الكاتب حسن حمادة

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. كاتبٌ وباحثٌ ومُحلّل سياسي يتميّز بصراحة القول ووضوح الموقف وجُرأة التعبير. صاحبُ وجهة نظر فيما يدور من وقائِع وأحداث في وطنه وفي العالم. الإصغاء إليه مُتعةٌ فكريّةٌ وإنسانيّة تجعلنا نرى الأمور من زاوية أُخرى مُختلفة عمّا يُراد لنا أن يغسِل عقولنا ويُزيِّف وعينا ويصرِف انتباهنا عن قضايانا المُحقّة والعادلة. نسأله الليلة عن نظرته إلى ما يعيشه العالم من أزمات وتحوّلات ونقرأ معه آفاق الآتي بعد المخاض الهائِل الذي تشهده البشريّة عشيّة ولوجها عشراً جديدةً من سنواتٍ نتمنّاها سماناً على الإنسان المُثقل بعجاف السنين والأيام. "بيت القصيد" بيت المبدعين العرب يُرحِّب بالكاتب والباحث الدكتور "حسن حمادة" أهلاً وسهلاً شرّفت "بيت القصيد"

حسن حمادة: لي الشرف، الله يخلّيك

زاهي وهبي: الله يخلّيك. سؤالي الأول هو كيف تنعكس عليك كإنسان في هذا العالم المعاصر اليوم الأزمات الطاحنة التي تعيشها البشريّة سواء على مُستوى العالم أو على مُستوى عالمنا المحلّي والعربي؟

حسن حمادة: في الواقع مثل أغلب الناس. الأشياء التي اسمها أزمات البشرية هي في الواقع عملياً ناجمة عن شيء واحد هو مسألة الهيمنة والعودة إلى مشروع استعباد البشر. إذاً هناك أزمة واحدة هي ولّادة مشاكل أينما كان في العالم، يعني هنالك قضيّة إنسانية واحدة وهنالك أزمة عالميّة واحدة. من مصلحة مفتعلي هذه الأزمة، وهي الإمبراطورية التي تفتعل الأزمة وهذا هو الواقع، من مصلحتها أن تروِّج أنّ هنالك مشاكل في العالم، هنالك أزمات اقتصادية في العالم، ولكن هناك أزمة واحدة عملياً

زاهي وهبي: سببها السعي للهيمنة على كلّ مصادر وخيرات هذه البشرية

حسن حمادة: فقط

زاهي وهبي: ولكن على المُستوى الإنساني، قبل أن نذهب أبعَد، هل تطرح أمامك هذه الأزمات، هذه الحياة وما نواجهه فيها كبشر أسئِلة وجوديّة عن معنى وجودنا، عن معنى حياتنا، عن معنى ما نواجهه وما يفتعله الإنسان تجاه أخيه الإنسان؟

حسن حمادة: طبعاً أول مسألة، الأمر الذي يُشكِّل تحدياً واستفزازاً لإنسانيّتنا، هي أن نرى بأُمّ أعيننا العودة إلى مشروع العبوديّة، استعباد البشر وبالتالي استعبادنا، وبالتالي استعبادي أنا العبد الفقير أيضاً. العودة إلى هذا المشروع وبقوّة كبيرة هذه أول مسألة. المسألة الثانية أنّ المُدهِش في الأمر هو طريقة تطويع، مثل زمن المُطاوعة، تطويع الشعوب وكيف يتمّ تطويع الشعوب عبر التلاعب بقناعاتها بحيث أن تُصبِح الشعوب قابلة لمشروع العبودية الذي ينال منها

زاهي وهبي: وتُدافع عنه أحياناً في بعض التيارات أو بعض الأفكار

حسن حمادة: وتُدافع عنه، وأكثر ما هو مؤذٍ في المسألة هو أنّ مهنتنا نحن التي هي مهنة الإعلام هي الوسيلة الأساسية لترويج ثقافة الكذب وهذه مسألة فظيعة

زاهي وهبي: دائِماً يُقال أنّه من رحم الأزمات الكُبرى خصوصاً اليوم، بالإضافة إلى وجود جائِحة عالمية إسمها "كورونا"، هلّ لديك تصوُّر أنّه قد يولَد شيء جديد في هذا العالم؟ كثيراً ما نقرأ وما يُكتب عن أنّ ما بعد "كورونا" ليس كما قبل "كورونا". هل عندك تصوُّر كباحث وكمُحلّل لعالم ما بعد "كورونا" مثلاً؟

حسن حمادة: أجل. المسألة الأولى تصوّرات، مُجرّد تصوّرات لأن لا أحد يعرِف، حتّى مسألة "كورونا" هناك ألف علامة استفهام حولها. مثلاً الشيء الذي أحسّه صارِخاً هو أنّه بسبب هذه الأزمة الكبيرة لا يُثار موضوع الخمسة وعشرين مختبراً أميركياً في البكتيريا المنتشرين في العالم وكلّ نشاطهم سرّي، لكن ما هو دورهم في هذه المسألة؟

زاهي وهبي: هناك صحافيّة بلغاريّة أعتقد إذا لم أكن مُخطئاً

حسن حمادة: صحّ، منذ فترة

زاهي وهبي: قُتِلت لأنّها قامت بربورتاج عن أحد هذه المُختبرات، أعتقد المُختبر كان في (جورجيا) أو في إحدى البلدان الأوروبية

حسن حمادة: صحيح، في (جورجيا)، كان ذلك في (جورجيا) وشاهدنا بعض المقاطع على التلفاز

زاهي وهبي: صحيح

حسن حمادة: ولكن المسألة أنّ اليوم لا أحد يُثير هذا الموضوع. فظاعة، هناك ستار حديدي مُرعِب، والستار الحديدي الفعلي ليس الستار الحديدي الغبي الذي كان في زمن المُعسكر الشرقي، الستار الحديدي الموجود في المُعسكر الغربي الذي لا يُرى بالعين المُجرّدة يقول لك إنّ كلّ شيء مسموح ولكنه يُجرِّدك من أية قدرة من قدراتك

