من هدي الإسلام في الوقاية من الأمراض

الهدف الأسمى والأعظم للإسلام هو الحفاظ على الإنسان , ولذلك هناك وجوب شرعي للحفاظ على الإنسان , لأن الكينونة الإنسانية أمانة من الله , فلا تعرضها لا للشيطان ولا للفيروس و لا للتهلكة وعندما دعا نبى الله زكريا قائلا: «رب هب لى من لدنك ذرية طيبة» فسر العلماء كلمة «طيبة» بالسليمة من الآفات الصحية .. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يردنَّ ممرض على مصح»، أى لا يختلط المريض بالصحيح ... وقد أوجب الله على الإنسان مطلق الإنسان أن يحافظ على صحته بالمطلق , لأن الإنسان عمود الحضارة و حركة التاريخ و صيرورة الأحداث , بدونه تنتهي وظيفة الأرض , لأن الحيوان لم يؤت عقلا ليقود حركة التاريخ... وقد ظن كثيرون أن فقه الطهارة من أجل التعبد, صحيح, لكنه بالأساس لمقاومة الأوبئة و الأمراض وعدم التعرض للفيروسات, نحن لم نقرأ الإسلام بعين الدنيا.. لقد حرص المشرع العظيم على سلامة أتباعه ووقايتهم من شر الوقوع في براثن المرض, لأن الأمة المريضة لا تصنع حضارة, ومثلما حرص الإسلام على السلامة من الأمراض الظاهرة دعا إلى تطهير النفس من أمراض النفس... صدقا إسلامنا عظيم وضع قوانين للإنسان من الخلاء - المرحاض - وإلى أدق تفاصيل الحياة الإجتماعية والسياسية والحضارية .

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

الهدف الأسمى والأعظم للإسلام هو الحفاظ على الإنسان، ولذلك هناك وجوب شرعي للحفاظ على الإنسان لأن الكينونة الإنسانية أمانة من الله فلا تعرّضها لا للشيطان ولا للفيروس ولا للتهلكة. وعندما دعا نبي الله زكريا قائلًا "ربّي هب لي من لدنك ذرية طيبة"، فسّر العلماء كلمة طيبة بالسليمة من الآفات الصحية. وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم "لا يردن ممرض على مصح"، أي لا يختلط المريض بالصحيح. وقد أوجب الله تعالى على الإنسان مطلق الانسان أن يحافظ على صحته بالمطلق لأنّ الإنسان عمود الحضارة وحركة التاريخ وصيرورة الأحداث، من دونه تنتهي وظيفة الأرض لأن الحيوان لم يؤتَ عقلًا ليقود حركة التاريخ، وقد ظن كثيرون أنّ فقه الطهارة في الإسلام من أجل التعبّد، صحيح لكنّه بالأساس لمقاومة الأوبئة والأمراض، وعدم التعرّض للفيروسات. نحن لم نقرأ الإسلام بعين الدنيا، لقد حرص المشرّع العظيم على سلامة أتباعه ووقايتهم من شر الوقوع في براثن الأمراض، لأن الأمّة المريضة لا تصنع حضارة. ومثلما حرص الإسلام على السلامة من الأمراض الظاهرة دعا إلى تطهير النفس لأنّ أمراض النفس أيضًا مؤذية.

قال الحبيب الطبيب صلّى الله عليه وآله "غطّوا الإناء، وأوكئوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل عليه الوباء". وحرّم الإسلام التبرّز والتبوّل قرب موارد المياه، وفي ظل الناس، ومكان تجمعاتهم، بل شدّد في تحريم هذه الأفعال، وعدّها من مسبّبات اللعن، فقد صحّ عن النبي قوله اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل. كما نهى الرسول الأعظم أن يُبال في الماء الراكِد، ونهى أيضًا عن الدخول إلى أرض وقع بها الطاعون، ونهى أيضًا عن الخروج من أرض وقع بها الطاعون. قال سيّدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "إذا سمعتم به أي الطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". والطاعون دلالة على أي وباء قاتل. صدقًا إسلامنا عظيم وضع قوانين للإنسان من الخلاء المرحاض إلى أدقّ تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والحضارية والذي يغوص في دقائق الإسلام يكتشف أيضًا عظمة الرسول روحي فداه.

"من هدي الإسلام في الوقاية من الأمراض" عنوان برنامج أ ل م.

ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن مصر الحبيبة العالم الجليل الشيخ علي المطيعي من علماء الأزهر الشريف.

وفي هذه المناسبة لا أملك إلا أن أدعوه جلّ في عُلاه، نقول له يا ربنا يا مولانا نزل البلاء وحلّ الشقاء ذنوبنا لا تنقص من ملكك، وإحساننا لا يزيد في سلطانك فنسأله تعالى أن يذهب هذا البلاء عن المسلمين والإنسانية قاطبة مهما اختلفت الألوان والأديان، ولنتعلّم كيف نلوذ به ونعود إليه لأن الآية هذه موجّهة للجميع.

