الحقوق في هيمنة الطائفية

المحاماة ومشاكلها في بلاد ينهكها الفساد والطائفية... كيف يمكن تحصيل الحقوق المدنية في دول غير مدنية؟ وأوضاع لبنان حقوقياً واجتماعياً ومهنياً وحال سجونه ومحكوميه.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساؤكم خير، أتى نقيب المحامين اللبنانيين ملحم خلف في ظروف صعبة تمثّلت في حراكٍ وانقسام شعبي لحقته جائحة كورونا، أتى في بلدٍ وصل إلى الحد الأقصى من الفساد، هو فسادٌ أنهك لبنان الكبير حتى أقعده مشلولاً بعد مئة عام على إنشائه، لبنان الذي تنهش مفاصله الطائفية والتطيّف دولتياً واجتماعياً ويحتلّ المرتبة الثامنة والثلاثين بعد المئة في العالم بموضوع الفساد، وبات اللاعدل والتدخل السياسي والطائفي في القضاء سمتين من سماته، وهذا الفساد يبدو أنه الوحيد العابر للطوائف. أتى من خلفيّة عمل إنساني في جمعية فرح العطاء ومهنيّة أكاديمية ودور عالمي كعضو ونائب رئيس في اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة، أتى نقيباً في بلدٍ يتجاوز عدد محاميه الأربع عشرة ألفاً على ما أعتقد والقضاء فيه مشتبهٌ، سنحاور النقيب خلف في الكثير من هذا، سيّدي أهلاً بك أولاً ضيفاً عزيزاً.

ملحم خلف: مسا الخير، شكراً. 

غسان الشامي: سيّدي كيف تستوي مهنة المحاماة التي هي في العمق تحصيل حقوق الأفراد والإنسان في بلدٍ طائفي؟  

ملحم خلف: المحاماة رسالة لرفع نسبة الرجاء داخل المجتمعات، فرسان حق يحملون الهموم والقضايا لصونها باسم العدالة أمام قضاء عليه أن يكون شفافاً موضوعياً. المحاماة رسالة جذورها ضاربة في عمق القِيَم، قِيَم الإنسان، قِيَم لا يمكن إلا أن ترفع رأس المسحوق والمظلوم أياً تكن طائفته، لونه، أيّ اعتبار لا يستقيم ما دام أمامنا إنسان مظلوم، مسحوق، متروك، مُهمّش، إن الإنسان هو صلب رسالة المحامي، فهذا الأمر لا يرتبط ورسالتنا لا ترتبط في أي وقت من الأوقات إلا بالهمّ الأول وهو كرامة الإنسان أياً يكن من دون أيّ توصيف له تمييزي أو إقصائي، فبالتالي هذا دور أساسي داخل مجتمعاتنا.   

غسان الشامي: ولكن في ظل هذا الانقسام الطائفي المُريع في البلد ألا تكون هذه المهنة على الرغم مما ذكرته وهي منذ القِدَم هي مهنة مَن يدافع عن الحقوق، أليست صعبة؟ كيف يُداري المحامي نفسه؟ كيف يستطيع الوصول إلى حقوق الناس في ظل هكذا ظروف؟

ملحم خلف: مَن يتسلّح بالحق، بالقانون، بالمعرفة، بالعلم يجب أن يكون مِقداماً ليرفع الصوت وليكون بوجه مَن يتسلّط، هو الصوت الصادح بغضّ النظر عن أي اعتبار آخر، لا مكان لاعتبارات تُسقط رسالة المحامي وإلا أسقط رسالته. إذا ذهبنا اليوم نحو إسقاط رسالة المحاماة لأن هناك أشخاصاً في مجتمع مُتنوّع طائفياً أو مذهبياً، رسالة المحاماة لا يمكن أن تذهب أو أن تجنح، قد تجنح بتصرّفاتٍ فردية إنما الرسالة تبقى رسالة، فلا يمكن أن نتصوّر رسالة محاماة آخذةً في الاعتبار بإسقاط نفسها من خلال اختيار هذا الموكّل أو ذاك فقط لاعتبار طائفي أو مذهبي، أنا لا يمكن أن أتصوّر هكذا أمر، هذا يخرج عن كينونة المحامي، المحامي لا يمكن إلا أن يدافع عن الحقوق، لا يمكن إلا أن يواجه السلطان أياً يكن هذا المظلوم لأن الظلم لا يمكن أن يأخذ هويّة فئوية أو لا سمح الله أيّ تمييز بشخصه، لدينا هذا الهمّ في كرامة كل إنسان. 

