الرهبانية الباسيلية الحلبية

الرهبانية الباسيلية الحلبية... الدور والعمل والعلم، والرسالة الحضارية للرهبان. ما دور الرهبانيات في العالم المعاصر وهل بقي زهد وتقشف؟ وما أثر المطران هيلاريون كبوجي الذي كان واحداً من رهبانها؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، تكاد الرهبانيات العامة حالياً في أنطاكيا وسائر المشرق تكون مقتصرةً على لبنان، ومن دون أن يعرف الكثيرون كيف حدث ذلك أو آليات عمل هذه الرهبانيات، ومن دون أن يعرفوا أن المنبت الأساسي لأغلبها هو مدينة  حلب. الرهبانية الباسيلية الحلبية على أبواب مئتي عامٍ من إنشائها ولا تزال تحتفظ برغم حضورها في لبنان بصفتها الأولى الحلبية، وهذا كسرٌ إيماني للتقسيمات السياسية، وقد كان أحد اهداف إنشائها الانكباب على العمليْن الفكري واليدوي، ولا بدّ من الإشارة إلى أن المطران الراحل إيلاريون كبّوجي كان في هذه الرهبانية ورئيساً للدير الذي نصوّر فيه، دير المخلّص في صربا، وطلب دفنه هنا، سنلقي الضوء على الرهبانية الباسيلية الحلبية مع رئيسها العام الأرشمندريت الياس خضري بعد تقريرٍ عنها.

تقرير:  

انطلقت الرهبانية الباسيلية الحلبية عام 1829 وهي شقيقة الرهبانية الباسيلية الشويريّة، وكانتا تسمّيان في الأصل الرهبانية الحنويّة، وغايتها التقيّد بالقانون وتأمين الصلوات الطقسية والزهد والتقشّف والعمل اليدوي والفكري.

تمّت القسمة بينهما عام 1832 وبات دير مار جاورجيوس الذي أسّسه الخوري نيقولاوس الصائغ عام 1750 في منطقة بمكّين في عاليه الدير الأمّ للرهبنة التي استقدمت بنّائين من الشام لبناء الكنيسة. 

إضافةً إلى دير المخلّص في صربا جونيه القائم على بقايا موقعٍ روماني قديم هناك دير مار أشعيا في برمّانا الذي اقتنته الرهبنة عام 1728، وإلى جانبه دير مار آسيا الحكيم المهجور، ودير سيّدة رأس بعلبك العجائبية الذي تعود أساساته إلى بقايا معبدٍ روماني من القرن الأول الميلادي، تسلّمته الرهبنة من أبرشية حمص التي كان تابعاً لها عام 1722، وكان عُقد فيه عام 1628 مجمعٌ أنطاكي ضمّ أساقفة حماه وحمص وحلب وصور وصيدا وحوران وبعلبك وطرابلس وصيدا والزبداني وقارّة للنظر في النزاع على الكرسي الأنطاكي، وتعرّض الدير لنوائب كثيرة.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، تحيّةً لك قدس الأب العام، شكراً لاستضافتنا في هذا المكان التاريخي والذي يعود إلى العهد الروماني ربّما.

الأرشمندريت الياس خضري: شكراً لك.

غسان الشامي: سؤالان مُتلازمان في الحقيقة، لماذا رهبانية حلبية ولماذا باسيلية؟ أولاً لنبدأ من لماذا حلبية. 

الأرشمندريت الياس خضري: التسمية الحلبية جاءت في العام 1829، في البداية جاء الحلبيون إلى دير البلمند وأرادوا أن يعيشوا حياةً روحانية، حياة فيها نوعٌ من التجرّد، حياة فيها نوعٌ من التأمّل، لذلك التجأوا في ذلك العهد إلى دير البلمند المعروف بمنطقة طرابلس، وهو دير أساسه لإحدى الرهبانيات اللاتينية، بعدها انتقلوا إلى منطقة الشوير وأسّسوا هناك الرهبانية، اتفقوا مع كاهنٍ كان يقوم بخدمة المنطقة إسمه الأب رزق صوايا، كان عنده كنيسة صغيرة وثلاث غرف، اتفق معهم على أن ينشئوا الدير هناك شريطة أن يهتمّوا به اقتصادياً واجتماعياً ويؤمنّوا له كبرته، هناك بدأ الحجر الأساس لهذه الرهبانية وكان إسمها الرهبانية الحنّاوية.

غسان الشامي: لمَن؟ لمار يوحنّا؟

الأرشمندريت الياس خضري: نسبةً إلى الدير الصغير مار يوحنا الصابغ في منطقة الشوير، أخذت هذا اللقب ومع الوقت إلى عام 1829 صار هناك ما يُسمّى الرهبانية الباسيلية الشويرية المعروفة ب "البلديّة" والرهبانية الباسيلية الحلبية. لماذا حصل هذا الشيء؟ طبعاً لا يوجد في مرجعيّتي أيّ تحيّز لأنني حلبي، المرجعية هي كتابٌ تاريخي مهم جداً.

غسان الشامي: والحلبيون لا ينسون حلب.

الأرشمندريت الياس خضري: أنا أقول الحق حتى عن نفسي، من كتاب لمؤرّخ كبير هو الشويري الأرشمندريت أثناسيوس الحاج، كتب في جزءين ضخمين وفيهما الكثير من التفاصيل والتدقيق والدراسة العلمية التاريخية الموثّقة أنه لم يعد هناك تعايش أو تطايق بين الجماعة الحلبية والجماعة البلدية، هذا ما كتبه هو.

غسان الشامي: بمعنى أصبح هناك تنافر حلبي لبناني أو حلبي شويري.