"التربية الصحية في ضوء الفكر الإسلامي" غياث النجار

كتاب "التربية الصحيّة في ضوء الفكر الإسلامي" حاول الإفادة ممّا ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية واجتهاد علماء الطب والتربية فهي كلّها أصول هذا العِلم وأسسه، والسير على قواعدها يؤمّن الخلاص من العادات والأعمال التي تجرّ إلى الأمراض والآفات المختلفة. كما تحقّق السُبل الضالّة التي تؤدّي إليها الأعمال والشهوات القبيحة.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الرزاق قسوم، كيف يجب أن نحقّق الأمن الصحي في المجتمعات الإسلامية؟ وكيف يجب أن نحافظ على سلامة الأبدان لتسلم الأديان؟

عبد الرزاق قسوم: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم. حيّاكم الله أستاذ يحيى أبا زكريا، وحيّا الله أيضًا أخينا الأستاذ علي المطيعي وحيّا الله المشاهدين الأفاضل جميعًا. أنتم والحقيقة في مقدّمتكم التي بدأتم بها لخّصتم مجمل ما ينبغي أن يقال في مثل هذه المناسبة. الإسلام هو بامتياز دين الوقاية، ودين النظافة، ودين الحفاظ على صحة الإنسان وعلى الإنسانية قاطبة. لذلك ينبغي علينا أن نلوذ أولًا بقواعد ومبادئ الإسلام كي نتحصّن ضد كل أنواع  الأوبئة، وضد كلّ أنواع الداء.

ثانيًا، إنّ الإسلام يحثّ على المحافظة على النفس، والحفاظ على النفس هو من أساسيات حقوق الإنسان في الإسلام. كذلك فإن من متطلّبات الإسلام المحافظة على نظافة الأبدان ونظافة المكان ونظافة اللسان أيضًا والوجدان. لذلك ينبغي أن نبدأ كمدخل بالقول بأنّنا لو طبّقنا نسبة معينة من مطالب الإسلام في آيات الله سبحانه وتعالى وفي أحاديث نبيّنا عليه الصلاة والسلام، وفي حكم علمائنا وأسلافنا، لو التزمنا وطبقنا هذه المبادئ وهذه الحكم لاستطعنا أن نجنّب أمّتنا ومجتمعنا معظم هذه المشاكل والأزمات والنازلات التي حلّت بها.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي المطيعي لا شكّ أنّ الإنسان هو محور الكون، وهو الخليفة الذي أوجده المولى عزّ وجلّ وهيّأ له كل أسباب إعمار الأرض بالصلاح طبعًا، وبالتالي الحفاظ على الإنسان هو الهدف الأسمى للشريعة هو الهدف الأسمى الذي أوصى به المولى عزّ وجلّ. ما الذي جاء في ديننا الحنيف من حيث حيثيات الحفاظ على النفس، وعلى البدن، وعلى الصحة، وتقديس الحياة لا إهمالها؟

علي المطيعي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أرحّب بك يا دكتور، وأرحّب بضيفك الكريم من الجزائر، وحفظ الله كل بلاد المسلمين، وكل بلاد العالم من هذا الوباء.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

علي المطيعي: الذي حلّ بالبشرية عافانا الله وإيّاكم جميعًا من هذا، كما تفضّلت حضرتك إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وكرَّمه، بل وجعل من الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية هي الحفاظ على النفس البشرية. ولو تأمّلنا في الكليات الخمس أو الدورات الخمس في الشريعة سنجدها حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل، ثلاثة من خمسة منصبّين في النفس نفسها لأن حفظ النفس خلاص حفظ النفس، حفظ العقل لو ضاع العقل ضاعت النفس.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي المطيعي: ولو ضاع النسل هو في الحقيقة النسل أيضًا نفس، سنجد ثلاثة من خمسة المال نحن نتحدّث عن ثلاثة من خمسة ينصبّوا أيضًا في النفس البشرية. الله سبحانه وتعالى حتى في خطابه في القرآن يا أيّها الناس، يا بني آدم الله سبحانه وتعالى خطابه خطاب سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى في حجّة الوداع، أيّها الناس ألا إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام، هذا كله يؤكّد عِظَم النفس البشرية أين كانت كنفس بشرية سواء كانت نفساً مسلمة أو غير مسلمة، لذلك حرّم الله سبحانه وتعالى قتل النفس، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق. ولا تقتلوا أنفسكم، كل هذا دليل على الحفاظ على النفس. الإسلام سبحان الله العظيم وضع ما يُسمّى بالإجراءات الوقائية للحد من انتشار الأوبئة وانتشار الأمراض وانتشار الطاعون وما إلى ذلك، فنجد أنّ الإسلام في طريقة التعبّد لديه أنشأ محورين أساسيين: المحور الأول مهم وهو نظافة المخازن التي تتجمّع فيها الأوبئة والجراثيم. المحور الثاني قطع الطريق على هذه الأوبئة أن تصل للإنسان، فنجد سبحان الله العظيم في هذه المخازن الموجودة فيها المايكروبات، سنرى ثلاثة أشياء بَدَن الإنسان، والحيوان، والبيئة التربة والماء والهواء. كل هذه مخازن للمايكروبات، فقام الإسلام سبحان الله العظيم الذي فرض علينا أغسال واجبة. ويفرض علينا أكثر من 17 غسل مندوب ومسنون ومستحب من هدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى يتخلّص الإنسان من هذه الجراثيم من خلال هذه العبادة، نجد أن الإسلام في الوضوء جعل المسلم يتوضّأ في اليوم خمس مرّات، أو في الوضوء خمس مرات، بقوله تعالى "يا أيّها الذين آمنو إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطّهروا". الآية سبحان الله العظيم هذا من باب تنظيف هذه المخازن في البدن، المضمضة تنزل بقايا الطعام واللعاب في الفم، والسواك من هدي سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يقول السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب. ويقول صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لولا أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء أو عند كل صلاة".