زاهي وهبي: يُسخِّر كلّ الأدوات المتاحة أمامه من إعلام وسينما وثقافة وفن ويوظّفها في اتجاه واحد

حسن حمادة: ما هو مصير مثلاً الإعلام؟ هذا موضوع أطرحه على نفسي، ما هو مصيره؟ اليوم هناك جريمة كبيرة في حقّ البشريّة والإعلام شريكٌ بها. هذه حقيقة

زاهي وهبي: قبل أن نتوسّع دعنا نخرُج من جوّ الاستديو ونذهب لنزورك برفقة زميلتنا "سحر حامد" إلى (بعقلين)

حسن حمادة: أهلاً وسهلاً

زاهي وهبي: المدينة الشوفيّة الجميلة التي قدّمت الكثير من المُبدعين اللبنانيين في كلّ المجالات

قطع وصل - حسن حمادة:

- عندما ولِدت في هذا البيت، الحجر الأول الذي وُضِع فيه كان بعد معركة (عين دارة) 1711 وكانت تلك سنة البدء في تشييده  

- أكيد، البيت الذي يولَد فيه المرء فيه أكثر الحنان له. كلّ شيء يرمز إلى (بعقلين)، بيوتها ترابها وكذا، هناك شيء يشُدّ وهذا قوي جداً ولا يُمكننا أن نُفسّره لكن هناك شيئاً يشُدّ كثيراً

- في حياتي لم تكن الصحافة ولا السياسة حلوة. دخلت إلى الصحافة لأنّني لم أكن أعرِف ماذا سأفعل، كما عندما تعلّمت القانون لم أكن أعرِف ماذا سأفعل. تخصّصت في القانون الدولي العام في الأساس بصراحة لأنّ له علاقة كبيرة بالعلاقات الدوليّة وأحببت هذه الشغلة، أحببتها كثيراً

- هناك مُصادفات في الحياة تحدُث يدخل الإنسان فيها، ثمّ السياسة خصوصاً في بلادنا مصيبة ووسخة جداً جداً

- أكثر ما يُقلقني، عندما يكون وضع بلادنا هو وضع كوكب الأرض كلّه وهو تنامي الظلم الاجتماعي في شكلٍ لا يُطاق، وبالتالي الغنى الفاحش الذي هو إجرام في أساسه ومظاهر التوحُّش وسياسة الاستعمار الذي يُجدّد نفسه في شكلٍ فظيع، والآن هناك تحدّي العبودية أمامنا وهو تحدٍّ صارِخ ومُخيف ربما لا يقدّره الناس بعد على حقيقته كخطر داهم، أساس كلّ المصائِب المُقبلة سيكون الوقوع في العبودية. لم يعُد يوجد مُجتمع لبناني وهذا ما لم يفهمه بعد اللبنانيون، لم يفهموا ما معنى السقوط إلى ما دون التشكُّل الاجتماعي الذي هو من أخطر ما يكون وهو كم في إمكاني أن أُسهِم قليلاً في هذا الموضوع

- لا يُمكن أن أرى نفسي مُعتزلاً وفي عُزلة على الإطلاق. أُحبّ الناس ونحن مخلوقات اجتماعية عملياً ولا يجوز أن نقبل بانتحار المُجتمع في هذا الشكل

زاهي وهبي: جميل جداً عندما يكون الإنسان يعيش في بيت إلى هذا الحد أحجاره شاهدة على أحداث وشخصيات. ما هي المشاعر والأحاسيس التي يعيشها؟

حسن حمادة: طبعاً أولاً حينما أجلس داخل البيت أحب أن أخبط بإصبعي على الحائِط

زاهي وهبي: تحسّ إنك تسمع

حسن حمادة: وهناك أيضاً طبقة خلطة الكلس وغيره التي تُحدِث صوتاً وتحسّ أنّ هنا ذاكرة للحجر

زاهي وهبي: "كلّين" نقول لها بالعربي الدارج

حسن حمادة: أجل المواد هي "كلّين و"عقد"، والحائِط في بعض الأماكن متر ونصف المتر وأنا أُحب هذا الشيء

زاهي وهبي: ربما سؤال عن هذا الرفض عندك للظُلم والعبودية والاستعباد والاستعمار وكلّ هذه المُصطلحات وأنت سليل عائِلة عريقة آل "حمادة" الكرام وإبن بيت

حسن حمادة: أقلّ الناس نحن

زاهي وهبي: من أين هذه النزعة

حسن حمادة: نحن أقل الناس ونعيش إنسانيّتنا لأنّ في النهاية لا أحد أحسن من أحد في هذه الدنيا على الإطلاق

زاهي وهبي: أكيد هناك شيء ألهمك أو هناك مؤثرات وقراءات ربما، لا أدري. لكي يكون عند الإنسان نزعة رافضة للظلم يجب أن تكون هناك أسباب

حسن حمادة: القراءات وخلافه جاءت لاحقاً. طوال عُمري، منذ أن كنت ولداً مثلاً كان هناك شيء إسمه Cowboy، "أبطال ولصوص" نسمّيهم كأولاد، أنا طوال عُمري كنت مع اللصوص

زاهي وهبي: وليس مع أبطال الـ Cowboy

حسن حمادة: لا لا، كنت أتعارك مع الكلّ

زاهي وهبي: لأنّ الـ Cowboy هو اللص الحقيقي، لص العالم كلّه

حسن حمادة: لا يُمكنني أن أتحمّل الظلم، مسألة القبول بالظلم لا تدخل في رأسي، لا أحد له الحق في أن يظلم الآخر

