جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة

جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة... ما معنى أن تكون مرسلاً في الألف الثالثة؟ وهل للتبشير مكان في العصر الحالي وما هي أدواته؟ ما هي أهداف الجمعية، أعمالها، دورها في لبنان والاغتراب، وما الفرق بين الجمعيات الكهنوتية والرهبانيات؟

 

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، في عالمٍ يفتقد إلى اليقين وينحدر فيه سلّم القِيَم تصبح الدعوات الرسوليّة أكثر صعوبةً في الوصول إلى المرسَل إليهم، فيما يعرف القليلون ماذا تفعل الجهات الكهنوتية والرهبانيات، وما هي رسالتها، وكيف تُنفَّذ على الأرض، ومَن تستهدف من الناس؟ جمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة أُسّست قبل 155 عاماً حين كان لبنان لا يزال تحت الاحتلال العثماني بهدف متابعة المؤمنين وحياتهم، ثم امتدت مع الموارنة في هجراتهم. كيف يمكن أن يكون الكاهن قريباً من الناس في هذا العالم المُحترب والمتآكل القِيَم والسريع الإيقاع؟ وماذا تفعل الجمعيات الكنسيّة؟ أسئلة أخرى غيرها كثيرة سنطرحها على الرئيس العام لجمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة الأب مارون مبارك ولكن بعد تقريرٍ عن الجمعية.

تقرير:  

تأسّست جمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة في دير الكريم غوسطا في جبل لبنان عام 1865 على يد الكاهن يوحنّا الحبيب الذي بات مطراناً في ما بعد وعددٍ من الكهنة، وهي جمعية إكليريكيّة ذات حق بطريركي ينذر المنضوون تحت لوائها المشورات الإنجيلية الثلاث وهي الطاعة والعفّة والفقر، وغايتها السير صوب الكمال والعمل لأجل الخير الروحي عند القريب والكرازة بالإنجيل بالتحذير والتوجيه والإرشاد والتربية، وتهتمّ بالإرشاد الروحي لجمعية راهبات العائلة المُقدّسة المارونيات.

نمت الجمعية وأخذت على عاتقها العمل الرسولي بالارتكاز على التربية الإنسانية والروحية والرسولية العمليّة، لذلك تُعنى بإعداد مُرسَلي المستقبل. وانتشرت في بلاد الاغتراب في أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا وأستراليا وأفريقيا لخدمة المؤمنين الموارنة، وأديرتها في لبنان هي دير المخلّص الكريم - غوسطا، دير سيّدة النجاة- ميروبا، دير مار يوحنّا الحبيب - جونية، دير ومزار سيّدة لبنان - حاريصا، دير ومعهد الرسل - جونية، دير مار مارون ومدرسة قدموس جوار النخل - صور، إكليريكيّة مار يوحنّا الرسول الكبرى - حاريصا، ودير سيّدة البحار - إدّه البترون.

أما مؤسّسات الجمعية فهي مطابع الكريم الحديثة، تأسّست عام 1928، منشورات الرسل جونية، مجلّة المنارة، مكتبة الكريم، إذاعة صوت المحبة، معهد التثقيف اللاهوتي للعلمانيين، بيت الطالب، استديو CineChrist، تلفزيون charity tv، مؤسّسة المنسيّين التي تهتمّ بتلبية حاجات العائلات والأفراد الأكثر فقراً.

غسان الشامي: تحيّة لكم، أهلاً بك أبونا مبارك ضيفاً عزيزاً على أجراس المشرق، أبونا جمعيّة للمرسَلين اللبنانيين الموارنة، كيف تكون الرسوليّة من 155 سنة كما قلنا في التقرير، ولكن كيف تكون الرسوليّة في العالم المعاصر؟

الأب مارون مبارك: بدايةً أحيّي جميع المشاهدين وأشكرك على المقدّمة. الرسالة تبدأ بدعوة يتلقّاها الإنسان من الربّ، والدعوة لها علامات وإشارات في قلب الإنسان، الربّ يحرّك في قلبه هذه اللهفة أو هذا الشوق أن يساعد أخاه الإنسان على السلام وعلى الحياة الصالحة التي تؤدي به لأن يكون كريماً مع نفسه وفي محيطه، هذه الدعوة تتحرّك في القلب وهذا الإنسان المدعو يلبّي أولاً بقناعته، تتركّز القناعة لديه بأن هذه الحاجة الموجودة وهذا الحنين وهذه اللهفة في قلبه تريد أن تلبّي هذه الحاجة حينها يصبح حاضراً وجاهزاً أن يدخل في قلب العالم ويحمل رسالة سماوية يجسّدها في قلب العالم حسب لغة العالم ومفاهيمه، ولكن من دون أن يُخرج محتوى ومضمون الرسالة من قدسيّتها، وهنا تكمن صعوبة الرسالة في قلب العالم، يعني يجب أن يكون المُرسَل في العالم من دون أن يكون من العالم، يحمل رسالة. 

غسان الشامي: معادلة صعبة.

الأب مارون مبارك: صعبة جداً، يحمل رسالة فيها روح الربّ، فيها عملٌ روحاني وفي الوقت نفسه يجسّده بقلمٍ مجسَّد عالمي، يجب أن تتكلّم لغة الإنسان، يجب أن تحاكي مجتمعه، تحاكي ضعفه، من هنا تكمن صعوبة الرسالة، وجمالها أن هذه العظمة الإلهية التي يحملها الإنسان في قلبه بإيمانه وفرح علاقته بربّه ينقلها برحمة وحنان نحو الآخر، وهذا يتطلّب منه تجهيزاً كاملاً.

