: لا ليس كل شيء في لبنان طائفياً. 

غسان الشامي: هذا ما يظهر عندنا. 

مسعود ضاهر: سأعطيك بعض الأمثلة الحسّيّة، بلاد الشام لم تعرف النزاعات الطائفية إلا بالتدخّل الأجنبي، من التدخّل الأجنبي لم تعرف ذلك وهذا ما يفسّر بقاء المسيحيين في هذه المنطقة من دون أية مشاكل، وهذه الكنائس الجميلة والأيقونات المطليّة بالذهب لو لم يكن الناس مُستقرّين لما أسّسوا بهذه الطريقة. سأعطيك أكثرمن مثال، البطريرك الحويّك المتّهم بأنه باني لبنان الكبير، في السنوات 1926، 1927، 1928 كانت هناك محاولة للمطالبة بإعادة طرابلس إلى سوريا وكان هناك نوعٌ من الرغبة لدى الفرنسيين حيث كانت طرابلس تشهد بشكل دائم التظاهرات والإضرابات والمشاكل، طرابلس الشام، ماذا فعل البطريرك عريضة؟ فليقرأوا تاريخ البطريرك عريضة، كتب عنه المونسنيور عبده يعقوب كتاباً من 800 صفحة صدر منذ سنتين أو ثلاث سنوات فيه كل هذه الوثائق، كتب رسائل شديدة اللهجة ضد الانتداب الفرنسي في أواخر أيامه، وعندما سُئل البطريرك الحويّك ما رأيك بالانتداب الفرنسي؟ أجاب "فرنسا كالشمس تنير من بعيد وتحرق من قريب"، هذا كان انطباع البطريرك الحويّك بهذه العبارة الشهيرة عنه وخلَفه البطريرك عريضة وسار على خطاه وكان على خلاف شديد مع المفوضيّة الفرنسية، وكانت زراعة التبغ في جبل لبنان في تلك الفترة وأكثرها عند الموارنة ومركزها الأساسي في بلدة بكفيّا حيث مصانع التبغ، ولمّا كانت شركة التبغ "الريجي" قاسية جداً على الفلاحين حصلت إضرابات متواصلة فرفع البطريرك عشرات العرائض احتجاجاً، وبعد ذلك أصدر كتاب "لبنان وفرنسا" وضمّن الوثائق هجوماً شديداً على الانتداب الفرنسي وسُمّي بالكتاب الأخضر دفاعاً عن عمّال التبغ قبل ولادة القذافي، ماذا كانت النتيجة؟ حامي الاحتكارات الفرنسية "الريجي" دومارتيل أرسل رسالة إلى الخارجية الفرنسية جاء فيها "إن صداقة الموارنة لفرنسا أصبحت مزعجة"، فردّ عليه البطريرك عريضة بالتعاون مع القوى الوطنية السورية وخوض معركة الاستقلال وليس بقاء الانتداب في العام 1937، ولكي تتأكد أن الأمور ليست طائفية على الإطلاق كان رئيس جمهورية سوريا في تلك الفترة تاج الدين الحسني وكان متعاوناً جداً مع الانتداب الفرنسي، فكانت التظاهرات تخرج في الشام رافعةً شعار "الشيخ تاج عدوّ الله والبطريرك عريضة حبيب الله"، أين الطائفية في هذا؟ وأيضاً فارس الخوري الزعيم الكبير عُيّن وزيراً للأوقاف الإسلامية في سوريا.  

غسان الشامي: هذا الأمر معروف. 

مسعود ضاهر: وبالتالي عندما سُئل إمام الجامع الأموي أنه كيف تسمحون بهذا الأمر، قالوا نحن نؤمّن هذا الرجل على أموالنا وأعراضنا، أين الطائفية في هذا الموضوع؟  

غسان الشامي: سأعود بعد الفاصل إذا سمحت، أعزائي تابعونا بعد الفاصل.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور مسعود ضاهر سيّدي ما دام الموضوع ليس طائفياً كما ذكرتَ في المحور الأول لماذا لدى بعض اللبنانيين دائماً صيغة أن فرنسا هي الأمّ الحنون وأنت تعرف أن فرنسا كان يقال في الغرب إنها الإبنة البكر للكنيسة الكاثوليكية.  