غسان الشامي: مَن يتدخّل في شؤون المحاماة في البلد؟ في شؤون هكذا نقابة.

ملحم خلف: هناك مجلس نقابة مُنتَخب، هذا المجلس مؤلّف من 12 عضواً، المحامون هم الوحيدون الذين يدخلون بتصويت وبانتخاب بعملية ديمقراطية نفتخر بها تسمح لمَن يتبوّأ هذه المسؤولية بأن يكون هو الوحيد الذي يدير شؤون المحامين. 

غسان الشامي: في برنامجك أستاذنا العزيز قلتَ إن من مهامك استرداد دور النقابة والوقوف في وجه التسلّط والظلم، الاسترداد يعني أن هناك مَن سرق دور النقابة، والوقوف في وجه التسلّط والظلم يعني أن هناك مَن يتسلّط ومَن يظلم، ممّن تريد استرداد دور النقابة ومَن هو الظالم والمُتسلّط؟  

ملحم خلف: دعنا نتحدّث عن الأمور بكل صراحة، أولاً نقابة المحامين في بيروت لها من العُمر مائة عام ولسنا اليوم أياً يكن الشخص أن يقارب الموضوع وكأنه هو الذي يأتي بشيء جديد. إن نقابة المحامين هي حصن الكرامات وحصن حقوق الإنسان وحصن الحريات العامة، ما قصدته ليس استرداد إنما تسليط الضوء على هذا الدور، وهذا الدور الذي كان منذ البدء، منذ التأسيس حمله هؤلاء المؤتمنون على هذه النقابة منذ مائة عام. لست إلا بحجرٍ أو بحلقةٍ من هذه الحلقات لهذه السلسلة المُتكاملة، لا أدّعي ولن أدّعي يوماً وكأنني أعود لأستردّ شيئاً إنما أنا هنا كي أسلّط الضوء على دور نقابة المحامين بدورٍ وطني، بدورٍ حقوقي وبضميرٍ حقوقي لهذا المجتمع، هذا ما أردت قوله وليس أن أستردّ شيئاً لم يكن. كلّنا متكاملون منذ إنشاء نقابة المحامين بهذه السلسلة من المسؤولين ومن النقباء ومن أعضاء مجلس نقابة قامت في أصعب الظروف وبقيت منارة حقوقية، لن أستردّ شيئاً.  

غسان الشامي: لقد سألتك هذا السؤال لأنني قرأت ما تقوله وسترى أننا نتابع كأي مواطن في هذا البلد ما يحصل فيه، ولكن لفتتني كلمة "استرداد" وخشيت بأن تكون هناك حقوق قد سُلِبت لأنه وفقاً للعادة في بلادنا هناك مَن يحاول وضع اليد على كل مؤسّسات البلد، هذا أمر غير جديد.

ملحم خلف: نقابة المحامين هي حصن منيع، هي منارة، هي هذا الحصن الذي لا يمكن لأيّ شخصٍ لا سمح الله أن يسرقه أو أن يتفرّد به، المحاماة هي حصن الحريات العامة والمحامون هم فرسان هذه الحرية، أما في ما خصّ موضوع مواجهة الظلم والتسلّط نعم هناك أناس في أي وقتٍ من الأوقات قد يكونوا أمام مواجهة السلطة والسلطة يمكن أن نجنح بها، والجنوح بالسلطة يجب أن يكون هناك مَن يقف بوجهه. نحن في نقابة المحامين لدينا الدور ولدينا الرسالة في مواجهة أي تسلّط أياً يكن هذا التسلّط، وهذا أمر مبدئي لا يمكن أن نُقاربه إلا بإعلاء شأن العدالة، هذا أمر واضح ولن نتوانى عن هذا الدور. 

