حقوق الإنسان في زمن كورونا

حقوق الإنسان في زمن الكورونا... كيف تراجعت؟ وهل ستتغير؟ وما القيم التي ستحمي الجماعات الأكثر ضعفاً؟ نقاش حول كتاب دكتور وائل خير "مَن يدحرج الحجر عن القبر، مصير مسيحيي المشرق".

المحور الأول: 

غسان الشامي: مساؤكم خير، جاء فايروس كورونا تحدياً واختباراً ليس للصحة العامة فحسب بل لصحة الحكومات والمجتمعات والأفراد أيضاً، وأظهر وجوب التضامن الإنساني للخروج من زمن الوباء هذا، كما ثبّت بديهيةً لطالما تجاهلتها حكومات كثيرة وأعني احترام حقوق الإنسان الصحية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن دون هذه الحقوق لا خلاص للبشرية. هذا هو المحور الأول من حوارنا مع الدكتور وائل خير، أما الثاني فهو لكتابه الذي أخّرت توقيعه كورونا وهو "مَن يُدحرج الحجر عن القبر، مصير مسيحيي الشرق"، وهو كتابٌ سيُحدث ردوداً إشكالية بعد طرحه في الأسواق لأنه يقدّم رؤية خاصة تظهر في المقد~مة والخاتمة لكنه يُعنى بلبنان وبالأورثوذكس ويجيء بعد الحضور الروسي السياسي والعسكري في المشرق. قبل مناقشة هذين المحورين مع الدكتور خير تقريرٌ عن حقوق الإنسان في زمن كورونا.

تقرير:  

ما يزال فايروس كورونا يشكّل اختباراً للمجتمعات والحكومات والأفراد في مجال حقوق الإنسان، فحتّى منتصف أبريل نيسان الماضي أبلغت 40 دولة الأمم المتحدة بتعليق الوفاء ببعض الالتزامات بحقوق الإنسان بموجب صلاحيات الطوارئ التي اتخذتها لمكافحة الوباء، فيما رأت المنظمة أن احترام هذه الحقوق كاملة هو أساس لنجاح خطط التصدّي للفايروس.

وتحدّثت التقارير عن ازدياد العنف الأُسَري والجنساني خلال فترات الحجر الصحي في العديد من المجتمعات، وكانت النساء والفتيات ضحيّته.

وتعرّض ملايين المشرّدين في الهند لمحنة الجوع في ظل حظر التنقّل، فيما تظاهر السجناء في الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا وإيران وإيطاليا والبيرو وتايلاند وفنزويلا بسبب الازدحام وقلّة النظافة ما يعرّضهم لخطر الإصابة بالفايروس.

وما يزال خطر انتشار العدوى عالياً في الدول التي تحتضن مخيمات اللاجئين والمُهاجرين والنازحين مثل بنغلادش ولبنان وميانمار ونيجيريا والسودان وجنوبه بسبب الازدحام وقلّة النظافة الصحية والخدمات.

واستُخدمت في الصين وإيران وروسيا إجراءت مراقبة رقمية لتقييم انتشار الفايروس وتحديد فعالية التباعُد الاجتماعي تهدّد الخصوصية وحرية التعبير، كما أصدرت أرمينيا وإسرائيل قوانين في الاتصالات تهدّد الخصوصية، فيما بدأت فرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا وبولندا وسنغافورة وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية باستخدام بيانات الهاتف الخلوي والتعرّف إلى الوجوه، حيث حذّرت الأمم المتحدة من استغلال الأزمة في انتهاك حقوق الإنسان أو تطبيق نظمٍ للمراقبة الجماعية.  

غسان الشامي: تحيّةً لكم، مساء الخير دكتور خير.

وائل خير: أسعد الله مساءك.

غسان الشامي: سيّدي كيف تبدو حقوق الإنسان في زمن الأوبئة؟ أين ترى هذه الحقوق في الزمن الذي نعيشه، زمن الكورونا؟

وائل خير: أريد بدايةً أن أشكرك أستاذ غسان على استضافتي.

غسان الشامي: أهلاً وسهلاً.

وائل خير: أنا من الأشخاص الذين يقدّرون جرأتك وشجاعتك وطرحك لمواضيع يتحاشاها عادةً الكثير من الناس.

غسان الشامي: نحن نحاول في هذه القناة أن نقدّم شيئاً جديداً ومفيداً مع احترامٍ كامل لعقل المشاهد، أهلاً بك ضيفاً عزيزاً.

وائل خير: هذا سبب شكري لك على الاستضافة. في ما يخصّ الكورونا وحقوق الإنسان، كمدخل عام إلى حقوق الإنسان من أهم الوثائق التي صدرت في تاريخ البشرية برأيي وهنا لا أستعمل تعابير غنائية هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الغريب أنه يخطر على بالي دائماً أن أراجع جرائد 11/12/1948، أين وكيف ورد هذا الإعلان في الجرائد ولكن لم تسنح لي الفرصة ولكن أعتقد أن الإعلان ذُكر في الصفحات الداخلية، ربما لو تدهورت سيارة لأُعطيت أهمية إعلامية أكبر في الوقت الذي ما من شيء غيّر المجتمع الحديث بقدر هذه الوثيقة. أنا أعطيت هذه المادة في عدد من الجامعات في لبنان وخارجه، درستُ كل تفاصيلها، هناك قضايا مذهلة، أولاً لم يكن الموضوعاً هاماً بالنسبة للمجتمع الدولي وليس للصحافة فقط، ولن تجد شخصيات هامة في لجنة صوغ هذا الإعلان وهذا كان لحُسن حظ لبنان لأنه لو كان هناك تنافس وتدافُع على مقاعد هذه اللجنة خاصة وأن لبنان دولة صغيرة ولو تكن لديه فُرّص التمثيل.  