الأرشمندريت الياس خضري: السبب أن الشباب الحلبيين الذين جاؤوا من حلب كانوا من طبقة ميسورة مادياً ومنفتحة فكرياً وتأسّسوا تأسيساً فكرياً وذهنياً مميّزاً عن بقيّة الدعوات أو الرهبان الذين جاؤوا من مناطق البلدية، لذلك شعرت الجماعة البلدية بالغبن وبأن الحلبيين أكثر تعلّماً ومن أموال أهاليهم بنوا هذا الدير، وأصبح هناك نوعٌ من الهيمنة والسيطرة الحلبية عليهم، فشعروا هنا بالغبن وبأن حقوقهم مهضومة، فحاولوا الانفصال للمرة الأولى عام 1823 في عهد الأمير بشير الشهابي الذي أصلح بينهم واتّحدوا مجدّداً، لم يستطيعوا تحمّل هذا الأمر وأنت تعرف عقليّتنا الشرقية وكلٌّ عنده عنجهيّته وكبرياؤه فانفصلوا مجدّداً عام 1829، القسمة النهائية وأصبح هناك ما يسمّى بالرهبانية الباسيلية الحلبية والرهبانية الباسيلية الشويرية البلدية، البلدية كانت تستقبل كل ما هو غير حلبي، شامي، يبرودي، لبناني، طرابلسي وكل ما هو غير حلبي، وكل ما هو حلبي كان يذهب إلى الرهبنة الباسيلية الحلبية.  

غسان الشامي: يعني أنها رهبانية حلبية صرف.

الأرشمندريت الياس خضري: بعد 1829 ولكن هذا مفهوم شائع مع احترامي للجميع ولكنه خاطئ، البعض منهم أسبغوا علينا صفة شبة عنصرية وفيها نوعٌ من التعالي بأننا نحن الحلبيون متكبّرون، نحن كنا نقبل ولم نرفض أحداً أبداً ولكنّهم بغرض استقطاب الناس إليهم قرّروا الانفصال.

غسان الشامي: وبقيتم هكذا حتى الآن.

الأرشمندريت الياس خضري: نعم وهذا أمرٌ جلي بأن لدينا أكثر من راهبٍ وخوري حلبي يخدمون في الرهبنة وفي رأس بعلبك، وفي الكتاب الذي قدّمته لحضرتك توجد أسماء الرهبان الذين جاؤوا من رأس بعلبك إلى الرهبنة.

غسان الشامي: أبونا خضري ماذا بقي من حلب في الرهبانية الحلبية الباسيلية؟ وما دورها الحالي في حلب، هل هي تقتصر على لبنان مثلاً؟

الأرشمندريت الياس خضري: أولاً لنعود إلى التاريخ، لم يكن هناك دولة لبنان أو دولة سوريا بل كانت أراضٍ مفتوحة على بعضها البعض، حتى سهل البقاع كان يُسمّى سهل حمص، البعثات التبشيرية الأجنبية كانت بوابتها مدينة حلب، أتى اليسوعيون إلى حلب عام 1625 وأسّسوا هناك، وبعدها جاء الفرنسيسكان والعازاريّون والمريميّون وعدّة رهبنات أجنبية أسّسوا في حلب وانطلقوا، لم ينطلقوا إلى لبنان بل إلى بقاع الشرق، لذلك الروح الحلبية بقيت وأنا مصرٌّ، وهناك كثيرون من المعارضين حاولوا مع الوقت محو كلمة "الحلبية" لأننا حين نقول اليوم حلب فنحن نعود إلى جذور مهمّة، حلب معروفة تاريخياً ومسيحياً وفكرياً ومعروفة برجالاتها، وأنت تعلم في شمال حلب حتى اليوم هناك حوالى ألفي مَعْلَمٍ تاريخي مهجور.

غسان الشامي: من المدن الميتة 1800 موقعٍ أثري.

الأرشمندريت الياس خضري: ميتة كأحجار ولكن روحها لا تزال حيّة فينا، كلمة حلب أهم من كلمة رهبنة بالنسبة إلينا. 

غسان الشامي: حتى هذه الدرجة. ذكّرتني بالحلبيين في المغترب حيث أن حلب بالنسبة إليهم في مكان وكل المنطقة في مكانٍ آخر، حلب فوق كل شيء.

الأرشمندريت الياس خضري: في أحد الكتب التي أمامك عبارة"في البدء كانت حلب"، ليس عن تعصّب وإنما عن تاريخ، عن وثائق، كان لنا دورٌ ثقافي وحضاري في الترجمة والتأليف.

غسان الشامي: دعني هنا أسألك أبونا خضري لماذا الرهبانيات الغربية قصدت حلب؟ لماذا انتقت حلب أوّل ما انتقت مدينة في المشرق لتأتي إليها؟

الأرشمندريت الياس خضري: السبب الأول هو سبب تجاري، حلب كانت نقطة تجارية وصلة وصل.

غسان الشامي: مركز خط طريق الحرير.

الأرشمندريت الياس خضري: مركز تجاري مهم جداً وكان هناك دائماً كهنة أو مرشدون روحيون يرافقون التجار، جاؤوا إلى هنا وأسّسوا لأنفسهم مراكز روحية ورأوا بأن حلب منفتحة، وبأن شعبها محبّ للعمل، نشيط، منتج، متعطّش لأن يأخذ المزيد، الحلبي لا يستكين بل يتعلّم دائماً ويستفيد، الحلبي استفاد من الوجود والهجرة الأرمنية كثيراً، استفدنا من الحضارات كثيراً، نحن في الأصل سريان، الروم الأورثوذكس أصلهم سريان، المنطقة بأكملها كانت من السريان، لا يغالي أحدٌ علينا بهذا الأمر، ومع الوقت جاءت الحضارات اليونانية والبيزنطية ودفعت السريانية نحو البادية وحلّث الثقافة والحضارة اليونانية والإغريقية في المنطقة. أعود إلى نقطة مهمّة، حلب لها دور رائد وحتى الرهبانيات المارونية تأسّست هنا.

غسان الشامي: سأسألك ولكن قبل ذلك أريد أن أعرف ماذا لكم الآن وأنتم رهبانية حلبية في حلب؟

الأرشمندريت الياس خضري: في حلب لنا الأهل، لنا أصلنا، لنا كنائسنا، لنا تاريخنا، مدافننا وأمجادنا في حلب.