غسان الشامي: سيّدي المحاماة مهنة لها علاقة مُتعضّدية مع القضاء، لا محاماة من دون قضاء، القضاء في لبنان أنت تسمع وأنت إبن هذه المهنة هو قضاء يعيش غالباً حالة من الفوضى، لاحِظ مؤخراً لا تعيينات قضائية ولكن أنا أبحث في الأصل، القضاة يُعيَّنون بناءً على مُعطيات سياسية وطائفية وتقسيمات مُعيّنة في هذا البلد، كيف يمكن للمحامي أن يتعامل؟ هل يتعامل مع القضاء على القطعة بمَن هو هذا القاضي في هذا المكان أو بما يمثّل قاضٍ آخر في مكانٍ آخر؟  

ملحم خلف: دعنا نعود إلى الأسس، لبنان ذو نظام ديمقراطي، ماذا يعني النظام الديمقراطي؟ هو يقوم على مبدأين أساسيين، الديمقراطية تقوم أولاً على مبدأ فصل السلطات وتعاونها، المبدأ الثاني هو تداول السلطة، وهناك مبدأ ثالث وهو الرقابة ما بين هذه السلطات قد ترتبط بالتعاون. هذا الكلام هو لإنتاج سلطة تنفيذية أي الحكومة، سلطة تشريعية أي المجلس النيابي، وسلطة قضائية وهذه السلطة القضائية عليها أن تكون حجر زاوية الأوطان، وفي حال لم تكن بهذا القدر يسقط الهيكل على الجميع. اليوم توصيف الواقع على أن هناك قضاء بأحسن الحالات بالتأكيد لا إنما ما نصبو إليه هو تمكين هذه السلطة القضائية من أن تكون سلطة قضائية مستقلة، فاعلة، محاسِبة ومحاسَبة، هذه السلطة القضائية، حجر الزاوية هذا، المحاماة هي لتحصينها، لمساعدتها، للوقوف إلى جانبها لأن قيام العدالة في الأوطان يقوم على ثلاثة ركائز، تقوم أولاً على سلطة قضائية أي القضاة وتقوم على المحاماة كفرسان حريات ومُطالبي حقوق وتقوم أيضاً على مساعدين قضائيين، وهذه الركائز الثلاث ترفع وتسمو بالعدالة، العدالة هي أمر أساسي داخل الأوطان، العدالة لا يمكن أن تتحوّل في أيّ وقتٍ من الأوقات إلى موضوعٍ تجاذبي.  

غسان الشامي: ولكنها موضوع تجاذبي في البلد، سيّدي القضاة هم بالأصل محامون. 

ملحم خلف: كلا.  

غسان الشامي: الكثير من القضاة كانوا محامين.  

ملحم خلف: كلا، العدد ضئيل جداً، القاضي هو مَن يحمل شهادة الحقوق ويدخل بمباراة من خلال معهد القضاة، في بعض الأحيان واستثنائياً لملء بعض الشواغر تم اللجوء في بعض المراحل إلى النقابة لأخذ واختيار بعض القضاة ولكن هذا استثناء. الأمر اللافت أننا اليوم لسنا بأفضل الأحوال داخل القضاء، كيف نستردّ للقضاء استقلاليته؟ أولاً برفع يد السياسيين عن القضاء وهذا الأمر هو جوهري بنيوي، لا يمكن للقضاء أن يطمئنّ في رسالته إن كان هناك وضع يد للسياسيين عليه. ثانياً رفع يد الإعلام بما يمكن له أن يؤثّر ضغطاً على ملفات قيد البتّ بها.  

غسان الشامي: ولكن مهمة الإعلام هي الإضاءة على الأمور الخاطئة.  

ملحم خلف: صحيح الإضاءة إنما ألا يؤثّر على القاضي الذي يبتّ بملف ما لأن هذا ضغط أساسي. الأمر الثالث هو رفع يد القضاة بعضهم عن بعض، والأمر الرابع هو رفع يد الصداقات عن القضاة. 

غسان الشامي: لماذا قلتَ صداقات ولم تقل زبائنيّة مثلاً؟ 

ملحم خلف: أنا أشرت إلى الصداقات كي أشير إلى رفع يد بعض المحامين عن القضاة، وبالتالي أنا أرى الأمور بمدى واسع، علينا جميعاً أن نتكاتف كي يصبح القضاة بمكانٍ مُطمئن عندما يصدرون أحكامهم.