زاهي وهبي: في ظلّ هذا العالم اليوم الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، منذ عدة أيام كنت أسمع الباحثة والدكتورة المغربيّة "زهور كرام" التي كانت ضيفتنا منذ فترة، كانت تتحدّث عن أهميّة إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية اليوم، يعني علم الاجتماع وعلم النفس والآداب إلى آخره لأنّها حاجة لمعالجتنا ربما أو لتنويرنا من الآثار التي نعيشها في عصر العبودية المُعاصرة أو الكونيّة

حسن حمادة: طبعاً لأنّ الأمور صارت عملياً أنهم يأخذوننا إلى شيء معناه أنّ الثقافة هي التقنيات الحديثة. مثلاً، الآن من الشيء الجديد الذي يُروّج هو مسألة الترجمة التي تعفي الناس من تعلّم اللغات. بمعنى أتحدّث إليك بالعربية وتتحدّث لي بالإنكليزية وأفهم أنا كلامك

زاهي وهبي: نعم، وجهاز صغير في أُذنك

حسن حمادة: وأفهم أنا كلامك وصوتك، يعني عملية تزوير فظيعة، فقط لكي نأخذ فكرة كيف يتم التزوير. نفس صوتك بكلمات أنت استخدمتها، يتغيّر موقع الكلمات والأحرُف وتسمعها باللغة العربية بحيث أنّه يتزوّر كلّ شيء

زاهي وهبي: لكن البعض يرى أنها تُسهِّل الحياة وأنّ هذه خطوات إلى الأمام وليست إلى الوراء

حسن حمادة: لا، هذه إلى الوراء كثيراً لسبب بسيط، لأنّ الأجيال التي تكبر لم تعد تريد أن تتعب على نفسها لتتعلّم طالما الآلة شغّالة وتوفّر لها كلّ شيء. في هذه الطريقة يقودوننا إلى المسلخ، إلى العبودية لأنّ في اللحظة التي يُريدونها يُعطّلون هذه الآلة وتحلّ مُصيبة المصائِب. ولسوء الطالع، الجيل الشاب يذهب في هذا الاتجاه بسرعة مُذهلة. الدليل الأكبر وحضرتك أديب وشاعر وتعرِف وتُعاني أكيد من كيف تُذبح لُغتنا العربية الجميلة الحلوة، هذه العملية نراها عبر الإعلام المرئي والمسموع. الحمد لله أنتم في "الميادين" تهتمّون بموضوع اللغة العربيّة، لكن كيف تُذبح لغتنا؟ لأنّه لم يعُد هناك اهتمام باللغة، لم يعُد هناك اهتمام باللغة

زاهي وهبي: صحيح. هذا العالم اليوم أو النظام المُهيمِن

حسن حمادة: كلّ اللغات تُصاب بنفس الشيء

زاهي وهبي: نعم، هذا النظام المُهيمن اليوم، النظام الرأسمالي الامبريالي سمّه ما تشاء، هناك كلام، يعني كُشِف اليوم ما حدث في (أميركا) مثلاً، في (الولايات المتّحدة) انهيار النظام الصحّي بسبب جائِحة "كورونا"، ثمّ ما يحدُث بسبب العُنصريّة والمُعاملة السيّئة وقتل "جورج فلويد" الرجل الأسود على يد شُرطي أبيض، البعض يرى علامات مفادها أنّ هذا النظام الرأسمالي وصل إلى مداه الأقصى، إلى حدّه الأقصى. هل ترى هذا الأمر؟

حسن حمادة: أولاً ما حدث في (الولايات المتّحدة)، أصح قول هو ما قاله أكبر عالِم وخبير في شؤون (الولايات المتّحدة) الذي هو "أليكسي دي توكفيل" الذي قال إنّ هذه البلاد هي البلاد الوحيدة التي انتقلت من البربريّة إلى الانحطاط من دون التعرُّف إلى المدنيّة. ولا يزال هذا القول، هذا الحُكم الذي أصدره "أليكسي دي توكفيل"

زاهي وهبي: يصحّ اليوم؟

حسن حمادة: بلا شكّ من ذلك والأمور تتجه نحو المزيد من الانحطاط، المزيد من التوحُّش لأنّ طبيعة النيو ليبرالية لا تستطيع على الإطلاق أن تتعايش مع دولة القانون ومع مبدأ الحريّات العامة والحقوق الفرديّة. لذلك الأمور تتجه نحو المزيد من التوحُش وبالتالي نحو المزيد من الظلم ومن التجهيل، تجهيل الناس. لذلك أنا أفهم أنّه نعم، العلوم الإنسانية يجب استنهاضها لكي تكون أداة تُسهِم في تحرّرنا من هذه العبوديّة

زاهي وهبي: في حقبات سابقة وحضرتك أدرى منّي كانت الأفكار والفلسفات شائِعة، بمعنى الشباب المتعلِّم القارئ يعرف الوجودية ويعرِف الماركسيّة ويعرِف البنيوية، يعرف بكلّ ما يحدُث في هذا العالم من نظريات وأفكار جديدة. اليوم تشعُر، ربما غلط ما أقوله لكنّه مُجرّد شعور، وكأنّ العالم لم يعُد يولِّد أفكاراً ونظريات جديدة

حسن حمادة: لا ليس غلط هذا صحيح جداً. العالم نعم يولِّد، موجود فيه، ولكن هذه الأفكار محجوبة، لماذا؟ لأنّ الستار الحديدي يمنع هؤلاء لأنّ السُلطة، سُلطة المال التي تتحكّم بهذا الستار الحديدي الذي هو الإعلام، تمنع هؤلاء من أن يصل صوتهم

زاهي وهبي: لماذا؟ لماذا تخاف هذه السلطات العالمية اليوم، لماذا تخاف أن يصل صوت المُفكِّر، صوت الفيلسوف، صوت الشاعر ربما والأديب إلى آخره؟