غسان الشامي: تقصد بحضور شارل مالك.  

وائل خير: نعم، تمثيل لبنان كان مهماً جداً ليس من ناحية غنائية، صادف أن مندوب لبنان كان شخصاً مُطّلعاً على قضايا فلسفية وكان لديه امتياز من هذه الناحية على البقيّة، في اللجنة المُكوّنة من 18 شخصاً كان عضو الصين بينغ أستاذ فلسفة أيضاً وكان هناك منافسة دائمة في ما بينهما واختلاف كبير بالرأي، ولكن لحُسن الحظ أن المجموعة كانت تستجيب لطروحات مالك بشكل أكبر من طروحات بينغ لأن هذا الأخير يستعمل الفلسفة الصينية التي هي الفلسفة الجماعية بينما شارل مالك كان يركّز على أهمية الفرد الإنساني، لحُسن الحظ أن نظرية مالك تفوّقت على النظرية الجماعية.

غسان الشامي: في زمن الكورونا أين تجد هذه الحقوق؟  

وائل خير: هناك الحقوق الاجتماعية التي تأتي بعد الحقوق القانونية والسياسية بما فيها الحقوق الصحية، ولكن الأهم من ذلك هو أخذها من منظار فلسفة حقوق الإنسان، سأعطيك مثالاً عن شخص يكون حَسَن النيّة ولكنه يُسيء إلى حقوق الإنسان، وصلتني البارحة مقالة على وسائل التواصل الاجتماعي كتبها شخص فلسطيني لا أعرفه يتحدّث فيها عن المسيحيين في الشرق ودورهم وعن الفلسطينيين وعن جورج حبش وكأنك تقرأ دليل الهاتف بسبب كثرة الأسماء الواردة فيها ليبرهن كيف دافع المسيحيون عن القضايا العربية، أين الخطأ في ذلك؟ هذا الأمر هو ضد حقوق الإنسان لأن هناك تمييزاً بين الجوهر والصدفة، إذا وُلِد الشخص أسود أو أبيض فهذه صدفة، الجوهر هو الإنسانية، إذا كان الشخص متعلّماً أو غير متعلّم، إذا دافع عن القضايا العربية أو لم يدافع فهذه صدفة والجوهر هو الإنسانية، فحين أناشد المسلمين والعرب بإعطائي حقّي لأنني دافعت عنهم فهذا يعني أن مصدر حقّي هو موقفي وهو الصدفة وليس الأساس، الإنسان لديه الحق بالوجود لأنه موجود وليس لأنه قام بعملٍ مُعيّن. برأيي أن أجمل ما ورد في الإعلان العالمي هو العشرون كلمة الأولى في الفقرة الأولى من الديباجة التي كانت تستغرق منّي حصّة كاملة لشرحها،  إذا حذفتَ أحرف الجرّ منها تبقى 15 كلمة وكل كلمة منها لها معنىً فلسفي مهم. 

غسان الشامي: وهي؟  

وائل خير: تقول "لمّا كان الاعتراف بالحقوق الأصيلة"، أولاً الاعتراف يعني أنك تعترف بأمر موجود، لم تخلقه أنت، هو موجود وأنت تعترف به مثل الاعتراف بدولة، أنت لم تخلق أوغندا وإنما اعترفتَ بها حينما جاءت، فإذاً حقوق الإنسان ليست نتيجة لدور الدولة بل هي أصيلة، الاعتراف بالحقوق الأصيلة، يقول " لمّا كان الاعتراف بالحقوق الأصيلة"، إذاً الإنسان له بالأصل حقوق تعترف بها الدولة، هي لم تعطك حقك وإنما اعترفت به، "وبالحقوق المتساوية الثابتة"، إذاً حقوق أصيلة متساوية وثابتة لا تتبدّل، لا يمكن نزعها، هي أساس وليست شرطاً، هي أساس جزء من البناء، الحرية والعدل والسلام في العالم، تصوّر أن 15 كلمة فيها غزارة بالمعاني، هذه هي حقوق الإنسان.

غسان الشامي: ولكن هذه الكلمات الخمس عشرة أين ظهرت في زمن الجائحة هذه؟ هناك انتهاك للكرامة الإنسانية. 

وائل خير: يمكنني أن أطبّقها على الجائحة في ما جرى تسميته في بعض الدول بمناعة القطيع، هذا خروج على حقوق الإنسان لأن هذه النظرية تقول أن كبار السن الذين ما زال أمامهم بضع سنوات على قيد الحياة أصبحوا مُستهلكين غير مُنتجين وهم عبء مالي على المجتمع ولا بأس من موتهم قبل موعدهم بقليل، في هذه الحال هم يستعملون الصدفة وليس الجوهر، الجوهر هو إذا كانت صحتك جيّدة أو لا، كبير أو صغير في السن، هنا يجري انتهاك الجوهر بسبب الصدفة، وهذا يذكّر بما جرى في أيلول من العام 1939 حينما أصدر هتلر قانوناً يقول فيه "هؤلاء الذين يستهلكون ولا يُنتجون علينا أن نتخلّص منهم" أي ذوي الاحتياجات الخاصة، حتى في ألمانيا النازية لم تلاقِ هذه النظرية تشجيعاً أو تطبيقاً كما تمنّى هتلر، هذه النظرية اليوم ذكّرتني بمرسوم هتلر، فإذاً بهذا المعنى هناك انتهاك كبير لحقوق الإنسان عند تطبيق نظرية مناعة القطيع. 