غسان الشامي: سيّدي أنت صريح وأنا أعرف ذلك، القضاء والسياسة في بلادنا منذ بداية هذه المرحلة جميعنا نعلم كيف تدخّلت السياسة في القضاء، ألم تتدخّل السياسة في بنية المحامين في لبنان أيضاً؟

ملحم خلف: كلا، أنا لا أعتقد، سأقول مقولة لفولتير"أخالفك في الرأي حتى الموت، وحتى الموت أدافع عن إبداء رأيك"، هذا الكلام يختصر المحامي، كل محامٍ لديه قناعات، لديه معتقدات، لديه خيارات سياسية، فلسفية، حزبية، أياً تكن إنما يجب أن يكون ضمن احترام الاختلاف، والاختلاف ليس خلافاً، فضمن هذا السياق نحن متنوّعون بهذا الاختلاف الغني لأن هذا غنىً لنقابة المحامين، أما أن نصبح جميعاً بنفس اللون الفكري والمعتقدي نصبح صورة باهتة جداً.  

غسان الشامي: لا أقصد أن يكون كل المحامين بلونٍ واحد وبطريقةٍ واحدة ولكن قلتَ إن الخلاف لا يفسد للودّ قضية، ولكن أيضاً الشروخ السياسية الكبرى في البلد لعبت دوراً كبيراً لدى الكثير من المحامين في بلادنا.  

ملحم خلف: صحيح ولكن هذا الأمر لا يفضي إلى وضع اليد على نقابة المحامين، نقابة المحامين لم تكن يوماً تحت سيطرة أيّ حزبٍ ولا يمكن أن تقبل، وبالتالي في وقتٍ من الأوقات كان هناك تأثير لبعض التيارات السياسية بداخلها نعم لأن هناك خيارات يمكن لأيّ محامٍ أن يكون بهذه الخيارات، أما أن يضع أي خيار سياسي يده على نقابة المحامين فلم يكن هذا ممكناً لأن المحامي ينتفض لهذا الأمر ولأن المحامي هو هذا الشخص المنفتح على الاختلاف، أما السقوط بمنحىً إقصائي لا سمح الله هنا يجب التنبّه للمحامين أن يكونوا هم مثالاً للقدوة في مجتمعنا الذي يجب أن نجنّبه الانزلاق نحو الحقد أو الكراهية، هذه مسؤولية على المحامي، أن يكون مثالاً للمواطن الصالح لأنه إذا سألتني عن الفساد سيكون لي كلامٌ آخر.      

غسان الشامي: سأسألك عن الفساد لأن لبنان كما قلت في المُقدّمة يحتل المرتبة 138 من أصل 180 بالفساد عالمياً، كيف يحصّل المحامي حقوق الناس في ظل هذا الفساد العميم؟

ملحم خلف: سأكون صريحاً جداً، دعنا نتّفق بأن الفساد بنيوي داخل المجتمع اللبناني وأصبح بنيوياً لأن الأمر يتناول أفقياً وعامودياً شيئاً أساسياً وأنا جزء منه، لهذا الحد أنا أعتبر نفسي جزءاً من منظومة يجب إسقاطها. لبنان لسوء الحظ في 2007 أتت الطبقة السياسية وأعلنت أنها ستكون بمنظومة توافقية، ستحكم بمنظومةٍ توافقية، للوهلة الأولى كل الناس تعتبر أن التوافقي هو أجمل ما يكون في الحُكم إنما أسقطت كل الطابع الديمقراطي للدولة، ولتكوين السلطة التنفيذية اعتبرت أنه يكفي لها أن تكوّن نفسها من السلطة التشريعية فأضحت هي سلطة تشريعية مُصغّرة، ما أسقط الرقابة السياسية على السلطة التنفيذية. في نفس الوقت أسقطت السلطة القضائية فوضعت يدها على القضاء، وألزمت السلطة السياسية القضاة بأن يأتوا إليها كي يستفيدوا من تعيينٍ ما أو من مواكبة ما.   

غسان الشامي: إسمح لي أن نتابع بعد الفاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع نقيب المحامين في لبنان الدكتور ملحم خلف، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، تقريرٌ عن السجون في لبنان ونعود بعده إلى الحوار مع النقيب ملحم خلف.

تقرير:

صحيحٌ أن السجن سبيلٌ يعتمده المجتمع لمعاقبة مُخالفي القوانين واحتجاز حرية المُنحرفين والمُجرمين لردعهم ومنعهم من تكرار جرائمهم، ما يقتضي شروطاً معيّنة للإصلاح مع احترام حقوق الإنسان وهذا غير متوفّر في لبنان.

يوجد في لبنان 19 سجناً للرجال و4 للنساء وسجن واحد للأحداث وآخر للقاصرات، وقد بلغ عدد السجناء 5898 سجيناً حتى مطلع حزيران يونيو الجاري.

