العنصرية بين عدالة الإسلام وظلم السياسات الوضعية

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. 

قال الله تعالى في محكم التنزيل: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناه من الطيبات وفضّلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا" في سورة الإسراء. إنّ التكريم الرباني لبني آدم هو تكريم لجنس الإنسان، للأبيض وللأسود، على السواء مطلق إنسان. قال حبيب القلوب صلّى الله عليه وآله وسلّم : "يا أيّها الناس ألا إن ربكم واحد وإن آباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت قالوا بلى يا رسول الله، قال فليبلغ الشاهد الغائب" نعم فليبلغ الشاهد الغائب إنّ بين بلال الحبشي مؤذن الرسول وجورج فلويد قتيل المركزية الغربية تتعسكر ثقافتان ومنظومتان فكريتان، فكرة السماء تنص على أن الإنسان هو خليفة الله ومحور الوجود، وفكرة الطغيان وهي التي تتخذ من الإنسان عبدًا ومعذبًا في الأرض. بلال إبن رباح رضي الله عنه الذي كان يقول أنّما أنا حبشي كنت بالأمس عبدًا، لكنه بفضل الإسلام أصبح مؤذن الإسلام ومزعج الأصنام والداعي إلى خير ما ينفع الأنام، بلال إبن رباح العبد الذي كان سيّده يعذّبه بالحجارة المستعرة ليرده عن دينه فيقول أحدٌ أحد، فرفعه الإسلام مكانا عليًّا، وجعله سيدًا من سادات الصحابة وأحد أقرب الناس إلى رسول الله. أما جوروج فلويد فصرخ أريد أن أتنفّس، فزاده العسس الأميركي خنقًا فحنقًا حتى قضى نحبه محركًا القارة الأميركية والقارات الخمس. والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفّس، لقد عسعس ليل  الظلم، وتنفّس صبح الإسلام الذي منح الإنسان الحرية والكرامة والعزّة، بل واختيار الدين الذي يريده. هذه الحقيقة الذي أدركها الزعيم المسلم الأميركي مالكوم كس، وقال "إنّ أميركا في حاجة إلى فَهْم الإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يملك حلًا لمشاكل العنصرية فيها"، وقال أيضًا "إنّني كنت أسفل السافلين في قاع المجتمع الأميركي، وعندما اهتديت إلى الله وإلى الإسلام تغيّر مجرى حياتي". لقد كان أصحاب البشرة السوداء عرضة على امتداد التاريخ الأميركي للقتل والتمييز العنصري، هذا التمييز الذي قال عنه نعوم تشومسكي "باتت العنصرية جزءًا لا يتجزّأ من حياة المؤسّسات الأميركية، عنصرية تتجذّر بشكل أعمق بفعل الجهل المتعمّد بالحقائق المزعجة".

عندي حلم بأنه في يوم من الأيام سيعيش أطفالي الأربعة بين أمّة لا يحكم فيها على الفرد من لون بشرته، إنّما مما تحويه شخصيته، عندي حلم عندي حلم عندي حلم كما قال مارتن لوثر كينغ.

"العنصرية بين عدالة الإسلام وظلم السياسات الوضعية" عنوان برنامج أ ل م.

ويشاركنا في النقاش الأستاذ الدكتور أسعد سحمراني الأستاذ في جامعة الإمام الأوزاعي في مادة الأديان والعقائد ومن العاصمة السويدية ستوكهولم الأستاذ الفاضل حسان موسى المستشار والخبير في شؤون الأقليات وفي الشؤون الدينية أيضًا.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"الإسلام والتمييز العنصري" صلاح الدين الأيوبي.

يعاني العالم اليوم من مشكلة كبيرة تهدّد كيانه وأمنه وتعصف به في كثير من أجزائه مشكلة اصطنعها أناس مجرمون في حق الإنسانية بغية التسلّط والبغي والاستعمار تلك هي مشكلة التمييز العنصري التي هي الكذب على الله والناس والواقع بإدعاء أنّ الناس خلقوا أجناسًا وعروقًا وبألوان مختلفة ليستبعد بعضهم بعضًا ويحتقر جنسًا منهم الآخر. لا على أساس واضح تمليه حقوق أو واجبات أو عدالة، بل على أساس بغيض من التعسّف العنصري. لقد بقي الاضطهاد قائمًا بحق الزنوج في أميركا والسود في جنوب أفريقيا وروديسيا وزنجبار والحبشة وأميركا الجنوبية وأوستراليا وأماكن كثيرة ومازالت الاضطرابات العنيفة تسود إيرلندا وقبرص والهند وفيتنام والكونغو ونيجيريا وأماكن أخرى كثيرة أيضًا. ومازال اللؤم الاستعماري يمارس أخبث أنواع الاضطهاد والتسلّط في أرضنا المقدّسة المحتلة ليكرّس لؤم عنصرية قذرة عرّفها التاريخ، ومثل ذلك في أريتريا وكشمير وغيرهما. إني اذ أعرض باختصار بعض معالم هذا الدين في مكافحة التمييز العنصري وإقرار حقوق الإنسان. فإنني أرجو أن أكون قد وفّقت لإعطاء الباحث المنصف فرصة للإطلاع عن قرب على مفاهيم الحنيفية السمحاء.

يحيى أبو زكريا: بروفيسور أسعد حيّاك الله وبيّاك، وجعل الجنة مثواك .