غسان الشامي: أبونا مبارك سابقاً أرسل السيّد المسيح تلاميذه للكرازة، أرسلهم رسلاً "كونوا حكماء كالحياة، ودعاء كالحمام"، ولكن في السابق الكرازة كانت تعني التبشير، في العالم المعاصر الذي نعيش فيه نحن كيف تكون الرسوليّة؟ هل تكون فقط بأن نكون بين الناس ونعود لأن نكون وحدنا؟ كيف؟  

الأب مارون مبارك: الرسوليّة هي أن نتحدّث لغة الناس ونحن نحمل كلمة الله والإنذار والتبشير لا يكونان بالكلام فقط، وجمعيّتنا الرسوليّة في انطلاقتها هي الإنذار بالكلمة، التبشير بالكلمة، وبدأت بالفعل من خلال الوعظ الذي هو الكرازة والتعليم، ولكن مع الوقت بدأت تتطوّر إلى تربية من خلال المدرسة ومن خلال التعليم المسيحي أو التعليم التربوي في المدارس العادية، وعندما تطوّرت مع الوقت انتقلت الرسالة من خلال الإعلام، الرسالة الإعلامية، رسالة الكتابة ورسالة القلم التي نكتب بها من خلال مجلات وجرائد دينية وغير دينية، لذلك الكرازة بابها واسع تبدأ بالتبشير بالكلمة وتتابَع بنوعيّة الحياة التي يعيشها المرسَل بين الناس ويعود إلى عالمه كي يُكمل ويتابع تنشئته الذاتية من خلال صلاته ومن خلال العمل على ذاته فكرياً، إنسانياً، علائقياً كي يعاود الانطلاق ويُكمل رسالته في قلب العالم.

غسان الشامي: في الجمعيّة ينذر المرسل المشورات التي تسمّونها المشوارت الثلاث: الطاعة، الطاعة لمَن؟ ينذر العفّة، كيف يمكن أن يكون المرء والكاهن، وأنا أعتقد أن العفّة قاسية بالنسبة للكاهن في هذا العالم المشقلب القيَم، والفقر، الفقر في عالمٍ قال عنه السيّد المسيح منذ بداية رسالته أنه لا يمكن أن تعبد ربّين الله والمال، ويبدو أن المال قد بات الربّ الأساسي في عالمنا المعاصر.

الأب مارون مبارك:النذور الثلاثة أو المشورات الإنجيلية تلخّص حياة الإنسان الذي يكون مكرَّساً للرب، عندما نقول كلمة تكريس يعني أن نفرز الشيء من أي استعمال لكي يكون باستعمال مقدّس، مثلاً الكأس التي يقدّس فيها الكاهن قبل أن تكون مكرّسة تكون كأساً عادية قابلة لأي استعمال، عندما كُرّست فهو لكي تُستخدم في عمل مقدّس في الذبيحة الإلهية، والأمر نفسه بالنسبة للإنسان عندما يتكرّس للرب تصبح حياته مرتبطة بالربّ يسوع المسيح، وهذا التكرّس بخلفيّته في عملية الحب. أنا حين دخلت إلى الجمعية كي أكون مُرسَلاً دخلتُ لأن هناك شيئاً ناداني وهو الانجذاب للرب وهذا الحب الكبير، حتى شغفتُ لأن أكون للرب بكليّتي جذبني له. التخلّيات التي تعاش في النذور، الطاعة هي أن يكون الإنسان حاضراً لتلبية نداءات الرب من خلال الطاعة للكنيسة، الطاعة للقوانين، الطاعة للرؤساء ولكن الطاعة الأولى هي للرب، في كل نداء يأتيني اليوم، أنت تكون رئيساً بعدها تكون مرسَلاً في المكان الفلاني ولديك هذه المهمّة، هذه الطاعة التي ألبّيها ترتبط بمحبّتي للرب، أنا ألبّي نداءاته من خلال هذه القنوات التي تأتيني منها النداءات. أما العفّة فهي هذا الحب الكبير بمعنى آخر أحبّ الكل انطلاقاً من محبة المسيح، العفّة لا تعني أن لا نحب الناس بل أن نحبّهم كثيراً لأن الرب يطلب مني أن أحبّهم، لم تعد علاقتي بالإنسان الآخر كان مَن كان علاقة مباشرة بيني وبينه إنما هي علاقة من الرب الذي يرسلني لكي أعيش علاقة المحبة معه، لذلك المرسَل يحبّ الجميع ولأنه يحب الجميع فهو في خدمتهم وفي عطاءاته لهم. أما نذر الفقر لأن قلب المرسَل اغتنى من محبّة الرب فأصبح كل شيء آخر ثانوياً، هذا لا يعني أنني لا أستخدم الأشياء التي قد تكون متوفّرة في حياتي أكثر من العادي ولكن لا أتمسّك بها بذاتها وكأنها هي التي تعطيني الراحة في الحياة، أنا أستخدمها لأؤدّي هذا الحب للرب. إذاً النذور هي وكأن المكرَّس في الرسالة وفي أي عمل من التكرّس يعطي حياته للرب والرب يقول له اذهب واصنع كذلك فيطيع ويحبّ ويتخلّى بكل حرية لأنها الأساس في حياته، أنا أعطيت ذاتي للرب، قلتُ نعم له ولكل ما يطلبه مني.