مسعود ضاهر: أجرِ إحصاءً اليوم، هل فرنسا هي الأمّ الحنون أم أميركا؟

غسان الشامي: ولكن خلال فترة الانتداب أنت قلت في أحد مقالاتك أن فرنسا جاءت منتدَبة أو انتدبت نفسها على لبنان لتدريب اللبنانيين على حكم أنفسهم بأنفسهم. 

مسعود ضاهر: هذا صكّ الانتداب لا علاقة للبنانيين به حتى لا يقولوا إن هذا استعمار، أن وظيفة الانتداب هي تدريب الناس حتى يحكموا أنفسهم بأنفسهم. 

غسان الشامي: على ماذا درّبوهم؟

مسعود ضاهر: ولهذا السبب المفكّر الكبير إدمون ربّاط  يقول عن الدولة اللبنانية إنها كانت دولة بنصف سيادة، ليست مستعمَرة لكن بنصف سيادة، ليس لديها سيادة كاملة لا على أراضيها ولا في مقدّراتها، وبالتالي كانت الإدراة بيد الفرنسيين ليس في لبنان فقط، الإدارة الفرنسية لم تكن خاصة بلبنان والجيش الفرنسي لم يحكم لبنان وحده، المفوّض السامي في لبنان وفي سوريا، والجيش الفرنسي عمل في لبنان وفي المناطق السورية، والليرة لبنانية سورية، والحدود مفتوحة بين لبنان وسوريا، هي حدود مناطق الانتداب الفرنسي وليس الدولة اللبنانية، الدولة اللبنانية كانت دولة منقوصة السيادة كما هي حال الدويلات السورية.  

غسان الشامي: أنت درستَ لبنان الاجتماعي ولك كتاب في ذلك.  

مسعود ضاهر: أطروحتي سنة 1973 هي لبنان الكبير بالفرنسيّة.

غسان الشامي: ولكن كيف كان وضع لبنان طيلة الانتداب الفرنسي؟ كيف يمكن توصيفه؟ 

مسعود ضاهر: أولاً انتقل اللبنانيون من مرحلة غياب الدولة، كانت لدينا مجموعة متصرّفيات أو على الأوسع محافظات أو ولايات، في الفترة الأخيرة قبل الحرب كان لدينا ولاية بيروت ومتصرّفيّة جبل لبنان، ولاية بيروت تمتد شمالاً حتى سوريا وتمتد جنوباً حتى فلسطين. عندما جاء الانتداب ألغى التقسيمات العثمانية وشكّل نوعاً من المحافظات التي ما زلنا نمشي عليها، 12 محافظة في البداية ثم أصبحت 5 محافظات والآن 7، وأدخلوا اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة اللبنانية لغةً رسمية، والغالبية الساحقة من الاقتصاد كان بأيدي الفرنسيين، شركات الاحتكار والتبغ والكهرباء والمياه إلى آخره وأيضاً الإدارة كلها بإدارة فرنسية، وحتى النكتة المشهورة ليوسف الخازن عندما وجد سنغالياً على باب البرلمان سأله ماذا تفعل هنا قال " أنا أتيت لأحضّرك"، هذه مشهورة، إذاً الفرنسيون لم يحضّروا لبنان بالسنغاليّة، فرنسا موجودة قبل قيام دولة لبنان الكبير من تاريخ الجامعة اليسوعية ومدارس الإرساليات، وكانت اللغة الفرنسية هي الأساس، اللغة الإنكليزية كانت ضعيفة جداً باستثناء الجامعة الأميركية، كان عدد مَن تعلّم اللغة الإنكليزية حتى بعد الاستقلال قليل، الآن انعكست الآية وأصبحت اللغة الإنكليزية هي الأساس. كل المراسيم التي صدرت في تلك الفترة هي من صنع فرنسي.