غسان الشامي: لكن هذا كلّه ماضٍ أبونا.

الأرشمندريت الياس خضري: حاضر، نحن لا زلنا موجودين، أنا وإخوتي لا نزال في حلب، أبناء عمّي، الكثيرون لا يزالون في حلب، ثابتون فيها. إسمح لي أن أنزل إلى السطر، أمّي عادت من إيطاليا في العام 2011 كي تموت في حلب. 

غسان الشامي: هذا أمر مفرح جداً ولكن عملياً هل لكم أديار في حلب؟ 

الأرشمندريت الياس خضري: نحن كرهبنة لدينا ثلاثة مراكز وقد ابتاعت الرهبنة أرضين للبناء، بنينا في خان العسل ديراً كبيراً ومسرحاً وكنيسة ولكن مع الأسف وقعت الحرب.  

غسان الشامي: والآن عاد خان العسل.

الأرشمندريت الياس خضري: إن شاء الله سنعود، وأيضاً بجانب مدرسة الفرح في منطقة الليرمون اشترينا أرضاً كبيرة لبناء مساكن تشجيعية للشباب وإلى جانبها إكليريكيّة وديرعلى إسم القديس باسيليوس الذي سألتني عنه قبل قليل.

غسان الشامي: نعم، أبونا خضري الرهبانيات الأخرى كما ذكرتَ أيضاً أغلبها حلبي ومن ثم صار منها الحلبية والبلدية وإلى ما هنالك من المطران جرمانوس فرحات وله ساحة بهيّة في حلب إلى المطران قرعلي، ما هذا التأثير الروحي الذي حلّ على حلب حتى أعادت إطلاق الرهبانيات بعدما خفتت الرهبانيات في المشرق طيلة أكثر من 1200 عام؟  

الأرشمندريت الياس خضري: بالتأكيد، خفتت لكن الجذوة لا تزال موجودة، حلب والحلبيون كانوا ينتظرون اللحظة أو المناسبة أو المُتنفّس لكي يعودوا، الحلبيون لم يموتوا، إيمانهم بقي رغم الاضطهادات، رغم المُعاناة مع العثمانيين، رغم كل ذلك بقوا، إيمانهم لم يمت، مات أشخاص، حُرقت كنائس ولكن إيمانهم بقي متجذّراً فيهم ومع الوقت نشكر الله ونحمده عاد وسيعود أقوى. 

غسان الشامي: لماذا الباسيلية؟ لماذا أخذتم أنتم وأشقاؤكم الصفة الباسيلية؟

الأرشمندريت الياس خضري: نحن ننتمي في قوانيننا إلى القدّيس باسيليوس الكبير الذي هو من القرن الرابع، القدّيس باسيليوس الكبير هو أول مَن وضع القوانين الرهبانية في العالم وفي الشرق أولاً، وقد أخذ الرهبان البندكتيون في أوروبا من قوانينه.

غسان الشامي: ولكن كان هناك رهبانٌ من هذه المنطقة قبل القدّيس باسيليوس.

الأرشمندريت الياس خضري: كان هناك رهبان لكن لم يكن هناك قانون ينظّمهم، كان هناك نسّاكٌ ومتوحّدون، وبالطبع أوّل من ابتدأ بالحياة الرهبانية هو أنطونيونس ومن ثم باخوميوس في مصر، ولكن القدّيس باسيليوس هو أول مَن درس ووضع كتباً وقوانين للحياة الرهبانية المنظّمة ضمن الأديار.

غسان الشامي: تقصد الذي كتبه الراهب ماني في المجلّدات الأربعة عن قوانين الرهبنة نقلاً عن القدّيس باسيليوس؟

الأرشمندريت الياس خضري: استشفّ منه ولكن القديس باسيليوس هو أوّل مَن وضع القوانين ونظّم الحياة الرهبانية، حتى أن له كتابٌ مهمٌ إسمه "الفضائل والرذائل" في قواعد السلوك وفي الحياة الرهبانية، يعلم إذا ما كنتَ تسير على الطريق الصحيح أم لا، قوانينه جميلة جداً ولكن لسوء الطالع نحن لا نستطيع أن نطبّقها.  

غسان الشامي: سأتحدّث عن سبب عدم تطبيقها، ولكن أيضاً القدّيس باسيليوس من كبادوكيا وهو إسم فارسي لمنطقة في آسيا الوسطى، وأعتقد أن السادة المشاهدين لا يعرفون أنهم كانوا يطلقون على سكانها تسمية السوريين البيض بهذا المعنى، هذا منحى أخذتموه؟ في قراءتي للقدّيس باسيليوس هناك أمرٌ كتبه الأب الياس كويتر، يقول إن الرهبانية الباسيلية رسالة مشرقية، ماذا يعني هذا الكلام؟  

الأرشمندريت الياس خضري: أي أنها تقوم على روحانية مشرقية، عقيدة مشرقية، طبعاً العقيدة المشرقية أو الروحانية المشرقية هي أفقية وغايتها تقديس النفس والانطلاق إلى الآخر في حين أن الروحانية الغربية غايتها تقديس النفس فقط، أن تقدّس نفسك وتخلّصها بينما أنا أخلّص نفسي وعليّ مهمّة تخليص الآخر، هذا هو الفرق في ما بيننا.  

غسان الشامي: ويقول أن للرهبان الباسيليين رسالة حضارية، ما هي رسالتكم الحضارية؟  

الأرشمندريت الياس خضري: قبل أي شيء نشر الوعي، نشر الروحانية، تعليم مَن لا يستطيع أن يتعلّم، الاهتمام بالفقير، أن يتقرّب الإنسان إلى الله من خلالي أنا الراهب، لا أقصد نفسي هنا مع احترامي للجميع، هذه هي رسالتنا الفكرية، الآخر.

غسان الشامي: يعني الرسالة الحضارية كما فهمتها هي حفظ العلم.