نجد أيضًا النظافة الشخصية من سنن الفطرة، فيجعل الله سبحانه وتعالى من سنن الفطرة نتف الإبط، وحلق شعر العانة، واستعمال اليمين في الأكل، واستعمال الشمال في الاستنجاء، وثقافة الاستنجاء التي يتمتع بها المسلمون من دون غيرهم من الطهارة هذا شيء عظيم، هذا من باب الحفاظ على البيئة الموجود فيها الفيروسات. نجد أيضًا قطع الطريق عن هذه الفيروسات بأنه كما ذكرت حضرتك في المقدّمة أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى مثلًا عن قضاء الحاجة التبوّل أو التبرز في الطرق العامة، أو حتى في الماء الجاري، أو في الماء الراكِد، أو تحت ظل يستظل به الناس. ونهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن البصق، بل اعتبار أنه كبيرة من الكبائر، رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضًا حثّ عليه كشيء يؤدّي إلى عدم انتشار الأوبئة من خلال حتى الهواء، فنهى عن  النفخ في الماء والنفخ في الطعام أو النفخ في الشراب من هديه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه إذا تثاءب المسلم، فعليه أن يضع كفّه عند التثاؤب.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي طبعًا سنغوص في كل هذه التفاصيل، دعني أنتقل إلى الجزائر الحبيبة مجدّدًا إلى صديقنا الأستاذ العزيز الدكتور عبد الرزاق قسوم. دكتور عبد الرزاق في هذه المحنة الكبيرة يصاب الناس بحيرة واضطراب، والكل خائف. دعنا نذكر أنّ الكون محضر الله، وأنّ الله ليس فوضويًا، كما قد يتصوّر البعض. الله حكيم في تصرّفاته، صبور في أفعاله، فهو لا يريد أن يتسبّب بالأذى للكرة الأرضية وللوجود، هو يبعث آيات للطغاة حتى يعدلوا، وإلى التكفيريين حتى يكفّوا عن القتل، وإلى البعيد عن ربّه حتى يعود إلى ربّه. ثمّ الوباء حلّ بالمسلمين قديمًا، وصحابة أجلّاء ماتوا جرّاءه، عثمان إبن مضعون، وأبو عبيدة عامر إبن الجراح رضي الله عن الجميع. ما هي فلسفة الوباء من المنظور العرفاني الأخلاقي إن صحّ التعبير؟

عبد الرزاق قسوم: حقيقة الله سبحانه وتعالى في كل شيء له آية تدلّ على أنه الواحد، وما خلقنا عبثًا. ولكنه خلقنا لحكم لا لحكمة واحدة، بل لحِكَم عديدة يجعل كل عاقل إن تأمّل هذه الحِكَم سينجو وسيكون بمنأى عن كل هذه المصائب، وهذه الأوبئة. فهذا الوباء الذي حلّ بالإنسانية قاطبة والأمّة الإسلامية جزء من هذه الإنسانية، هذا ما يسمّى بوباء كورونا، مثلًا هذا الوباء هو تذكير للعاقلين من الإنسانيين بأن يعودوا إلى الله.

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

عبد الرزاق قسوم: لأنّ الله تعالى أعطانا أمثلة عديدة في قوله مثلًا سبحانه وتعالى: "يا أيّها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إنّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه"، النتيجة ضعف الطالب والمطلوب، بمعنى أن هذا الوباء الذي أصاب الإنسانية هو لا يمكن أن يُرى بالعين العادية، ولكن بالوسائل الطبية يمكن أن يشخّص وهو قد أصاب الإنسانية قاطبة. لذلك كما تفضلتم وكما تفضل ضيفكم من مصر الشقيقة هذا الوباء هو إعادة للعقلاء سواء، أكانوا مؤمنين، أو حتى ملاحِدة أن يعودوا إلى الله وأن يستسلموا لضعف الإنسان أمام الخالق، وأن يتأكّدوا من أنه لا عالٍ ولا عظيم ولا قوي إلا الله لأنّ كلّ أنواع العَظَمة، وكلّ أنواع القوّة تضعف وتستسلم أمام قوّة الله سبحانه وتعالى.