أريد ان أنطلق في حلقتنا من إشكالات لبعض مشاهدينا أرسلوها إليّ قبل الإعلان عن الحلقة وبعد الإعلان فجاءت هذه الردود أريد أن أطرحها عليك كمنطلق لحلقتنا. صلاح دويبية يقول سيّدنا بلال رضي الله تعالى عنه لم يسلم في بادئ الأمر لأنه آمن بالله ورسوله، بل أسلم وآمن لأنّ الرسول الأكرم أتاه بالحرية والكرامة. خالد نزّال يقول أول من حارب العبودية والعنصرية والطائفية هو الدين الإسلامي من دون منازع، وقد اعتنق الإسلام الكثير من السود في الولايات المتحدة الأميركية لاحقًا، والكثير تأثّر بالحديث النبوي الذي ذكرته لا فضل لعربي على أعجمي الخ.

هذه الردود المتّسقة مع حلقتنا، أما المخالفة فكرًا يحيى نصراوي يقول الإسلام لم يمارس دوره الحقيقي بسبب التناقض بين تعاليمه وسلوك المسلمين في استعباد الملوّنين وما ثورة الزنج أيام العباسيين إلا دليل على ما أدّعي. أمّا نور محمّد فتقول الإسلام كرّم الإنسان ورفض العبودية، لكن تاريخ الحضارة الإسلامية مملوء بالسبي وأصبح الإسلام مرافقًا للسبايا والغنائم، وبالتالي الرقّة والاستعباد. جوابان متناقضان نوعًا ما، كيف تردّ على هذا المنطلق؟

أسعد سحمراني: بسم الله تعالى الحكم العدل الذي كرّم الإنسان من دون سائر المخلوقات، والصلاة والسلام على أنبياء الله تعالى ورسله أجمعين. أولًا أتوجّه بالشكر لله تعالى الذي وفّقنا إلى هذه السانحة في ظل جائحة تجتاح العالم كلّه، والشكر لقناة الميادين قناة التنوير الفكري والمقاومة. والشكر موصول للأخ العزيز الذي يشرف على هذا البرنامج ويديره المفكّر والإعلامي وصاحب الكلمة الجريئة الدكتور يحيى أبو زكريا كل التحية له، ومرحب بضيفنا من استكهولم الجزائري والدكتور يحيى وأنا جزائريو المواطنة والهوى.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله، أحسنت أحسنت.

أسعد سحمراني: ففي الحقيقة أخي العزيز أولّا لنأصّل للموضوع، ونضع أساساته قبل أن ننطلق فيه ونبحر معه. أولًا رسالات السماء الخالدة كلها جاءت تستهدف رفع شرف الإنسان وكرامته، والإسلام خاتمها حتى لا نتكلّم بشكل فيه ميز عنصري بين الأنبياء والرسل صلوات الله تعالى عليهم، ونحن نتحدّث عن العنصرية. وأنا في اللغة أفضّل استخدام كلمة الميز بدل التمييز من الفعل الثلاثي ميز يميز ميزًا، فالميز العنصري هذا أساساً كانت تمارسه الشعوب عبر التاريخ، وهذا الميز العنصري لا أريد أن أركّز فيه فقط على مسألة اللون، وهذا أمر منه هناك ميز عنصري بسبب الانتماء الديني أو الطائفي أو المذهبي فهناك مَن يستعلي على الآخرين كما حال اليهود المتصهينين الذين يزعمون أنهم الشعب المختار، وهذا منتهى الميز العنصري. ومظاهر هذا الميز جرائمهم اليومية في أرض فلسطين المحتلة أعاننا الله على تحريرها.

يحيى أبو زكريا: صحيح يا رب.

أسعد سحمراني: ثمّ الميز العرقي الذي كان يتصرّف به الأوروبي عندما احتل قارة أفريقيا وقسم كبير من قارة آسيا، وكان يتصرّف بشكل أكثر من إجرامي مع الشعوب والأمم، ثم هناك الميز الحزبي عندما يستعلي حزب في السلطة أو خارجها على سائر القوى السياسية، وهناك ميز عائلي أو قبلي أو عشائري عندما يظن أشخاص منتمون لقبيلة أو لعائلة أنه تجري في عروقهم دماء نقية بخلاف دماء الآخرين، أو الطائفية وهذا نحن نشكو منه في لبنان حيث بعضهم يتحدّث الأهم هو النوع، وليس الكم وقالها مسؤول في البلد.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد سحمراني: أو يتصرّف بعضهم بما يسمّى بالتعدّدية الحضارية وكأنه عنده حضارة لمجموعة صغيرة من البلد على حساب الآخرين، وهذا أمر موجود في بلاد أخرى إلى أن نصل إلى الميز بسبب اللون القائم في الولايات المتحدة الأميركية منذ أن تمّ غزو هذا البلد. فالميز كان أولًا من شعب أوروبي على شعوب البلد الأصليين في هذا البلد الذين كانت تطلق عليهم تسمية الهنود الحمر بقبائلهم الكبرى، وحيث أنهم عندما دخل المحتل والغاصب الأوروبي إلى القارة الأميركية عامة وشمال القارة خاصة، ومنها الولايات المتحدة الأميركية كان يتصرّف على أنه هو مستعلٍ ومختار من دون سائر الشعوب ولهذا السبب قام بإبادة وتشريد أهل البلد الأصليين. فالإحصاءات تفيد في أوائل القرن السادس عشر للميلاد بعد رحلة كولمبوس أنه كان يقطن أميركا الشمالية حوالى 90 مليون شخص من أهل البلد الأصليين، أما إحصاءات العام 2010 منذ عشر سنوات فتقول أنهم باتوا 0.9  بالمئة، أي  أقل من ثلاثة ملايين من عموم سكان الولايات المتحدة الأميركية، أين ذهب الـ 87 مليوناً الآخرون؟

يحيى أبو زكريا: أبيدوا عن بكرة أبيهم.