غسان الشامي: ما معنى أن تكون الجمعيّة، هذا التعبير الذي لم يتغيّر "ذات حق بطريركي"، هل أنتم تتبعون مباشرةً للبطريرك الماروني؟ وأيضاً ما هي علاقتكم بروما؟هل لديكم علاقة بروما؟

الأب مارون مبارك:عندما نقول جمعيّة ذات حق بطريركي يعني المرجع الأعلى هو السيّد البطريرك، وتكون قوانينها تنصّ على أن عيش النذور الثلاث له طابع خاص، أما الرهبنة فتكون ذات حق بابوي ويكون مرجعها القانوني روما، ولكن صحيح أن مرجعنا هو البطريرك لكن علاقتنا بروما لأننا خليّة في قلب الكنيسة، فلذلك نحن نتبع كل ما تعلّمه روما وقانوناً مسؤولنا الأعلى هو السيّد البطريرك.

غسان الشامي: يقول المؤسّس الأب ومن ثم المطران يوحنّا الحبيب إن العصر الحالي أي القرن التاسع عشر يحتاج إلى كهنة غيورين على خير القريب، يجنّدون أنفسهم، يصرفون اهتمامهم إلى هذا الجهاد العظيم، هل ما يزال هذا المبدأ قائماً رغم تغيُّر العصر أبونا مبارك؟ 

الأب مارون مبارك: طبعاً، هو الأساس، في الرسالة هي الغيرة على خلاص النفوس.

غسان الشامي: لأنه في العصر الحالي، معنى ذلك وكأنّ شيئاً لم يتغيّر.  

الأب مارون مبارك: في العصر الحالي لأن البُعد الرسولي في الكنيسة المارونية لم يكن واضحاً بعد بهذا المعنى، كانت هناك الحياة الرهبانية الديريّة التي تؤدّي بعض الخدمات ولكن ليست الرسالة بمعنى الكاهن الحاضر في قلب المجتمع بين الناس بوعظه، بعمله، بمرافقته المباشرة للنفوس. لذلك هذه الحاجة في حينها كانت واضحة بالنسبة له أن تكون الغيرة على النفوس، واليوم الرسالة أصبحت أوسع وهذه الغيرة دائماً، وكل ما نفعله بكل الأبعاد وبكل القطاعات التي نعمل فيها لدينا ثلاثة أهداف أساسية: لتمجيد الله، لنفع القريب الروحي، ولقداسة ذاتنا، فلذلك هذه الغيرة على النفوس هي من الأسس والأهداف الأساسية في عملنا الرسولي.

غسان الشامي: الجمعية كما قلت كرازيّة هدفها التبشير، العالم كله الآن، المسكونة كلها فيها ديانات مختلفة وأحياناً متحاربة أو فيها احتراب وفيها أناس لا دينيين أيضاً ولكن لديهم إيمانات معيّنة، هل ما يزال التبشير ضرورياً؟ ومَن تبشّرون أبونا مبارك؟

الأب مارون مبارك: التبشير يختلف عن اصطياد النفوس، هو ليس صيداً للأشخاص، التبشير اليوم يتّخذ طابع الشهادة للحقيقة، حقيقة الرب من خلال حياتنا، من خلال الخدمات التي نقدّمها كي نساعد الإنسان أن يعيش إيمانه وحريّته ونموّه وكرامته، إذاً التبشير اليوم بمفهوم الكنيسة ليس اصطياداً للنفوس.

غسان الشامي: يعني لا يوجد تعدٍّ على مؤمنين من أديان أخرى.

الأب مارون مبارك:إذا تكلّمنا عن تبشيرنا نحن هو أن نتابع أبناء كنيستنا خاصّة الموارنة لأن جمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة في بلاد الانتشار وعلى أرض الوطن حتى نرافقهم في تنمية إيمانهم وفي تنمية حياتهم الإنسانية كي يعيشوا فيها إيمانهم، من هنا نحن نعمل على البُعد الروحي وعلى البُعد الإنساني مع الأشخاص. إذاً رسالتنا ليست نوعاً من الكرازة حتى نجذب الناس إلى إيماننا، نحن نشهد لحقيقتنا، حقيقة محبّتنا للرب كي ينمّي الأشخاص المؤمنين إيمانهم، وإذا كان هناك أشخاص شُغفوا بالمسيح كما شُغفنا به نحن حينها فيكون ذلك خيارهم.

غسان الشامي: هل هناك كثيرون في هذا العصر لديهم هذا الشغف بالسيّد المسيح؟

الأب مارون مبارك: حسب معلوماتي هناك القليل من الأشخاص الذين أعرفهم، قد يكونون أكثر من ذلك لكن يعيشونها بينهم وبين أنفسهم، وهناك أشخاص كُثُر يعبّرون خلال لقاءاتنا حين نكون مختلطين من عدّة أديان يعبّرون عن جمالات الأمور التي نشهد عليها، عن جمالات الحب، عن المسيح، عن جمالات الرحمة التي يظهر ربّنا فيها وخاصة سيّدتنا مريم العذراء التي تجذب كثيراً الأشخاص بروحانيّة أمومتها فيعبّرون عنها، هذا لا يعني أنهم غيّروا إيمانهم ولكنها تجذبهم كثيراً.

غسان الشامي: وكأن فيكم شيئاً من روح الصوفيّة المسيحية ومن ثم في ما بعد الصوفيّة الإسلامية، هذا الشغف بالخالق.

الأب مارون مبارك: الشغف وعمل الروح القدس الذي يعمل في كل إنسان، روح القدس ما من دين يقف أمامه، يعمل في الإنسان لأنه روح الله، أنا ألمسها كثيراً، عمل الروح الذي يرفع الإنسان إلى مستوى روحانيّة الرب، حينها يتخطّى الإنسان حدود الدين وحدود القناعات الشخصية ويعيش اختباراً على مستوى روحي ويلتقي مع الآخر ويتخطّى كل الهيكليات التي تحتضن عمل الروح.