تعاني السجون من الاكتظاظ الشديد وغياب المنشآت الترفيهية والصحية وعدم المحاكمة والتوقيف بعد انتهاء المدة بسبب تراكم الغرامات، ومن انتهاك الحقوق الأساسية بنِسَبٍ تتفاوت بين سجنٍ وآخر كخلط المساجين وإلغاء أو الحدّ من الحق بالنزهة اليومية، والعناية الصحية غير المناسبة والبيئة غير المؤاتية للصحة الشخصية والعامة، وغياب النشاطات التربوية والاجتماعية والاقتصادية وصعوبة إجراء الزيارات.

أما أبنية السجون فلا تنسجم مع المعايير الدنيا من حيث عدد الغرف والأسرّة والهندسة والتجهيزات الفنية، يُضاف إليها غياب الإرادة الجدّية للإصلاح حيث اعتبرت منظمة العفو الدولية أنها تعجّ بأشخاصٍ يجب أساساً ألا يكونوا فيها لأن القضاء يتأخّر في معالجة قضاياهم أو لأنهم غير قادرين على دفع الغرامات المفروضة عليهم.

 ودعت السلطات إلى إطلاق سراح السجناء الذين أنهوا محكوميّاتهم، وازداد الأمر سوءاً خلال أزمة كورونا حيث يقوم السجناء أحياناً بالاعتصام وأعمال شغبٍ والفرار وتشطيب الجسد بالأدوات الحادّة.

غسان الشامي: تحيّة لكم، قبل أن نتكلّم عن السجون بعد هذا التقرير آمل أن تكمل بموضوع الفساد.

ملحم خلف: أشكرك، كنت أحاول أن أفسّر منظومة الفساد التي كبّلت وقيّدت المنظومة السياسية. كنت أشرت إلى أن هناك مُحاصصة باسم التوافقية، كانت الرقابة السياسية قد عُطّلت ووضع اليد على القضاء قد عطّل الرقابة القضائية، فأضحت الحكومة أي السلطة التنفيذية متفلّتة من أية رقابة باستثناء الأمور التي وضعتها لنفسها، وضعت لنفسها قيداً أو شرطاً مُتبادلاً بعضها على بعض، بما أنهم جميعاً قد تقاسموا السلطة فأكّدوا على أن هناك أمراً واحداً سيتمّ التداول فيه وهو القيود، أضع قيداً عليك وتضع قيداً عليّ، هذا ما سُمّي بالثلث المُعطّل أو الضامن أو ما شابه، هذا الأمر أفضى إلى أنه ليس هناك من حكومة مُتجانسة مُتعاضدة متضامنة برؤية واحدة، أصبحت الحكومة مراكز تناحُر وتنافُس ولم تعد الحكومة سلطة برؤيةٍ واحدةٍ إنما السلطة التنفيذية يجب أن تسيّر شؤون البلاد. هناك بعض المشاريع للدولة وهذه المشاريع يجب أن يتم إنجازها، السلطة التنفيذية وضعت من حولها بعض المقاولين، هؤلاء المقاولون أصبحوا هم الجهات التي تأخذ المشاريع على عاتقها.  

غسان الشامي: أين السلطة القضائية منهم؟  

ملحم خلف: عطّلوا السلطة القضائية وعطّلوا السلطة التشريعية ولم يبقَ إلا السلطة التنفيذية، فأصبحت المشاريع بيد هذه السلطة التنفيذية، أعطت هذه السلطة التنفيذية المشاريع لأشخاصٍ تتوافق عليهم وفق الشروط التي تعتبرها مؤاتية لها، وكانت تتم ليس وفق مُناقصات بشكلٍ قانوني وإنما بالتراضي أو بغير التراضي. الذي جرى هو أن هذه السلطة التنفيذية لنفترض جَدَلاً عليها أن تقوم بصيانة جسر أو مرفق آخر أو أي شيء، فيأتي هذا المقاول أو المُتعهّد عليه أن يؤدّي أفقياً نوعاً من المُقاسمة ما بين هؤلاء الناس الذين أفضوا إليه هذا المشروع، هذا على المستوى الأفقي. على المستوى العامودي هذا الشخص عليه أن يأتي بتراخيص، عليه أن يكون من ضمن الإدارة، من أعلى الإدارة حتى أسفلها أصبحت في منظومة فاسدة، فأصبح لدينا سلّم، ما بين أفقي وعامودي المنظومة هي منظومة فساد. كيف أبدأ بمحاربة الفساد؟ أبدأ من ذاتي، لن يكون المحامي بعد اليوم جزءاً من هذه المنظومة، لن يكون المحامي متوارياً عن قَسَمه ونحن الذين كنّا جزءاً من هذه المنظومة، هكذا نبدأ، علينا أن نكسر هذه الحلقة ضمن منظومة الفساد هذه، هكذا نبدأ وهكذا نستعيد الثقة بالذات، نُعيد لأنفسنا وللعدالة الثقة بالذات. 