أسعد سحمراني: هذا منتهى العنصرية، وهناك إرهاب عنصرية الدولة الذي تمارسه واشنطن على شعوب العالم كله، فكثيرًا ما نقرأ في التحليلات أو الكتب أو العناوين أميركا والعالم الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي الواقع الأميركي والواقع العالمي، كأنهم يعيشون على كوكب آخر. فإذًا هذا البلد الولايات المتحدة الأميركية تتلبسه العنصرية نشأةً، وفكرًا، وطائفيةً، حتى أن المحافظين الجدد وهم المتصهينون أكثر من الصهاينة اليهود أو شركاء لهم في كل شيء شراكة كاملة أيضًا عنصريون باسم الدين إلى العنصرية باسم القبيلة كما قلت إلى العنصرية باسم اللون.

لذلك هذا شعب في الولايات المتحدة الأميركية  خاصة بالقيادة، هناك طبعًا شعوب مغلوب على أمرها تتجاوز نصف عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية. بالمناسبة في إحصاءات أخيرة هناك 30 بالمئة من سكان الولايات المتحدة الأميركية من الملونين والأفارقة و20 بالمئة من أصل شبه الجزيرة الأيبيرية البرتغال وإسبانيا فهؤلاء الـ 50 بالمئة يتقاضون رواتب على خط الفقر بخلاف الـ 50 الباقين حتى هناك عنصرية اقتصادية وعنصرية مالية. لذلك ليس مُستغربًا أن تنتج هذه الثقافة وهذه القشرة الحضارية خنق إنسان على مسمع ومرأى من وسائل الإعلام جورج فلويد، والجريمة الثانية التي حدثت يوم السبت في السادس من هذا الشهر منذ أيام عندما كان هناك أحد الملو!نين على عجلة يتسوّل وهو ليس عنده أهلية عقلية كاملة فهجمت عليه الشرطة، وأطلقوا النار عليه وألقوه أرضًا وتركوه ومشوا، هذه جريمة ثانية هذا الأسبوع أيضًا حصلت.

يحيى أبو زكريا: صحيح والعالم كله شاهد ذلك.

أسعد  سحمراني: من هذا المنطلق نحن نقول نعم نحتاج إلى عدالة رسالات السماء الخالدة وخاتمها الإسلام لسبب بسيط أنا أركّز على هذه النقطة لأن الإنسان مُكرَّم في المسيحية كما هو مُكرَّم في الإسلام ونحن بحاجة أن نقوم اليوم بصناعة جبهة تنويرية فكرية من حضانة الدين إسلامية مسيحية من أجل إنقاذ سفينة البشرية من الغرق من الفكر الصهيوأميركي المتسلّط.

إذًا نحن نحتاج إلى التعاون لأنه اليوم أكثر من 60 بالمئة من شعوب العالم يؤمنون بالمسيحية والإسلام ومعنا كونفوشية الصين والشرق الآسيوي هي أيضًا كونفوشية مُسالِمة وهادئة فكريًا ومنها شنتوية اليابان نستطيع أن نتعاون معهم من أجل الآن إن استطاع داعية مسلم أو مسيحي أن يأتي بهم إلى الدين ليأتِ بهم.

يحيى أبو زكريا: صحيح، سنفصّل أكثر دكتور أسعد. نعم نحن مع جبهة للإنسان ضد جبهة الشيطان التي على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

أستاذ حسان اضطهاد الإنسان سمة مُلازِمة للمركزية الغربية، الحركة الاستعمارية الغربية كانت تسحق الإنسان الجزائري المصري الليبي، والفلسطيني مازال يُسحَق. وجاءت المركزية الأميركية وازداد طغيانًا وسحقت الإنسان ذا البشرة السوداء، وفي السويد كاتب إسمه يان غيلو كتب كتابًا جميلًا سمّاه السيّدة الإرهابية "مادام تيرورست" وتحدّث عن العنصرية الأميركية كما تحدّث عنها الكثير من المفكّرين في شمال أوروبا وحتى في الولايات المتحدة الأميركية. كيف يبدو الأداء الأميركي العنصري كيف تبدو ثقافة الميز العنصري في المشهد الثقافي الغربي الذي يأخذ الطابع الإنساني؟

حسان موسى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه. تحية لك ولضيفك الكريم لسعادة الدكتور الذي جمعني به أكثر من لقاء، خارج لبنان في مؤتمرات في الكويت وفي غيرها حيث سعدت بالاستماع إلى نصه وشرحه وبيانه، وكذلك تحية لجميع المشاهدين والمشاهدات. حقيقة أبدأ بتوطئة بسيطة ثم أدخل في صلب الموضوع مختصرًا غير مطنب.

أولًا الله عّز وجلّ خلق هذا الإنسان وهو آدم عليه السلام بيده وهذه خصوصية كذلك أن الله عزّ وجلّ هو الذي نفخ فيه روحه ونفخت فيه من روحي وهذه خصوصية، والأكثر من ذلك أنه أسجد له الملائكة تكريمًا وتأهيلًا، ثمّ علّمه العلم الضروري، ثم منحه الاختيار بين الهداية والغواية. فالخلق بيد الله، والنفخ من الله، والإسجاد للملائكة بأمر من الله ولهذا قال تعالى وهو يبين، "ولقد كرّمنا بني آدم"، فهذا التكريم أيّها الإخوة، أيتها الأخوات هو من الله عزّ وجلّ خالق اليهود والنصارى والمسلمين، وكل أتباع الديانات الأخرى، خالق الأحمر والأسود والأصفر والأبيض. إذًا علّمنا الدين وعلّمنا هدي السماء أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود ولا لأعجمي ولا لغربي ولا لشرقي على غيره من بني البشر إلا بالتقوى والعمل الصالح، "إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم"، لكن اجتاحت الشياطين والأفكار التمييزية هذه المجتمعات ووقع الاستعمار حيث أبيدت قرى، وحرقت مداشر وضيع وغيّرت هويات باسم الاستضمار والتغيير، مارس الأبيض على الأسمر والأسود وغيره نهجها استئصاليًا قام على أساس التمييز العرقي حيث استلب الأشخاص حضاريًا وعقديًا، واستثمر في الخيرات والمعادن وبواطن الأرض وظاهرها.