ثانيًا، إنّ هذا الوباء يجعل المسلمين بالخصوص يتأكّدون من أنهم المتميّزون على حق في هذا الدين الذي حثّهم على نظافة اليد ونظافة العقل ونظافة القلب ونظافة الذمّة، وكل هذه الأنواع من النظافة إنّما هدفها تحصين الذات ضد كل أنواع الآفات وضد كل أنواع الأوبئة. لذلك نحن علينا أن نتحصّن ضد هذه الأوبئة، أو هذا الداء وهذا الوباء أولًا بالدُعاء لأن ادفعوا البلاء بالدعاء كما يقول الحديث النبوي الشريف، ادفعوا البلاء بالدُعاء بمعنى يجب علينا أن نعود إلى الله، وأن نستشعر عَظَمة الله في هذا الذي نبتلى به الآن وتبتلي به الإنسانية قاطبة. فالدول العظمى بصناعتها وبأطبائها وباقتصادها، وبكل الإمكانات الموجودة لا تستطيع أن تعمل إلا وفق إرادة الله.

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور عبد الرزاق، وفي هذا السياق نقول فايروس واحد لا يُرى بالعين المجرّدة أوقف الكون كله، وعطّل القارات الخمس كلها. أين بوارجكم الحربية؟ أين قنابلكم النووية؟ أين تريليوناتكم المادية؟ أين جبروتكم؟ النمرود عندما طغى وتجبّر أرسل الله إليه ذبابة، دخلت أنفه فمات بضرب النعال على رأسه، وإن لله في خلقه شؤون.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

"الصحة البدنية للإنسان بين تعاليمم الإسلام وتوجيهات منظمة الصحة العالمية" دراسة مقارنة محمّد محمّد عبد النبي.

الصحة من أفضل ما أوتي العبد من نعمة بعد الإيمان بالله تعالى، وليس أدلّ على ذلك من أن مدار حركة حياة الإنسان مرتكزها صحة البدن، ممّا أولت شرعة الإسلام عنايتها بهذا المرتكز. فبقليل من النظر في التعاليم الإسلامية من أوامر ونواهٍ إلى جانب منطلقها التعبدي، نجدها تطبيقات صحية للمحافظة على الرصيد الصحي للإنسان، ولاكتساب رصيد جديد يواصل به هناءة عيشه بعيدًا عن عاديات الأدواء. ومن أهم سمات التعاليم الإسلامية في المجال الصحي اليسر في الأداء والشمولية لكل مناحي الحياة، والسبق لكل الهيئات العاملة في مجال الصحة أفراد وجماعات، ولبيان تلك الأخيرة كانت المقارنة بين التعاليم الإسلامية وتوجيهات منظمة الصحة العالمية تلك المنظمة التي لا تألو جهدًا في إيجاد مجتمع صحي آمن لكل بلدان العالم.

 

 

المحور الثاني:

"الحاوي في الطب" أبو بكر الرازي، محمّد بن زكريا الرازي المولود عام 841 والمتوفى سنة 926 للميلاد.

قدّم تقييمًا وشرحًا دقيقًا عن العادات الغذائية السليمة والمعالجات الصحية في كتابه الحاوي في الطب موسوعة الطب. فقد قدّم كل المعارف المتاحة عن السمنة في ذلك الوقت في ضوء خبرته وممارساته الخاصة، حتى أنه ناقش في كتابه آراء العلماء الذين سبقوه ولاسيما في ما يتعلق بمرض السمنة المفرطة. كما وثّق تلك النقاشات باستخدام تقرير الحالات السريرية للمرضى الذين كانوا يعانون من السمنة المفرطة، وتمّت معالجتهم بنجاح. كما وصف بالتفصيل العلاجات التي استخدمها بما في ذلك النظام الغذائي والتمارين والتدليك والعلاج المائي والعقاقير وتغيير نمط الحياة للمرضى. إضافةً إلى ذلك قام الرازي بتأليف كتاب خاص يشرح فيه كيفية الحفاظ على الصحة عن طريق التغذية السليمة بنحو أكثر شمولًا من كتابه الحاوي في الطب.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا، نحن نعالج موضوع الهدي القرآني الإسلامي المحمدي في الوقاية من الأمراض والأوبئة والطاعون طاعون اليوم هو الكورونا.