غسان الشامي: ولكن دكتور في إحصاءات الأمم المتحدة هناك أكثر من 40 دولة علّقت الالتزام ببعض بنود حقوق الإنسان بسبب إعلان حال الطوارئ وأبلغت الأمم المتحدة بأنها علّقت حقوق الإنسان، ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن حقوق الإنسان هي شمّاعة بطريقة أو بأخرى يعلّقها الشخص أو يطبقّها تبعاً لمزاجه، كيف أدري أنه يطبّقها؟    

وائل خير: صديقي رحمه الله كان من القدامى في حركة حقوق الإنسان كان يمتلك روح الفكاهة، كان يقول لي إن الأمر الوحيد العالمي في حقوق الإنسان هو الانتهاك، إذا اجتمع العالم على أمر فهو على انتهاك حقوق الإنسان، وجميعنا نعلم ذلك ولكن السؤال المطروح هو أنه في القانون الجزائي ما من دولة في العالم إلا وتنتهك القانون الجزائي، ما من دولة خالية من السرقة والنصب والقتل، هل هذا يعني أنه من الأفضل إلغاء القانون أم أن يكون موجوداً رغم عدم تطبيقه. بهذا المعنى نقول أنه على الرغم من الانتهاكات إلا أنه طالما أننا ننتقد هذه الانتهاكات فهذا يدلّ على وعي لأهمية هذه الحقوق وتنديد بانتهاكها، هذا تقدُّم نحو الأمام. الموضوع الآخر برأيي أن فلسفة حقوق الإنسان هي فلسفة القدّيس أوغسطينوس التي يتحدّث فيها عن مدينة الله ومدينة الإنسان، وهذا الأمر مهم جداً برأيي، ولو كان ستالين أو هتلر أو لينين أو أوغسطينوس لكانوا وفّروا على العالم ملايين الضحايا. يقول أوغسطينوس إن تعريف مدينة الإنسان يتضمّن النقص، مدينة الله هي التي تتّصف بالكمال، لا يمكنك أن تنتظر الكمال في مدينة الإنسان وستكون دائماً ناقصة ولكن دورك كمسيحي على اعتبار أن أوغسطينوس يخاطب المسيحيين، هو يدفع بمدينة الإنسان نحو مدينة الله رغم يقينك بأنك لن تصل إليها لأن مدينة الله في تعريفها هي مُغايرة لمدينة الإنسان، الألف ليست باء، إذاً حقوق الإنسان هي دفع بعالم الشر باتجاه هذه القِيَم الإنسانية. 

غسان الشامي: دكتور مَن المسؤول عن تطبيق حقوق الإنسان؟ أليست الأمم المتحدة مثلاً بشكل عام؟ 

وائل خير: برأيي الشخصي إن الثورة الكبيرة حصلت في العام 1962 عن طريق الصدفة حينما قرأ محامٍ بريطاني اسمه بيتر بينيسن في الجريدة قراراً لمحكمة في لشبونة في عهد ديكتاتور البرتغال سالازار، قال إنه انصدم لأن المحكمة حكمت على شخصين بالسجن لمدة ثلاث سنوات لأنهما شربا كأس الحرية في أحد المطاعم، خسر هذان الشابان ثلاث سنوات من حياتهما لأنهما حيّا الحرية، ولم يستطع بينيسن منع نفسه من التفكير في هذا الأمر، فقرّر في النهاية أن يرسل رسالة إلى محرّر الجريدة حيث استنكر بينيسن هذا الأمر وطلب ممّن يشاطره هذا الموقف بأن يعبّر عن رأيه. في اليوم التالي وصلت أعداد هائلة من الرسائل المؤيّدة لموقفه، وهذا خلق لدى بينيسن فكرة تأسيس منظمة العفو الدولية التي هي عبارة عن أشخاص عاديين يقومون بأعمال غير عادية، ومن هنا بدأت حقوق الإنسان قبل إعلان الأمم المتحدة. إذاً ما يحافظ على حقوق الإنسان هو المجتمع المدني وليس الدولة بل إن الدول هي التي تنتهك هذه الحقوق والمجتمع المدني هو الذي يطرحها، عبقرية بينيسن أو التدخّل الإلهي هو الذي دفعه إلى هذه الخطوة. خلال تاريخي في مجال حقوق الإنسان لم أمتلك صفة رسمية، أنا مواطن عادي ولكن أنا والآخرون قمنا بما قمنا به.