الحقيقة الصورة والتاريخ فيه مرارات كثيرة للرجل الغربي هو بحاجة إلى قراءة متأنّية للواقع، وكذلك للمستقبل بعيدًا عن النظرة الاستكبارية القائمة، والأفضلية والتميز ما حدث في أميركا يحتاج من المجتمع الأميركي إلى قراءة متأنّية لأن قوّة أميركا وعظمتها في تعدّدها، قوّة أميركا في تنوّعها، قوّة أميركا وعظمتها في القبول وعدم الإقصاء، قوّة أميركا في قراءة التاريخ قراءة متأنّية وإعادة الحقوق والاعتبارات والمظالم لأصحابها.

لقد عانى إخواننا من البشرة السوداء معاناة مرة، تكبّدوا فيها مرارات شقاء وتعب قطعت من أياديهم، قطعت منهم أشلاء بنوا أميركا بعرق جبينهم، ثم كان الجزاء أنلا تقتلوني اتركوني أتنفّس. إنها مشكلة في العقل الجمعي الأبيض في أميركا، إنها مشكلة في الموروث الثقافي، إنها مشكلة في نظرة الآخر للآخر إنها ثقافة الاستعلاء التي صنعها فقه المُستضمر أو المُستعمر.

أميركا قوية بتعدّد مجتمعها وثقافتها وأعراقها ودينها، أميركا ضعيفة عندما تميّز بين الأبيض والأسود. ما حدث هو صرخة في وادٍ سحيق من أناس سحقوا عبر التاريخ ليقولوا للأبيض كفى توقف نحن هنا نحن بشر نحن أناس قدّمنا جزءًا من المواطنة ومن عرق جبيننا، بنينا هذه الأنفاق وهذه الجسور عملنا في الصخرة لتبنى صخرة كبيرة إسمها قوّة أميركا.

يحيى أبو زكريا: طبعًا أستاذ حسان أميركا تطالب المستضعفين بضرورة الحرية والدمقرطة، لكنها سيّدة العنف تجاه المستضعفين في أميركا ولعلّ سيمون بوليفار كان صادقًا عندما قال إن أميركا تتلذّذ بتعذيب الشعوب المستضعفة، ولعلّك قرأت كتاب جذور راسينغ للكاتب الأميركي الذي يكتشف أن جدّه كونتا كنتي سرق من نيجيريا وأذلوه في أميركا ويتحدّث عن محنة الإنسان الأسود في قارة مسروقة إسمها أميركا.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

"مبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي" الدكتور محمّد عياد الحلبي.

يعرّج هذا الكتاب على مبدأ المساواة بوصفه أحد أهم مبادئ حقوق الإنسان حيث تعرّض في الباب الأول لمبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية، فناقش الفصل الأول ماهية المساواة ومفهومها وكونها أساس كل الحريات، ثمّ ناقش أدلّتها. وانفرد الفصل الثاني بمناقشة قضية المساواة بين الرجل والمرأة وأدلّتها في القرآن والسنّة، والمساواة بينهما في الحقوق المدنية وفي الزواج والطلاق والحقوق السياسية. ثمّ تخصّص الفصل الثالث في المساواة بين المسلمين وغيرهم، فناقش قضية التعامل بين المسلمين وغيرهم ومدى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين والمساواة بين المسلمين وغيرهم في ديار الإسلام وحق غير المسلمين في تولّي الوظائف. الفصل الرابع ناقش قضية نسبية المساواة والهدف من استخلاف الإنسان في الأرض، أما الفصل الخامس فقد تناول مظاهر المساواة والرد على الشبهات المتعلّقة بقضية المساواة، أما الباب الثاني فقد نظر في قضية الرقّ في الشريعة الإسلامية، فناقش الفصل الأول مسألة محاربة الإسلام الطبقية والعنصرية وقضية إدانة الإسلام للعنصرية ومعالجته لها وقضية الرقّ وموقف الفلاسفة منه وموقف الإسلام منه. ثمّ تناول الفصل الثاني قضية توسيع الإسلام لمنافذ العتق، أما الفصل الثالث والرابع فقد ناقشا حُسن معاملة الرقيق في الإسلام ونظام التسري. فيما ناقش الباب الثالث مبدأ المساواة في القانون الوضعي والنظم القانونية الحديثة وإعلان حقوق الإنسان.

المحور الثاني:

"أثر السود في الحضارة الإسلامية" الدكتور رشيد خيون.

يتحدّث الباحث في مقدّمته عن عصر الرقيق الذي كان فيه السود يُباعون في الأسواق حتى جاء الإسلام فتحوّل العبد عند إسلامه إلى واحد من جماعة المسلمين. كما تمّت المؤاخاة بين المالكين والعبيد، لكن هذه المعادلة تغيّرت في ما بعد بسبب الحاجة إلى العبيد في أعمال الزراعة وخدمة المنازل.