شيخ علي المطيعي، طبعًا الإسلام هو مصدر الطمأنينة صدقًا، وهنيئًا لمَن عرف ربّه. أنت يجب أن تقي نفسك، ويجب أن تعقّم يديك باستمرار محيطك، بيئتك، توجّه أولادك، زوجتك، جيرانك، تحافظ على الجميع. لكن إذا حلّ القضاء، إذا الله تعالى قال هذه النفس تنتهي من الوجود يتوقّف الوجود هو الذي يطيل الأعمار، وهو الذي يقبض الأرواح حتى الذي يموت بالوباء، قال حبيبنا المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم الطاعون شهادة لأمّتي بمعنى الذي يموت بالمرض هو شهيد في سبيل الله، ويلتحق بالرفيق الأعلى ليكون أجره أجر الشهداء. ماذا عن هذا المنظور بالله عليك؟

علي المطيعي: بالنسبة للطاعون هناك أكثر من محور في المسألة، طبعًا المريض بالطاعون كما قال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جعل المريض بالطاعون كالشهيد  سواء بسواء كالشهيد في المعركة، لذلك كل إنسان يصاب بهذا الوباء اللعين عليه أن يحتسب هذا في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأن يصبر وأن يجعل صبره هذا أن يتوجّه إلى الله بالدُعاء، وقد يكون فرصة له للتوبة والعودة. لكن المهم في المسألة أن يحافظ على نفسه ويحافظ أيضًا على البيئة المحيطة به إن علم المريض بهذا الوباء سلّمنا الله وإيّاكم عليه أن لا يضرّ غيره ممّن يخالطهم، بل عليه هو أن يعمل لنفسه حجرًا صحيًّا إن لم تعمل له السلطات حجرًا صحيًّا، هو عليه المباشرة بحجر صحي للقاعدة الشرعية التي تقول إن الضرر يزاد. لذلك كما وجهنا سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لا دار ولا ضرار فعليه أن يغلق على نفسه حتى لا يصيب الآخرين بهذا الوباء وهذا الطاعون، وسيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي وجّهنا لهذا الحجر الصحي، وحضرتك تفضّلت في بداية الحلقة بالحديث الذي رواه سيّدنا عبد الرحمن بن عوف، ورواه سيّدنا عمر إبن الخطاب حينما قال له سمعت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول إذا سمعتم به في بلد فلا تدخلوا إليها، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها. هذه هي قواعد الحجر الصحي، وما هو إلا ذلك سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لا عدوى ولا طيرة ولا هامة شررًا من المجدوب فرارك من الأسد ومعنى ذا عدوى هنا أرى البعض يفسّرها على أنها لا نافية للجنس، ويتعامل معها على أن لا عدوى لا شيء يعدي.

يحيى أبو زكريا: طبعًا شيخ علي المطيعي، شيخ علي في هذه النقطة ربما بعض المشاهدين يفهمون فرّ من المجدوب فرارك من الأسد، أنّه إذا رأينا مسلمًا ساقطًا على الأرض نتركه يتعفّن ويموت هذا لا يعني ذلك نهائيًا، بل يجب أن نأخذ بأيدي المرضى ونساعدهم ونمدّ أيدينا إليهم، لكن بعد اتخاذ الإجراءات حتى لا نصاب نحن أيضًا.

علي المطيعي: طبعًا طبعًا، فلا عدوى كقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، فإنّما لا رفث أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا فذلك لا عدوى أي لا تعدوا بعضكم بعضًا، وإلا لو كانت لا عدوى اللا النافية للجنس يكون تكملة الحديث فرّ من المجذوم لا قيمة له. وكلام سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يدخلن ممرض على مصح كما تفضلت حضرتك، لا يدخل مريض على مصح، وهذا الحديث أيضًا حينما جاء جاء على أنه لا يأتي أحد بنوقه وجماله المريضة على إبل سليمة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي المطيعي: فما بالك بالنفس البشرية والإنسانية التي تحدثّنا في فضلها يكون هذا من باب أولى أنّ الإنسان يحافظ على نفسه من خلال الحفاظ على الإنسانية كاملة، وفي الحقيقة نحن وجدنا في بعض الثقافات التي أتتنا أول انتشار هذا المرض في الصين، وجدنا بعض الناس الجهلاء يتشفّون، ويقولون هذا انتقام من الله، ومنهم من جاء ليقول لي لا تدعوا لمَن في الصين بالشفاء هذا من باب ثقافة الكراهية التي ردّدها بعض الناس.

يحيى أبو زكريا: يا شيخ علي بربّك الذين قالوا هذا الكلام، ماذا يقولون اليوم؟ والكعبة قد أغلقت، الكعبة قد أغلقت، ومقامات الصالحين قد أغلقت ومقام الرسول قد أغلق. يجب أن يكون الإنسان بالفعل أخ الإنسان. دعني أذكر هنا ببعض الكتب شيخ علي الحاوي في الطب لأبي بكر الرازي، هذا كتاب قديم جدًا، وفيه تفصيل للتعقيم والتطهير. لكن المسلمين لا يقرأون وإذا قرأوا لا يحفظون وإذا حفظوا سرعان ما ينسون التربية الصحية في ضوء الفكر الإسلامي، والصحة البدنية بين تعاليم الإسلام ومنظمة الصحة العالمية، دعني أذهب إلى الجزائر الحبيبة إلى الدكتور عبد الرزاق مجدّدًا.