غسان الشامي: قبل أن تُستعاد الثقة بالمفهوم الحقوقي لأن الدولة من دون مفهوم حقوقي ساقطة، لا يمكن أن نتواطن بين بعضنا بمفهوم المواطنة من دون سلطة قضائية خارج إطار المُحاصَصة والفساد. سأعود إلى هذا ولكن إسمح لي كي لا أبتعد عن التقرير، لقد ذهبتَ وشاهدتَ بنفسك، ما هو وضع سجون هذا الوطن الصغير؟ 

ملحم خلف: لسوء الحظ إن أمكنة الاحتجاز داخل مجتمعنا غير لائقة بالإنسان، فهذه الأمكنة يندى لها الجبين ولا يمكن بأيّ وقتٍ من الأوقات أن تكون هذه الأمكنة أمكنة احتجاز، لذلك علينا أن نصوّب الأمر ليس على المسؤولين فقط وكأننا خارج المسؤولية، جميعنا مسؤولون.  

غسان الشامي: أحياناً تعميم المسؤولية يضيّع القضية سعادة النقيب. 

ملحم خلف: أنا من الناس، إذا لم أقل بأنني مسؤول أضيّع المسؤولية، أنا مسؤول اليوم بقدر مسؤولية الدولة لأن الدولة اليوم عاجزة وليست لديها الإمكانيات لأن تأتي بأيّ موضوعٍ ضمن هذا السياق. عندما تكون السجون فقط مأخوذة بالطابع الأمني هل هذا هو الأمر الذي يمكن الأخذ به؟ لدينا ثمانية آلاف سجين داخل 25 سجناً و261 مركز احتجاز من نظارة أو مخفر. هذا لا يمكن أن نقبل به، هناك بعض الأمكنة لا يمكن أن أصف كيف تكون، وإذا وصفتها هي إهانة لي لأنها تمسّ بكرامة الإنسان، في بعض أماكن الاحتجاز ليس هناك من مرحاض.

غسان الشامي: أنت قلت يندى لها الجبين، أنت نزلت إلى إحدى الثكنات وقلت لم يعد بالإمكان توقيف أحد من دون تعيين محامٍ منذ أشهر، أليس كذلك؟ 

ملحم خلف: صحيح.  

غسان الشامي: ولكن حتى اللحظة ما زال هناك انتهاك لكرامة الإنسان وانتهاك لكرامة الموقوفين، وهناك أشخاص حتى اللحظة لم يُبتّ في قضاياهم ويتم توقيفهم من دون تعيين محامٍ لهم. 

ملحم خلف: دعني أوضّح، التوضيح ضروري لأن نقابة المحامين كسبت معركة أساسية لحقوق الإنسان، فرضت تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، أيّ توقيف وأيّ احتجاز لأيّ شخصٍ أينما تواجد حتى داخل الثكنات العسكرية يصبح دخول المحامي أمراً حقوقياً وقانونياً وهذا ما جرى. اليوم يمكن أن أؤكّد وبالعلن أنه لا توقيف ولا احتجاز من دون أن يدخل المحامي فوراً وأن يلتقي بأيّ موقوف، وأؤكّد لك أنه من تاريخ وصولي إلى النقابة هذا من الأمور التي قامت بها نقابة المحامين، لا خلاف حتى مع القضاء لأن القضاء يُطبّق هذه المادة، أما كيف يتمّ تسريع المُحاكمات فهذا أمر آخر.