في دراسته لوضع السود في مرحلة ما قبل الإسلام يشير الباحث بداية إلى أنّ الرقّ أو العبودية ظاهرة تاريخية بشرية، وهي لم تقتصر على أصحاب البشرة السوداء، بل شملت أجناسًا بشرية مختلفة بسبب الحروب والغزوات وظهور تجارة الرقيق وأسواقها لأنها كانت قائمة على أساس اجتماعي، الأمر الذي جعل أسواق النخاسة تمتلئ بالرقيق الأبيض إلى جانب السود. لكن الباحث يجد أنّ التسميات تختلف هنا فالأسود سمّي عبدًا بينما الأبيض سمّي مملوكًا غالبًا، ومع مرور الزمن أصبح مصطلح العبد يطلق على الأسود حتى بعد أن يُعتق. ويركّز الباحث على دراسة سير وتراجم أعلام السود المسلمين من شعراء وأدباء وفقهاء ومتصوّفة وأطباء وأهل فن، فمن خلال هذه التراجم والسير يحاول الوقوف على الأدوار المهمة التي أدّوها في تاريخ الحضارة الإسلامية. وقد اعتمد في تبويب هذه التراجم على المنهج التاريخي بدءًا من عهد النبوّة الأول حتى العباسي مرورًا بالعصر الأموي. إن هذه التراجم لا تقتصر على الرجال من السود، بل هي تتجاوزهم إلى النساء السود اللواتي كانت منهن الصحابيات والشاعرات والمربيات.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، من أدرك حلقتنا نحن نتحدّث عن العنصرية بين الإسلام وعدالته وظلم السياسات الوضعية. وأشير هنا إلى بعض الكتب المتعلقة بهذا الخصوص الإسلام والتمييز العنصري، أثر السود في الحضارة الإسلامية كتاب مهم جدًا للدكتور رشيد خيون، بلال بن رباح الإسلام ومحاربة التمييز العنصري أو الميز العنصري كما صحّح الدكتور. ومبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية والقانن الوضعي، وحرية الإنسان في الإسلام.

دكتور نعود إلى موضوعنا عن منطلقات الميز العنصري في الخطاب الغربي بشكل عام وأيضًا عدالة الإسلام وماذا تضمّنت في هذا السياق؟

أسعد سحمراني: في الحقيقة بدايةً لا بدّ من أن نميّز بين أمرين هو أن الفكر الذي يمارس الميز العنصري ومنهجه هو منهج شيطاني، وفكر العدالة هو فكر رحماني، هو منحى رحماني، والدليل على كلامي قول الله تعالى في الآية الـ 76 من سورة ص بلسان إبليس لعنه الله تعالى قال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين".

فبدأ الميز الأول من إبليس ضد آدم، ولذلك كل من يمارسون الميز ضد أي إنسان في الكون انطلاقاً من الآية التي بدأت حضرتك منها وهي الآية الـ 70 من سورة الإسراء ولقد كرّمنا بني آدم، فكل من يمارس هذا الميز بأية لغة وبأيّ منطق هو إنسان شيطاني، بينما الإنسان الرحماني يؤكّد تكريم الإنسان كما قلت في رسالات السماء كلّها لا سيّما في الإسلام والمسيحية، وفي النص القرآني قول الله تعالى واضح تمام الوضوح في الآية الـ 31 من سورة الحجرات، وفيها قول الله تعالى وفيها خطاب للناس كافة وليس للمسلمين "يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير".

إذًا الغائية والمقصد الإلهي في إيجاد البشر متنوّعين عقديًا ودينيًا وفي اللون وفي العرق وفي الأوطان وفي اللغات وفي الثقافات وغيرها إنّما المقصد منه التعارف بين الناس لا التصادُم، وكانت لي في سنوات سابقة محاضرة عنوانها التعارُف لا التصادُم هو الأصل في العلاقات الإنسانية. بينما الفكر الشيطاني الذي بدأ تأصيله وتأسيسه في أوروبا مع أن أوروبا دخلتها المسيحية ودخلها الإسلام بحدود معينة، لكنها كانت مُشبَعة بالثقافة المادية فلم تتقبّل رسالات السماء بمنحاها الإنساني، وإنّما حاولت الانحراف بها والدليل على كلامي ممارسات الأوروبيين عبر التاريخ وأعطي أنموذجًا عن ذلك جزيرة كوري التي هي في الأطلسي أمام مدينة داكار عاصمة السنيغال.

يحيى أبو زكريا: صح.

أسعد سحمراني: جزيرة كوري هذه التي هي تؤشّر لمسألة الرقّ والعبودية، وهذا يرد على بعض إخواننا الذين يقولون إنّ الإسلام لم يقم بدوره الإسلام، قام بدوره وزيادة لأن أهل السنيغال وأهل إفريقيا غرب الصحراء، وليصحّح هذا الأخ المتحدّث في مقدّمتك معلوماته وليذهب إلى هناك، وأنا من روّاد تلك البلدان كلّها كما هو معلوم وخبير في الشأن الأفريقي تلك البلدان أتت إلى الإسلام طائعة عبر الدُعاة وعبر المتصوّفة وعبر التجار كي تخلّص من جريمة الغرب الأوروبي جزيرة كوري أولا.

يحيى أبو زكريا: أنت تحدّثت عن يحيى نصراوي؟

أسعد سحمراني: هو أو غيره.

يحيى أبو زكريا: لكن ماذا عن ثورة الزنج أيام العباسيين؟

أسعد سحمراني: سنصحّح.

يحيى أبو زكريا: لا أريد جملاً سريعة لأن الوقت سوف يداهموني.

أسعد سحمراني: ثورة الزنج نعم هي عبارة عن ثورة مجموعة شعوبية كثورة الحشّاشين، ثورة ناس ساقطين اجتماعيًا أنا استغرب كيف هؤلاء الماركسيون الذين يتمسّكون بها ويعتبرونها أساس الثورات ليخلصوا من هذا الخطاب. جزيرة كوري هذه دعنا نقف معها بكلمات قليلة سنة 1444 دخلها البرتغالي واستخدمها لنقل تجارة الرقيق، كان يجمع فيها الناس من القارة الأفريقية ويأتي الأوروبي بحرًا يستبدل البشر ببضائع، ثمّ سنة 1617 احتلها الهولندي وسنة 1820 الإنكليزي فالفرنسي وبقي فيها الفرنسي إلى سنة 1961. ومن يزور الجزيرة وأنا زرتها أكثر من مرة يجد فيها البناء وفيها قاعات لا ترتفع أكثر من 90 سانتيمتراً مخصّصة واحدة للرجال وواحدة للنساء وواحدة للفتيات الصغيرات لمتعة المتاجرين، واحدة للأطفال والعجائز يرمونهم في البحر.