دكتور عبد الرزاق نحن تكلّمنا وأسهبنا من بداية الحلقة عن الإنسان والاحتياطات وضرورة الحجر الصحي والابتعاد عن الأوبئة. أنت تأمّل معي مرض الكورونا نقطة الضعف في الإنسان الرئة الرئة هي مصدر من مصادر حياة الإنسان غير القلب والدماغ. فالكورونا يضرب الرئة، ويعطّل التنفّس بعض الدول العربية فيها عدد أجهزة تنفّس 700 مثل في لبنان، وأكيد الجزائر أقلّ مصر أقلّ وفلسطين أقل أين دولنا؟ أين حكوماتنا؟ لماذا تذهب الأموال الطائلة إلى الفساد؟ وإلى الرشى؟ والتبذير والراقصات والمغّنين ولم يكُ عندنا فكر صحي استراتيجي.

اليوم إذا أصيب مئة ألف ومئتا ألف وحياتهم تتوقف على جهاز تنفّس اصطناعي، بربّك ماذا نفعل؟ نفتح رقابنا حتى نتنفّس؟ أين الدول ووعيها؟ أيضًا في حياتها لم تفكّر دولنا في الإنسان، اتخذت الإنسان بضاعة رخيصة بأتمّ معنى الكلمة حتى إذا حلّ البلاء لا نجد جهاز تنفّس لمرضانا؟

عبد الرزاق قسوم: نعم ما تفضلت به هو عين الصواب، حقيقة لأن كان لا بد وهذه من المواعظ التي نستخلصها، كان لا بد من هذه النازلة نازلة وباء كورونا، كان لا بد منها لنستعيد وعينا المفقود ولنعود إلى صوابنا ولنعمل على أن هناك ابتلاء ينبغي أن نتعلّم منه، وأن نستخلص منه النتائج ومن هذه النتائج أنّنا قمنا باللجوء إلى الماديات المحضة وإلى التنافس على الملذات، ولكنّنا أغفلنا الضامن لهذه الماديات والضامن لهذا البقاء وهذا الوجود وهو الإنسان بعد الله.

إذًا، نحن نعتقد بأن هذا الوباء جاء كخطاب له عدّة معانٍ موجّه إلى القائمين على الشأن السياسي وعلى القائمين على الشأن الديني، والقائمين على الشأن الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي، كل واحد منهم يجب أن يستخلص أن هذا الوباء إنّما جاء ليُعيد إيقاظنا من سباتنا ويجعلنا نهتم بما يعود على الإنسان بالفائدة والنفع العميم.

هل يعقل أن بلدًا كبلدنا الجزائر مثلاً وهو بلد غني والحمد لله يملك كل الطاقات وكل الإمكانات المادية والاقتصادية والبشرية مثل هذا البلد الآن عندما جاء هذا الوباء وجدنا أنفسنا نحتاج إلى أقل الإمكانات كالوقائيات، وسائل واقية وما إلى ذلك.

وهذا يدلّ على خلل ما كان موجوداً وينبغي علينا أن نتلافاه حتى لا نقع فيه مستقبلًا، هذه أولًا. ثانيًا نحن أيضًا مدعوون إلى أننا نبثّ ثقافة التوعية وثقافة التضامن وثقافة الحماية، لماذا؟ لأنّنا نلتقي كمجتمع مسلم كمجتمع اجتماعي منفتح على كل المناسبات. أيضًا قد نؤدّي بهذه العلاقات الاجتماعية الفوضوية قد نؤدّي بها إلى التهلكة، والله يقول لنا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحبّ المحسنين.

ثالثًا إن أداء الواجبات والشعائر الدينية في المساجد وفي المصليات والولائم وفي الجنائز وما إلى ذلك تتطلّب أيضًا قواعد معينة تتطلّب أيضًا وقايات معينة من هذه الوقايات، ومن هذه الأساليب تعقيم المسجد تعقيم المساجد والمصليات والعناية بنظافة المائضة التي يلجأ إليها المئات، بل الآلاف من المصلين في كل يوم. هذه أيضًا مُنبّهات ينبغي أن ننتبه إليها، وديننا يحثنا كما سمعنا منذ قليل أيضًا على الوضوء وعلى النظافة وعلى الاغتسال وعلى كل ما من شأنه أن يغلق المسام التي تأتي منها أي أنواع من الخبائث.