غسان الشامي: ما هي إيجابيات الاستقلال إذاً عن فرنسا؟ ماذا قدّم الاستقلال إلى لبنان الكبير؟   

مسعود ضاهر: لاحِظ كيف سارت عملية الانتقال من الانتداب إلى نوعٍ من المعاهدة عام 1936 مع الجبهة الشعبية الفرنسية والتي وُقّعت من الجانب اللبناني ولم تُوقّع من الجانب الفرنسي، وجاءت الحرب ليرفع اللبنانيون والسوريون بشكل مشترك معركة الاستقلال. نجح الفرنسيون بلجم الصراع الطائفي إذا أسميناه صراعاً طائفياً في تلك الفترة. كانت الحركة السياسية منقسمة بين الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، الكتلة الوطنية كانت في غالبيّتها موالية للفرنسيين والكتلة الدستورية كانت في غالبيّتها معارضة للفرنسيين، وكان الصراع على هذا الأساس، كل كتلة كان فيها تقريباً كل الطوائف، إذاً لم يكن الصراع في فترة الانتداب في الثلاثينات ذو وجه طائفي على الإطلاق، ومن هنا كان التحالف سهلاً مع القوى الوطنية السورية على أساس وطني لأنه في سوريا لم تكن هناك طوائف حتى ينقسم اللبنانيون على أساسها، وأيضاً بالنسبة لمعركة الاستقلال، رياض الصلح كان زعيماً وطنياً، نُفي عدة مرات ليس من موقعه كزعيم إسلامي وإنما كزعيم معارض للانتداب الفرنسي. عملياً أصبحتَ أمام قوى تحمل من الانتداب الفرنسي نوعاً من الصيغة السياسية كانت أرقى بكثير مما حصل بعد الاستقلال، في مرحلة الاستقلال قُسّمت الجبنة، رئيس الجمهورية من طائفة معيّنة ورئيس المجلس من طائفة معيّنة.

غسان الشامي: ليس الفرنسيون هم مَن قسّموها.   

مسعود ضاهر: إطلاقاً، كان رئيس الجمهورية أحياناً أورثوذكسياً وأحياناً مارونياً وأحياناً بروتستانتياً من الأقليات، ورئيس مجلس النواب كان سنّياً أحياناً ورئيس الوزراء كان مارونياً أحياناً، إذاً لم تكن القاعدة المتّبعة بالتقسيم الطائفي إطلاقاً.    

غسان الشامي: كيف ترسّخت الصيغة الطائفية إذاً في لبنان؟  

مسعود ضاهر: في عهد الاستقلال، أنا برأيي أن الميثاق الوطني هو ميثاق طائفي، لم يكن ميثاقاً وطنياً، ميثاق 1943، وهذا الميثاق هو الذي انحدر من سيّىء إلى أسوأ حتى وصلنا في التسعينيات إلى اتفاق الطائف، ولم يعد تقسيم المغانم الطائفية يقتصر على القيادات العليا بل وصلنا لأن يشمل التوزيع الطائفي أصغر موظّف. نلاحظ بأن الانقلاب على التدابير التي جرت في عهد الانتداب كانت مع أوّل انتخابات في عهد الاستقلال، انتخابات 25 أيار 1947 الشهيرة والرشوة والفساد و"الزعبرة" وإلغام الصناديق بالأصوات والتظاهرات. فور وصول بشارة الخوري في عهد الاستقلال مدّد وعدّل الدستور فذهب بانتفاضة شعبية عام 1952 وأصبح هذا التمديد هاجساً لدى معظم الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة حتى فترة قريبة.   

غسان الشامي: ماذا أرادت المجموعات المتنافسة إذاً بعد الاستقلال من لبنان؟ وما دور الأحزاب؟ هل كان هناك دور للأحزاب في لبنان أم أن الموضوع أصبح طائفياً بحتاً؟   

مسعود ضاهر: ليس طائفياً، كان هناك أحزاب لكنها لم تكن في السلطة، لم يشكّل اللبنانيون أحزاباً كبيرة حتى على الطريقة الفرنسية والأميركية بأن يتنافس حزبان إلى آخره، أحزاب صغيرة، ونادراً ما وصل حزب معارض إلى البرلمان إلا بتجربة الحزب القومي أو حزب البعث بنائب أو نائبين أو وزير أو وزيرين، قياساً لحجم توزيع المغانم كان ضعيفاً جداً، الحزب الشيوعي لم يحصل على صوت واحد في تاريخ الانتخابات بينما الأحزاب الطائفية كانت تحصل. 

غسان الشامي: لم يحصل على مقعد.