حسن حمادة: لأنّ المطلوب هو استعباد الشعوب وليس تحرّرها، هذه هي الحقيقة. هذه هي الحقيقة وسأُعطيك مثالاً بسيطاً. اليوم في دولة مثل (فرنسا) التي أمضيت نصف حياتي وأكثر فيها، تصوّر أنّ هناك مشروعاً لإخراج الناس من الحَجْر الذي هم فيه بسبب جائِحة "كورونا". أنسوا كلّ ما هناك من مؤسّسات فرنسية وعلماء وباحثين وخبراء وكذا ثمّ أحضرت الحكومة الفرنسية مؤسّسة أميركية لتُشرِف على إخراج الفرنسيين من الحَجْر. في التدقيق تبيّن أنّ مديرة هذه الشركة إبنة جنرال في "الموساد" الإسرائيلي. يعني الصهيونية موجودة أينما كان وتلعب دوراً في ضرب الحضارة الإنسانية، وهنالك اتجاه نحو تطبيق "الملتوسيّة" التي هي خفض عدد سكّان الكرة الأرضية عبر الأمراض وعبر الحروب، أمراض مثل جائِحة "كورونا"

زاهي وهبي: هلّ تميل إلى هذا الاعتقاد دكتور؟  

حسن حمادة: لا أميل لكن هم يتحدّثون. عندما مؤتمر مثل "دافوس" يزوره "بيل غايتس" ويقول هذا الكلام، أنّه لا بدّ من خفض العدد ربما عبر جائِحة أو أيّ نوع من الأدوات ومن اللازم الخفض لينزل العدد من ثمانية مليارات إلى مليار، ومن ضمن هذا المليار هناك مليون ذهبي كما يُسمّونهم والباقون يخدمونهم

زاهي وهبي: هؤلاء يكونون مجلِس إدارة العالم

حسن حمادة: هؤلاء هم الصهاينة والكذا والكذا، والمواجهة اليوم في (الولايات المتّحدة) هي بين هذين التيارين، بين الدولة القومية والجناح الآخر الذي هو الحكومة العالمية، هذا هو الواقع. طبعاً كلاهما أعداؤنا لكن هذه هي المواجهة

زاهي وهبي: هل العالم الذي دائِماً كان هناك سابقاً من جهة النظام والدول الرأسمالية الغربية التي عندها فلسفتها وتوجّهاتها وكان هناك النظام الاشتراكي الذي عنده فلسفته وتوجّهاته بمعزِل عن تقييم التجربة. هل يُمكن أن يستمرّ العالم على هذا النحو الذي نحن عليه اليوم؟ أم لا بدّ من أن يولَد شيء ما يقف في وجه هذا التوجّه القاتل في النهاية والمُدمِّر للإنسان في جوهره الإنساني؟

حسن حمادة: الأصول، نعم من اللازم أن يقوم هذا الشيء، لأن الأفكار موجودة ولكن هناك مُحاربة لها عبر التحكُّم بغرائِز البشر. أعني أعطي مثالاً، مجتمع صغير للأسف لم يعُد مُجتمعاً، يعني شعب (لبنان)، الشعب اللبناني سقط إلى ما دون التشكّل الاجتماعي لأنّه عملياُ موزّع إلى مُعتقلات طائِفيّة

زاهي وهبي: طائفية ومذهبيّة، نعم

حسن حمادة: فهذه تجعل عقل الإنسان يتخلّف، يتراجع. عندنا وعند غيرنا وأينما كان في العالم هناك عمليّة تراجع عقلي، شغل على التراجع العقلي لأنّ هذا دور البروباغندا في التجارة وفي المال، وإبن شقيقة "سيغموند فرويد" الذي هو "إدوارد بارنز" منظِّر البروباغندا قال: نحن دورنا أن نُحوِّل الإنسان من مواطن مسؤول إلى مُستهلِك موجَّه

زاهي وهبي: كأنهم يروننا لسنا بشراً بل زبائِن، بمعنى قيمة الإنسان في جيبه وما يمتلِكه من نقود وليس بما يمتلك من أفكار وحسّ إنساني وأحلام وتطلّعات وإلى آخره

حسن حمادة: حسّ إنساني معناه إنّك خطير. ما معنى حسّ إنساني بالنسبة لهم؟ لا يجور أن يكون هنالك حسّ إنساني، هذه جريمة وممكن أن تُقتَل إذا فكّرت هكذا أو استمريت في التفكير في هذا الشكل. شيء مرعب حقيقة البشر اليوم، وبعد ذلك هم محكومون بإيديولوجيا الكذِب. يا أخي الغرب ولّد إيديولوجيا الكذِب

زاهي وهبي: يكفي أن نرى كيف تَعامل مع (فلسطين). يعني ما يجري في (فلسطين) وكيف تُنقَل الصورة إلى العالم  

حسن حمادة: عُمرك أطول من عُمري، بالنسبة لي هذه قاعِدة القياس. معيار الحقيقة لمعرِفة مدى إنسانيّة أيّ إنسان أو أيّة فكرة أو أيّ تجمُّع أو أيّة دولة أو أيّ قانون هو ما يحدُث في (فلسطين)، هذه هي الأساس، (فلسطين). هذا الإنسان الفلسطيني العظيم الصابر والمقاوم قادر أن يُحاكِم وهو في موقع يسمح له أن يُحاكِم كلّ دول العالم

زاهي وهبي: إذا كان هذا النظام المُهيمن الذي يسعى إلى المزيد من الهيمنة بزعامة (الولايات المتّحدة الأميركية) يقمع بذكاء ومن دون أن يكون طوال الوقت يُلاكم، يقمع المُفكّرين والفلاسفة والأفكار وكلّ شخص قادر أن يقول "لا" في شكلٍ أو في آخر. في المقابل التيارات المُقاومة لهذا التوجّه هلّ تُدرِك فعلاً أهميّة، وتحدّثنا قبل قليل عن العلوم الإنسانية ونتحدّث عن الفن وعن الشعر والأدب إلى آخره، هلّ تُدرِك أهمية ما يُسمّى "القوّة الناعمة" في شكل أو في آخر؟ أم أنّها لا تزال قاصرة في هذه المعركة الكبيرة؟