رابعًا إذا دعت الحاجة إلى أننا من أجل حماية الساجد أن نغلق المساجد لا مانع من ذلك، ولكن هذا كما يقول المثل آخر الدواء وهو الكيّ أننا نلجأ إلى هذا عندما نعجز عن كل الوسائل المطلوبة. وبالتالي علينا أن ننشر ثقافة الوعي والتوعية وثقافة التحصين الذاتي وثقافة الحماية والوقاية حتى نستطيع أن نقلّل ما أمكن من هذه الخسائر التي أصابت الإنسانية قاطبة وأصابت أمّتنا الهشّة بالذات.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الرزاق دعني أسجّل ها هنا ملاحظة، كونك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هذه الجمعية التي نحن نفتخر بها ونعتزّ وتربّينا على إرثها وأدبياتها بشيخها الرائع الشيخ عبد الحميد بن باديس. عندما نعود إلى السنّة النبوية نجد أنّ الرسول والصحابة والتابعين وتابعي التابعين كانوا في الملمّات إذا ألمّت مصيبة كبيرة بالأمّة يدعون إلى صلوات خاصة إلى ركوع خاص إلى قراءة قرآن، نحن رأسًا فررنا من الزحف الله يقول ففروا إلى الله ونحن فررنا من الله. أليس كذلك شيخ علي المطيعي.

علي المطيعي: نعم نحن للأسف الشديد لم نطبّق المعايير التي نادانا إسلامنا بها، وتجد غير المسلمين طبّقوها النظافة العامة الموجودة في الشوارع، تجد أن المسلمين لم يعملوا بهذه المعايير، ولم يتخذوها تجد قذورات في الشوارع تجد الشارع مليئًا بالنفايات تجد التبوّل تجد أشياء لم يأتِ بها الإسلام يأبى فعلها المسلمون للأسف، وغير المسلمين التزموا بها فهذا كلام حضرتك حقيقي.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي المطيعي كنت تتحدّث عن نقطة من فضلك هو أنّ بعض المسلمين قالوا إنّ الله ابتلى الصينيين لما فعلوه في الإيغور رغم أنّ هذه دعاية أميركية أريد أن أتوقّف معك عند هذه النقطة عندما إنسان ما يصاب ببلاء، هل الواجب أن نشمت به أو أن نرشده؟ ثقافة الشماتة هذه وثقافة السبّ واللعن قتلهم الله ها قد ألمّ البلاء بالمسلمين جميعًا. إذًا الله لا يحب المسلمين، ويريد أن ينتقم من المسلمين إذا صح المنطق الأول.

علي المطيعي: في الحقيقة هذه الثقافة كما ذكرت حضرتك، وردت إلينا من الفكر الوهّابي التكفيري الذي جعل كل الناس أتباعهم وصدروا هذه الثقافة ثقافة كراهية الآخر. عندما يأتي شخص ويسألني كيف أنت تدعو لهؤلاء غير المسلمين نجد كثراً تلوّثوا بهذه الثقافة، تجدهم يدعون اللهمّ اشفِ مرضى المسلمين، طيب يا عم مرضى غير المسلمين الله لا يشفيهم، لِمَ؟ الله يشفي مرضى المسلمين وغير المسلمين تعالى، يا مسلم أنت تقول اللهم اشفِ فقط مرضى المسلمين، فالجهاز والسمّاعة التي يستخدمها الطبيب مصنوعة في الصين.

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

علي المطيعي: جهاز الضغط لقياس الضغط مصنوع في الصين.

يحيى أبو زكريا: والسجادة شيخ علي السجادة مصنوعة في الصين، والسبّحة مصنوعة في الصين.

علي المطيعي: أنا أتحدّث عن المسألة الصحيّة حتى المسألة الصحية ووسائل الشفاء، وأدوات التشافي المعمل التي تحدّد فيه كل خاماته صينية، وجهاز الأشعة سواء كانت الصين أو غيرها كلّها بلاد غير إسلامية، ومراجع الطب التي يدرس فيها حتى الطبيب المسلم هذه المراجع عملها غير المسلمين.

يحيى أبو زكريا: يا شيخ علي والله دعني أقول جزاهم الله خير الجزاء ما قصّر الصينيون، أرسلوا إلى إيران دولة مسلمة وفدًا كاملًا، وأرسلوا إلى إيطاليا وفدًا كاملًا، وأرسلوا إلى لبنان كاميرات لرصد الحرارة عن بُعد، ووضعت في مطار بيروت الدولي. سبحان الله ورد في كتب العدل الإلهي أنّ الإنسان حتى لو كان كافرًا ومشركًا ويحسن للإنسان الله يثيبه بطريقته، أما آن أن نتعلم هذا؟ لو لم يكن هؤلاء ذوي قيمة عند الله لما أوجدهم والناس كلهم عيال الله.

علي المطيعي: حقًا حقًا هذه الثقافة يجب أن نتخلّص منها كلّها وأن تسود في هذا المجتمع المسلم توعية الناس توعية الناس بأن هذا المريض المصاب في بلد آخر هو أخوك في الإنسانية.