غسان الشامي: معنى ذلك أنه لا يجب على المواطن أن يصدّق أن الأمم المتحدة تحترم شرعة حقوق الإنسان وأنها فاشلة وأن منظماتها فاشلة أيضاً وهذا كلام يحدث الآن. هناك مَن يطلق النار على منظمة الصحة العالمية ويقول إن رئيسها الأثيوبي فاسد، لماذا هي إذاً ترفع سيف حقوق الإنسان هنا وتخفضه في مكانٍ آخر؟   

وائل خير: جواب هذا السؤال أوغسطيني أستاذ غسان، مدينة الإنسان هذه لا يمكنها أن تكون مدينة الله ومهمّتنا نحن أن ندفعها بهذا الاتجاه. من مظاهر الشر في مدينة الإنسان أو ما نسمّيه بمدينة الشيطان هي هذه القضايا التي تثيرها أنت وغيرها لم تثرها، وهناك قضايا لا نعلمها نحن الإثنين ولكنها تكون سيّئة جداً أيضاً.

غسان الشامي: دكتور خير المشرّدون، الفقراء في العالم، ذكرتَ المُسنين، عانوا من الجوع وكورونا، عانوا من الموت، مَن يضمن حقوق هؤلاء في الحياة؟ ماذا يجب أن تفعل الدول لهم انطلاقاً من شرعة حقوق الإنسان؟   

وائل خير: برأيي أنه لو تُركت الدول على عاتقها فإنها لن تفعل شيئاً، يجب أن يكون هناك عنصر شحن أو دفع للدولة لتنفيذ التزاماتها، وهنا تكمُن أهمية دور حركات حقوق الإنسان وهي الأمل اليوم بنشاط المجتمعات المدنية بالضغط على الحكومات لتطبيق هذه السلسلة من الحقوق والواجبات التي أصبحت جزءاً من القانون الدولي.  

غسان الشامي: لأكمل معك، ارتفع منسوب العنف الأسَري والعنف الجنساني والتمييز والتنمّر ضد النساء والأطفال في كورونا، هناك تظاهرات يقوم بها السجناء، لا يحصلون على حقوقهم، أين يكمن الخطأ في تطبيق حقوق الإنسان؟ كيف يمكن للمجتمع المدني أن يُقارع الدول للوصول إلى حقوق الإنسان دكتور خير؟ 

وائل خير: نحن اليوم بوضع أفضل من أي وقت مضى في تاريخ البشرية كي ندافع عن حقوق الإنسان لأنه سابقاً كانت اجتهادات شخصية، قبل 1948 كان الإنسان مهماً، له حقوق وعلينا أن نؤدّي هذه الحقوق له، تستطيع أن تقول أن لك رأي مختلف تماماً عن رأيي، الإنسان غير مهم أبداً والمهم هو شيء آخر، اليوم لدينا اتفاقية دولية ملزمة، بهذا المعنى لا يمكننا إنكار وجود تقدُّم عمّا كان عليه الوضع في 9/12/1948 لأنه تم إقراره في 10/12، في اليوم السابق كان الوضع مختلفاً، الآن هل تُطبَّق جميعها؟ بالتأكيد لا، هل هذا يعني عدم وجوب العمل من أجلها؟ كل حياتي هي إجابة على هذا السؤال، هل هذا يعني أنه قد يأتي يومٌ لا نطالب فيه بحقوق الإنسان لأن كل إنسان سيحصل على حقه ونصبح في مدينة الله وفقاً للتعابير الأوغسطينية؟ هذا الأمر لن يحصل على الإطلاق. المهم هو ألا ننظر إلى النصف الفارغ من الكأس بل كم كانت فارغة لو لم تكن هناك حقوق إنسان.  

غسان الشامي: أنا لا أتّفق كثيراً مع النصف الملآن والنصف الفارغ من الكأس، أنا مع القِيَم إما أن تُنفَّذ أو لا تُنفَّذ، لا يمكنك أن تنفّذ ربع القِيَم أو نصفها، لنأخذ مثالاً عمّا يحصل الآن للمهاجرين، هم تحت سيف الغرق وتحت سيف العزل وتحت سيف التنمّر ولكن سؤالي لك في هذا المحور، كل هذا حصل في ظل هذا الوباء ألم تفكّر أن منظومة قِيَم حقوق الإنسان باتت وراء الإنسان الآن بعد ما يحصل في هذا الكون؟

وائل خير: لم يخطر في بالي ما قلته ولا أرى ذلك.  

غسان الشامي: ألم يطح فايروس كورونا بحقوق الإنسان أمام كل ما يحصل؟ 

وائل خير: كون حضرتك بهذا المستوى، بالمنصّة التي تمثّلها، بهذه القيمة الفكرية التي تبثّها بطريقة مستمرة عبر القارات، كيف تتوارى؟ أنا أقول أنها تزيد، قبل سنوات لم تكن تُطرح هذه القضايا. حين قاموا بإبلاغ السلطان عبد الحميد "السلطان الأحمر" بخلعه إبّان الثورة قال "قسمتي ونصيبي"، أما اليوم لا أحد يقول قسمتي، إذاً هناك تقدُّم. أستاذ غسان كيف نقيس التقدّم؟ أنا أرضى بهذه الأمور الصغيرة، في مجال حقوق الإنسان إذا تحرّكنا من أجل منع سجن أحدهم ليوم إضافي وإطلاق سراحه فهذا يعني أن تحرّكنا مجدٍ، حين ننقذ أحدهم من المزيد من الضرب فهذا يعني أننا لم نُضِع الوقت.    

غسان الشامي: الأمور نسبية.  