غسان الشامي: ماذا يمكن أن تفعلوا بالسجون أنتم كمحامين؟

ملحم خلف: أولاًعملنا على ثلاثة أمور، الأمر الأول هو أننا دخلنا كافة السجون وكلّفتُ شخصياً مع نقيب المحامين في طرابلس، كلّفنا لكل موقوف ليس لديه القدرة على تكليف محامٍ أصبح لديه محامياً، بشكل قطعي لم يعد هناك من شخص ليس لديه محامٍ، وأي شخص ليس لديه القدرة على توكيل المحامي كلّفنا له محامياً. الأمر الثاني الاكتظاظ داخل السجون مع جائحة كورونا، عطّلت المحاكم ومع تعطيل هذه المحاكم صدر تعميم عن المدّعي العام التمييزي الذي أشار أنه يمكن تقديم طلبات إخلاء السبيل من خلال اتصال هاتفي، تلقّفنا هذا الأمر وقامت نقابة المحامين بوضع آلية لتمكين هذا الاتصال الهاتفي لتحويله من اتصالٍ هاتفي إلى وَرَقي ويتم نسخه إلكترونياً ليُمسح وبعد المسح يُرسل إلى القضاء. بهذه العملية التي وافق عليها مجلس القضاء الأعلى ورئيسه كما وزيرة العدل، بهذا التكامل وهذا التعاون أقمنا غرفة عمليات، منذ مئة يوم حتى اليوم وصل إليها ما يزيد عن 4300 معاملة، ومن أصل 4300 معاملة حُوّل إلى الهيئات القضائية ما يزيد عن 2900 معاملة، خلال هذه الفترة حوالى 1890 طلباً بُتّ به. 

غسان الشامي: هذه من فضائل كورونا. 

ملحم خلف: هذه من فضائل التعاون القضائي والمحاماة، عندما نكون أمام هكذا مُعضلة يخلق الإنسان من هذا الوجع الأمل، هذا الأمل هو الأساس. 

غسان الشامي: في ما خصّ قانون العفو هناك موقوفون، هؤلاء الموقوفون إلى متى لن يبتّ بهم أولو الأمر؟

ملحم خلف: دعنا نتّفق، قانون العفو هو قرار سياسي، هو موضوع تجاذبات سياسية ليس لنا فيها من أمر وقد تبيّن هذا الأمر إلى العَلن، لا يمكن أن يكون هناك عفو من دون قرار سياسي. لا يمكن أن نقبل بأن نرى هذا الاكتظاظ داخل السجون من دون أن نكون من المواكبين لهذا الأمر، لذلك لدينا الأفكار العديدة منها غرفة العمليات التي أقمناها مع خطٍ ساخن، مع كل المواكبة الإلكترونية والتقنيات الحديثة، وقد ساهمنا باعتماد الجلسات عن بُعد من خلال التقنيات العالية والتي تواكب قضاة التحقيق، ساهمنا في تمكين بعض القضاة على إتمام الجلسات عن بُعد، كل هذا الجهد بأرقام من وزارة العدل تقول خلال هذه المئة يوم تمّ إخلاء سبيل 1270 موقوفاً خلال فترة كورونا إنما هذا لا يكفي. اليوم أيضاً هناك مُقاربة من قِبَل وزارة العدل من خلال إمكانية وضع عفو خاص، العفو الخاص الذي يعود من خلال وزارة العدل بشخص وزيرة العدل أن تعرض على فخامة رئيس الجمهورية بأن يأخذ بعين الاعتبار بعض الحالات التي يمكن أن تُشمَل بعفوٍ خاص. نقابة المحامين في بيروت أخرجت من السجن بتسديد غرامات كان على المحكومين والذين قضوا محكوميّتهم أن يسدّدوها ولم يكن لديهم إلا تسديد الغرامات، أخرجنا 126 محكوماً. 

غسان الشامي: أريد أن أقول للسادة المشاهدين إن في لبنان نقابة محامين ولكن هناك نقابة محامي بيروت ونقابة محامي الشمال، في الشمال هناك 1400 محامٍ وال 14 ألفاً من كل لبنان في بيروت.

ملحم خلف: كلا، 14 ألفاً يتوزّعون بين بيروت وطرابلس. 

غسان الشامي: نعم ولكن في طرابلس هناك 1400 محامٍ لأن البعض في العالم العربي يستغرب أن هناك نقابة في بيروت ونقابة في طرابلس.

ملحم خلف: في العالم كلّه هناك عدد كبير من النقابات.