يحيى أبو زكريا: ما الذي تريد أن تقوله لأنه لديّ العديد من المحاور؟

أسعد سحمراني: حبيبي أنا أريد أن أقول إنّ هذا الفكر الذي نقله الغاصب الأميركي الآتي من أوروبا نقل معه فكرًا عنصريًا مؤصّلاً في أوروبا الغربية، ومارسه هناك ضد الهنود سكان البلد الأصليين. وأبرز ممارسة كانت سنة 1830 عندما كان الرئيس الأميركي يومها أندرو جاكسون في عهد هذا الرئيس سنة 1830 صدر قانون سمّوه قانون إزالة المواطنين، هل من عنصرية سوى عنصرية الصهاينة في أرض فلسطين بشراكة أوروبية وأميركية صهيو أوروبية وصهيو أميركية بإزالة سكان فلسطين الأصليين من بلدهم؟

يحيى أبو زكريا: أكتفي بهذه النقطة، وأفصّل أكثر أضطر أن أستمع إلى وجهة نظر حسان موسى أيضًا.

أستاذ حسان قد يقال أنتم تتّهمون أميركا أنها الشيطان الأكبر أنها دولة تهين الحقوق، تعالى وانظر حقوق الخدم القادمين من أثيوبيا ونيجيريا وأنغولا في العالم العربي. وربّك يستضعفون بأتمّ معنى الكلمة فإسلامنا لم ينفعنا بشيء، ما جدوى أن يكون الإسلام في النظرية؟ جميل والمسلمون في المسلكية سيّئون حتى نحن في بلادنا الإسلامية هنالك استضعاف تستطيع أن تدخل إلى دول الخليج ما لم يكن عندك كفيل مثلًا يكفلك ويوثقك ويؤمنك كم من شخص يتعرّض للاضطهاد في بلادنا العربية والإسلامية، مازلنا نستخدم عبارة البيضان والسودان ومازال الرقّ قائمًا في بعض الدول في المغرب العربي وأنت تعرفها.

إذًا اهانة الإنسان مسلكية إبليسية في الإنسان سواء كان مسلمًا، أو غربيًا، أو كائنًا مَن كان؟

حسان موسى: أخي يحيى سعادة الدكتور نحن بحاجة إلى أن نكون مُنصفين "ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". الحقيقة، أبدأ بالغرب فأقول إنّ الغرب بحاجة إلى قراءة إنتروبولجية وسيسيولوجية للعقل الجمعي الغربي القائم على الأنا والتمايز والتمييز بينه وبين الآخر. وعلى كل قارئ لنصوص الوحيين أن يتأمّل قصة سليمان عليه السلام نبي الله مع تلك النملة كيف أوقف الجيش وتواضع لنملة حتى لا يحطمّها، ثم تبسمّ ضاحكًا من قولها، وقال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه، أي أنّ القوّة جعلته يتواضع لنملة ليسمح لها بالدخول إلى  جحرها. ولهذا القوي هو مَن يتواضع، ومَن يقرأ التاريخ قراءة متأنّية وأن ينظر إلى المستقبل وأن يستشرف هذا المستقبل في إطار إكراهات وإرهاصات الواقع.

الغرب بحاجة إلى قراءة متأنّية إلى جذور هذا التميّز والتمييز العنصري الذي بدأ يدبّ في مؤسّسات المجتمع في القضاء، والشرطة، وفي الثقافة وفي هوليوود وفي غيرها، كما أدّى إلى ما يسمّى الآن بالأحزاب الشعوبية وأنا أعترض أعترض أعترض على هذه التسمية، بل هي أحزاب نازية عنصرية قائمة على التمييز والعرق وقائمة على العداء للإسلام وللمسلمين وللأجانب وكلمة الشعوبية هي مسحوق يريدون به تشويه هذا الوجه القبيح لهذه الأحزاب التي بدأت تزحف نحو البلديات وقباب البرلمان وتشارك في الحكومات. أوروبا والغرب إن لم يتدارك من خلال قراءة متأنّية للعقل الجَمْعي الأوروبي لهذا الواقع المرير سوف ندخل في نازية جديدة وإسلامو كوست جديد يؤدّي إلى محرقة.

يحيى أبو زكريا: يا أستاذ حسان عندما يذهب مسلم ويفجّر قطاراً في مدريد، ويفجّر طريقاً وطنياً في الشانزاليزيه، ويضع قنبلة في بريطانيا، ويضع قنبلة في استوكهولم ويدهس الناس أو في غيرها من المناطق. كيف لا تنطلق النازية من قمقمها؟

حسان موسى: أنا معك، لكن دعني أكمل الفكرة لأنني سأنتقل إلى العالم العربي ومأساته، لكن للأسف سلوكيات بعض المسلمين والمتمسلمين من المتطرّفين قطّاعي الرؤوس أو جزّازي الرؤوس باقري البطون الذين لا يحسنون إلا التفجير والتكفير عدوي الإنسانية، مصّاصي الدماء حشّاشي العصر هؤلاء الذين خرجوا من ربقة الإسلام باسم الإسلام يحاولون قتل الحياة والعداء للإنسانية، هم في الظاهر أدلاء على الخير، ولكنهم في الحقيقة هم قطّاع طرق ولصوص دين. أعود إلى العالم العربي يا أخي يحيى كم يحزنني عندما يوقفك شرطي ويقول لك الأخ أجنبي؟ في الوقت الذي أنت تعرف وقد عشت في السويد وتحمل هويّتها أنه لا يكتب إسم البلد ولا يسألك عن بلدك الشرطي، وإذا سألك وأوقفك وأنت تقود السيارة تعتبر عملية تمييزية تستطيع أن تدّعي عليه عند المدّعي العام التمييزي الذي أسّسته الدولة لمُكافحة العنصرية والتمييز. كما يؤلمني عندما يقف الناس طوابير في عالمنا العربي، هذا للمواطنين رواق في المطار وهذا للأجانب، هل وجدت هذا في فضاء شيغان أو في فضاءات أخرى غير أن المواطن له كرامة وتكريم.