وائل خير: بالطبع، لأن لينين ليس أوغسطينياً فإنه يريد أن يخلق المجتمع المثالي، أنا أوغسطيني، لا يوجد مجتمع مثالي، هناك مجتمع سيىء نريد أن نجعله أقل سوءاً.

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل ونعود إلى متابعة الحوار، أعزائي انتظرونا بعد الفاصل في حوار مع الدكتور وائل خير.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور وائل خير أنت أحد المُهتمّين الرئيسيين بمسألة حقوق الإنسان في لبنان، في كتابك الجديد هذا "مَن يدحرج الحجر عن القبر، مصير مسيحيي الشرق" الآتي ممّن يدحرج الحجر عن القبر للسيّد المسيح يوم القيامة، تقول في المقدّمة "إن لبنان سيشهد تبدّلات عميقة في بنيته الداخلية"، أيّة تبدّلات ولماذا؟ 

وائل خير: تتوقّف على كيفية قراءة الدينامية اللبنانية، هناك نوعان من العلوم: العلوم التقريبية والعلوم الحاسمة، مثلاً الرياضيات هي علوم حاسمة، لا مجال للخلاف حول جدول الضرب أو الطرح أو قانون الجاذبية. في العلوم الإنسانية الموضوع مختلف وتصبح المسألة تقريبية، لماذا هناك ثابتة وهنا تقريبية؟ لأن لها سبب، الإنسان لديه الحرية ويطبّق حريّته في كل نواحي حياته، بما أنك تطبّق حريتك فأنت تعطّل القوانين، بينما في الطبيعة لا توجد حرية، لا حرية للشمس حين تشرق، لا تملك حرية الاستيقاظ مؤخّراً أو قانون الجاذبية أو غيرها. بما أن القوانين الإنسانية قائمة على الإنسان وعلى حرّيّته يمكن أن تتعدّل وتتعطّل. بما أن دينامية لبنان تتعلّق بالعنصر الإنساني وبالتالي الحرية فإنها تخلق مجالات مختلفة للنقاشات، البعض يعتقد أن ديناميكية لبنان هي صراع طبقي، إحداهنّ أعتقد أنها أخت السمّان الذي قُتل في طرابلس، كانت تقول إن الصراع في لبنان بين 1% ضد 99%، هذه رؤية طبقية، وهناك أشخاص لديهم رؤى سياسية، الإمبريالية، إسرائيل إلى آخره، وهناك نظرية أخرى أنتمي إليها تقول إن الديناميكية في لبنان تعود إلى الهوية العميقة في لبنان وفي كل العالم، الهوية العميقة التي هي الهوية الدينية. هذا التنافس الذي ينتهي بصراع، بحشد وبقتال أحياناً تحسمه القوة الداخلية والقوة التحالفية الخارجية. أنا أتصوّر أن أوضاع المسيحيين مهدّدة جداً لأنهم يتعرّضون داخلياً لضغط كبير، لم يعد لديهم دعم خارجي خلافاً لمنافسيهم، وهناك عنصر ثانٍ هو ما يسمّى قوّة الدَفْع وقوّة الجَذْب، هناك قوّة دَفْع قوية على المسيحي في الداخل وقوّة جَذْب قوية من الخارج للهجرة، حينما تلتقي هاتان القوّتان الدَفْع والجَذْب تصبح الصعوبة أكبر في البقاء هنا. الإحصاءات التي أعرفها وأنت بالتأكيد مرجعٌ فيها مُريعة، بالفعل هناك نضوب في الوجود المسيحي. 

غسان الشامي: يمكن أن نناقش في ما بعد نظرية العقلية العميقة، أنت تجزم بتراجع مكانة المسيحيين وبخاصة الأورثوذكس وأنهم سيكونون الخاسِر الأكبر. 

وائل خير: عندما تتوارى المجموعة عن القطاع العام، عملية جدية، يقول أحدهم مثلاً إذا لم يعد مدير عام وزارة الخارجية أورثوذكسياً أو محافظ بيروت، ما الفرق إذا كان الشخص يخدم الجميع، وإذا كان فاسداً يفيد عائلته، هذه كل الخيارات المُتاحة أمامنا، في الواقع الأمر ليس كذلك، إذا لم تكن في القطاع العام فهذا له انعكاس على القطاع الخاص، لا يمكنك أن تعيش من دون أن يكون لديك هذا النوع من الحماية في القطاع العام، إذا أردتَ أن تحصل على رخصة لا يمكنك، إذا قرّرتَ أن تفتح مشروعاً يمكن لمنافسك أن يتهرّب من الجمرك وأنت مجبور على دفعه.

غسان الشامي: هذا نفس الكلام الذي يقوله تجمّع الأورثوذكس عند المطران عودة.  

وائل خير: هذا خطأ أم لا؟ 

غسان الشامي: أين هذا من الدولة الوطنية الشاملة؟ 

وائل خير: الدولة الوطنية الشاملة هي شعار.

غسان الشامي: نحن نعيش في عصر الدولة الوطنية، لم يعد الأمر يقتصر على طائفة أو مذهب إذا أردتَ أن تقيم دولة.