مسعود ضاهر: على مقاعد نعم. من الأحزاب الطائفية كان حزب النجّادة الذي حصل أحياناً على صوت واحد، الكتائب حصلت على بعض الأصوات، وهناك أحزاب طائفية لم تنجح أيضاً فأصبح هناك نوع من الزعامات الطائفية أكثر مما هي أحزاب، فتشكّل الحزب الإشتراكي، الحزب الإشتراكي في فترة التأسيس وفي عهد كمال جنبلاط لم يكن حزباً طائفياً، صحيح أم لا؟

غسان الشامي: نعم ولكن بقدرة قادر صار طائفياً.   

مسعود ضاهر: أنا برأيي في الأساس ليس هناك صراع طائفي بل صراع سياسي، وفي السياسة يستخدمون أي شيء، الفساد والرشوة والمال والضغط والزبائنيّة.

غسان الشامي: كل الأساليب السوداء. 

مسعود ضاهر: كل الأساليب السوداء إلى ما وصلنا إليه، والقطاع الوحيد الذي لم يتراجع يوماً إلى الوراء هو قطاع البنوك.

غسان الشامي: سآتي إليه لأنه الآن لم يتراجع فقط بل انهار. ألم تشكّل أحداث 1958 إنذاراً للنسيج الاجتماعي السياسي اللبناني وبأنه لم يكتمل منذ 1920 إلى 1958 وأنه من نُذُر أو غضّنا بطريقة أو بأخرى ما حصل سنة 1975 دكتور مسعود؟  

مسعود ضاهر: مشكلة القيادات اللبنانية أنها ليست لبنانية فقط بل لديها امتدادات، ويُستخدم في سبيل هذه الامتدادات بالتعاون مع الأصدقاء والأشقاء حتى الآن تُستخدم الطائفية والزبائنيّة والبحث عن النقود أو المساعدات المالية وغيرها، وبالتالي ثورة 1958 كانت في إطار محاولة الرئيس كميل شمعون للانحراف باتجاه حلف بغداد الذي لم يكن حلفاً طائفياً بل هو حلف سياسي، ولأوّل مرة في تاريخ المنطقة تدخل الولايات المتحدة بقوّة، وأنا أمتلك وثائق 1958، فتجد أن التركيز بشكل أساسي كان تركيزاً سياسياً، الأميركيون لم يكونوا في تلك الفترة يستخدمون الطائفية في السياسة. 

غسان الشامي: بعد ذلك أصبحوا من أسيادها. 

مسعود ضاهر: نعم، عندما تكون الجماهير مهمّشة وتُشترى في الانتخابات بفتات الدولارات ويُجوّع الناس وتُعطّل مصالحهم ولا توجد إمكانيّة للتوظيف أو للعمل إلا بدعم من الزعيم وفي دوائر محدّدة. بطبيعة الحال أفلست الحياة السياسية من 1958 وصعوداً، مرحلة فؤاد شهاب كانت الوحيدة في تاريخ لبنان لبناء مؤسّسات دولة. 

غسان الشامي: محاولة. 

مسعود ضاهر: كانت فترة قصيرة، الحكم عادةً استمرارية وتجربة شارل الحلو ليست استمرارية للشهابية بل ذهبت باتجاه آخر وكان إلى جانب القوى التي عملت على الإطاحة بفؤاد شهاب.

غسان الشامي: وصلنا إلى الحرب الأهلية دكتور مسعود ضاهر، ماذا فعلت هذه الحرب للتركيبة الاجتماعية والسياسية للبنان؟

مسعود ضاهر: هي دمّرت الصيغة القديمة بشكل شبه كامل، لم يبقَ منها إلا الشكل باعتبار أن الحرب حصل فيها قتلٌ ودمارٌ وتهجير، والتهجير حصل على أساس طائفي، الانتقال من منطقة إلى منطقة يعني إلى الحماية الطائفية، وحتى مَن كان ينتمي إلى أحزاب يسارية وغير يسارية وعلمانية اضطر للّجوء إلى منطقته طائفياً لحماية نفسه، وبالتالي هنا أصبحت الطائفية الميليشياوية. في لبنان مررنا بثلاث حالات من الطائفية، طائفيّة العبادات هي الطائفية الطبيعية وهي موجودة لدى كل الناس أن فلاناً كذا وفلاناً كذا، والطائفية التي تعتمد أسلوب العنف أي الطائفية العنفيّة، ومؤخّراً وصلت إلى الطائفية المدمّرة التي يمكن أن تهدّد النظام. في تلك الفترة استُخدمت الطائفية المدمّرة لكن لم ينجُ النظام السياسي اللبناني إلا بأعجوبة بعد اتفاق الطائف وإلا كان البلد مقسّماً.

