إعترافات أبي إسحاق الحويني.. هل بدأت المراجعات الجدية؟

على الرغم من الإنكسارات الكبيرة التي تعرّض لها عالمنا العربي والإسلامي، ورغم حجم الدماء التي أريقت في خط طنجة – جاكرتا بسبب الفقه المزوّر والدين المغشوش والأئمة المضلين إلا أن هناك إحجاماً عن إجراء مراجعة شاملة للخطاب الذي أفضى للدمار الشامل عربياً و إسلامياً، وأئمة الفتنة الذين دعوا للنفير العام وإحراق الأوطان لم ينبسوا ببنت شفة ويُقّرون بالخطأ الجسيم لأنهم دمّروا الدول و المجتمعات و الجيوش ,,,غير أن واحداً من أئمة السلفية المعاصرة الشيخ أبو إسحاق الحويني قال مؤخراً بالحرف لقد جنينا على الناس وأفسدنا كثيراً..هل تندرج إعترافات أبي إسحاق الحويني في سياق المراجعات الجدية لخطاب العنف و الكراهية؟ ألا يجب أن نُجرى مراجعة شاملة للأدبيات التي قادت عالمنا العربي إلى الإنهيار والدماء؟ ألم يقل الحويني "جنينا على الناس وأفسدنا كثيراً.. ولم نكن ندرى تدرّج الأحكام الشرعية؟

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبياّكم، وجعل الجنة مثواكم.

على الرغم من الانكسارات الكبيرة التي تعرّض لها عالمنا العربي والإسلامي، ورغم حجم الدماء التي أُرِيقت في خط طنجة جاكرتا بسبب الفقه المُزوّر والتديّن المغشوش والأئمة المُضلّين إلا أنّ هناك إحجاماً عن إجراء مراجعة شاملة للخطاب الذي أفضى إلى الدمار الشامل عربيًا وإسلاميًا. وأئمة الفتنة الذين دعوا للنفير العام وإحراق الأوطان لم ينبسوا ببنت شفة، ويقرّون بالخطأ الجسيم لأنهم دمّروا الدول والمجتمعات والجيوش. غير أنّ واحدًا من أئمة السلفية المُعاصِرة الشيخ أبو إسحاق الحويني، قال مؤخرًا بالحرف "لقد جنينا على الناس وأفسدنا كثيرًا، ولم نكن ندري تدرّج الأحكام الشرعية". وركّز الحويني عمّا اعتبره أخطاء علمية، وقال إنّه لم يكن من المفترض أن ينشر شيئًا في السنوات الأولى التي أمضاها طالبًا للعلم، لكن حض النفس هو ما دفعه لذلك، وقال بوضوح "النشرة شهوة لما يطلع إسمك على كتاب والناس يتداولونه وتبقى معروفًا ما هي إلا حضوض النفس". وقال البعض إن اعترافات أبو إسحاق الحويني بالخطأ تزلزل عرش السلفية، فيما برّر السلفيون اعتذاره وقالوا كان يتكلّم عن بداية دعوته وكان صغيرًا عندها لا يفهم الدين. وقد علّق معارضو الحويني على اعترافاته بالقول إنّه من كهنة السلفية في مصر، وواحد من أخطر العناصر التي حرَّضت على الإرهاب. وقد أضاف هؤلاء أنّ الحويني قام بتزكية العديد من الشباب الذين انضموا إلى داعش، وأنّه كان يمثّل جهة موثوقة لداعش في مَن يأتي من الحويني للانضمام إلى هذا التنظيم. من جهته شنّ الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية هجومًا حادًا على الشيخ أبي إسحاق الحويني قائلًا "مَن يدفع فاتورة الدم وضياع الأوطان بسبب فتاويه". وفي الوقت الذي حمل فيه كثيرون على الحويني فإنّ البعض قال هذه الاعترافات تحسب له، لا عليه كونه أقرّ بالخطأ والعَبَث بدين الله لأغراضٍ سياسيةٍ ونفسية. وقال آخرون جلّ مَن لا يسهو سبحانه وتعالى، أنا أرى أنّ الشيخ الحويني كان شجاعاً واعترف بوقوعه في أخطاء في تأليفه بعض كتبه وهي أخطاء علمية، وهذا طبيعي فهو ليس معصومًا. كما قال البعض مُبرّرين التقليد والاتباع هو تربية الضمير والعقل، وهي التي تجعل الفرد صالحًا مع الناس ونفسه. هذا عن السلفية واعتراف واحد لا يكفي نهائيًا والمطلوب مراجعة كاملة وتقييم عام وشامل لكل الأفكار الدموية الحمراء التي جعلت القتل مُباحًا وحلالًا.

"اعترافات أبو إسحاق الحويني، هل بدأت المراجعات الجدية؟" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة المُفكّر الإسلامي أحمد ماهر، ومن سوريا الحبيبة الأكاديمي والباحِث الدكتور سفير أحمد جراد.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد ماهر مبدئيًا لعلّ الكثير لا يعرف مَن هو أبو إسحاق الحويني الذي سطع نجمه في مصر كواحد من تلامذة الشيخ ناصر الدين الألباني المُحدّث المعروف. فما هي ماهية أبي إسحاق الحويني في المشهد الإسلامي المصري على وجه التحديد؟

أحمد ماهر: بسم الله الرحمن الرحيم حمدًا لله رب العالمين.

أخي الحبيب إنّ الأخ أبو إسحاق الحويني أحد دُعاة السلفية المفوّهين الذين برز نجمهم في سماء الفضائيات التي كانوا يُحرّمونها، فهؤلاء السلفيون وواضح من إسمهم إسمهم أهل السلفية أي يرنون إلى السلف، أي يرنون إلى مَن ذمّهمُ الله في قوله تعالى: "هذا ما ألفينا عليه آباءنا"، أي يرفعون مقام هذا ما وجدنا عليه آباءنا، فهؤلاء هم ضد تعاليم الله. وكان على الشباب وكان على الأمّة أن تُدرِك هذا منذ التسمية الأولى له. تمامًا كما قلت لأهل السنّة كان يجب أن تسمّوا أنفسكم بدل أهل السنّة والجماعة أهل القرآن والسنّة، لكن فاتكم هذا لأنّكم لا تعتنون بالقرآن، فكلٌ يُهمل القرآن. وهؤلاء السلفيون هم أول من أهمل القرآن الكريم، بل واتخذ مناهج ضد كلمات وآيات القرآن الكريم ودلالات آياته. فأبو إسحاق الحويني لمّا قمت أنا بحدود عام 2016 بذمّ كتاب البخاري، الكتاب وليس شخص كتاب البخاري، ونقدته نقدًا علميًا أقام في قناة الناس من حوالى خمس سنوات أربع حلقات وسمّاني المُعترض، وقال المُعترض يقول في أربع حلقات فلمّا طلبت من قناة الناس أن أناظره، أو أردّ عليه قال أنا سأترك القناة لو دخلها حتى وحده.