غسان الشامي: جميل، أعود إلى التبشير، هل راقبتم ما يحصل في العالم ثم غيّرتم أدوات التبشير بمعنى أدختلم الإذاعة، لديكم إذاعة صوت المحبّة، Charitytv.

الأب مارون مبارك: حتى لدينا المطبعة.

غسان الشامي: المطبعة منذ زمن بعيد، منذ 1928 على ما أعتقد.

الأب مارون مبارك: كانت في حينها الوسيلة. 

غسان الشامي: ولكن في هذا العالم الحديث دخلتم إلى الإذاعة والتلفزيون.

الأب مارون مبارك: حتى إلى مستوى التواصل الاجتماعي، اليوم تُستخدم وسائل للتبشير، إذا قلنا كلمة الرب هي كلمة الحقيقة التي فيها حياة وهي مستعدّة أن تتجسّد بأية وسيلة من دون أن تفقد قيمتها لأنها كلمة الله، لذلك الوسائل العصرية التي نستخدمها مع كل عصر، بدأنا مع الكتاب أي المطبعة ثم الإذاعة ثم التلفزيون ثم وسائل التواصل الاجتماعي، هذه جميعها نتماشى معها كي تبقى كلمة الرب تصل إلى النفوس وإلى القلوب وتلامسها.

غسان الشامي: وكي تبقوا مواكبين أيضاً. 

الأب مارون مبارك: كي نؤدّي مهمّتنا وإلا لا يمكننا تأدية رسالتنا.

غسان الشامي: هذه الميديا بكل وسائلها المعاصرة الدينية، نحن نعرف أن في العالم العربي الهواء مليء بقنوات دينية بعضها يذهب إلى تحليل الذبح، هل تطال كل الناس أبونا وهنا أتكلّم عن صوت المحبة وCharity tv؟ هل كل الشرائح تلتقي عندها أم كما يقول البعض أو الخبثاء منهم أنها فقط تستجلب كبار السن الذين يخافون فقط من أن آخرتهم قد دنت؟

الأب مارون مبارك: الخطة التي توضع في برامجنا إن كان في إذاعة صوت المحبة أو تلفزيون المحبة، توضع الخطط والبرامج لتكون متنوّعة لجميع الأعمار، هناك برامج للأطفال، للشبيبة، هناك برامج للمرضى الذين يريدون أن يصلّوا ويسبّحوا ويريدون مشاهدة القدّاس، تطال كل الشرائح. اليوم في أحيانٍ كثيرة حين تستقلّ سيارة أجرة تجد السائق يستمع إلى صوت المحبة، السيّدة في المنزل، الشبيبة الذين يتابعون برنامجاً معيناً، تطال وتجذب جميع الشرائح.  

غسان الشامي: "أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً"، المسرح، السينما، هل تقاربون هذا الشيء في الجمعيّة؟ 

الأب مارون مبارك: لدينا المسرح أيضاً، المسرح تابع مع التلفزيون والمسرح الثقافي، صوت المحبة الذي يجمع أيضاً ما بين التمثيل والتعبير حتى يدخل في طريقة التبشير من خلال المسرحيات الدينية التي كانت تُعرض مع أبينا فادي تابت ومع مجموعة كبيرة، وفيها أيضاً مدرسة لتعليم التمثيل للتعبير بهذا المعنى، إذاً تطال جميع الشرائح كما قلنا، الكبير والصغير، الشاب والشابة، الرجل والمرأة، الكل يجد زاوية له وتجذبه أكثر فأكثر. 

غسان الشامي: هذا إذاً الهدف الأساسي منه أن تذهبوا إلى الشباب وأن يأتي الشباب إلى الكنيسة، في ظل هذا العالم المعاصر وفي ظل تهافت القِيمَ الدينية وتحديداً في الغرب كيف تقاربون العلاقة مع الجيل الشاب في الجمعية أبونا مبارك؟ 

الأب مارون مبارك: العلاقة تبدأ بالمرحلة الأولى في المدارس التي نعمل فيها، لدينا مدرستان: معهد الرسل في جونية ومدرسة قدموس في منطقة جوار النخل في صور، وطبعاً هذه الأعداد الكبيرة من الشبيبة نواكبها من خلال التعليم والتربية، التثقيف الإنساني خاصة في معهد الرسل، التربية المسيحية والتربية الدينية، هذا نسمّيه بالمرحلة البديهية الأولى ولكن الأكثر هو العلاقة مع المنظمات الشبابية التي الكثير منها إن كان في طور التنشئة والتحضير الأخوي أو الكهني يرافقون عدداً كبيراً من المنظمات الشبابية التي فيها المرافقة الروحية من خلال المواضيع الروحية التي تُعطى ومن خلال المخيّمات الدينية التي تقام ومن خلال البرامج التثقيفية لهذه الشبيبة، وهنا الباب واسعٌ جداً في علاقتنا على الأرض، نستطيع أن نسمّيها رسالة الأرض أرض مع الشبيبة التي تكون فيها علاقة مباشرة وهذا يؤثّر جداً، وانطلاقاً من هذه العلاقات هناك عدد من هذه الشبيبة يكتشف دعوته والكثير منهم يدخلون إن في الجمعية أو في رهبانيات أخرى.