وائل خير: الأمر ليس كذلك، بإمكانك أن تقيم دولة، عليك أن تخاطب الواقع، مثلاً الخلافات في بعض الدول تكون عرقية أو لغوية يأخذونها بعين الاعتبار عن تنظيم الحياة واستقرارها، مثلاً في سوريا حدثت واقعة والقليلون يعرفونها ولكنها مهمّة جداً وهي أنه سنة 1954 تم إصدار قانون انتخاب أزيلت بموجبه الحصص الطائفية، يومئذٍ قُضي على كل وجود غير سنّي إلى أن جاءت الطوائف الأخرى عبر الانقلابات العسكرية لأنك لم تعد تجد ميخائيل إليان، فارس الخوري. 

غسان الشامي: ولكن هناك داوود راجحة ووزراء متواصلين ومحافظين مسيحيين.

وائل خير: بالتأكيد يوجد.

غسان الشامي: عندما يقود وزير دفاع مسيحي، هناك لا يقولون مسيحياً من دون أن تعرفه.

وائل خير: أستاذ غسان القرار بيد مَن وليس المنصب، مثلاً فارس الخوري كان رجلاً ذا وزنٍ سياسي.  

غسان الشامي: ولكن القرار ليس بيده وحده. 

وائل خير: بالتأكيد ولكن هذه التوازنات الصغيرة علينا ألا نستخفّ بها لأن أهميتها أبعد من ذلك بكثير لأنها تجليك من القطاع العام ومن القطاع الخاص ولا يبقى أمامك سوى السفر. 

غسان الشامي: لذلك تجزم بأن الهجرة ستكون السبيل الوحيد؟ أليست هذه قراءة قاتمة؟ 

وائل خير: ليس لأنني أحب أن تكون قاتمة ولكنني لا أرى خياراً آخر، المسألة صعبة. في إحدى الدول العربية مثلاً المركز الأهم الذي ترأّسه مسيحي كان مستشار رئيس الجمهورية، كانوا حين يقابلون وفوداً من الكنائس العالمية يلتقون بهذا الشخص، في إحدى المرات طلب المستشار من شخص أعرفه وظيفة في جنيف حتى لو كانت ترجمة، إذاً عليك أن تنظر إلى الظاهر والواقع، الواقع أنه يبحث عن مكانٍ أفضل بينما الظاهر يوحي بأنه من أهم الأشخاص في ذلك البلد، هذه هي المآسي التي تحصل.

غسان الشامي: يعود كتاب "مَن يدحرج الحجر عن القبر، مصير مسيحيي الشرق" يقدّم لنا مُرافعةً عن الحضور الأورثوذكسي، كيف يمكن الانتقال من حقوق الإنسان بشكل عام إلى حقوق أفرادٍ في مذهب أو طائفة معيّنة في هذا العالم المُعولَم دكتور خير؟ 

وائل خير: أنا أنظر إليها كأية صفات خاصة بأي إنسان، مثلاً لو كان هناك شخص من عرق مختلف ولم يحصل على حقوقه بسبب عرقه برأيك هل يجب أن ندافع عنه ليستحصل على حقّه أم لا؟ 

غسان الشامي: نحن ندافع عنه بحسب كفاءته كائناً مَن يكون.

وائل خير: نعم ولكن هناك تمييز، إذا كان هناك تمييز عرقي يهبّ العالم من أجل ذلك، التمييز اليوم في ما يتعلّق بالأجناس يلاقي حماساً كبيراً أما الدافع تجاه جماعات دينية فيلاقي تردّداً وتلكّؤاً من دون أن أفهم السبب، أفهم أن المجتمع العلماني في العالم لديه نوع من ردّة الفعل على كل ما هو ديني، هناك استباحة للحقوق الدينية خاصة إذا كانت من أديان معيّنة بينما يكون حريصاً على الدفاع عن قضايا أخرى، أنا أجد التمييز هنا، بالنتيجة لا يمكنك أن تميّز بين الناس، الكرامة الأصيلة في جميع أعضاء الجنس البشري من دون تمييز. 

غسان الشامي: نعامله كبشري بسويّة معينّة، بكفاءة معيّنة إلى موقع معيّن.

وائل خير: تماماً، لا يمكنك أن تميّز بينها، ما حصل أنه كان هناك تمييز قبل أن تترسّخ هذه القِيَم في الدول، إذا أردنا أن نكون منصفين فهذه القِيَم ليست موجودة من فجر التاريخ وليست موجودة في كل الحضارات التي تطرحها حضرتك والتي أتحدّث عنها، هذه جاءت من حضارة واحدة إسمها الحضارة الغربية وفي الثلاثمئة سنة الأخيرة، ولا تجدها خارج الحضارة الغربية وخارج هذه الثلاثمئة سنة الأخيرة،  حضرتك ضليع في الأدب العربي، كلمة حرية تختلف عن كلمة العبودية، حينما قال والد عنترة لإبنه له "كر وأنت حر" لم يقصد بأنه حر التفكير وإنما أنه ليس عبداً، أما الحرية بمعنى حرية الفكر فقد جاءت من الحضارة الغربية، هذه هي أساس معاييرنا، الإنتلجنسيا عندنا تتأثّر بالقِيَم الغربية من دون أن تكيّفها مع واقعنا، بما أن الغرب عِلماني تفترض أن كل الناس علمانيين مع العِلم أن طريقة الحياة تختلف، لنأخذ مثلاً الأحزاب العلمانية، نماذج الزواج المُختلط وغير المُختلط تجدها ضئيلة جداً، أماكن السكن، هل يعيشون ضمن تجمّعاتهم أو أينما كان، بالنتيجة أستاذ غسان هل أصدّق ما يقوله الشخص أم كيف يعيش.