إذًا هؤلاء كانوا لا يقبلون النُصح ليس من أول الدعوة، بل هذا الكلام من خمس سنوات فقط أو أربع سنوات، وأعتقد أن أهل السلفية جميعًا يعلمون عن الأربع حلقات التي ردّ عليّ فيهم بالباطل وهو يناصر كتاب البخاري الذي ذمّ فيه الله وجسم الله، وذمّ فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذمّ فيه الإسلام والمسلمين والقرآن، ونقد القرآن ومع هذا هم يقولون إنّ البخاري هو إمامنا والجليل شيخ الأزهر يقول إنّه من المقدّسات الكبرى وزار قبره منذ عدّة أيام. يا أخي نحن في فضيحة فقهية تلوك العالم الإسلامي، ونحن الآن في مجامعنا الفقهية نقوم بتدريس فقه إبليس، فقه إبليس الذي برع فيه السلفية، فقه إبليس الذي جعل في يوم ما من الأيام الأخ أبو إسحاق الحويني يقول بأن سبي النساء ووطأهنّ وقتل الناس وبيع البشر في الأسواق من الجهاد في سبيل الله. فهل كان بلا عقل عندها؟ ثمّ هل اعتذر عن هذا تحديدًا؟ إنّنا نريد اعتذارًا من أهل السلفية، اعتذارًا ممنهجًا على حلقات كما بثّوا الفتنة على حلقات. لقد بثّوا الفتنة عبر سنوات، فيجب أن يكذبوا ما قالوه عبر سنوات. الأخ محمّد حسان حينما قال إنّ خالد إبن الوليد جاء إليه في المسجد، وقال هذا الرجل عالِم فاتبعوه يشير في ذلك إلى محمّد حسان، ألا يستحي محمّد حسان؟ ويقول اليوم أنا كذبت عليكم بالأمس. هذه الأمور يجب أن تؤخَذ بتفاصيلها حتى يصل الأمر لكل مَن وعى أنّ القتل من شريعة الإسلام.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد ماهر، أنا تابعت كل مناظراته وحلقاته. لكن كم كنت أتأذّى عندما كان يصفك أو يصف غيرك والحلقات موجودة مسجّلة صوتًا وصورة، وكان يستخدم فحش القول في التعبير عن خصومه، وهذه يقينًا ليست سنّة، ولا سلفية، ولا أخلاق. عمومًا سأعود إليك بُعيد حين إذا سمحت.

دكتور، لحدّ الآن برغم أنّ العالم العربي انهار وانكسر وتدكدك بفقه مزّيف وشرع أسود لا علاقة له بأخلاقية وأنْسَنة الإسلام، لكن لم نشاهد مَن يخرج علينا، ويقرّ أنّنا أخطأنا، وكنّا على ضلالة. العكس هناك تبجّح، لقد أنشأنا الجهاد، لقد أوصلنا المسلمين إلى ذروة الوعي، فمتى يعترف الذين قادوا الجماهير إلى الدم المُراق أنهم على خطأ في حق الله ورسوله والمسلمين والبشرية جميعًا؟

سفير أحمد جراد: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على جميع رسل الله اللهم كما عمّمت فتمّم وكما خصّصت فعمّم.

أشكرك دكتور أبو زكريا لهذه الحلقة المميّزة في عنوانها والمعاصِرة في طرحها، لكن قبل أن أبدأ في حواري معك أريد أن أركّز على أمر من الثوابت والمُتغيّرات. الحلقة اليوم بعنوان مراجعة خطاب أبو إسحاق الحويني مراجعة السلفية لأخطائهم الكارثية في فتاواهم التكفيرية. وحتى لا نشتّت الحلقة لمظانٍ أخرى بثوابت الأمّة، وخصوصًا البخاري أو القرآن الكريم بمعزل عن المناظرات. وأنا كنت أيضًا من الذين تابعوا حلقات الحويني في الرد على الأستاذ أحمد ماهر، وأيضًا أسفت للألفاظ النابية التي أطلقها وعدم منهجية الحوار التي اتبعها، حتى لا نخوض في سجال البخاري وما له وما عليه عِلمًا أنه كتاب قد أجمعت عليه الأمّة، لكن نتمنّى أن نكون في حلقة ثانية نتناقش في دلالاته الفقهية والتأصيلية.

اليوم أنا أريد أن أجمل كلامي بثلاث نقاط، السلفية التي تحدّثت عنها يجب أن نحدّد خطاب السلفية أولًا، السلفية التي نريد أن نتحدّث عنها هي تقسم إلى سبعة أنواع من السلفية: هناك السلفية التكفيرية، وهناك السلفية الجهادية، وهناك السلفية الحازمية، وهناك السلفية الارتدادية وأنواع كثيرة من السلفية.

يعتبر أبو إسحاق الحويني من الرجالات الذين غالوا في السلفية التكفيرية وهو صاحب منهج تفرّد فيه على مستوى الأمّة الإسلامية وعلى مستوى العالم الإسلامي. أبو إسحاق الحويني كان من منهجه أولًا سطحية الفكرة، وعدم التدرّج بالأحكام التي اعترف بها، وإلغاء دور العلماء بشكل كامل، وإلغاء النص القابل لفقه الأمّة. أبو إسحاق الحويني استطاع ببراعة كبيرة جدًا أن يؤثّر في عقول الشباب، هؤلاء الشباب الذين أصبحوا قنابل موقوتة في العالم الإسلامي. لكن أستطيع أن أقول إنّ الخطاب السلفي التكفيري بشكل حصري التكفيري، والإلغائي والإقصائي قد وقع في نفس مطب أبو إسحاق الحويني، أضرب لك مثالًا، أبو إسحاق الحويني هو نتيجة حتمية لخطاب سابق أيضًا سبق أبو إسحاق الحويني بمراجعاته، هناك الكثير من الذين سبقوا أبو إسحاق على رأسهم علي بلحاج وعباس مدني أيضًا بمراجعاتهم التي كتبوها في البيان المشهور في جبهة الإنقاذ والتي دعوا فيها الشعب الجزائري إلى استخدام الكفاح المسلّح والسلاح الأبيض وما شابه ذلك وإلغاء نظم الدولة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