حسن حمادة: مسألة إدراكها للقوّة الناعمة، عندك النُخبة المُعاكسة الذين هم المفكرون والفنانون ودورهم على العكس فظيع، هم يخوضون أشرس المعارِك ويُعوَّل عليهم لاستنهاض الشعوب. اليوم الرسم الكاريكاتوري الذي انتشر في هذين اليومين في العالم كلّه

زاهي وهبي: نعم، تمثال الحريّة نصفه والنصف الآخر الشرطي الذي يضغط على عنق "جورج فلويد" 

حسن حمادة: مثلاً هذا المثل. الرسم الآخر، ولاحظ كم يفعل الرسم، "جورج فلويد" وفوقه فلسطيني وفوقه هندي أحمر

زاهي وهبي: نعم، تاريخ الاضطهاد الأميركي للشعوب

حسن حمادة: تماماً. فدور الوسط الفنّي وبالتالي المتمرّدين في هذا الوسط وليس المُطيعين لأن المُطيعين كُثُر وهم الأكثرية، ولكن هناك نُخبة مُعاكسة دورها فعلاً يخدم الإنسانية جمعاء اليوم. اليوم كاريكاتور صغير يخرج من حيّ في (فلسطين) يخدُم قضيّة الحريّة في العالم كلّه وليس فقط في (فلسطين). طبعاً، لذلك أؤمن أنّه لا يجوز أبداً أن نرمي سلاحنا على الإطلاق، على الإطلاق. من اللازم أن نُقاوم لأنّ هناك قصّة كرامتنا كبشر

زاهي وهبي: صحيح، لست مهزوماً ما دمت تُقاوِم. طالما عندك القُدرة على المقاومة فأنت لست مهزوماً حتّى لو كان الزمن صعباً والظروف قاسية

حسن حمادة: بلا شكّ لأنّك إن لم تُقاوِم وقعت في العبودية

زاهي وهبي: لو سمحت لي سنتابع هذا الحديث العميق مع حضرتك دكتور "حسن حمادة" ولكن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني          

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نتابع "بيت القصيد" مع الكاتب والباحث والمُثقّف اللبناني العربي الدكتور "حسن حمادة". عطفاً على ما كنّا نحكيه قبل الاستراحة، بعض الكتّاب والمُحلّلين يُشبِّهون ما يحدُث في عالم اليوم، خصوصاً لجهة تصاعُد التيارات اليمينية والشوفينية في العالم، بالمناخ الذي كان سائِداً ما قبل أو عشيّة الحرب العالميّة الأولى والذي أدّى إلى ما أدّى إليه في ما بعد. هل تجد مناخاً من هذا النوع؟

حسن حمادة: أنا ضد هذه المُقارنة بالكامل

زاهي وهبي: لماذا؟

حسن حمادة: لسبب بسيط. لأنّ التيارات في الغرب التي إسمها معادية لليمين الشوفيني الكذا إلى آخره، هذه صارت كليشيهات، هم ما شاء الله أكثر المتحمّسين للحملات الاستعمارية وإلى تجديد الحملات الاستعماريّة، ثمّ دورهم في الجزء الثاني من القرن العشرين ولا أوسخ على صعيد جلد الشعوب وظلمهم وهم يخبّئون بالكامل هذه النظرية. ثمّ هناك شيء آخر أيضاً وهو أنّ نحن العرب ونحن كفلسطينيين أيضاً نرتكب خطيئة كبرى

زاهي وهبي: وهي؟

حسن حمادة: عندما نصف الظلم الإسرائيلي الصهيوني بأنّه يُشبه النازيّة وهو فاشيّة. أعوذ بالله، الفاشيّة والنازية يجب أن يوصفا بأنهما صهيونية، يعني العكس. قاعدة القياس هنا في الأذى والسوء هي الصهيونية التي منها ولِدت هذه التيارات السياسية

زاهي وهبي: تصوّر أنه منذ فترة وجيزة وفي دمٍّ بارِد قتلوا شاباً أمام أُمّه

حسن حمادة: نعم، "إياد حلّاق"

زاهي وهبي: وهو من ذوي الاحتياجات الخاصّة

حسن حمادة: "إياد حلّاق" قبل يومين من مقتل "جورج فلويد". "إياد حلّاق"، لوهلة نحن في العالم العربي نسينا إسمه وهذا لا يجوز

زاهي وهبي: كم العالم العربي هنا يتحمّل مسؤولية؟

حسن حمادة: مسؤولية كُبرى

زاهي وهبي: لأنّه يمحو كلّ هذه

حسن حمادة: مسؤولية كُبرى لأنّ الإعلام، من يمتلك الإعلام يا أخي عندنا وعند غيرنا وأينما كان؟

زاهي وهبي: ألا يُمكن أن نُراهن، كما في المُصطلحات الماركسية القديمة، على البورجوازيّة الوطنية، الرأسمال المتنوِّر؟

حسن حمادة: لستُ ضدّ هذه المُصطلحات أبداً. أنا معها ولكن لا يُمكننا أن نظلّ نعتمد على قاعدة القياس الواحدة

زاهي وهبي: أو نبتكر وسائِل إعلامنا، نبتكر أدواتنا؟

حسن حمادة: طبعاً بلا شكّ، نبتكر نتيجة حاجتنا. نحن أمام معركة بين الحريّة والعبودية، هذه هي المعركة الحقيقية وعلينا أن نخوضها. ممكن أن أكون أنا العبد الفقير عندي والله اتّجاهات دُرِجَ على اعتبارها في الاقتصاد أنّها شبه يمينيّة. جنابك اتجاهاتك شبه يساريّة ولكن ممكن في هذا الموضوع أن نكون كلانا نخوض نفس المعركة وفي الخندق نفسه. من أجل هذا، الأمور من اللازم أن تتغيّر