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى سؤالك، البلد خلال الحرب من 1975 إلى 1990 أي 15 عاماً من مئة سنة كان مقسّماً، ألم يشي ذلك بأن لبنان الكبير قد بات غير كبير؟   

مسعود ضاهر: أولاً لبنان الكبير بقي كبيراً وحتى الآن كبير، نحن نلاحظ في الفترة الأخيرة التمسّك بكل شبر من الأراضي اللبنانية في الجنوب لأن كل شبر على امتداد البحر يؤثّر في الكيلومترات، فتقسيم حُسن الجوار أو اتفاقية بوليه - نيوكومب عام 1923 هي التي دُوّنت في عصبة الأمم وهي التي حمت حدود لبنان، وعندما حصل التحرير في العام 2000 عدنا إلى هذه الاتفاقية المسجّلة في الأمم المتحدة، واضطرت إسرائيل إلى إخلاء ملايين الأمتار التي كانت محتلّة بطريق الشريط الشائك الذي يمتد داخل الأراضي اللبنانية من دون استشارة أحد، الآن نطالب بكل شبر، بمزارع شبعا، بقرية الغجر، بتلال كفر شوبا إلى آخره. يجب أن ننتبه إلى نقطة هامة جداً، عندما أُعلنت دولة لبنان الكبير كانت أكثر قوّة مستاءة من لبنان الكبير هي الحركة الصهيونية، إقرأ عصام خليفة عن الحدود، عشرات الرسائل أنه من دون مياه الجنوب، من دون مياه جبل الشيخ، من دون مياه الليطاني، من دون مياه اليرموك لا تستطيع إسرائيل البقاء. ما الذي حصل؟ أوّل احتلال إسرائيلي للبنان سنة 1978 ما اسم العملية؟ عملية الليطاني، محاولة لإعادة رسم حدود إسرائيل على مجرى نهر الليطاني أي أنها تصل إلى بعلبك.  

غسان الشامي: ولكن دكتور في واقعٍ ما ما بعد الحرب أو خلال هذه الحرب تمّ تكريس لبنانيات متعددة في لبنان كبير، لبنانيات طائفية، هذه اللبنانيات الطائفية تظهر الآن في كل مجاري ومتنفّسات الحياة السياسية. 

مسعود ضاهر: كيف تريد لزعماء الطوائف أن يحكموا لبنان إلا بهذه الطريقة.

غسان الشامي: لكلٍّ لبنانه، رحم الله جبران.  

مسعود ضاهر: هذه عدّة العمل، مررنا بمرحلة تقريباً حتى الحرب الأهلية كان هناك زعيم وطني، فؤاد شهاب كان زعيماً وطنياً ولم يكن زعيماً طائفياً، الآن هل تسمّي زعيماً وطنياً واحداً في لبنان؟

غسان الشامي: لا يوجد إلا أخونا زياد الرحباني الذي "نمّر" على الزعيم الوطني.

مسعود ضاهر: إذا كان الزعيم طائفياً ويجرّ طائفةً خلفه كالغنم ويستبيح أراضي الدولة وأملاكها ومؤسّساتها، من النفايات يجمعون مليارات الدولارات، ومن الكهرباء ومن الأراضي البحرية والنهرية إلى آخره، ماذا تنفع الاحتجاجات؟ أنا سعيد بأمرٍ واحد، أنه بعد مئة سنة من لبنان الكبير عشنا ورأينا تظاهرات تأتي من أقاصي عكار إلى أقاصي الجنوب تقول نرفض الطائفية، لأوّل مرة في تاريخ لبنان. 

غسان الشامي: لكن البعض حاول أن يمتطي هذا.  

مسعود ضاهر: ولكنّها ما زالت حيّة.