سفير أحمد جراد: وإلغاء المدنية في البلاد وما شابه ذلك، وتكوّنت حمّامات الدم في الجزائر ومشهورة أيضًا مراجعات عباس مدني وعلي بلحاج. وأيضاً هناك مراجعة كبيرة أيضاً لشامل باسياف وإسحاق موسخادوف وجوهر دوداياف الذين أصّلوا أيضًا لفكر السلفية الجهادية الموجودة في الشيشان، وكتب أصلان موسخادوف بيانًا تفصيليًا بأنّ الحركة الثورية لم تنضج فكريًا، ولن تنضج عقائديًا، ولم تنضج جهاديًا في الشيشان حتى نقوم بهذا القوام الكبير في الشيشان، هذه أيضا تعتبر نوعاً من المراجعة. أيضًا حدثت هناك مراجعة حتى في فكر راشد الغنوشي، راشد الغنوشي قبل ما حدث في تونس وما يحدث الآن خطاب جدًا مُتباين.

إذًا المراجعات هي مراجعات كثيرة في عموم الحركات التي انتهجت المنهج التكفيري، والمنهج الإلغائي، والمنهج الجهاديي على الشُبهة في أدنى الشبهات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن أمام هذه المراجعات التي قام بها أبو إسحاق الحويني، مَن يدفع الفاتورة كما قال الشيخ خالد الجندي؟ البلاد تعرّضت لنكبة ولنكسة دينية أولًا، وأمنية ثانيًا، واقتصادية ثالثًا، وسياسية، وذهبت العباد والبلاد وعيون الشباب في العالم الإسلامي قد أصبح وقودًا مُلتهبًا لا يعلم فيما قتل ولِمَ قتل؟ وما هو المنهج الذي قتل من أجله؟ أبو إسحاق الحويني هو امتداد لمنهج كامل متطوّر جدًا في فكر الإلغاء والإقصاء والتكفير. أنا تابعت له أيضًا ليس جزئية الشتائم فقط، لا بل جزئية التعدّي على الثوابت أيضًا من الأخلاقيات والأدبيات الحوارية فن الحوار، فن التعاون، فن الإلقاء، فن الأداء، فن الخطابة، وما شابه ذلك. وأريد أن أعرّج على جزئية، وهناك نقطة مهمة جدًا، ما هو الخطاب السلفي؟ وما هي أبرز ملامح هذا الخطاب السلفي وتعدّد صفاته السبع الذي تحدّثنا عنها خاصة الخطاب الحازمي والخطاب الجهادي والخطاب التكفيري؟

هو الذي يأخذ بظواهر النصوص بعيدًا عن مآلات الأمّة، وهو الذي يهتمّ بشكليات ومظاهر الدين من اللباس وإطلاق اللحية وإطلاق الزينة والثوب وما شابه ذلك، بعيدًا عن جوهر الأمّة وكيان الأمّة وخطاب الشريعة لهذه الأمّة. هو الذي يهتم بالفرعيات من دون الأصول، وهو الذي يهتم بجوانب المأكل والمشرب التي اهتم فيها سلفنا الصالح بمعزل عن وحدة الأمّة وغايات الأمّة وأهداف الأمّة، ومآل الأمّة، ومصير الأمّة، الذي نتمي إليه الآن.

الثورات التي أريد لها أن تقوم في عالمنا العربي والإسلامي قامت بفتاوى لا تأصيل لها ولا تدوين لها، وليس لها فقه في الأحكام، وليس لها فقه في التصوّرات. نعم بلادنا العربية فيها مظالم، نعم البلاد العربية فيها فوضى كبيرة اقتصادية، وفيها محسوبيات، وفيها غياب حقيقي لمفهوم المواطنة، وفيها غياب حقيقي لمفهوم المراجعة الذاتية البنّاءة، وفيها غياب حقيقي للنظم الدستورية المدنية الحقيقية. لكن هذا ليس مُبرّرًا أن نخرج عيون الشباب فيحملون القتل لشُبهة التكفير وشُبهة الإلغاء وشُبهة الإقصاء والتكفير لمَن يكفّر الحاكم، وتكفير الجماعات الإسلامية، ومفهوم الحاكمية ومفهوم الجاهلية الذي تحدّثت فيه معك في حلقة سابقة. أستطيع أن أقول إنّ مراجعة أبو إسحاق الحويني هي تتمة لمراجعات سابقة لذات الفكر السلفي الجهادي التكفيري الإلغائية الذي أدّى بالأمّة إلى ما أدّى إليها من كوارث كبيرة جدًا.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد ماهر، هل تعتقد أنّ التصريحات التي أدلى بها أبو إسحاق الحويني تندرج في سياق مراجعة جادّة؟ أم أنّ الرجل قال هذا الكلام وهو في المشفى كما تعلم وينتظر الارتقاء إلى السماء؟ وبالتالي قد يكون ضميره قد أنّبه وأدلى بذلك التصريح. هل هي مراجعة علمية فعلية؟ لأن المنطلقات التي ينطلق منها وهو كما تعلم تلميذ نجيب للشيخ ناصر الدين الألباني المحدّث المشهور، وقد درّسه في الأردن في عمان قد يكون الرجل قال كلاماً من باب تجاوز عقدة ما، ومن باب تجاوز أزمة شاهدها في نفسه. ما الذي تقوله في ذلك؟