زاهي وهبي: وهذه دعوة لكلّ التيّارات المُقاوِمة لمشاريع الهيمنة والعبودية. ما هو شكل هذه العبوديّة التي تتحدّث عنها دكتور "حسن"؟

حسن حمادة: الشيء الأول تجريد الإنسان من حقّه في الاختيار، تجريد الإنسان من حقّه في الحريّة عبر قوانين عملياً تضرب كلّ المُكتسبات الاجتماعية أولاً على الصعيد الاقتصادي، ثانياً تحدّ من حريّة الإنسان وسأُعطيك مثلاً صارخاً على ذلك من جملة مئات ألوف الأمثلة، ولستُ أبالغ إذا تحدّثت عن مئات ألوف الأمثلة. الإمبراطوريّة، أي (الولايات المتّحدة الأميركية)، لاحظ كيف يتم الاستعباد، استعباد البشر، المعروف أنّ في (الولايات المتّحدة الأميركية) حسب موقف المحكمة العليا في إمكانك أن تشتُم دولة (الولايات المتّحدة الأميركية) وتستطيع أن تحرق عَلمها، وشاهدنا كيف يُحرَق عَلم (الولايات المتّحدة الأميركية). ولكن اليوم في 39 ولاية لا يحقّ لك أن تحرُق العَلم الإسرائيلي، لا يحق لك أن تصوِّت على أيّ إجراء ضدّ (إسرائيل)، لا حق لك أعني

زاهي وهبي: هناك دعوات لتجريم مُعاداة الصهيونية كما مُعاداة السامية

حسن حمادة: نعم، مُعاداة الصهيونية

زاهي وهبي: يعني بمجرّد أن تكون ضدّ الصهيونية فأنت ترتكب جرماً!

حسن حمادة: طبعاً. سأُعطيك مثلاً بسيطاً. يا سيّدي في أوائل أعتقد عام 2002 أو 2001 كان عند "شارون" زيارة إلى (فرنسا)

زاهي وهبي: صحيح

حسن حمادة: وقبل أن يذهب إلى (فرنسا) أعطى رئيس المؤسّسات اليهودية الفرنسية مقابلة لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية؛ أنا أنظر إلى (إسرائيل) على أنّها قاعدة عسكريّة عنصريّة لخدمة الإمبراطوريّة، (إسرائيل) بالنسبة لي هي قاعدة عسكرية لذلك يجب أن تُقفل وأن تزول وسوف تزول عن الوجود، هذه قناعتي 

زاهي وهبي: هذا إيماننا وأنا أيضاً معك في هذا الشيء

حسن حمادة: طبعاً فيا سيّدي، يعطي رئيس المؤسّسات اليهودية الفرنسية مقابلة لصحيفة "هآرتس" يقول فيها: عندما سيأتي الرئيس "شارون" إلى هنا أريد أن أطلب منه أن يستحدث وزارة إعلام على طريقة "غوبلز"، يستشهد بأنه من اللازم أن نقتدي بـ "غوبلز"

زاهي وهبي: النازي

حسن حمادة: الدكتور "جوزف غوبلز" الإعلامي النازي طبعاً، ويمرّ ذلك ولا أحد يجرؤ على الاعتراض لأنّه إن تجرّأ على الاعتراض   يُتّهم بالعُنصرية والكذا وهي كذبة من أساسها، وهذه الطريقة مثل قصّة أنّ فلاناً مسكون بعقدة نظريّة المؤامرة. أساساً لكي تمشي المؤامرة

زاهي وهبي: تُسخِّف الحديث عنها، ويصير الحديث عنها كلاماً خشبياً ولغة

حسن حمادة: إذاً يشتغلون هنا أيضاً على أدوات إسقاط الناس بالعبودية، تقييد حريّاتهم بكلّ شيء

زاهي وهبي: وكم هناك مُحاولة في هذه الصراع الضاري في العالم لمنع الشعوب من امتلاك المعرِفة، هذا الذكاء الصناعي اليوم والتكنولوجيا المتطوّرة النوويّة وغير النوويّة، يعني في صراعهم مع (الصين) وصراعهم مع (كوريا) الشمالية وفي صراعهم مع (إيران) وفي صراعهم مع (أوروبا) حتّى في بعض الأماكن بمعزل عن تقييمنا لطبيعة هذه الدول التي ذكرناها أو الأنظمة، هو في جوهره صراع على امتلاك المعرِفة، يعني منع هذه الشعوب من امتلاك أدوات المعرِفة الحديثة  

حسن حمادة: لأنّ المطلوب هو منع الشعوب من التنمية، من تنمية نفسها. مثلاً، كلّ الأزمة مع (إيران) هي فقط منعها من التنمية وليس شيء آخر على الإطلاق، لا قصّة سلاح نووي لا قصّة كذا، كلّها مسألة تنمية. حرب تدمير (سوريا) وإبادتها، لأنّ هذه حرب إبادة التي تحدُث في (سوريا)، هي فقط تنمية لأنّ هذا بلد أحدث تنمية وليس فقط أحدث تنمية، لا قرش عليه دين للخارِج

زاهي وهبي: يعني غير مُرتَهن، بمعنى قراره غير مُرتَهن

حسن حمادة: إذاً يجب أن يُصبِح مُرتهناً ويسقُط في حلزونة العبودية. هكذا هي الأمور وهكذا يتصرّفون وفي توحُّش لا حدود له. يعني اليوم حرق الحقول