غسان الشامي: سيّدي بالنسبة إلى المحامين على ما أذكر في 1961 أضرب المحامون اللبنانيون، لم يكونوا يريدون كلية حقوق جديدة في الجامعة لأن عدد المحامين كان كافياً، أعتقد أنهم كانوا في ذاك الوقت حوالى 3000 محامٍ أو أقل بقليل، ربما 2800، ولكن نحن الآن أمام 14 ألف محامٍ في بلد عدد سكانه 5 ملايين نسمة، هل هذا منطقي؟  

ملحم خلف: الأمر لا يتعلّق بالمنطق أو اللامنطق، هذه إمكانية لكل شخص أن يقوم بمهنة حرة، إنما النقابة الإلزامية عليها أن تضع بعض الضوابط لتمكين أعضائها من تأدية رسالتهم، تأدية الرسالة لا يمكن أن تكون انتقائية، لا يمكن أن تكون تمييزية، لا يمكن أن تكون إقصائية لأن لا إمكانية للولوج إلى مهنة المحاماة بأن تكون هناك معايير إقصائية أو تمييزية، لذلك المُقاربة يجب أن تكون مُقاربة بالمسؤولية، مَن عليه المسؤولية أن يتحمّل الرسالة بما لها من مسؤولية للدفاع عن الحريات، لخوض الدعاوى والحفاظ على الحقوق والأموال، أنا لا أرقى إلى الإقصاء بالعدد وإنما بالمسؤولية. 

غسان الشامي: ضاق بي الوقت ولديّ بعض الأسئلة، أنت عضو في اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري. 

ملحم خلف: سابقاً.

غسان الشامي: نعم ونائب رئيس اللجنة، في زمن التوحّش هذا لاحِظ ماذا يحصل في أميركا التي تقول إنها تدافع عن حقوق الإنسان، في زمن التتبّع الرقمي في بعض الدول، ماذا يجب أن يفعل المحامي؟ ماذا يجب أن يفعل القضاء؟

ملحم خلف: ماذا يجب أن يفعل الإنسان وليس فقط المحامي، المحامي قدوة بالتأكيد إنما هو قبل كل شيء يعلو برتبة إنسان. 

غسان الشامي: ماذا يجب أن يفعل؟

ملحم خلف: أولاً يجب أن يكون بمرجعية قِيَمية، العالم اليوم يتخبّط مع نفسه لأنه أسقط القِيَم لمصلحة المصالح، سياسات العالم قائمة على المصالح، على هذا الكمّ من المصالح الذي يُسقط الإنسان، علينا أن نعود إلى أن الخيارات الأولية في العالم لا يمكن أن تكون إلا أولويّة ألإنسان، هذا كلام لا يمكن أن يقابَل بالقول إن هذه طوباويات، الطوباويات هي التي تفعل الإنسان، فإذا لم يكن الإنسان في صميم الخيارات السياسية تسقط السياسات وهذا ما يسقط اليوم في الولايات المتحدة وفي كل أنحاء العالم عندما نرى أننا أسقطنا القِيَم لمصلحة المصالح.

غسان الشامي: سؤال أخير وبأقل من دقيقة، هل هناك ضرورة لتحديث القوانين في لبنان؟

ملحم خلف: بالتأكيد نعم، هذا النمط الطبيعي والتطوّر الطبيعي.

غسان الشامي: هل يمكن القيام به؟

ملحم خلف: نعم، نحن نشارك اليوم بوضع تشريعات ونشارك بمُقاربةٍ تشريعيةٍ حول قانون استقلالية القضاء، حول استعادة الأموال المنهوبة، حول القوانين الفرعية التي تطال الفساد.

غسان الشامي: هل من قانون مدني من دون دولة مدنية؟ 

ملحم خلف: لبنان هو في منظومة مدنية علينا أن نطوّرها بمنظومة المواطنة، ومنظومة المواطنة تستند إلى حجر زاوية هو التعاضد، هذا التعاضد هو الذي يمكن أن يقارب المواطنة، ومن دون هذا التعاضد لا يمكن قيام أمل للدول. 

غسان الشامي: أشكرك سيّدي. كيف يمكن للمواطن أن يصل إلى حقوقه في بلادٍ يستبيحها الفساد والمحسوبيات والاستزلام السياسي؟ كيف يمكن نَيْل حقوق الإنسان الأولى ما دامت حقوق الطوائف والمذاهب والإقطاعات هي المسيطرة؟ إنه النضال الأكبر من دون رَيْب. شكراً للسيّد نقيب المحامين في لبنان ملحم خلف على حضوره في أجراس المشرق وإضاءاته ومحاولة قرع جرس العدالة، الشكر لزملائي في البرنامج، كل الشكر والمحبة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.