أحمد ماهر: الحقيقة أبو إسحاق الحويني أنا أدعو له كثيرًا أن يهديه الله سبحانه وتعالى، ولعلّ هذه بداية استجابة لدعوتي أن بدأ بهذا الكلام، لكن هذا الكلام لا يكفي كما أنّ البخاري هو منهجية أبي إسحاق الحويني، أبو إسحاق الحويني كمحدّث وكرجل يمتهن مهنة السنّة وأحاديث السنّة، أنا أنقد منهجيته ولا أنقد البخاري فقط، البخاري جزء من منهجية أبو إسحاق الحويني، ثمّ إنّ أبو إسحاق الحويني ما لجأ إلى هذه المراجعة، أو هذا الاعتذار إلا بعد أن أفل نجم السلفية، وبعد أن بدأ فقه التنوير يبزغ فجره، وبعد أنّ المملكة العربية السعودية كظهير لهؤلاء بدأت تنسحب حتى إنّ رجال السعودية أنفسهم صاروا يتغنّون بالانفتاح وبالتنوير، وتركوا تمامًا منهجيتهم. هذه موجة عارِمة لأن كل مساندة كانت تتمّ لهؤلاء سحبت منهم، كما أنه بعد انتحار وتدمير وتهجير أربع دول إسلامية العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، من جرّاء فعل فقه هؤلاء ليس أمامهم إلا أن ينسحبوا من المشهد رويدًا رويدًا، لكن انسحابهم هذا انسحاب لا يكفي وهم ينسحبون على استحياء. لا بد من أن نحصل منهم على اعترافات، أو نودي بهم إلى محاكمات لأنّ هؤلاء ناس أفسدوا في الأرض فسادًا كبيرًا، جميع المتطوّعين منذ أيام بن لادن في القاعدة في أفغانستان، وجميع المتطوّعين من السلفية، وجميع الشتّامين من السلفية.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد استوقفك لفاصل، وأعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

"ما بعد السلفية" عمرو بسيوني وأحمد سالم.

يتطرّق الكتاب إلى تطوّر السلفية منذ الصحابة وحتى اليوم، فتحدّث الكاتبان عن القرون الثلاثة المفضلة جيل الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين. ثمّ فصّلا الحديث عن الجيل الرابع، وبدء تأسيس معمار العقائد السلفية، وعنينا به الجيل الذي أخذ عن القرون المفضلة وعاصر اكتمال تشكّل معظم الفرق البدعية كجيل الشافعي وأحمد والثوري وبن عيينا والدارمي والبخاري وغيرهم. وعرضا للسلفية بين الجيل الرابع وإبن تيمية، وفصّلا في الكلام عن إبن تيمية وأصحابه، ومدى صدق تمثيل إبن تيمية لمنهج السلفية، ثمّ عن الشيخ محمّد بن عبد الوهاب والدعوة النجدية ومدى صدق تمثيلها للمنهج السلفي. وختما هذا الفصل بالحديث عن السلفية بين حُقبتين وعن الوهّابية في الدولة السعودية الثانية. وفي الفصل الثالث تحدّثا عن السلفية المُعاصرة من حيث عوامل النشأة والازدهار وظروفهما، فذكرا موجز تطوّر السلفية المعاصرة، وذكرا عددًا من الدول كالسودان، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وغيرها وآسيا وأوروبا. وتحدّثا عن الدولة السعودية الثالثة التي وصفها بأنها منصّة إطلاق السلفية المُعاصِرة، ثمّ تناولا بالحديث التلقي المصري للسلفية قبل الصحوة، وعلاقة صاحب المنار رشيد رضا بالدعوة الوهّابية كما يسمّونها، وجمعية أنصار السنّة المحمّدية التي أنشأها محمّد حامد فقهي الذي تبنّى أفكار إبن تيمية وإبن القيّم وإبن عبد الوهاب، وأن هذه الجمعية بمنزلة الرابطة للسلفيين. وتناولا كذلك الإخوان المسلمين وحركة الضباط الأحرار، ثمّ تحدّثا عن جيل الصحوة، وازدهار السلفية، وسردا فيه بعض العوامل التي أثّرت في ازدهار السلفية، وما كان بين السلفية والإخوان. ثمّ ما حصل من الظهور الكبير للسلفيين مع الربيع العربي وتنظيم صفوفهم، وزعما أنّ هذه الصحوة التي تسبق الأفول بسبب توالي الضربات والانشقاقات والتحوّلات على السلفية.

 

المحور الثاني:

"نقد الخطاب السلفي، إبن تيمية نموذجًا" رائد السمهوري.

هذه المراجعة التي يعرضها السمهوري لتراث إبن تيمية الفكري هي مراجعة جريئة ومختلفة، فهي قراءة مُغايرة للكثير من الأطروحات التي قرأت تراث الرجل واشتهرت بأسلوب التمجيد والتعظيم. ولعلّ اللافت للنظر أنّ الباحث السعودي يميل إلى تحميل شيخ الإسلام إبن تيمية ما وصلت إليه حال الحضارة العربية الإسلامية من انسداد وعجز بسبب ما نخرها من تلوّث في العقائد والمقوّمات الفكرية، ونتيجة لما أصابها من شلل حضاري أو تصادم سلوكي مع الآخر بمختلف أشكاله، وذلك نتيجة ترسّبات فكرية وعقدية وردت في كتبه ظلّت الأجيال تتناقلها من دون تمحيص أو مراجعة. وقد أكّد الباحث في مقدّمة كتابه أنّ ما دفعه إلى قراءة كتب إبن تيمية ومناقشتها في هذا الكتاب رغبته في مُجادلة بعض الباحثين المُتعصّبين لفكر هذا الفقيه حيث يعمدون دائمًا إلى دعم آرائهم بأقوال شيخ الإسلام إبن تيمية في موضوعات عديدة، مثل مسألة التعامل مع الرأي المخالف أو مجادلة غير المسلمين. وقد نوّع السمهوري في اعتماد نصوص إبن تيمية في مواضيع مختلفة من كتابه ووَسَمه بنقد خطاب السلفية إبن تيمية نموذجًا، لأنه يعتقد أن هذا الفقيه أثّر تأثيرًا كبيرًا في ما يعرف بالصحوة الإسلامية بتياراتها المختلفة ولا سيّما التيار السلفي.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا نحن نعالج اعترافات أو مراجعات أبي إسحاق الحويني، وهل بدأت المراجعات الجدّية بعد أن غرق عالمنا العربي والإسلامي في بحر الفتاوى التكفيرية والضلالية؟ وقد صدرت الكثير من الكتب في الواقع عن السلفية، وما بعد السلفية: كتاب ما بعد السلفية كتاب جميل جدًا، وفيه تأصيل للحركة السلفية في كل الوطن العربي لأحمد سالم وعمرو بسيوني، وكتاب نقد الخطاب السلفي للباحث السعودي رائد السمهوري، وكتاب نقد العقل السلفي السلفية الوهّابية في المغرب نموذجًا.