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

علي المطيعي: وكلّنا أصلنا واحد والله يقول يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به، إن الله كان عليكم رقيبًا. فالإنسان من أصل واحد، كلّنا من أصل واحد، ألا أن ربكم واحد سبحان الله العظيم خلقنا واحد. والله سبحانه وتعالى يوعّي هذه الأمّة ليسود الحب ما بين الإنسانية.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي ربما من آيات فايروس كورونا وما رسائل الله والله يتكلم بصمت بالمناسبة آياته ظاهرة تدلّ عليه. من دلالت الفايروس أنّ البشر سيتقاربون ويفهم بعضهم بعضًا، ولا يتفرّقون بناء على مذهب ودين، بناء على تكفير وأقصاء سيعودون إلى التعاون، إلى الإيثار، إلى الموآزرة سيعودون إلى الإنسانية والأنسنة. وقبل أن أمضي إلى الجزائر دعني أسرد عليك وعلى أخي العزيز دكتور عبد الرزاق ما قاله سيّدي رسول الله، قال سيّدي وحبيبي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا من قتل في سبيل الله يا رسول الله فهو شهيد، قال إن شهداء أمّتي إذًا لقليل قالوا فمَن هم الشهداء يا رسول الله؟ قال مَن قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون أي الوباء فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، أي الذي يموت في بطن أمّه في الرحم". وقال: "الغريق أيضًا شهيد"، يعني حتى لا يتأسّى الإنسان إذا الله تعالى أطال عمر الإنسان فالحمد لله على نعمة البقاء، الحمد لله أن أمدّ في أعمارنا وإذا انتهت حياة الإنسان فإن إلى الله الرجعى. ربّنا قال في القرآن إنّك ميت وأنهم ميتون بهذا سواء أطال الله أعمارنا، أو قضى أن نذهب إليه فنحن نثق فيه جلّ في علاه ونسلّم أمرنا لله.

لكن دكتور عبد الرزاق قسوم ورد في الدعاء إلهي لا تأدّبني بعقوبتك، إلهي لا تأدّبني بعقوبتك، فهذا نوع من التأديب للبشر أليس كذلك؟

عبد الرزاق قسوم: نعم هذه المعاني التي تفضّلت بها، وأيضًا معانٍ أخرى الوقت ضيّق للعودة إليها بالتفصيل كلها تؤكّد لنا بأن هذا البلاء أو هذا الابتلاء أو هذه المحنة أو هذه النازلة فيها فوائد، وفيها منافع لنا على ما فيها من أذى وما فيها من ألم. لماذا؟ لأننا أولًا ينبغي كما قلنا في البداية أن نعود إلى الله، وأن نعود إلى الإنسانية بالتضامن الشمولي الإنساني لأن الله تعالى يقول مَن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فكأنّما قتل الناس جميعًا، ومَن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعًا. لذلك أيضًا نحن مدعوون من وحي هذا البلاء، وهذا الابتلاء مدعوون أيضًا إلى تشجيع البحث العلمي لدى مجتمعاتنا ولدى جامعاتنا ولدى مثقفينا لعلّ في هذا البلاء ما يكون حافزا لباحثينا وأكاديميينا وعلمائنا أن يكتشفوا لنا العلاج الواقي والعلاج الشافي لأن أيضًا لا يمكن للإنسان المسلم أن يبقى حتى في علاجه وفي وقايته عالة على غير المسلمين.

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

عبد الرزاق قسوم: ينبغي علينا إذا أن نحثّ علماءنا وباحثينا وأكاديميينا أن يدخلوا إلى المخابر الطبية والعلمية ويبحثوا عن أسباب هذا الداء وكيفية العلاج لهذا الوباء.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي المطيعي كُليمة أخيرة من فضلك.

علي المطيعي: هذه الكلمة الأخيرة أوجّهها إلى الحكومات، وأوجّهها إلى الأفراد، وأوجّهها إلى المؤسّسات كما تعلّمنا من مشايخنا الوعي قبل السعي علينا أن يكون عندنا الوعي الكامل أولًا لمواجهة هذه الأوبئة ومواجهة هذه الهجمة المايكروبية التي أتت إلينا، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يزيح هذه الغمّة إن شاء الله تبارك وتعالى أن نقول لهم الوعي قبل السعي والوعي يتأتّى كيف نطبّق هذا الوعي، وكيف نطبّق ما آتانا به هدي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولو طبّقناه لنجد أنه ما أتت به منظمة الصحة العالمية في وصاياها من أجل الوقاية.

يحيى أبو زكريا: وأما أنا فكلمتان اختم بهما حلقتي هاته من برنامج أ ل م. الكلمة الأولى للمسلمين أن يتمسّكوا بهذا الكتاب، "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة"، والكلمة الثانية للحكّام والملوك وصنّاع القرار أقول لهم فرّطتم في شيئين الاستراتيجية الثقافية للعالم العربي، والاستراتيجية الصحية للعالم العربي، بإغفالكم الأولى الاستراتيجية الثقافية ضاع الوعي وبتفريطكم بالثانية ضاعت الصحة ضاع الإنسان.

الدكتور عبد الرزاق قسوم من الجزائر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك. الأستاذ الشيخ الفاضل علي المطيعي من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.