غسان الشامي: في مُرافعتك وأنا أحترم هذه المُرافعة بالمناسبة، هي قراءة لشخص يحاول أن يقرأ الواقع، هذا نوع من اليأس من تراجع مكانة المسيحيين، قبل أن أعود إلى القدّيسين تناقُض مع الإيمان المسيحي الصريح بأن المسيح معكم إلى أبد الدهر، المسيح يقول "لا تخافوا إنني معكم"، لماذا يخاف المسيحيون إذا كان المسيح معهم؟ هل هذا خلل إيماني سيّدي؟ كيف يتبدّى عدم الخوف في أن تخوض غِمار السياقات الاجتماعية التي تُحصّل حقوق الناس كناس أولاً قبل أن تكون كطوائف ومذاهب؟   

وائل خير: أنا أقدّر النقطة التي طرحتها ولكن الإجابة عليها بالنسبة لي هي التالي، على المدى البعيد سينتصر المسيح ولكن حتى ذلك الحين لا بدّ من المرور بفترة المُعاناة، وما دمنا نتكلّم في قضايا لاهوتية كل تعابير معنى العالم التي وردت في الكتاب المُقدّس تعني أمرين، إما الكون ولكن المعنى الأكثر استعمالاً هو العالم البشري ويكون الشيطان سيّد العالم "سيضطهدكم العالم لأجل اسمي" إلى آخره، فدور المسيحي في هذا العالم هو أن يحضّر نفسه لاضطهادات ولكن يجب أن يكون متيقّناً بالانتصار النهائي.

غسان الشامي: بأن الحجر سيُدحرَج عن القبر. 

وائل خير: نعم ولكن هذا لا يعني أن يرضخ للاضطهاد، للظلم، ألا يدافع عن المظلوم لأن الفَرْق في النتيجة وإلا فإن المسيحي لا يجب أن يدافع عن المظلوم لأن المسيح قال لنا "أنا سأنتصر"، من واجبك كمسيحي أن تدافع عن المظلوم، لذلك في الكنيسة الغربية هناك الإنجيل الاجتماعي الذي يطرح قضايا الفقراء والمحتاجين وأنت كمسيحي عليك هذا الدور وأن تدافع عن المُضطهَد. حقوق الإنسان هي بالنتيجة وحتى حين يعود الشخص إلى محاضر الجلسات كانوا يبحثون بدايةً لماذا الإنسان مهم، إذا افترضنا أننا سنعطي الحقوق للإنسان فهناك سؤال أساسي هل هذا الإنسان مهم أم لا، إذا لم يكن مهماً لماذا نعطيه حقوقه، وإذا كان مهماً لماذا، هنا بدأت النقاشات، مندوب البرازيل حينها اقترح أمراً تم إسقاطه فوراً ورفضوا بحثه مطلقاً، قال إنه يجب أن نذكر بأن الإنسان هو على صورة الله ولكن العلمانيين والشيوعيين رفضوا، من الغريب أن هذا الاقتراح سقط، ولكن الناحية المهمة هي أن أهمية الإنسان مستمدّة من الله فحين تدافع عن الإنسان فأنت تدافع عن الله، وحتى إن كنتَ ستفوز في نهاية الأزمنة في سفر الرؤيا فهذا لا يعني أن تستسلم لكل شيء وإلا ستكون خائناً لرسالتك المسيحية، الرسالة الاجتماعية.   

غسان الشامي: تقدّم توصيفاً للكنيسة وأطوارها، للكرسي الأنطاكي، فصل الكرسي الأنطاكي في الذروة وفي الحضيض، تقدّم توصيفاً للكنيسة الروسية وأطوارها، للكنائس الأخرى وكيف تعرّبت الكنيسة الأنطاكية، هو سياق تاريخي في الحقيقة وقراءة مُمتعة لهذا السياق، ألم تلتفت دكتور خير إلى أن الأورثوذكس وفي حضورهم في هذا العالم لم يقيموا مجمعاً رسولياً منذ أكثر من ألف عام، المجمع الرسولي دائماً يقارب الإشكالات والعوائق التي تحصل أمام الكنيسة وأمام المجموع الإيماني، ألم تقرأ سبب هذا التفتّت الأورثوذكسي؟   

وائل خير: ولكن أنت تسألني عن رأيي الشخصي، هذه من مصادر قوّة الكنيسة الأورثوذكسية، لاهوتياً في الكتاب المقدّس هناك بعض القضايا التي تحتاج إلى التوضيح، مَن يوضّحها؟ في الكنيسة الأورثوذكسية والكنائس التقليدية المرجع هو كتاب الآباء ومن ثم المجامع، برأينا أن المجامع مساقة من الروح القدس والجميل أنه بعد آباء المجامع الذين لعبوا دوراً مهماً جداً في الدفاع عن حقيقة الإيمان، حينما تقراً عن حياة رجال الكنيسة لا تجد هذا الإعجاب بهم، أثناسيوس كان يُرشي، فإذاً هذا القول النهائي، مثلاً طبيعتا المسيح هذه تستنتجها من قراءة الكتاب المُقدّس، الثالوث أيضاً استنتاج، الله وإلوهيم، المفرد والجمع بحاجة إلى التوضيح وهذه المجامع هي التي وضّحتها. العقيدة المسيحية أوجدتها المجامع، هناك مجامع أخرى تنظيمية لتنظيم الكرسي الأنطاكي، لتنظيم الكرسي الروسي، هي دائماً موجودة أما المجامع بمعنى العقيدة هذه صارت فقط في الألف الأول أو بالأصحّ من القرن الرابع إلى القرن الثامن، وبرأيي أنها أعطتنا كل الأجوبة.  