أستاذ أحمد ماهر كنت تتحدّث عن الشتم، وعمّا جرى في عالمنا العربي والإسلامي، وأوقفتك. فهلّا أكملت فكرتك رجاءً.

أحمد ماهر: جميع الشتّامين وجميع الجهاديين، وجميع المُخرّفين الذين ينبذون العِلم والتقدّم العلمي والحضارة تجدهم من أهل السلفية، وهم من أتباع الحويني ومحمّد حسّان وخلافه.

للأسف أنّ هؤلاء بعد أن كانوا يحرّمون التلفاز صاروا نجومًا فيه، وصارت لهم قنواتهم، بل صار لهم إعلانات، ولهم باع كبير، وصارت دعوتهم تجد رواجًا عند الشباب المُتحمّس. الآن هم سبب الإلحاد، سبب الإلحاد يا سيدي فمنهجية أبو إسحاق الحويني في الحديث مثلًا، عنده البخاري الذي داخل كتابه هو كتاب الطب، من ضمن كتاب الطب باب إسمه باب العلاج ببول الإبل، كل هذا لا يكذّبه الحويني، وكل هذا  تتبعه عشرات الآلاف من الشباب. نحن حاليًا في زمن الكورونا، الأولاد عندما تجد أنّ البخاري الذي أجمعت عليه الأمّة لا يعالج الكورونا، أو أنّ الحبّة السوداء التي فيها شفاء لكل داء إلا السام إلا الموت لا تعالج الكورونا، لا بدّ من أن يكفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم ولا بد من أن يكفروا بالإسلام، ولا بد من أن يكفروا بكل شيء فيه، وكل هذا بسبب من اتخذ الحديث منّا ومَن اتخذ الحديث منّا أولهم عندنا وفي صدارتهم هو أبو إسحاق الحويني. الحديث النبوي إن لم يتواءم ويتضامن ويضم كل دلالات القرآن الكريم هو ليس بحديث.

عن الرسول عليه الصلاة والسلام هناك فرصة أمامنا أن نجعل العالم كلّه يؤسلم، نذهب لمنظمة الصحة العالمية نقول لهم أبو إسحاق الحويني عنده في الحديث أنّ الحبّة السوداء فيها الشفاء من كل داء، ونجعل كل الناس تؤسلم، فرصة نجعل كل الناس تشفى، فرصة أو يكذبوا علينا فقط أو نحن فقط مطية لهؤلاء الدُعاة المفوّهين.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد ماهر العالم ابتلي بالكورونا، ونحن معشر المسلمين ابتلينا بالكورونا، وكفّرونا أيضًا الإثنين معًا إلى الله المشتكى.

دكتور سفير هنالك ملاحظة دقيقة عندما نتتبّع أساطين الإفتاء في مجال التكفير، بالمناسبة أبو إسحاق الحويني لم يدرس الشريعة إلّا مُتأخرًا، هو درس في عين شمس علم النفس وبعد تخرّجه عمل دليلًا سياحيًا، كان يُرشد السيّاح في الأقصر وفي مقامات الفراعنة وغيرها، ثمّ تخصّص في الحديث، وأخذ عن رجالات العلم شفاه. عندما أيضًا تدرس حياة أيمن الظواهري تجده طبيبًا، ولا علاقة له بالشرع. مع ذلك أفتى في كبريات القضايا، أسامة بن لادن خرّيج إدارة واقتصاد، ومع ذلك صار فقيه الانتحار في العالم العربي والإسلامي. وكذلك الذين أسّسوا التكفير في مصر وفي الجزائر وفي سوريا وفي فلسطين عبد الله عزام، وإن كان الوحيد الذي درس أصول الدين في مصر. ما هي هذه الظاهرة إنّ أناسًا لم يتخصّصوا في الشريعة الإسلامية وباتوا الناطقين باسم الله ورسوله والتاريخ الإسلامي؟

سفير أحمد جراد: أولًا دكتورنا الفاضل يجب أن نتّفق على قضية مهمّة جدًا أنّ السؤال الذي طرحته لزميلي الأستاذ أحمد ماهر سؤال جوهري، كنت أتمنّى أن أرى فيه الإجابة التفصيلية أنّه هل حدثت مراجعة فكرية عقدية في منهج أبو إسحاق الحويني؟ قادنا أيضًا إلى الطعن بالبخاري، أنا أودّ الحديث بجزئية بسيطة، البخاري كتاب فيه ما ينوف عن 4000 حديث، إذا تحدّث البعض بـ 10 أو 15 حديثًا عن البخاري، فهذا لا يلغي حصانة هذا الكتاب، وما له من منزلة في العالمين العربي والإسلامي حتى لا ندخل بمتاهة تكفيرية وإلغائية وإقصائية، ونقع بنفس منهاج أبو إسحاق الحويني، تسأله عن مراجعته فيجيب عن البخاري.

يحيى أبو زكريا: دكتور سفير فقط توضيح نحن لا نطعن في أي كتاب، وإن كانت مناقشة الكتب الحديثية كلّها لدى السنّة، والشيعة والإباضية، كلّها مطلوبة اليوم لأن الإرث الروائي كان وراء الكثير من الكوارث.

سفير أحمد جراد: وإن يكن، لكن أنا كنت أتمنّى أن أسمع ما هي مراجعات أبو إسحاق الحويني.

يحيى أبو زكريا: المسألة التي توقّف عندها الأستاذ أحمد ماهر، وأنا تابعتها في مسألة محاولة النبي الانتحار عندما سئل أبو إسحاق الحويني عن شبهة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حاول الانتحار، وهذا الحديث ورد في صحيح البخاري، وقال أبو إسحاق الحويني نعم بأسانيد صحيحة عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، رواه عن عقيل بن خالد عن يونس إبن يزيد عن عن كذا وكذا، فهو أقرّ هذا الحديث، تصوّر نبي يريد الانتحار. هذه المسألة هي أثارت اللغط، سأعود إليها في حلقة عن صحيح البخاري، ومسلم، والنيسبوري.

سفير أحمد جراد: تمامًا أنا أتمنّى أن تفرد حلقة عن صحيح البخاري، ونناقش هذه المسائل.