الأرشمندريت الياس خضري: نشر العلم.

غسان الشامي: الموسيقى، الفن الكَنَسي القديم، المخطوطات، معاهد إكليريكية، مؤسّسات اجتماعية، هذا كلّه كرسالة حضارية هل يمكن أن تقول أين هو الآن في الرهبانية الباسيلية الحلبية حضرة الأب العام؟

الأرشمندريت الياس خضري: هذا الأمر لا يزال موجوداً رغم أننا نمرّ بمرحلةٍ صعبة من خلال آبائنا ورهباننا، من خلال كتاباتهم التي تركوها لنا، رغم عددنا القليل إلا أنه لدينا الكثير من الرهبان الذي كتبوا كتباً مهمة جداً، لقد أعطينا للكنيسة عَلماً من أعلام الحق القانوني وهو الكاردينال أكاكيوس كوسا الذي كان رئيس المجمع الشرقي الذي نفخر به والذي لا تزال كتبه تُعلَّم حتى اليوم في الجامعات الحقوقية في روما.

غسان الشامي: أبونا لقد قلتَ أن هناك صعوبات، ما هي الصعوبات التي تمرّون بها؟

الأرشمندريت الياس خضري: بكل أسف دائماً هناك مطبّات ومشكلتنا أننا جئنا إلى لبنان، وفي لبنان ومع احترامي للجميع واجهنا صعوباتٍ كثيرة من أهمّها قلّة المحبة، اليوم على سبيل المثال إذا مرّت رهبنةٌ ما بمرحلة صعبة فلا تساعدها الرهبنة الأخرى، في حين أننا في حلب ساعدنا الكثير من الرهبانيات، الكاردينال أكاكيوس كوسا في روما ساعد الآخرين ولم يساعد رهبنته لأنه علينا واجب أن نتجاوز أنفسنا، قد أهمل نفسي من أجل الآخر، هذا الأمر مهم جداً ولم نلمسه عند أحد، نحن في الشرق بكل أسف اللهم أسألك نفسي، أنا أريد أن يأتي الشاب الذكي إليّ، أنا أريد أن أقلّل من قيمة الآخر، أريد أن أكبر ويصغر الآخر، لماذا نكون في الشرق أربع رهبانيات للموارنة وأربع للكاثوليك؟ لماذا لا نكون رهبنة واحدة نجتمع تحت قانونٍ واحد وتكون رسالتنا واحدة؟ لماذا نتنافس؟ أنا لديّ أكثر منك، أنت لم تعد موجوداً، أنا أقوى منك.

غسان الشامي: في نهاية هذا المحور أريد أن أسألك، بعد مئتي عام وقد تكلّمتَ عن صعوبة من الصعوبات، ماذا تفعلون لبيان تأسيسكم الأول سنة 1829؟ ماذا تنفّذون منه؟ 

الأرشمندريت الياس خضري: لدينا رسالة مهمّة جداً وهي العيش بين الناس، خدمات الرعايا، العمل والحياة الجماعية مهمّة جداً وبعدها الانطلاق نحو الآخر. لا نستطيع اليوم في ظل الوضع الراهن أن نقارن بين الآن وبين العام 1829، كل وقت له متطلّباته وظروفه. 

غسان الشامي: جميل.

الأرشمندريت الياس خضري: أنا أعتبر أننا حلبيّون منذ سنة 1710 ولكننا أخذنا التسمية في العام 1829.

غسان الشامي: 310 سنوات.

الأرشمندريت الياس خضري: نعم ونشكر الله أننا لا زلنا موجودين، دائماً هناك مطبّات وظروف صعبة ولكننا لا زلنا موجودين رغم محاولات الكثيرين من أبناء الرهبنة "أعداء الإنسان أهل بيته"، قالوا بأن لا لزوم لتسمية الرهبنة بالحلبية كما حصل عند إخوتنا المريميّين، كان إسمها الرهبانية المارونية الحلبية، وحين توفّى آخر حلبي قالوا لا داعي للإبقاء على كلمة حلب. سأعطيك مثالاً صغيراً، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، أين أنطاكيا الآن؟ هل يستطيع أي بطريرك أن يقدّس قداساً من دون إذن من إردوغان؟ لماذا حافظنا على كلمة أنطاكيا؟  

غسان الشامي: ولكن أمر مهم جداً أن تُبقي على أنطاكيا لتبقى حيّة في الذاكرة.

الأرشمندريت الياس خضري: وأيضاً من المهم جداً الإبقاء على إسم حلب كي تبقى حيّة في الذاكرة، وحين يسأل أحدهم لماذا حلب أذكر له التاريخ، ليس تعصّباً. 

غسان الشامي: ليس تعصّباً أبداً.

الأرشمندريت الياس خضري: نحن لنا جذور، السريان لهم جذور في الجزيرة وفي القامشلي، في ماردين، الأرمن لهم جذور في كيليكيا وفي كل مكان، لنا جذور في إسكندرونة التي أعطتها فرنسا المجرمة لتركيا وسلختها منّا، هذه أرضنا وهذا حقّنا، وحتى الآن اللواء السليب في الخريطة هو سوري ولا يتجزّأ من سوريا. 

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل أبونا إذا سمحت، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الأرشمندريت الياس خضري الرئيس العام للرهبانية الباسيلية الحلبية، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدّداً من أجراس المشرق من دير المخلّص في صربا جونيه، حضرة الأرشمندريت الياس خضري، شمّاس الحلبي عبد الله زاخر أتى بهذه المطبعة الجميلة والتي قدّمت للحرف العربي ما قدّمته، وكنتم وقتها رهبانية واحدة أنتم والباسيليون الشويريّون، مررتَ في القسم السابق من الحوار على إنتاجات، أريد أن أسألك تحديداً ما هي الإنتاجات الفكرية والطباعية للرهبنة الباسيلية الحلبية حالياً؟ 

الأرشمندريت الياس خضري: هذا يبدأ من العهود الغابرة، عبد الله الزاخر وُلِد في حلب ولكنه ليس حلبياً، أصله حموي، كنيته الصايغ، كان زاخراً في العالم فأُطلق عليه لقب الزاخر وهو إبن عم نيقولاوس الصايغ، أصلهم حموي وُلِدوا في حلب وعاشوا فيها.