زاهي وهبي: حقول القمح في شمال (سوريا)، وعَلناً

حسن حمادة: ما يحدُث غير طبيعي وسط سكوت العالم المُجرِم المُنحطّ، العديم الأخلاق، وهذا يُصيبنا نحن. أنظر مثلاً إلى الوضع الذي صرنا فيه كشعب لبناني وفي أيّ وضع

زاهي وهبي: بما أننا نتحدّث عن المعرِفة دعنا نُشاهِد في "قطع وصل" أيضاً تقريراً عمّا يُسمّى اليوم الثورة الرقمية والذكاء الصناعي وإلى آخره ومن وحيه نطرح على حضرتك عدداً من الأسئِلة إذا سمحت

قطع وصل- تقرير:

سحر حامد: منذ سنوات وتكنولوجيا الذكاء الصناعي باتت جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليومية، وما يُسمّى بالثورة الرقمية قلب علاقاتنا رأساً على عقِب، ومع جائِحة "كورونا" وما فرضته من تباعُدٍ اجتماعي صارت تلك التكنولوجيا أكثر نفوذاً وتحكّماً وسيطرة على مفاصل يومياتنا، فأيّ مُستقبلٍ لنا ولها في ظلّ المُستجدّات المُتلاحقة؟

غسّان مراد – كاتب وأكاديمي: هل عجزت "الكورونا" عن أنه من الممكن وجود أفكار وفلسفات تُحاكي الواقع الجديد؟ أعتقد أنّه يجب البحث عن رؤية فكريّة جديدة مُنطلقة من الواقع من دون قاطع معرفي مع السابق من منظور تشخيص هذا الواقع وفقاً لتقنيّات فلسفة العلوم وبالأخصّ العلوم الرقمية. الانتشار السريع لـ "كورونا" يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطوّر التكنولوجي وبإلغاء المسافات افتراضياً وفيزيائياً. عندما تكون الأزمات هي المُسبّب الأول لتغيير في الطريقة الشاملة في الحياة يُصبح البحث عن مفاهيم جديدة حتمياً، أي ضرورة البحث عن مفاهيم جديدة. هذه المفاهيم الجديدة التي تكرّست في هذه الأزمات مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا لكي نفهمها بعد أن يتحوّل الإنسان إلى رقم. علينا التجديد والإبداع في العلوم الإنسانية، يعني نحن في مرحلة إعادة النظر في العلوم الإنسانية ويجب إعطاء الأهمية للعلوم الإنسانية لفَهْم ماذا يحصل. من ضمن المفاهيم التي من المُفترض أن نتطلّع إليها هي التعليم عن بُعد والسلطة التربوية والفلسفة التربوية، الهويّة الرقميّة، المواطنة الرقميّة، المراقبة الرقمية، كلّ هذه الأمور صارت بعد أن أصبحنا موجودين ومحجورين في بيوتنا. العالم كان موجوداً قبل وجود الإنسان وبعده وإن أعتقد أنّه يملُك كلّ السلطات، الأزمات تُبيِّن أنّه لا يملُك كافة السلطات. توجد أزمة على مستوى المُجتمعات، توجد أزمة على مُستوى الحُكم والحُكّام، توجد أزمة على مُستوى الحياة الاجتماعية، توجد أزمة اقتصادية، توجد أزمة أخلاقيّة مُرتبطة في الكراهية والعنصرية، وهنا دور الفلسفة، فلسفة مساءلة السلطات وكيف تكون فعاليّة هذه السلطات. فمن المُفترض إعادة النظر في هذه السلطات، السلطة الدينية والسلطة الاقتصادية والسلطة الطبيّة والسلطة التربوية وعلينا أن نبحث عن كيف سنُشرِّح هذه السلطات لكي تتناسب مع الحياة المُستقبلية جرّاء هذه الأزمات التي ستؤدّي إلى تغيير حتمي في المُجتمعات

زاهي وهبي: الشكر الجزيل للدكتور "غسان مراد" المُثقف الكاتب والأكاديمي اللبناني، يعني يتفق بما يخص العلوم الإنسانية

حسن حمادة: أتفق معه بالكامل

زاهي وهبي: بالكامل بلا شك

حسن حمادة: كم أهمية ابتكار رؤية جديدة، رؤية مُعاصرة، مفاهيم جديدة؟ خصوصاً وأنّ المفاهيم والمُصطلحات شوِّهت وزُيّفت. يعني ما عدنا نعرِف مَن هو الثائر ومَن هو الإرهابي، مَن هو المُقاوم مَن هو المُحتلّ. انقلبت الأدوار، من الجلّاد ومن الضحية. يعني الجلّاد يلبس ثوب الضحية والإرهابي يلبس ثوب الثائِر وأنت تعرِف أكثر منّي في هذه المسائل. كم مُهمّة إعادة الاعتبار أيضاً للمفاهيم والمُصطلحات؟

حسن حمادة: لأنّ حرّيتنا في داخلنا وعبوديّتنا في داخلنا وهذا قرار يتخذه الإنسان. كما تعلم الإنسان يعيش حياته الخارجية وهناك الحياة الداخلية التي يعيشها الإنسان مع نفسه التي من المفنرض أن تكون الحياة الحقيقية لأنّه لا يُمكنه أن يكذب فيها على نفسه

زاهي وهبي: صحيح

حسن حمادة: هنا مجال الإنسان الفعلي لأن يتحرّر، عرفت كيف؟ يحرّر نفسه، لأنّه إن لم يتحرّر في حياته الداخلية بينه وبين نفسه واتّخذ هذا القرار وكان مستعداً لدفع ثمن هذا القرار يسقُط في العبودية. اليوم عندنا تحدّ كبير هو كيف يُمكنك أن تُحافظ على الجيل الشاب الذي هناك منه ما شاء الله واسم الله عليهم مَن يُبدعون خصوصاً في المعلوماتية وفي ثقافة المعرِفة وكذا وإلى آخره