يحيى أبو زكريا: بحول الله تعالى.

سفير أحمد جراد: لكن أنا أتمنّى أن أجيب عن قضية مهمة جدًا، أبو إسحاق الحويني في جزئية من جزئياته، نعم حدثت هناك مراجعات لفكره. نحن يجب أن نستثمر هذه الظاهرة أبو إسحاق الحويني الآن من خلال خطابه سواء كان على فراش الوفاة، أو فراش المرض، أو في المشفى، أم في غير هذا الأمر. نحن يجب أن نحلّل هذا الخطاب لأن أبو إسحاق الحويني اليوم لا يمثل شخصه، هو يمثّل شريحة كبيرة من الشباب الجهادي التكفيري المنتشر في ربوع العالمين العربي والإسلامي، أبو إسحاق الحويني إذا انتهى إلى هذه النتيجة فترتيب منطق الأمور أنّ هذه النتيجة نتجت نتيجة مراجعات كثيرة وكبيرة جدًا، والمتابع الدقيق لأبو إسحاق الحويني من خلال آخر عشر مرات ظهر فيها على التلفاز يجد أنّ الخطاب تطوّر بشكل مساير، وبشكل أقرب للاعتدال، وأقرب للمراجعة، وأقرب لإلغاء ما تحدّث به سابقًا، وهذا الخطاب تمّ تلقّفه أيضًا بالسلفية الوهّابية، فنحن الآن أمام ظاهرة تسمّى ظاهرة المراجعات، يجب أن نسلّط الضوء عليها ونبرزها فقط كمادة حوارية فقهية تأصيلية علمية عقدية للشباب الجهادي الذي يحمل رايات التكفير والإلغاء والإقصاء، هذا أولًا. الأمر الآخر عود على البدء الذي سألت عنه، أنّه لماذا يتحدّث في الشريعة كلّ ما ليس هو في اختصاص الشريعة؟ أنت تعلم دكتور يحيى أنّ هناك نظرية تقول إنّه لا يوجد في العالم الإسلامي رجال دين.

الشريعة الإسلامية ليست حكرًا على رجال الدين، وبالتالي هناك ضغط كبير، وأنا يجب أن أتكلّم بصراحة متى ظهر هؤلاء؟ هؤلاء جميعهم إن لم أقل أغلبيّتهم ظهروا من الأقبية عندما الحكومات العربية تضغط على هؤلاء الشباب المسلم بألا يتلقّوا التعليم في المساجد وفي الجامعات المُعتَبرة وفي المعاهد الشرعية المُعترَف بها. فترتيب منطق الأمور سوف ينحازون إلى الأقبية والفقه، فقه الأقبية غالبًا سيكون فقهًا ظلاميًا، فقهًا متشدّدًا، فقهًا لا قيمة له، ولا اعتبار إلا إلغاء الآخر. وبالتالي تكفيره والتحيّز له عندما نرى السلسلة الكاملة التي تحدّثت عنها كل واحد فيهم مثلاً أبو إسحاق الحويني في إحدى الحلقات، قال أنا تلقيّت العلوم تحت ظلال الغابات والمزارع بعيدًا عن أعين الناس وبعيداً عن الأعين. وكنت أتحيّن الفرص لكي أخلو إلى شيخي، وأخلو إلى شيخ آخر بعيدًا عن أعين الحكومات، والثاني والثالث والرابع وغيره. فبالتالي أمر طبيعي أن يخرج أيمن الظواهري عندما تتحدّث أنت عن أيمن الظواهري كما ذكرت أيمن الظواهري طبيب بشري كان يتلقّى العلم الشرعي في مناطق متعدّدة منها دمنهور، ومنها أسيوط ويذهب إلى سفر البراري، نحن نسمّيه نظام السيران في دمشق، ويتلقّون العلم بمعزل عن أعين الحكومات لأنها أيضًا ضيّقت عليهم بشكل كبير، فأيّما تضييق في العلم الشرعي على الناس في العلن سوف يتحوّل إلى أقبية، هذا ترتيب منطق الأمور. وبالتالي سوف تخرج لدينا هذه الفتاوى التكفيرية والإلغائيّة والإقصائية والتدميرية الهدّامة الكبيرة جدًا.

ثمّ هناك نقطة أهمّ من هذا كله في مصر، هناك رجالات  تصدّت لمناصب الإفتاء، ولا تنتمي للأزهر الشريف، وأيضا هؤلاء أضلّوا وأضلّوا بشكل كبير في فتاوهم، وهناك أيضًا أشدّ منهم في المغرب العربي، وفي السنغال، وفي نيجيريا، وفي باكستان.

إذًا الشريعة الإسلامية حسب نظرية هؤلاء ليست حكرًا على رجال دين لأن مُصطلح رجال دين لا يوجد في الشريعة الإسلامية، وبالتالي هي مُباحة للجميع فعندما يضيق عليها سوف تتحوّل إلى أقبية. فإذا حوّلت إلى أقبية، ترتيب منطقي سوف تتحوّل إلى قنابل موقوتة تنفجر في المجتمع والبلاد والعباد.

يحيى أبو زكريا: دكتور سفير استبدادية الحكومات العربية، وابتعاد النظام الرسمي العربي عن الدين لأنه أغرق في الشهوانية والضياع والواقع النظام الرسمي العربي لا دين له ولا اشتراكية له ولا رأسمالية، هو همجي خليط من الأفكار كافة لا توجد له وجهة. هذا لا يدعو أيضًا إلى أن نحوّر في المنطلق الشرعي، الأساس المولى عزّ وجلّ عندما أراد أن يعرّف بنفسه قدّم الأنبياء ليعرّفوا به، وهم الجامعون للشرائط، وهم المتقّون، وهم الذين لا يقترفون الكبيرة ولا يصرّون على الصغيرة، وهم العارفون، العالمون. وأنت تعرف من خصائص الإيمان في الإسلام بشكل عام أن يكون عارفًا بالكتاب، بالسنّة، بالتاريخ الإسلامي باللغة العربية بالناسخ بالمنسوخ بالمطلق بالمقيّد بالخاص بالعام بأسباب النزول وما إلى ذلك، فشريعة الله ليست هكذا، كل مَن هبّ ودبّ تفضّل أفتنا في رؤيانا، أليس كذلك دكتور؟