غسان الشامي: تطعّموا.

الأرشمندريت الياس خضري: ولكن البعض للأسف يقولون أنه ليس حلبياً، صحيح، أجداده من حماه وذهبوا إلى حلب وتطعّموا في حلب وأصبحوا حلبيين. سيّدي الكريم في رهبنتنا لدينا أعظم وأكبر مكتبة مخطوطات بين كل الرهبانيات، لدينا حوالى 1300 مخطوط قمنا بدراستها وبرمجتها وحفظها بطريقة علمية حديثة جداً. في الجيل الجديد من سنة 1950 حتى الآن لدينا مطبوعاتٍ كثيرة، لدينا مجلّة إسمها "حياة وعمل" تأسّست سنة 1947 وهذا عددٌ منها هنا، وكان هناك مجلّة "صوت الرهبنة" وهي مجلّة مهمّة تضمّ أخباراً جميلة ومشوّقة ومواضيع لاهوتيّة واجتماعية، وهناك الكثير من رهباننا الذي ألّفوا كتباً مهمّة جداً، على سبيل المثال الكاردينال أكاكيوس كوسا والأب أدريانوس شكّور الذي ألّف كتابات جميلة جداً عن الروح القدس، وأيضاً هناك المطران ناوفيطوسإدلبي وله كتاب التراث العربي المسيحي مشهور جداً.

غسان الشامي: وهو مرجع.

الأرشمندريت الياس خضري: نعم وهو إبن الرهبنة وهو راهب باسيلي حلبي. هناك أيضاً المطران الياس نجمة لديه كتابات مهمّة، وأبونا لوقا الشوّا الذي ألّف كتاباً في الموسيقى عن الموسيقار الكبير بيتهوفن ولكنه لم يُطبع للأسف، وهناك كتابات تاريخية مهمّة جداً لسيّدنا ميشال أبرص، والمطران النائب البطريركي نيقولا أنتيبا لديه مقالات مهمّة جداً، والمطرانان إيسيدور بطيخة وميشال أبرص أسّسا مجلات رعائية مهمّة في حمص وفي صور، إذاً لدينا منتوجٌ فكري مهم جداً.

غسان الشامي: كان لكم دورٌ لا أعلم إذا كان السادة المشاهدون يعرفون هذا الأمر وأحد أهدافكم حماية أو تعزيز اللغة العربية، أين هي اللغة العربية الآن؟ 

الأرشمندريت الياس خضري: أين هي اللغة العربية في العالم العربي كلّه بكل أسف، تركيا حكمتنا وأرادت طمس كل ما هو عربي.

غسان الشامي: ولكن جاء عصر النهضة وعاد إحياء اللغة العربية وأنتم من قبل عصر النهضة أخذتم على عاتقكم تعزيز اللغة العربية.

الأرشمندريت الياس خضري: عزّزنا اللغة العربية ورهباننا في حلب تتلمذوا على يد أكبر المشايخ في اللغة العربية وتعلّموا القرآن، ولكن اللغة العربية اليوم بكل أسف بحدّ ذاتها لم تعد اللغة القوية التي عرفناها، بدأت تضعف، والكلمات والمصطلحات، حتى أن كثيراً من الأدباء العرب يقولون إن اللغة العربية لا منطق فيها حتى في الإعراب، حتى في النحو، اللغة العربية لم تعد متماسكة، الكثير كانوا يحبّون اللغة العربية ولكن بكل أسف بسبب الإهمال خصوصاً في المدارس صارت اللغة العربية لغةً مستكينة.

غسان الشامي: ولكن يا أبونا خضري أغلب المدارس الخاصة في لبنان تسمّى تحت مُسمّى المدارس الكاثوليكية، والرهبانيات لديها مدارس، أين اللغة العربية في هذه المدارس؟

الأرشمندريت الياس خضري: ضعُفت لأن التأثير العلمي الغربي قوي عليها، اليوم نرى بأن اللغتين الإنكليزية والفرنسية طاغيتان، نرى المذيعين مع احترامي لك يخطئون أخطاءً يندى لها الجبين، اليوم يتحدّث أحدهم على الشاشة وهو لا يجيد قراءة اللغة العربية، في النشرة الجوية يقولون تساقُط الأمطار، هي هطول الأمطار وتساقُط الثلوج، الأمر بسيط ولا أحد يصحّح لهم، لذلك اللغة العربية لم تعد لغةً عمليّة، الأهمية اليوم هي للمال والتجارة. إذا ذهبتَ إلى السعودية اليوم تجد الهنود يتحدّثون بالإنكليزية، وتركيا أثّرت علينا كثيراً وطمست اللغة العربية، اليوم أحد الشعراء يقول "بني يعربٍ لا تأمنوا الترك بني يعربٍ إن الذئاب تصول".

غسان الشامي: موافق.

الأرشمندريت الياس خضري: هناك مخطّط لطمس اللغة العربية.

غسان الشامي: من أهداف الرهبنة أيضاً الزهد والتقشّف، هل يلائم الزهد والتقشّف عالمنا المعاصر حضرة الأب العام؟

الأرشمندريت الياس خضري: أستاذي الكريم الزهد والتقشّف يلزمهما القناعة، أن يكون الإنسان مقتنعاً ومؤمناً بهذا الأمر، أنا إنسان متقشّف، أنا الزاهد، بكل أسف هذا لم يعد موجوداً. لقد تعرّفت على الكثير من رهباننا رحمهم الله كانوا متقشّفين وزاهدين، أنا لست متقشّفاً ولا زاهداً. اليوم الكل يرى سياراتنا وحياتنا وبذخنا، لم يعد لنا علاقة بالنذور، الفقر والعفّة والطاعة، هناك أمور طغت علينا للأسف، بتنا نساير، يقولون لي أبونا سيارتك قديمة، يجبرونك على تغيير السيارة، ترى السيارات الفخمة بينما سيارتك وضيعة. 