غسان الشامي: اسمح لي أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ونعود لمتابعة الحوار مع رئيس جمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة الأب مارون مبارك، انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيّة لكم من جديد من أجراس المشرق، الأب مارون مبارك هدف جمعية المرسَلين اللبنانيين الموارنة العناية بالمرسَلين روحياً وكهنوتياً ورسولياً، حشريّتي تدفعني لأن أسألك كيف تعتنون بهم؟ هل مجرّد أن تقرأوا لهم أو تثقيف؟ كيف تُعدّون المرسَلين لأن يخرجوا من جدران أديرتهم، من داخل الحجارة إلى خارجها، إلى الناس، إلى الدماء الحارّة في الشوارع؟  

الأب مارون مبارك: الآن تسألني السؤال الأحبّ إلى قلبي والسؤال الذي يدخل في نطاق اختصاصي وعملي في قلب الجمعية والذي نسمّيه التنشئة الرهبانية والكهنوتية. طبعاً الشخص المدعو المربّي الأول فيه هو عمل الله، الروح القدس، والمربّي الثاني حتى يُعدّ نفسه هو نفسه، إذا لم يكن لديه القبول والاستعداد لتقبُّل ما يقال له وما يلهمه الرب فلن يتطوّر ولن يتقدّم كي يكون جاهزاً للعمل الرسولي، والمربّي الثالث هو الشخص المكلّف، يكون هناك شخص ضمن اختصاصه وخبرته الروحية والإنسانية يُكلّف بمواكبة هؤلاء الشباب، وسنتحدّث عمّا يقدّمه لهم في عملية التنشئة على مدى سنوات، والمربّي الرابع هو الجماعة التي يكون موجوداً فيها لأنها تساعده في مَثلها وأحياناً في انتقادها وأحياناً في تنقيصها حتى يرتّب حياته نحو الأفضل، فهذا المُنشّئ يعمل مع هذه المجموعة على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى نسمّيها مرحلة الطالبيّة يكون فيها الطالب قادماً إلينا، قديماً كانوا يأتون بأعمار صغيرة 11 أو 12 عاماً ويُواكَب على مدى سنوات كي يصل إلى مرحلة الشهادة العليا، هنا المواكبة تتمّ في أن يتعرّف هذا الشخص أكثر على نوعّية الحياة المكرّسة الرهبانيّة والرسالة، ونتعرّف عليه نحن وتكون تنشئته مدرسيّة أكثر ويُواكب ببعض الاختبارات الروحية والعمليّة، هذه المرحلة الأولى. المرحلة الثانية نسمّيها مرحلة الابتداء وهنا يكون العمل جدياً أكثر، ينعزل عن كل العالم ويبقى في دير الابتداء على مدى سنة وهنا التنشئة تكون معمّقة أكثر وتكون مركّزة على التنشئة الروحية أي أن يتعرّف على معنى النذور الثلاثة، أن يتعرّف على الرب من خلال طرق الصلاة، التأمّل والصلاة الجماعية، قراءة الكتاب المقدّس، عن مواضيع تثقيفية حول الحياة الروحية، حول حياة الجماعة، إذاً يصبح لديه نوعٌ من تنشئة فكرية روحية حول كل المبادئ للحياة المكرّسة الرهبانية وللرسالة، روحانيّة الرسالة، يتعرّف على الرهبنة والجمعيّة ككل، مراكزها، قانونها، روحانيّتها، إذاً تكون سنة مكثّفة وفيها بعض الاختبارات الصغيرة ولكن الاختبار الأكبر هو الحياة الروحية، في ختام هذه السنة يصبح جاهزاً لأن يقدّم نذوره الثلاثة ويلتزم في الرهبنة، في الجمعية. المرحلة الثالثة هي المرحلة الإكليريكيّة الكبرى التي يتمّ التركيز فيها على التثقيف الفكري أي الدروس اللاهوتية وهنا يُواكَب على أربعة أو خمسة أصعدة، على البُعد الإنساني، التربية على معرفة الذات، البُعد النفسي، الحرية، البُعد العلائقي، تحديد شخصيّته، تحديد مفهومه لذاته، الوعي على نقصه. إذاً بُعد إنساني واسع وهذا يتمّ من خلال محاضرات، من خلال دورات تنشئة ومن خلال مواكبة شخصية. في البُعد الروحي نُكمل ما دخل به في الابتداء ويتمّ تطوير العمل أكثر من خلال الدراسة ومن خلال الاختبارات الأعمق، تصبح هناك رياضات روحية مطوّلة ودروس مخصّصة في الحياة الروحية. على الصعيد الرهباني النذور الثلاثة تصبح فيها تنشئة أكثر ويتعرّف على روحانيّة الجمعية وعلى كل المفاهيم والتطورات الروحية التي حصلت من خلال محاضرات ودورات تدريبية، والبُعد الرسولي، عندما يكون قد تحضّر في تلك المراحل يصبح جاهزاً للانطلاق نحو الرسالة ويتعرّف أكثر على أبعاد الرسالة وتاريخها، وهنا يكون أمام اختبارات أكثر مع الشبيبة في قلب الرعايا، يتعرّف أكثر على الانتشار من خلال التواصل بيننا وبينهم، تصبح لديه تنشئة رسولية، فكرية واختبارية عملية، وبعد ذلك هناك البُعد الفكري الذي هو الدرس والتثقيف الذاتي من خلال الدروس الجامعية ودروس اللاهوت التي يتخصّص فيها وينال الشهادات بها، ومن خلال عمله الشخصي الدؤوب، هذه التنشئة تكون على مدى خمس أو ست سنوات.

غسان الشامي: ولكن أبونا ما الفرق هنا بينكم وبين الرهبانيات؟

الأب مارون مبارك: في التنشئة الأمر نفسه إنما الفرق هو في البُعد الرسولي، في الروحانية مثلاً هناك خصوصية، كل رهبنة لها روحانيّتها الخاصة حسب موهبتها، موهبتنا الخاصة نحن هي التبشير، الإنذار بالكلمة، الكرازة بالإنجيل، هذه خصوصية وموهبة الجمعية، فكل الأبعاد يجب أن تصبّ في هذا البُعد بينما في الحياة الرهبانية العمل والصلاة، حينها تتمحورعملية التنئشة حول هذه الموهبة الخصوصية، الطرق المستخدمة متشابهة تقريباً لأنها طرق تربوية لكن التركيز على المفاهيم بهدف رسولي هنا يحصل التمييز بين الرهبنة والجمعية.