غسان الشامي: ولكن العالم تطوّر منذ ذلك الحين حتى اليوم.   

وائل خير: تطوّر مثلاً من ناحية أن أبرشية ما كانت تابعة لجبيل وأصبحت تابعة للكورة، هي تتغيّر بهذا المعنى، ولكن الثالوث وطبيعة المسيح لا يتغيّران، هذه الركائز الأساسية لا تتغيّر بينما القضايا التنظيمية تتغيّر ولكن يمكنك فعل هذا في السينودس المحلي. برأيي أن الخطأ في الكنائس الغربية كما ذكرتُ في كتابي بإعجاب كبير بلوثر، أقدّر شجاعة هذا الراهب الأوغسطيني الذي واجه الإمبراطور والكرادلة في الوقت الذي كان يتمّ فيه حرق المُدان، حيث وضعوا كتبه في القاعة وقال له الكاردينال إيك "تراجع عنهم"، أجابه لوثر "أعطوني 24 ساعة"، في تلك الليلة صلّى صلاة حارّة وفي اليوم التالي قال له الكاردينال مجدّداً "تراجع" فأجابه لوثر "إن لم تخالف الكتاب المُقدّس والعقل لن أتراجع، هنا أقف فليساعدني الله"، جميلة جداً ولكنها خطيرة جداً لأن لوثر يتحدّث عن العقل والكتاب، العقل هو الذي يفسّر الكتاب، لذلك بعد خمس سنوات من هذا الأمر بدأت الإنشقاقات. اليوم في الكنيسة البروتستانتية في أميركا هناك 30 ألف كنيسة نظراً لوجود 30 ألف اجتهادٍ. الأمر في بلادنا أكثر انضباطاً بسبب المجمع، هذه القضايا ليست تابعة لكل اكتشاف علمي أو مع كل نشرة علمية أميركية أغيّر إيماني.  

غسان الشامي: أنا ليس لديّ كامل الوقت لكي أناقشك في الكتاب ولكن نحن نلتقي تحت الهواء بكل الأحوال، ولكن فيما تتحدّث أنت عن انكفاء الدور الأورثوذكسي هناك قوّة أورثوذكسية صاعِدة في العالم هي روسيا وهذه القوّة باتت في المشرق عبر البواية السورية، كيف تنظر إلى روسيا الأورثوذكسية؟  

وائل خير: أطول جزء في الكتاب هو الجزء الروسي.

غسان الشامي: لاحظت ذلك. 

وائل خير: حوالى 90 صفحة من أصل 350، هذا لا يعني أنه الأهم، برأيي أن الأهم هي 4 صفحات ونصف الصفحة عبارة عن المقدّمة والخاتمة.  

غسان الشامي: حتى نستكمل الوقت لأن معي دقيقتان فقط. 

وائل خير: من مصادر الأمل أو الرجاء إذا شئت هو هذا الدخول الروسي بعد الانكفاء منذ ثورة 1917 التي خلقت حالة من عدم التوازن في المنطقة، أتمنّى على  كل الكنائس المسيحية أن تدرك أهمية هذا التطوّر وتمد أيديها إليه رغم أنني حتى الآن لا أرى استجابة لهذا الأمر لا في الكنائس الغربية الكاثوليكية أو البروتستانتية وحتى عند الأورثوذكسية، بنية الكنيسة الأنطاكية الأورثوذكسية لأسباب تتعلّق بعلاقتها التقليدية مع الغرب بالرغم من بعض التصريحات الخارجية ولكنها في الواقع غير منفتحة بما يكفي.  

غسان الشامي: على الرغم من أن الكنيسة الروسية هي التي جعلت من الكنيسة الأنطاكية كنيسة عربية سنة 1899.

وائل خير: تماماً، من أهم الإنجازات، ذكرت في الكتاب دور روسيا عند انتخاب ملاتيوس الدوماني أول بطريرك عربي بعد 175 سنة من اليونان، هناك إشارة في الكتاب إلى حديث بورفيري مع البطريرك اليوناني، هناك احتقار للعرب، بعد انتخابه أقام البطريرك العربي القدّاس الأول بحضور القنصل الروسي في الخط الأول والذي كان أوّل مَن تناول.   

غسان الشامي: هذا هو الوقت. أعزائي بين حقوق الإنسان في زمن الجوائح وجوائح الحروب والعصبيات والتعصّب والتطيّف تسري في هذا المشرق إلى حدٍّ ما نزعة النقوص الفكري والثقافي، وعند الأخطار تبحث الجماعات الصغرى عن ملاذات آمنة البعض يظنّها في الانكفاءات، بينما العالم يحاول النجاة بطريقةٍ أخرى. أشكر الدكتور وائل خير على حضوره وإضافاته وزملائي في البرنامج على جهدهم، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.