سفير أحمد جراد: دكتور يحيى يجب أن نتّفق أيضًا على جزئية جدًا مهمة تحدّثت عنها في الخطاب السلفي ونوعه، الخطاب السلفي هو الخطاب الذي يأخذ بظاهر النصوص بعيدًا عن مراحل ومندرجات العلم، بعيدًا عن أقوال الأمّة التي أجمعت عليها، بعيدًا عن أقوال المذاهب الأربعة يرفضون المذهبية، يرفضون أقوال الشافعي، وأبي حنيفة يرفضون ويرفضون ويرفضون، فترتيب منطقي عندما تأخذ أنت بظاهر النصوص، ماذا سوف يضمحل أيضًا دور اللغة والخاص والعام والمشترك والمؤوّل والمجمل والمفصّل التي تتحدّث عنها في أصول الفقه، أمر طبيعي عندما تأخذ أنت في الكتب الصحفية الكتب غير المحققة، غير المعتمدة، الكتب الثورية، الكتب الجهادية، الكتب التي تحثّ على بثّ المشاعر من دون تأصيل في ذات الإنسان مثلًا أنا أدرس في جامعة شعارها الإنسان قبل البنيان فالسلفي شعاره العقيدة والجهاد أولًا السيف أولًا الرمح.  فأمر طبيعي عندما يكون هناك ثقافة الورقة الصفراء، وثقافة الأقبية من دون التحقيق والتدقيق لأنهم يرفضون التدقيق فأمر طبيعي أن تخرج هذه الفتاوى بمعزل عن ضوابط وشروط المجتهد للفتيا.

ثم هناك نقطة مهمة هي الإعلام العربي المقصّر أنت عندما تخرج داعية على التلفاز أنظر إلى هذا الداعية ملكاته اللفظية، ملكاته الفقهية، ملكاته التشريعية الشرعية، ملكاته التوجيهية خطابه أيضًا نحن لدينا خطاب موغِل أيضًا في اللعب على مشاعر الناس، أيضًا دور الإعلام قد غيّب في هذه المرحلة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

سفير أحمد جراد: هناك دُعاة يتفاخرون بالهيئات واللباس والمظاهر، وهناك إشكالية كبيرة جدًا. وهناك أيضًا إشكالية لدى بعض الحكومات عندما تدعم داعية لجماهريته بمعزل عن فكره، وتدعم داعية آخر لثروته بمعزل عن منهجيته، وتدعم داعية ثالث لأسرته بمعزل عن ثوابت دينه، وهكذا إشكالية كبيرة جدًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

فالإشكالية أسّ وأساسه هي صناعة الداعية ما هو في منهج كبير، أنا حضرت مؤتمرًا كبيراً جدًا انعقد في دولة الكويت إسمه صناعة الداعية، مَن هو الداعية؟ الداعية الذي يخرج يريد أن يؤثّر في الأمّة، يجب أن يتعلّم أن الحواضر والمدن الكبيرة مثل بغداد العراق دمشق القاهرة المغرب، هذه فيها عشرة آلاف مسجد. فهل أنت لديك عشرة آلاف مؤهّل شرعي ليقود خطاب الناس؟ هل تمتلك أنت في أقل عاصمة من العواصم هناك ما بين 2000 و3000 مسجد فأنت يجب أن يكون لديك 3000 داعية؟ فهل أنت تمتلك هؤلاء الدعاة؟ هل تمتلك منهجية موحّدة  تمتلك آلية أخرى، وسأطرحها على الأستاذ الفاضل أحمد ماهر.

أستاذ أحمد ماهر واحدة من الإشكالات في ظاهرة الدُعاة الجُدًد أو دًعاة السلفية وغيرهم أنت تعرف عدد القساوسة محدود، عدد الحاخامات محدود إلا المشايخ ما شاء الله في بلادنا العربية والإسلامية عددهم يفوق عدد الطيور والأرانب، في كل حي ألف شيخ وألف مُعمّم وما إلى ذلك. والجماهير المغفلة هي التي تتبع للأسف الشديد، هذه الجماهير تترك الواعي العقلاني الذي يقدّم علمًا منطقيًا شرعيًا أصيلًا، وتذهب إلى الذي يعطيهم حكايا، ويعطيهم رؤى، ويعطيهم خرافات للأسف الشديد.

أحمد ماهر: أولًا دعني أقول  إن الشيخ أبو إسحاق الحويني كشخص هو له ما له وعليه ما عليه، ولا يهمّني كثيرًا، إنّما يهمّني كهدف إعلامي من وجودي أمام حضراتكم، وأمام أخي الدكتور سفير هو الهدف الإعلاني هو المنهجية التي قام عليها شخص مثل أبو إسحاق الحويني.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أحمد ماهر: لذلك أنا أقول بالبخاري ومسلم وأقول بكذا وكذا وكذا لأن هذه المنهجيات هي آباء لكثير من الدُعاة، كثير من هؤلاء الدُعاة تثق بهذه الكتب قبل أبو إسحاق الحويني كان هناك ألف أبو إسحاق الحويني، وبعده سيأتي ألف أبو إسحاق الحويني السبب ليس أبو إسحاق الحويني، السبب المنهجية، السبب الكتب المُقدّسة، السبب ما ورد مثلًا على سبيل عندما أقول أنا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إسمح لي واعطيني الفرصة عندما أقول أنا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنّه كان يقبّل عائشة، وهو صائم ويقول إبن حنبل ويمصّ لسانها، وحينما نقول أنّه كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة في غسل واحد في ساعة واحدة من ليل أو نهار. ولما يقول عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال لامرأة هبي لي نفسك، فقالت لا أهب نفسي للسقا، هذا كتبه البخاري، هذا منهج أبو إسحاق الحويني منهج أهل الحديث أهل الحديث. هؤلاء ناس كثر ملايين أبو إسحاق الحويني، ملايين أبو إسحاق الحويني أنا أتكلّم عن هدف إعلامي، وأتكلّم عن منهجية لأبو إسحاق الحويني. لذلك مراجعة أبو إسحاق الحويني تكون إما بمحاكمته، أو يأتي إلى الشاشة وينظرني شخصيًا، إنّما لا يمكن أبدًا أن أجلس في سنّي هذا أن أقدح في شخص أبو إسحاق الحويني لأن أبو إسحاق الحويني لا شكّ أنه خطأ أنا أودّ أن أفعل ماذا؟ هل الخطأ لمجرّد التشهير؟ أو لمجرّد أننا كنا نذيرًا للناس؟ لا بدّ من أن نكون نذيرًا لناس في مثل منهج أبو إسحاق الحويني. هذا ليس تكفيريًا فقط، وليس جهاديًا فقط، لكنّه منهج يهدم القرآن الكريم، منهج يجحد آيات كتاب الله عزّ وجلّ، هذا هو المنهج منهج أبو إسحاق الحويني لديه.