غسان الشامي: أنت مررت بكلمة لن أدعها تمرّ، قلتَ أن الطائف ثبّت لبنان الكبير، هل فعلياً الطائف تثبيتٌ للبنان الكبير بالصيغة السياسية وتفتيتٌ له اجتماعياً؟  

مسعود ضاهر: هذه طبيعة هذه القوى وهذه أهدافها وهذه مصالحها، ثبّتت الجانب الجغرافي لدولة لبنان الكبير واستباحته طائفياً وسياسياً وعسكرياً ومالياً. نحن أصبحنا أسوأ بكثير مما كنا عليه في عهد الانتداب، والطائف وضع على عجل مسوّدة لقوانين ستتمّ معالجتها لاحقاً، التقليص من صلاحيات رئيس الجمهورية لإيجاد نزاعات في رأس السلطة، نزاعات على المصالح، ما هي الحقوق والواجبات لكل زعيم طائفي وما هي صلاحياته. الآن ليس هناك وضوح، وأبدعت مرحلة الطائف في إصدار مجموعة من المراسيم والقوانين التي لا تُنفَّذ. عندما يقول رئيس مجلس النواب إن هناك 49 قانوناً لم تُنفَّذ أين كان مجلس النواب عن عدم تطبيق هذه القوانين؟ 

غسان الشامي:  جميع اللبنانيين يعرفون أين كان.

مسعود ضاهر: الإثراء غير المشروع مثلاً.

غسان الشامي:  سيّدي سأسألك حتى أختصر الوقت لأنه صار قليلاً، تحدّثتَ عن الانهيار، هناك مَن يقول إن لبنان الذي نشأ على كتف المصارف، أفلس اللبنانيون لا بل أكلت المصارف بعد مئة عام مدّخراتهم، هذا اللبنان أين يمكن أن يكون في مئة جديدة؟ 

مسعود ضاهر: لبنان أمامه حلّ وحيد، أن ينتفض شعبه ضد حكم المصارف لأن ما نشهده اليوم من تقارير مضحكة أن بلداً يمتلك 420 مليار دولار تقرأ في الصحف وفي التلفزيونات أنه سينهار هذا الشهر، أنا أضمن لك بأنه لن ينهار، هذه كلها أساليب تُتقنها البنوك. أولاً إذا كان لا بدّ من الدفع سيحصلون على المبلغ قبل أن يعطوه للدولة، وفي نفس الوقت يستبيحون بدعمٍ من الدولة ومن أركان الدولة لأنه لا يوجد بنك في لبنان ليس فيه نواب ووزراء ونساؤهم وأولادهم.    

غسان الشامي: هذا التداخل الشيطاني بين السياسة والمال.  

مسعود ضاهر: نحن الآن أشبه ما نكون بأيام الثورة الفرنسية الكبرى، كان هناك الملك والنبلاء والإكليروس والآن لدينا صاحب البنك وزعماء السياسة الذين هم بالطبع أقلّ من النبلاء ورجال الدين، بعد كل هذه الانتفاضة المباركة هل سمعت رأياً من رجال الدين إلا كلمات خجولة. 

غسان الشامي: وهناك القليل من الشِعر أيضاً.    

مسعود ضاهر: شِعر، غزل ربيعي. عملياً تلاحظ بأن قطاع الزراعة تراجع، قطاع الصناعة تراجع، قطاع الكهرباء تراجع، التعليم تراجع، الإنتاج تراجع، الإدارة انهارت إلا البنوك. في عهد الانتداب كان لدينا بنك واحد هو فرعون وشيحا.  

غسان الشامي: وبنك سوريا ولبنان.  

مسعود ضاهر: هذا ليس لبنانياً بل لبنانياً فرنسياً، وبعدها بنك إنترا الذي أفلسوه إفلاساً مصطنعاً. الآن لدينا 65 بنكاً، كيف نشأت هذه البنوك؟ ولمصلحة مَن؟

غسان الشامي: والآتي أعظم.  

مسعود ضاهر: الآتي أفضل.

غسان الشامي: هل نحلم بوقف حكم المصارف؟

مسعود ضاهر: أنا كمؤرّخ محكومٌ بالتفاؤل.

غسان الشامي: هل الدول مجرّد حدودٍ وجغرافيا أم هي بيئة اجتماعية واقتصادية بهويّة واحدة موحّدة؟ وإذا كانت حدوداً وجغرافيا فكيف يمكن حمايتها واستمرارها فيما يثبت التاريخ أن دولاً كثيرة تفكّكت. أشكر الدكتور مسعود ضاهر على تفاؤله وإضاءاته وقد استفدنا كثيراً من كتابه "تاريخ لبنان الاجتماعي" وكتبه الأخرى، والشكر لزملائي الذين يقرعون معي أجراس المعرفة، ولكلّ مَن يتابعنا سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.