غسان الشامي: مررتَ على ذِكر مدرستين، هل المدارس هي لغاية تعليمية أو كما قلت أنه يمكن أن تأخذوا منها شباباً جاءت إليهم الدعوة؟ وهل لذلك أقمتم مثلاً بيت الطالب؟ ما هو بيت الطالب؟   

الأب مارون مبارك: المدرسة هدفها الأساس هو التربية كما بقيّة المدارس ولكن الخلفيّة هي تربية الإنسان المتكامل بروحانيّته، بإنسانيته، بوطنيّته، بحياته الاجتماعية، بذكائه في أن يستخدم كل طاقاته في خدمة مجتمعه وخدمة الآخر. هدف الدعوات إذا تكلّمنا عن التفتيش عن الدعوات هو هدف في الخلفيّة وليس في الواجهة، بمعنى إذا كنا نربّي هؤلاء الأشخاص كي تكون دعوتهم في قلب العالم، كي يعيشوا رسالتهم الإنسانية المسيحية في قلب العالم، إذا أثّرنا في أشخاص فهذا هدفٌ ثانٍ موجود، لا أسمّيه ثانوياً بقدر ما هو في الخلفيّة وليس في الواجهة. أما بالنسبة إلى بيت الطالب هو خدمة للأشخاص الآتين من القرى البعيدة ويحتاجون إلى المأوى لكي يتابعوا دراستهم خاصة الجامعية والذي طوّرناه في ما بعد إلى العمال الذين هم بحاجة إلى مأوى، فهدف بيت الطالب هو أن نستقبل الأشخاص كي يكون لديهم مكان، وهنا في الجزء الرسولي هناك نظام خاص لهؤلاء الأشخاص بمرافقة روحية من خلال اجتماعات، من خلال مواضيع خاصة. الكاهن المسؤول يواكب دائماً هؤلاء الأشخاص، ويكون حاضراً للإصغاء إلى مشاكلهم الخاصة، وهذا بابٌ كبير للمرافقة الشخصية وبابٌ رسولي واسع، ليس بالضرورة أن يخاطب الأشخاص من أجل دعوتهم بل من أجل خلاص أنفسهم، من أجل سلامهم، كي يجدوا المخارج الصحيحة لبعض الأمور العالقة بحياتهم. إذاً هذا نعتبره باباً رسولياً، إيواء الأشخاص في مكان صحيح، سليم، في مناخٍ روحي، وفي مناخٍ يساعدهم على عيش رسالتهم وحاجاتهم وحياتهم الإنسانية.

غسان الشامي: أبونا مبارك أنتم كأصحاب رسالة ولديكم مدارس، أولاً كيف ترون التعليم في لبنان، وتحديداً كيف ترون التعليم في المدارس المسيحية مع كامل المحبة لصديقي وأخي المدير العام للمدارس الكاثوليكية أبونا بطرس؟

الأب مارون مبارك: نوجّه له التحيّة، العالم التربوي والمدرسة هي كما يسمّيها أحد البابوات هي آخر متراس في المواجهة بين الكنيسة والعالم، إذا لم تتمكّن المدرسة من الوقوف في وجه العالم فنكون نحن قد خسرنا المعركة في وجه العالم اليوم. إذاً دور المدرسة أساسي جداً لأن التلميذ يأتينا بعمر الأربع سنوات ويتخرّج بعمر17 سنة أي أن هذا التلميذ بين يديك 13 سنة وأنت تزرع فيه منذ طفولته، وهذا ما يترك بصمة في شخصية الإنسان، أنت لا تزرع فيه العلم فقط الذي هو جزءٌ مهم وإنما تزرع فيه الأخلاق، تزرع فيه الإنسان المفكّر، الإنسان الخلّاق، الإنسان المنفتح، هذه رسالة المدرسة الكاثوليكية.

غسان الشامي: ولكن الناس تشكو منها لماذا؟ لماذا تشكو الناس من غلاء الأقساط؟

الأب مارون مبارك: غلاء الأقساط شيء والرسالة شيء آخر، اليوم حين تُنشئ مؤسّسة وتقدّم عطاءً نوعياً فهذا أمر مكلف. بالطبع الناس تشتكي من المغالاة في الأقساط ولكن يجب أن ننظر في المقابل أن هناك حاجات كثيرة حسب القوانين وحسب المستحقّات المطلوبة من المدرسة، المطلوب منها كثير.

غسان الشامي: أبونا أنت تدافع كصاحب مدرسة.

الأب مارون مبارك: كلا أنا أعطي وجهة النظر التي أعرفها، أنا لا أعرف كثيراً عن هذا العالم ولكنني أقول ما أعرفه. طبعاً هناك بعض المغالاة في مكانٍ ما، هناك بعض الزوائد ولكن في المقابل هناك عطاءات تُبذَل، وهذا ما يجب أن نوزنه. الناس تشتكي بالطبع لأن الوضع صعب ولكن حينما كانت الناس مرتاحة مادياً كان الشخص يختار المدرسة الأفضل لتعليم أبنائه ويقول إبني في أفضل مدرسة ، كل شيء له كلفته، هنا نتحدّث عن الجانب المادي ولكن أعود وأركّز على البُعد التربوي ورسالة التربية التي نبحث عنها والتي نسهر عليها. البُعد المادي يتبع الاقتصاد والحياة الاقتصادية وهو يؤثّر سلباً وإيجاباً، ولكن المدرسة يجب أن تبقى محافظة وهنا إذا فقدت رسالتها في هذا الموضوع فستسقط.