غسان الشامي: أنا أشكرك على صراحتك ولكن هذا ما نطلبه دائماً.

الأرشمندريت الياس خضري: يجب أن تكون هناك قناعة، الناس لم تعد قانعة، بات الناس يقلّلون من قيمتك ويقولون لك كيف تعيش هكذا، كيف تلبس هكذا، هذا الأمر موجود فينا، هذا أصعب من الكورونا في حياتنا الرهبانية. الحمد لله وأقولها على الملأ إن الناس لا زالوا يأتون إلى الكنائس، أكثر الرهبان الزاهدين والمتقشّفين تجدهم عند إخوتنا الموارنة، يعملون في الحقل من الصباح حتى المساء، رهبانٌ بكل معنى الكلمة، نحن لم نعد رهباناً، أنا أعيش في المدينة ولا أعيش الحياة الرهبانية. 

غسان الشامي: نعم وأنتم بدأتم أيضاً بتعظيم العمل اليدوي، هل العمل اليدوي لا زال موجوداً. 

الأرشمندريت الياس خضري: كلا.

غسان الشامي: ولكن لدى الرهبان الموارنة لا زال موجوداً.

الأرشمندريت الياس خضري: لديهم أراضٍ ولديهم رهبانٌ، لديهم روحانيات معيّنة فعلاً، الراهب يأتي إلى الدير ودعوته هي أن يعمل في الأرض، أن يهذّب روحه من خلال الأرض لأنّ مَن يعمل في الأرض هو إنسان مهذّب مع احترامي لمَن يجلس خلف مكتبه، الأرض تُهذّب، الأرض أخلاق، لذلك الإنسان يجب أن يتعلّق بأرضه كي يمتلك الأخلاق.

غسان الشامي: حضرة الأب خضري ما هي علاقتكم ببطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للروم الكاثوليك كرهبانية كاثوليكية؟

الأرشمندريت الياس خضري: أدبياً نحن أبناء الطائفة والطائفة لها رأسٌ وقوانين تنظّم الأبرشيات والرعايا والرهبانيات، نحن أبناؤها أدبياً ومطيعون لها بتعليماتها وتوجيهاتها. طبعاً لدينا استقلاليّتنا الذاتية، الاقتصادية والتنفيذية، هنالك قوانين خاصة بالرهبانيات ولكننا في نهاية الأمر أدبياً نخضع إلى البطريرك.

غسان الشامي: لاحظت خلال انتخابكم في تموز الماضي وجود موفد رسولي من الفاتيكان حضر المجمع الذي انتُخبتم فيه، ما هي علاقتكم بالفاتيكان؟ هل هناك علاقة خاصة تربطكم كرهبانية بالكرسي الرسولي؟

الأرشمندريت الياس خضري: نحن رهبانية حبريّة، روما وافقت علينا في العام 1710 ومنحتنا الإذن بتأسيس رهبانية، هناك رهبانيات بطريركية ورهبانيات أبرشية، قرار وجودها أو عدم وجودها يتعلّق بالبطريرك، نحن نرتبط بروما. حصلت لدينا مشكلة، بعض الرهبان كتبوا إلى روما، وارتأت روما أن تضع زائراً رسولياً كي يتحقّق من التجاوزات السلبية في الرهبنة. في الرهبانيات الأخرى هناك تجاوزات أيضاً ولا داعي للتشهير هنا، روما تتدخّل كي تساعد وتحلّ الأمور ولكنها لا تتدخّل بالشؤون والقرارات التنفيذية للرهبانية، هي مراقب يقدّم تقريراً عن الوضع.

غسان الشامي: ولكن أقصد تعيين حضرتك كرئيسٍ عام يأتي من الفاتيكان؟

الأرشمندريت الياس خضري: كلا عبر الانتخابات، تجري الانتخابات وتقوم هيئة قانونية بإرسال الأسماء إلى السفارة البابوية ومن ثم يوافق عليها المجمع الشرقي ويبارك لنا ونتابع عملنا.

غسان الشامي: من دون موافقة بطريرك أنطاكيا؟

الأرشمندريت الياس خضري: نحن نُعلمه، نحن رهبنة حبريّة.

غسان الشامي: ما هي مشاريعك أبونا خضري؟ دعنا نرى بهذا الحماس وأنا أحيّيك على الصراحة، ما هي مشاريعك لإعادة ضخّ الحياة في الرهبانية؟

الأرشمندريت الياس خضري: المشروع الأول هو زرع روح الثقة والمحبة في ما بيننا، أنا لست رئيساً عاماً وإنما أنا أخٌ لكم، أنا أبٌ عام، أنا خادمٌ لكم، أنا هنا لأسمع الجميع، لا ظالم ولا مظلوم. في عقليّتنا الشرقية هناك ما يُسمّى بالرئيس العام، التبجيل، الرئيس العام لا يُخطئ. في الرهبانيات هناك الكثير من الظلم، إذا أخطأ راهبٌ عادي تقوم القيامة أما إذا فعل الرئيس العام كما يقولون "السبعة وذمّتها" فلا مشكلة، يحقّ له أن يأكل طعاماً مميزاً، يحقّ له أن يسهر، هذه الأمور يجب إلغاؤها. تعزيز الثقة، أنا أبٌ عام، أنا أحبّكم، أنا أريد الخير لكم، أريد أن أسامحكم حتى وإن طعنتموني، تعزيز الثقة هي أهم نقطة للنجاح، ومن ثم الاهتمام بالدعوات، اليوم في هذا الوقت الصعب تحيط المغريات بالشاب، يأتي إلى الدير وإلى النظام، يستيقظ عند الساعة السادسة صباحاً، ويجب أن يكون في الكنيسة عند الساعة السادسة والنصف، يجب أن يحضر صلوات السحر، الساعة الأولى، القدّاس، يذهب إلى الجامعة، هناك نظام للأكل وفقاً لقانون الدير، هناك نظام لا أقول قاسياً وإنما في زمن المغريات للشباب من الصعب أن تجد هذا النوع من الشباب، لذلك نحن نحاوطهم بعطف وبحنوّ وباعتدال، وننمّي في الشاب فكرة أنه إبن البيت، الرئيس العام هو أبوك وهؤلاء هم إخوتك، يجب أن نعيد هذه العقليّة إلى الأديار.