لا بدّ من أن نسأل أنفسنا كيف يتعاملون مع العمال في الغرب؟ وكيف يعطون الحقوق؟ وعندما تضطهد تذهب إلى النقابة فتأتي لك بتأمين لمدة شهر راتب مدفوع إذا اضطهدك صاحب العمل. وكيف تُعامَل تلك الخادمة المسكينة التي تصوم نهارها عطشًا وجوعًا وفي آخر الليل لتنام في مطبخ تأكل من فتات المطبخ عند البعض بعض الأعراب كيف رأيت بعيني خادمة في رمضان في إحدى الدول العربية وقد حرقت يدها بالزيت وبدل أن تتعامل معها سيّدة البيت برحمة وإنسانية تركتها تعوي إلى أن قضت ما عليها من الأكل والشرب وتركتها ثم ذهبت بها إلى مستوصف عام والانتظار فرأيتها بعيني وأنا كنت في المستوصف مع إبني. إنني عندما أنظر إلى هذا وذك أقول إننا للأسف أسأنا إلى ديننا ولأنفسنا وأسأنا الأدب مع ربّنا في تعاملنا مع خادماتنا مع عمالنا الوافدين مع الأغراب الذين يأتون إلينا. للأسف في عالمنا العربي عندما نتكلّم نقدّر الخواجة صاحب الشعر الأصفر والعين الزرقاء ونسيء إلى بني جلدتنا من إخواننا في الدين أو العقيدة أو العرق.

ماذا تقول عن العالم العربي، في فمي ماء ولا أريد أن أواصل في هذا الحديث، ولكن أعود إلى الوضع الذي نعيشه في الغرب باختصار شديد أخي يحيى أيها المشاهد الكريم هناك عنصرية في الغرب، وهناك عدالة تحاول أن توازن، أو أن توجد مقاربة ومواءمة. في الغرب هناك تمييز لكن هناك قضاء، في الغرب هناك شرطة أو بعض الشرطة يُسيء ولكن هناك عقوبة وحساب، في الغرب تستطيع أن تميّز وأن تمارس العنصرية والنازية ولكن هناك كوابح وضوابط. هناك في الغرب وسائل وطرائق تعبّر فيها وفي عالمنا العربي كتم للأنفاس وتضييق على الأرزاق ومنع من السفر وسحب للجوازات إلا في بعض البلدان هنا وهناك. عندما نتكلّم عن التمييز في الغرب، نعم هناك تمييز وهناك عنصرية، ولكن هناك تدافع حضاري وإنساني. هناك تظاهرات في أميركا هناك احتجاجات من البيض والسود، ولكن كم من عنصرية ما تمارس في بعض الأوطان أو في بعض الدول أو في بعض الجهات أنا شاوي، أنا بربري، أنا كردي، أنا أمازيغي، أنا مسلم، أنا سنّي، أنا مسيحي، أنا علوي، أنا درزي، هذا من المنطقة الشمالية، وهذا من المنطقة الجنوبية، إنّها جاهلية نكراء أنك امرؤ فيك جاهلية كما قال سيّد الخلق.

يحيى أبو زكريا: أخي حسان يجب أن أتيح لك المجال لتتحدّث أكثر، لكن دعني أقول سر يا حصاني قبل أن يطول لساني أحسنت وأجزت وأرجو أن تبقى معنا. دكتور بودّنا أن نتطرّق إلى الدُعاة المسلمين من ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأميركية بدءًا بمالكوم أكس الذي قتلته المخابرات الأميركية وصديقه مارتن لوثير كينغ الذي قتلته أيضًا المخابرات الأميركية.

أمّة الإسلام في أميركا هل أفادت من الإسلام وحاولت أن تحقق نهضة منطلقة من الإسلام؟

أسعد سحمراني: في الحقيقة بداية لا بد من أن نردّ القطار إلى سكّته.

يحيى أبو زكريا: لم يبقَ لديّ الكثير من الوقت.

أسعد سحمراني: كلمات قليلة حتى لا تبقى الصورة شوهاء.

يحيى أبو زكريا: بجمل مُختصرة.