غسان الشامي: من خلال مهمّاتكم الرسالية أو الرسولية أبونا مبارك ما هو وضع الأسرة اللبنانية؟ واسمح لي أن أحدّد هل الأسرة المسيحية على علاقة جيّدة بالكنيسة خارج أن الناس تذهب إلى الصلاة؟ ما هي العلاقة التي تربط الناس بالكنيسة؟

الأب مارون مبارك: حسب الخبرة الرسولية عندما يكون المرسَل في علاقة وهنا أتحدّث في بلاد الانتشار لأن عملنا في بلاد الانتشار هو رعوي أكثر على الأرض مع الناس. 

غسان الشامي: سأبدأ هنا في لبنان. 

الأب مارون مبارك: في لبنان سأتحدّث عن أمر لا يدخل في نطاق اختصاصنا وخبرتنا لأن هذا عمل رعوي وعلاقة مباشرة، ولكن من خلال خبرتنا الرسولية التي نعيشها، الأشخاص والعائلات التي هي على احتكاك مباشر مع الكاهن تجد سهولة في العلاقة مع الكنيسة واحترام الكنيسة أكثر. حين لا يكون هناك هذا التواصل القريب فإن الأسرة تعيش إيمانها التقليدي، أي أنني أحترم الكنيسة لأنني هكذا تعلّمتُ ولكن عندما تأتي الصعوبة يضيع هذا المبدأ، ولكن حين تكون هناك علاقة مباشرة بين الكاهن والأسر هنا تكون الأسرة واعية أكثر وأقرب إلى الكنيسة. اليوم نحن في مشكلتين مع الأسر: الانفتاح الكبير في عالم التواصل الاجتماعي على كثير من المجتمعات المنفتحة التي فيها تفقد الأسرة نوعاً من تضامنها ويسيطر فيها مفهوم حرية الشخص فيحصل هذا التفكّك، هذا يؤثّر كثيراً. والأمر الثاني هو الضائقة التي تعيشها الأسر فتطلب من كنيستها المساعدة لأنها بحاجة إلى سند لأن الدولة لا تؤمّن لها كل متطلّباتها لا بل تأخذ منها أكثر، إذاً تعتبر أن الكنيسة هي السند، الطفل يلجأ إلى أمّه ومن هنا يطالب كنيسته. هناك أشخاص كُثُر يتحدّون كنيستهم بهذا المعنى، وأشخاص يعاتبون كنيستهم، وأشخاص يتفهّمون، فالأسرة اليوم بقدر ما نحن في عملنا الرعوي والرسولي نتقرّب منها أكثر بقدر ما نساعدها كي تفهم أن الكنيسة إلى جانبها، المقياس ليس أن توفّر لي المنزل وإنما المقياس هو مدى حضورها في حياتي من خلال الإحاطة وحينها ستكون إلى جانبي مادياً كما هي روحياً. 

غسان الشامي: لنذهب وإياك إلى الانتشار أبونا مبارك، كجمعية يبدو أنكم لاحقتم اللبنانيين من أميركا الجنوبية إلى الشمالية فكندا، أوروبا، جنوب أفريقيا، أولاً هل تقاربون الاغتراب اللبناني بشكل عام أم الموارنة بشكل خاص؟ وكيف تقاربون هذا الاغتراب؟ 

الأب مارون مبارك: في البداية نقارب الماروني لأننا جمعية رهبانية مارونية وخصوصيّتها أن تتبع الموارنة إذا تكلّمنا ليتورجياً وطائفياً، ولكن حضورنا في قلب هذا الانتشار فنحن نعمل أيضاً ضمن الكنيسة العامة ككل، لذلك عملُنا يكون موجّهاً مباشرةً إلى الموارنة ولكن نتعاطى في عملنا في بلاد الانتشار مع الجميع حتى مع غير المسيحيين، هناك مراكز في مناسبات الأعياد الكبرى يأتي اللبنانيون لا بل كل الشرقيين من جميع البلدان ومن جميع الطوائف ويجتمعون في هذا العيد، حتى في القدّاس وفي الاحتفالات. إذاً أصبح مركز الرسالة أرضاً لبنانية أو شرقية مشرقيّة تجذب الشرقيين في أمورٍ كثيرة ولكن الخصوصية هي بالتأكيد للموارنة.

غسان الشامي: هؤلاء الذين انتشروا، بتجربتكم ما الذي بقي يربطهم بالمكان الأول؟ بالرحم الأول؟ هل مجرّد ما تبقّى هو عادات وتقاليد وإيمان بمار مارون والموارنة؟ 

الأب مارون مبارك: إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فهناك مراحل، مَن غادر حديثاً فهو لا يزال يرتبط بلبنان بأكثر من العادات والتقاليد ولا تزال مرجعيّته هي الكنيسة ويعتبر أن هنا أرضاً لبنانية يستطيع أن يجد ذاته فيها ومع كل الأشخاص الذين يتشابهون في هذه اللهفة. أما الأجيال القديمة أي الجيل الرابع اليوم، جيل الهجرات الأولى الكبير في السن لديه بعض الذكريات عن أرض لبنان وعن الوطن. كلّما تأخّرنا جيلاً كلما ذاب هذا الجيل في العالم الذي هو فيه، اليوم يقول أحدهم أنا لبناني ولكنني لا أعرف شيئاً عن لبنان أبداً، هذا الجيل الرابع أي أبناء الأبناء اندمجوا مع مجتمعاتهم وذابوا فيها، حتى كنسياً أصبحوا في الكنيسة اللاتينية، تستطيع أن تكتشفهم من خلال أسمائهم المطوَّرة لكي تعرف أصولهم اللبنانية، واليوم مثلاً في رسالاتنا انطلاقاً من لجنة الانتشار الموجودة إن كان في الكنيسة وإن كان في البلاد صار هناك الكثير من التواصل مع اللبنانيين للتعرّف على أماكنهم ولتسجيل أبنائهم في الوطن، هذا هو الدور الاجتماعي الوطني الذي تلعبه الرسالة. إذاً الأجيال الصغيرة التي أصبحت مندمجة ضاعت، العمل يجري أكثر على الأجيال الأكبر، هناك أشخاص لا يعرفون عن لبنان سوى الكبّة والتبّولة.  