غسان الشامي: هل هناك دعوات جديدة؟

الأرشمندريت الياس خضري: نشكر الله، في الرابع والعشرين ليلة عيد البشارة لدينا ثلاثة طلاب من الشباب سوف نُلبسهم ثوب الابتداء، ولدينا ثلاثة أيضاً في جامعة الكسليك، ولدينا ثلاثة إخوة مساعدين، ولدينا شاب من درعا وآخر من حلب في الرهبنة، نشكر الله ونحمده.

غسان الشامي: غير ذلك، كمشاريع عملية بماذا تفكّر؟

الأرشمندريت الياس خضري: لديّ مشروع عملي مهم جداً وهو بناء مساكن شبابية تُوزَّع مجاناً.

غسان الشامي: أين؟

الأرشمندريت الياس خضري: في أي منطقة فيها أراضٍ لنا، حين يأتينا التمويل من الخارج نقدّم الأراضي بالمجّان في رأس بعلبك أو في أية منطقة أخرى، نحن مستعدّون كرهبنة أن نقدّم للشبيبة كي يتعلّقوا بالأرض. اليوم مشكلة المشاكل هي تأمين المسكن، حين يتأمّن المسكن يستطيع الإنسان أن يعمل وأن يعيش بما تيسّر بدلاً من أن يفني عمره في دفع الأقساط للبنوك. بالأمس كنا عند أحد المسؤولين في دعوةٍ على الغذاء وركّزنا على عمل الرهبانيات، ماذا تفعل الرهبانيات؟ جامعات وتكديس أموال بمليارات الدولارات ولكن ماذا تفعل من أجل الشعب.  

غسان الشامي: ألهذا الحد تأتي الأموال إلى الرهبانيات؟

الأرشمندريت الياس خضري: بالتأكيد ومَن يقول لك رهبنتي فقيرة قل له أنت مخطئ، لن أستعمل تعابير أخرى.

غسان الشامي: لماذا أنتم فقراء إذاً؟

الأرشمندريت الياس خضري: كيف؟

غسان الشامي: أقصد هل تمتلكون المال؟

الأرشمندريت الياس خضري: نعم ولدينا الكثير من الأراضي قيمتها ملايين الدولارات.

غسان الشامي: إذاً لماذا لا نبدأ بالإعمار للشباب؟

الأرشمندريت الياس خضري: المشكلة اليوم أنه لدينا أراضٍ وأرزاق، وهناك الكثير من الأراضي التي كانت موهوبة بطريقة عشوائية وتحتاج إلى الدعاوى لاستردادها، أحدهم أعطى ورقةً لفلان وهو مستأجر لديه لهذه الأرض. إذاً لدينا مشاكل عقارية كبيرة وأي مشروع اليوم يحتاج إذناً من روما للبناء ولكن النيّة موجودة، وإذا كتب الله لي العُمر سأحقّق هذا المشروع، ولكن نيّتي قبل كل شيء هي أن أشعر مع الآخر، اليوم هناك الكثير من الشباب والشابات المجتهدين والحائزين على معدلات مرتفعة ولا يستطيعون الدخول إلى الفرع الذي يرغبون به في الجامعة لأن الأقساط مرتفعة ولأن هناك محسوبيّات.

غسان الشامي: هل تساعدونهم؟

الأرشمندريت الياس خضري: إذا طلب أحدهم مساعدتنا فسوف نساعده.

غسان الشامي: سأذهب إلى موضوع أحبّه وأعلم أنك تحبّه أيضاً وهو شخص أعتقد أن لا أحد لديه شعور وطني في هذه البلاد إلا ويحبّه هو المطران الراحل إيلاريون كبّوجي، هو كان في هذا الدير ومنه انطلق إلى فلسطين، وأنت قضيتَ مع الراحل العزيز كبّوجي أربع سنوات في روما، أولاً أعتقد أن هذا الرجل غُمط الكثير من حقّه، أتمنى أولاً أن تحدّثنا عن إبن هذه الرهبانية المطرانية إيلاريون كبّوجي. 

الأرشمندريت الياس خضري: المطران كبّوجي أتى من بيئة شعبية أو كما نقول بيئة "قبضايات" أو حيّ قبضايات في حلب، له عنجهيّة.

غسان الشامي: واضح مما فعله أنه قبضاي.

الأرشمندريت الياس خضري: هو من منطقة الشابورة القريبة من الحميديّة، منطقة قبضايات لهم عنجهيّتهم ونزعتهم الحلبية القوية. المطران كبّوجي رجل حقّ ولكن لم يفهمه أحد، خلطوا مع المطران كبّوجي الناحية السياسية بالناحية الإنسانية، لقد دافع عن المظلومين سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين، هو لم يدافع عنهم سياسياً، لم يتحزّب، سار مع الفلسطيني المسحوق، نقطة على السطر. 

غسان الشامي: هل يمكنك أن تحدّثنا عنه في روما؟ هل كانت لك علاقة به قبل روما؟

الأرشمندريت الياس خضري: كلا، كنت أعرف أنه إبن الرهبنة وأنه الرئيس العام ولكنني تعرّفت عليه في روما حيث كان لدينا منزل في روما، وحين كان يزورنا في منزلنا كأنه جاء إلى حلب، كان يقول كلمة مهمة جداً وهي "الغربة كربة"، حتى إنه في إحدى المرات كان ممنوعاً من الذهاب إلى سوريا كما تعلم، وذات مرّة خالف القانون وقابل السيّد الرئيس الراحل حافظ الأسد، قال له أهلاً وسهلاً بك سيّدنا فأجابه بطاريّتي نفدت وأريد أن أشحنها قوّةً وثقةً من بلدي، هذا الإنسان مرتبط بأصالته.