حديث يقول فيه مَن بدّل دينه فاقتلوه، وعنده في صحيح البخاري وعنده في صحيح مسلم عنوان باب جواز الإغارة على الكفّار الذين بلغتم دعوة الإسلام من دون تقدّم بالإعلان بالإغارة يعني أدخل إليهم ليلًا إذبحهم، هذا هو منهج، منهج ليس منهج أبو إسحاق بمفرده. منهج أبو إسحاق الحويني، لم يأته هذا الكلام بالمظلة من السماء لكن جاءه من مراجع الشباب المتحمّس، لا يتحمّس لأبو إسحاق الحويني فقط، لكن من كتب قرأها أبو إسحاق الحويني أيضًا هي دافع رئيسي لما نحن فيه من نكال ووبال هي الدافع الرئيسي أنّه لا يستجاب لدعائنا يا أخي. نحن لا يستجاب لدعائنا، ألا ترون أنه لا يستجاب لدعاء الحجاج؟ ألا ترون أنه لا يستجاب لدعاء الصالحين؟ لماذا؟ لأن نحن أناسٌ قدّمنا السنّة على القرآن، وجعلنا كتاب الله وقدّمنا السنّة النبوية. هذا هو منهاج أبو إسحاق الحويني، وهو هذا الذي يدفعني لآتي من منزلي، وأنا سبعة تلفزيونات عندي، أكثر من 600 حلقة تلفزيونية وآلاف المقالات الخ.

أنا كتفي وهذا الرجل يقول حظ النفس أنا لي ثمانية كتب موجودين في مكتبي و12 كتاباً منشوراً لا يوجد أمر إسمه حظ نفس، هذه حجّة طفولية التي قال فيها أبو إسحاق الحويني. لكن أنا لست مستعدًا أن أناقش جزئيات كلامه لأن معنى هذا أنّي أترّصد  الرجل وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يهديه ويهدي كل السلفيين. الرسول عليه الصلاة والسلام مات وكان يسكن غرفة بالطين اللين، أما هؤلاء يسكنون قصوراً من الدعوة من الدعوة فلا بد من  أن أتكلم في منهج هؤلاء.

يحيى أبو زكريا: أحسنت أستاذ ماهر نحن معك، ونشكر لك هذا التعب أن تأتي من البيت إلى هذه الحلقة، كل ذلك في ميزان حسناتك. والله هدفي وهدفك وهدف الدكتور سفير وكل الغيارى على هذا الإسلام العظيم هو أن نورث لأولادنا ولأحفادنا فقه الحب وثقافة الحب وفقه التعايش وفقه الاعتراف بالآخر، وعدم الإقصاء وأن نعود إلى إعادة صوغ المفهوم الإسلامي، وأنّ الإسلام ما جاء ليقتل هذا وذاك، ولن يدمّر الإنسانية وإلا لما خلق الله الكون برمّته، ولا أمر الناس جميعًا أن يكونوا مؤمنين، لا إكراه في الدين، هذا ما يجب أن نورثه لأبنائنا. أليس كذلك دكتور؟

سفير أحمد جراد: قولًا واحدًا. نعم أحسنتم نحن نحتاج إلى ثقافة التصالح مع الذات أولًا، وثقافة المشترك أكثر مما تعتقد ونعمّق نظرية المشترك أكثر مما  تعتقد، وثقافة احترام الرأي الآخر على إطلاقه شريطة أن يكون هذا الرأي مبنيٌ على علم وقواعد وثوابت منطقية تحترم لذاتها وتحترم لحقيقة صدق قائلها. أيضًا يجب أن نعترف أن الإسلام اليوم قد طعن فيه الكثير الخناجر، وأعملت فيه كثيرًا. هناك أشباه دُعاة، أشباه علماء أنصاف علماء، فترتيب منطق الأمور بحاجة إلى لفظ هؤلاء الذين يأخذون من النصوص كيفما يشاؤون ضمن آلية من الانتقاء لا أصل لها في الشريعة الإسلامية.

نعم المرحلة تتطلّب أن يكون الإسلام عزيزًا وعزيزًا في ذاته وتعاليمه في سمّوه، وأخلاقه. لكن نحتاج إلى إظهار هذا الكنز الكبير من التراث، الكنز العظيم من التعاليم المُتسامِحة مع الغير القابلة للغير التي تعترف بالغير التي لا لها نظريات ريادية في الاقتصاد في الإسلام، في السياسة، في الفن في الحياة في الحب.

كما تحدّثت نعم الإسلام يحتاج اليوم إلى إعادة نظر في صناعة دعاته، إعادة نظر في مَن الذي يروّجه له خطاب الكراهية، والوقوف عند مفهوم خطاب الكراهية وما أدّى إليه هذا الخطاب. أيضًا يجب أن نتوقّف عند الخطاب النصوصي الحرفي بمعزل عن غايات ومقاصد الشريعة الإسلامية يجب أن نقف أيضًا عند الخطاب العرفاني والموقف العرفاني البعيد عن الواقعية وما له وما عليه من تأثير كبير على الساحة ال‘إسلامية يجب أن نعترف أيضًا أنّ المرحلة فيها انتقاد كبير لرموز دينية كبيرة جدًا أسهمت وأطّرت وأصّلت لمرحلة كبيرة، أنا أحترم مثلًا عندما يعود إنسان بمراجعاته الإمام الشافعي قد غيّر رأيه من الفقه العراقي إلى فقه مصر.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

سفير أحمد جراد: دكتور سفير، وليس عيبًا أن يترقّى الإنسان فكريًا، وهذا ديدن علماء المتقدّمين كانوا إذا وجدوا دليلًا يميلون إليه، ونحن أبناء الدليل نميل حيث يميل.

يحيى ابو زكريا: الدكتور سفير أحمد جراد من سوريا الحبيبة شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ الفاضل أحمد ماهر من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.