أسعد سحمراني: بعناوين حتى إن شئت، أولًا الغرب ليس غربًا واحدًا. الغرب اليوم مع مطلع القرن الحادي والعشرين هو غروب نحن نتحدّث عن الولايات المتحدة الأميركية موقع الحدث التي ظهرت حضارتها مع قوى التحالف الأوروبي في جريمة يومية في فلسطين في احتلال العراق وقتل أكثر من مليون ومئتي ألف عراقي غير الأيامى وغير الثكالى وغير اليتامى، ما فعلته في أفغانستان ما تفعله صنيعتها من القوى التكفيرية في سوريا والعراق واليمن. ما تحدّث عنه الأخ العزيز الأستاذ حسان هو من صناعتهم ومن فمهم ندينهم هيلاري كلينتون كتبت كتابها في العام 2014 خيارات صعبة داعش صناعة أميركية. حتى من قوى الذبح والقتل والتكفير عندنا هي من صناعتهم، لذلك يجب أن نرد القطار كما قلت إلى سكّته لنقول بأنّ ما هو من مظاهر العنف والإرهاب عندنا هو ليس من طبيعة مجتمعنا ولا من ديننا، وإن مارسه بعض المستعلين على الآخرين في هذا البلد أو ذاك. فنتيجة ثقافة أشربوا بها من جامعات ومعاهد أوروبية، لكن بالمقابل لنرى نحن ما هو واقع العدالة الذي يمارس في مجتمعاتنا. نحن بين الناس جميعًا حيث نقبل كل إنسان أين يكون فكرًا وثقافة ولونًا وبشرة، نحن اليوم نرى حتى لو أخذنا نموذج شواطئ لبنان نرى العارية تسبح قربها المُحتشمة تصلّي هل من عدالة أكثر من ذلك؟ أي ظلم وتميّز يتحدّثون عنه الجريمة اليوم في فلسطين مع الأسرى عندما تكون الأسيرة وهنا أكثر من 300 تخرج إلى بيت الخلاء ويفتح الجنود الصهاينة الباب عليها. ما نشاهده في الولايات المتحدة الأميركية أية عدالة نتحدّث عنها؟ حتى في فرنسا يذهب من يريد إلى شارع بارباس الشارع الذي يحوي ناساً من أصول جزائرية ومغربية ليروا الشرطة كيف تتصرّف ومعها الكلاب البوليسية ومعها السلاح وفي شوارع أخرى كيف تتصرّف؟ نعم حصل تفجير هنا وهناك، لكن هذا من صناعات فرق تكفيرية هم مَن صنعها هم مَن احتلّ بلادنا.

يحيى أبو زكريا: أنا شاهدت مطعمًا في باريس ممنوع دخول الكلاب والعرب يوجد عقلية؟

اسعد سحمراني: هذا قليل من كثير يا عزيزي أي إنسان منا الآن يدافع عن فلسطين بوردة أو كلمة يُمنع من دخول الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لا يُعطى تأشيرة دخول. أية عدالة يتحدّثون عنها؟ يعطونا بعض فتات الموائد للناس. ثم هل يا ترى هم ليس عندهم عنصرية فقط في اللون، الولايات المتحدة الأميركية المدعية لقشرة الحضارة وليس عندها حضارة وصل فيها رئيس واحد سنة 61 كيندي كاثوليكي قتلوه قبل أن يكمل ولايته لم يتحمّلوا رئيسًا غير بروتستانتي. في فرنسا هل يصل رئيس غير كاثوليكي إلى السلطة حتى الزاوية الدينية؟

يحيى أبو زكريا: دكتور نفس هذا الكلام قاله الدكتور إدوارد سعيد رحمه الله عليه فمنعوه من التدريس في الجامعات الغربية؟

أسعد سحمراني: يا سيّدي نحن الآن معظمنا يُمنع من الدخول ليس فقط من التدريس إلى أوروبا لأنه نتحدّث عن القدس وعن فلسطين لأننا نقدّم وردة لفلسطين ولأهلنا أو لأننا نقول في خيار المقاومة يعتبروننا إرهابيين، يصنّفوننا أننا نحن إرهابيون، لماذا لا نكتب نقول نتحدّث فمن هذا المنطلق. إذًا علينا أن نميّز بين الغرب وهو الغروب، نعم هناك في بيئة أميركية في البيئة الفرنسية والسويدية وكل أوروبا شعوب مُتحرّرة من المُتديّنين الكاثوليك أو المسلمين.

من هذا المنطلق أنا في مقدّمتي طرحت إقامة جبهة إسلامية مسيحية دَعوية، ثمّ لنقرأ قليلًا يا عزيزي إيطاليا إلى القرن السادس عشر كانوا يكتبون يأتي البرابرة الغُزاة مَن يقصدون بالبرابرة؟ الفرنسيون من وراء الألب يأتون إليها يدمّرون كل الحضارة. ماذا فعل هتلر عندما دخل في التراث الإيطالي؟ هل أبقى عمارة معيّنة؟ هل أبقى قصرًا معيناً الاستعلاء؟ هل يستطيع مواطن من أية جنسية في العالم يتحدّث بغير الألمانية في ألمانيا لو دخل أي مكان.

يحيى أبو زكريا: انتهى وقتي، هل تريد أن تقول إنّ المركزية الغربية قامت على فكر إبليسي شيطاني؟

أسعد سحمراني: شيطاني مئة بالمئة، ونحن قمنا عربًا ومسلمين ومسيحيين في العالم على فكر إلهي رحماني يدعو إلى كرامة الإنسان، ولذلك أكرّر من جديد "ولتجدنا أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى". نحن بحاجة إلى ثورة قيمية خاصة بعد جائحة كورونا، وليطمئن العالم كله أقول بشارة من قناتك ولأول مرة على الإعلام إمبراطورية أميركا إلى  زوال، تتبع الأمبراطوريات الأخرى التي سبقت في التاريخ وعالمنا الشرقي والآسيوي سينهض. لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز العلاقات التضامنية بين طنجة وجاكرتا بين الشعوب الآسيوية الأفريقية لينهض العالم في سفينة النجاة من جديد.

يحيى أبو زكريا: بحول الله وسقوط الغرب أشار إليه أرنولد تومبي وأشبنكلر وكثير من الفلاسفة ومنهم روجي غارودي رحمة الله عليه البربرية الأميركية.

بروفيسور أسعد سحمراني شكرًا جزيلا لك أمتعتنا، الأستاذ الفاضل حسان موسى الخبير في الشؤون الغربية وشؤون الأقلّيات ولك أكثر من مهمة ما شاء الله في الغرب وفّقك الله لكل خير شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا كانت هذه حلقتنا الإنسان بين فكر الله وفكر إبليس.

هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.