غسان الشامي: تعرف حضرة الأب خضري كتبتُ شيئاً فيه استياءٌ شديد عندما حضرنا مراسم دفن المطران كبّوجي، على الأقل من هزالة الحضور واعتبرتُ أنه لم يُكرّم كما يجب، أنتم ما رأيكم وكيف يجب إعادة تكريم المطران كبّوجي؟

الأرشمندريت الياس خضري: بكل أسف صار هناك انتقاص من حقّه ومن تكريمه أولاً من قَبَل السلطة الروحية، من قِبَل الكنيسة، الكثير من الناس كانوا يخافون منه أو يغارون منه أو لا يريدون مَن هو أفضل منهم، وحضرتك أعلم مني بهذه الأمور، الرسالة وصلت. 

غسان الشامي: كما تريد، تفضّل.

الأرشمندريت الياس خضري: حين أحضروا جثمانه رحمه الله إلى مطار بيروت كنتُ حينها رئيس دير سيّدة رأس بعلبك لم أحضر.

غسان الشامي: أنا ذهبتُ إلى المطار ورأيت.

الأرشمندريت الياس خضري: أنا لم أذهب إلى المطار، نزل الرئيس العام والجميع ولكنني لم أنزل لأنني رأيت مع احترامي للجميع أن الاستقبال لم يكن يليق به، كان يجب أن يتمّ التحضير له أكثر وأن تكون الفعاليات أكثر ورسمية أكثر، وأن تكون الكلمات محضّرة له.

غسان الشامي: على الأقل يُسجّى لتزوره الناس.

الأرشمندريت الياس خضري: نعم؟

غسان الشامي: أن يُسجّى في الكنيسة لثلاثة أيام كي يأتي مَن يحبّه ليزوره.

الأرشمندريت الياس خضري: صحيح، إذاً صار هناك انتقاصٌ من الكنيسة ومن طائفة الروم الكاثوليك لأنه إبن الطائفة وهو المعني وكان يجب على الكنيسة أن تحضّر مع المسؤولين الرسميين لهكذا مناسبة. كان رحمه الله يريد أن يُدفَن إلى جانب والدته هنا، والدته دُفنت هنا مؤقتاً، والدته كانت تحبّ حلب، جرى دفنها هنا كي يزورها بنيّة أن يعاد دفنها في حلب، ولن تستريح روح المطران إلا حين يعاد دفن جثمانه في حلب هو ووالدته، فليسمع الجميع ذلك وإن شاء الله يتحقق هذا الأمر يوماً ما.

غسان الشامي: نأمل ذلك ونحن كنا ندفع في هذا الاتجاه ولكن سامح الله.. على كل الأحوال هناك مسلسل إسمه "حارس القدس" عن المطران كبّوجي، أنا في الواقع لم أره، مَن كتبه صديقي حسن.م. يوسف، ولكن هل أتى أحدٌ إلى الدير هنا من المكان الذي عاش فيه؟ مثلاً أنت عشتَ أربع سنواتٍ معه هل سألك أحدهم أو أتى وصوّر هنا؟

الأرشمندريت الياس خضري: ربما جرى تصويره قبل أن أصبح رئيساً عاماً ولم أعلم به.

غسان الشامي: كلا في الفترة نفسها.

الأرشمندريت الياس خضري: لا عِلم لديّ ولكن أرسلوا البارحة لي فيديو من ثماني دقائق ويجسّد الدور رشيد عساف وشاهدت جزءاً صغيراً منه ولكن لم يسألني أحد، نحن الذين عشنا معه في روما لم يسألنا أحد بكل أسف.

غسان الشامي: أنا سألت أيضاً السيّدة منتهى التي خدمته أيضاً وقالت إن أحداً لم يزر بيته في روما، بيته سوف يُسلَّم، مكان جلساته هو وأصدقاؤه، نحن نتمنّى أن يعطي الفيلم المطران كبّوجي حقّه لأنه يستحق ذلك ولكن من هذا الدير خرج هو وذهب إلى فلسطين. على كل الأحوال أنت ماذا تقول في آخر الأمر لمَن يحبّ المطران كبّوجي؟ هل بالإمكان بعد الآن أن تُنجب هذه الرهبانية الباسيلية الحلبية كبّوجيين جدداً؟

الأرشمندريت الياس خضري: ربما،المطران كبّوجي ظاهرة رهبانية إن كانت روحانية أو إنسانية، كان يدافع عن الحق. ربما لكن الظروف التي ساعدت المطران كبّوجي قد لا تكون مُهيّأة لشخص معين ولكن لدينا النفسيّة، لدينا الروحانية ولدينا القدوة الذي هو المطران كبّوجي.

غسان الشامي: لك من الشاكرين. أعزائي بالعمل يحيا الإنسان وبالصدق يسمو، وغاية الإيمان حياةٌ صادقةٌ وصالحةٌ للإنسان. أودّ توجيه التحيّة والسلام إلى روح المطران كبّوجي، آملاً أن يولد كل يوم كبّوجي جديد في هذه الرهبانيات جميعاً، وأتمنى للأرشمندريت الياس خضري رئاسة مفعمة بالعمل شاكراً استضافته أجراس المشرق، وأشكر زملائي في البرنامج وقناة الميادين على جهدهم، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

 

لغات المشرق القديم

اللغات في المشرق القديم من السومرية حتى السريانية وصولاً إلى العربية.. التشابه في المفردات والقواعد والنحو والصرف.. بنيانها ومدلولاتها ومكانتها في التاريخ ولماذا يتناولها البعض بشكل تعصبي؟

المزيد