غسان الشامي: والمعنّى والقرّادة والمخمّس.

الأب مارون مبارك: هؤلاء أقل، مَن لا يزالون متمسّكين هم أبناء الهجرة الجديدة وبعض العائلات القريبة من الكنيسة. 

غسان الشامي: أعود إلى مطبعة الكريم، منشورات الرسل، مجلّة المنارة، قبل حوالى مئة عام أسّستم، 1928 - 1930، هل أسّستم هذا فقط للموضوع الرسولي أم أنكم تطبعون كتباً مدرسية لغايات تجارية أيضاً؟  

الأب مارون مبارك: منشورات الرسل كانت للكتب المدرسية التي كانت تُعدّ من قِبَل الآباء ومن قِبَل أشخاص، إضافة إلى طبع مجلة المنارة التي صدرت منذ العام 1935 واعتُمدت كأنها مجلة الطائفة المارونية البطريركية لسنواتٍ عديدة وتوقّفت لفترة طويلة بسبب الحرب ولأسباب أخرى قاهرة ثم انطلقت من جديد في العام 2012. إذاً المطبعة كان لها هدفان: طبع الكتب المدرسية التابعة للمنشورات والكتب الدينية والروحية وحتى الكتب الاجتماعية والثقافية، وبدأ عملها يتطوّر بهذا الشكل. مجلة المنارة كان توجُّهها أنها مجلة دينية علمية واسعة، فيها مواضيع دينية، فلسفية، اجتماعية، ثقافية بكل أنواعها ومواضيع تطال كل الطوائف والأديان بتنوّعها. المنشورات هي لكتب دينية ومدرسية واليوم تحوّلت إلى الكتب الروحية والدينية الليتورجية التي كانت تُطبع. 

غسان الشامي: أنتم تديرون أهم وأشهر معلم، مزار في لبنان ومن أهم المزارات في المشرق وأقصد دير ومزار سيّدة حاريصا، أولاً كيف تهتمّون به؟ ما من أحدٍ يزوره إلا ويرى مئات الأشخاص هناك، وماذا تقدّمون للسياحة الدينية؟ ألا توجد توأمة له مع أمكنة أخرى في المشرق والعالم؟ 

الأب مارون مبارك: مزار سيّدة لبنان وُلِد بين يدي الآباء المرسَلين اللبنانيين بالاتفاق مع البطريركية المارونية والسفارة البابوية اللذيْن كانا المالكين والحاضنين، وعلى أيدي الآباء المرسَلين تمّ التأسيس في العام 1908، والخدمة فيه هي خدمة رعويّة رسولية بامتياز تُؤمَّن فيه القداديس والاعترافات وكل الحفلات الليتورجية إلى جانب التنظيم، وهنا إذا تكلّمنا عن السياحة الدينية فإنها توقّفت بسبب الظروف، تنظيم الرحلات لغير المسيحيين لزيارة هذا المعبد وهذا المزار، كان يحصل تحضير وإعداد وشرح عند الدخول عن مفهوم مريم العذراء في الإنجيل وفي القرآن الكريم، تحصل كل هذه التنبيهات والشروحات وتتمّ زيارة سياحية إلى هذا المعبد. أيضاً يتّصل المعبد بطرقٍ سياحية، هناك طريق نسمّيها درب السماء التي تنطلق من جونية إلى المعبد والتي تمشيها مؤسّسة "درب السما" أول سبت من شهر أيار، وأصبحت هذه الطريق معتمدة مع الكثير من الحجّاج الذين يمشون عليها في الحرش حوالى ثلاثة كيلومترات، أيضاً هو موصول مع مجموعة مزارات العالم التي تنظّم مؤتمرات مع بعضها البعض ويحصل أخذ وردّ بين هذه المزارات لنستفيد من خبرتهم ونعطي خبرتنا، لذلك هذا المعلم السياحي الديني يأخذ هذا البُعد المشرقي والعالمي وأصبح محطّ أنظار للكثيرين من غير اللبنانيين واللبنانيين الذين يقصدونه لكي يعيشوا زيارة حجّ وفي الوقت نفسه يتعرّفون من خلاله على أمورٍ لبنانية كثيرة.

غسان الشامي: شكراً جمّاً سيّدي، ها أنا أرسلكم كحملانٍ بين ذئاب فكونوا حكماء كالحياة وُدعاء كالحمام. منذ ألفي عامٍ ونيّف أخبرنا الجليليّ أن العالم ذئبيٌّ وأن المرسَلين حملانٌ يجب أن يتحلّوا بالحكمة والوداعة، كيف يمكن هذا؟ شكري للرئيس الأب مارون مبارك على مشاركتنا قرع أجراس المشرق، شكري لزملائي في البرنامج وقناة الميادين على عملهم ومحبّتهم، عسى أن تكون أيامكم رسوليّة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.