زاهي وهبي: لكن كيف تريد أن تربطهم ولا تُحدِث قطيعة مع موروثهم؟

حسن حمادة: هنا الجهد يجب أن يُبذل، والجُهد يجب أن يُبذَل أيضاً في أن توفِّر لهم مناخاً دولياً، مناخاً سياسياً، تبني دولة قانون لهم ليتمكّنوا من أن يعيشوا لأنّه من غير المعقول أنّ إنساننا يصل إلى عُمر مُعيّن وطموحه أن يُغادر. تصدير الأدمغة هي أخطر شيء يواجهنا. أخطر شيء هو هروب الأدمغة من عندنا أضافةً إلى النُظم السياسية الموجودة ودورها في خدمة الاستعمار عبر تهجير الأدمغة من أرضنا ليعيشوا خارجها. هذا هو التحدّي الأكبر

زاهي وهبي: عندك أمل بتغيير حقيقي سواء على مُستوى (لبنان) بوصفك مواطناً لبنانياً أو على مستوى هذا العالم العربي الذي ننتمي إليه؟

حسن حمادة: أرفض مفهوم الأمل أو فقدان الأمل أو كذا، أنا أعرِف أنّ هذا الشيء يجب أن يكون، إذاً علينا أن نُصارِع من أجله. أمّا قصّة أمل وغير أمل وكلّ هذا، الأمل يُحقّقه الإنسان ولا يأتي من الخارج

زاهي وهبي: كيف تجد اليوم الحياة السياسية أو العمل السياسي المُفرّغ من أيّ عُمق ثقافي أو عمق إنساني؟ أنا دائِماً أتذكّر أننا نشأنا منذ صغرنا على أنّ مؤسّسي الأحزاب في هذا المشرق العربي على الأقل هم من كبار المُفكّرين وعلى تناقض أحياناً. "أنطون سعاده" و"ميشال عفلق" و"فرج الله الحلو" وفلان وصولاً إلى "كمال جنبلاط" والسيّد "موسى الصدر" و"شارل الحلو" إلى آخره. نتحدّث عن أسماء سواء اتفقنا أو اختلفنا عليها لكن هناك عُمق ثقافي فكري إلى آخره. اليوم نرى السياسي ابتداءً من "ترامب" ونزولاً يتحدّث فقط في الليرات والدولارات والصفقات

حسن حمادة: فقط، فقط

زاهي وهبي: كيف نُعيد الاعتبار للعمل السياسي بوصف السياسي أنّه يسيس الإنسان ويسيس الحياة؟

حسن حمادة: هو أن نشتغل سياسة. الأحزاب السياسية ما شاء الله كلّها تدخل في اشتباك قاسٍ جداً مع مبادِئها هذا أولاً، كما أنّ الطوائِف في حال اشتباك كامل مع دياناتها. يعني كلّه في حال Paranoia عامة، كلّه يحتاج إلى نسف من أساسه

زاهي وهبي: ماذا تقصد بالمرحلة التي نعيشها حالياً؟ هي مخاض؟ هي مُستنقع؟

حسن حمادة: العالم يبقى العالم. نعم هناك نظام استعباد البشر الذي صار يُعمِّق جذوره وجذوره مستمرة في النزول عميقاً، وهناك التمرّد على هذا النظام والتمرّد من المفروض أن يؤدّي لاحقاً إلى أن تصطلح الأمور. ولكن العالم سوف يبقى هو العالم ولن يثبُت لأنّ بني آدم في النهاية قابل أيضاً لأن يعي، قابل لأن يفهم ولكن بصعوبة لأن يُعمَل كثيراً على عمليّة التجهيل، تعميم التجهيل، بحيث يصير الإنسان عدوّ نفسه، يصير الإنسان عدوّ نفسه. أقول لك كيف نُحافِظ على هؤلاء الشبيبة الطالعة وفي أن يبقوا في أرضهم؟ هذا هو التحدّي الأكبر. كيف يُمكن ذلك وأنت عندك نظام من هذا النوع؟ عليك أن تُدمِّر هذا النظام المُجرِم

زاهي وهبي: كم تجد ما يحدُث في (لبنان)، من دون أن ندخل في التفاصيل باعتبارنا نتوجّه إلى مشاهد

حسن حمادة: يحدُث نفسه أينما كان، وحياتك

زاهي وهبي: جزء مما يحدث في (لبنان)

حسن حمادة: طبعاً

زاهي وهبي: جزء من كلّ هذا الذي ذكرناه

حسن حمادة: بلا شك

زاهي وهبي: لا ينفصل

حسن حمادة: بلا شك لا ينفصل على الإطلاق، على الإطلاق. ومن المفروض، تصوّر أن عندنا انحطاط الأحزاب يا إلهي. إذهب إلى الخارِج تجد الأمر نفسه، الشيء نفسه. أين الحزب الشيوعي الإيطالي؟ أين الحزب الشيوعي الفرنسي؟ الإسباني، البرتغالي؟ أين هذه الأحزاب؟

زاهي وهبي: الحركة الأُممية كما كانوا يسمّونها

حسن حمادة: تماماً. الحزب الشيوعي اليوناني؟ وأيضاً التيارات الليبرالية، كانت هناك تيارات نهضوية ليبرالية، أينها؟ الانحطاط ضرب الكلّ لأنّ الثقافة والحضارة مادية بحتة

زاهي وهبي: إذا كنت لا تُحب كلمات مثل الأمل والتفاؤل وعدم التفاؤل إلى آخره، على ما تراهن؟ رهانك اليوم كإنسان في هذا الوجود، في هذا العصر وفي هذا الزمن ما هو؟ على مَن تُراهن؟ 

حسن حمادة: أنا أُراهن على الحرية، ولأنني أُراهن على الحريّة آخر همّي، حتى لو بقيت لوحدي، "مسمار أقطش"، سأضل أخوض هذه المعركة. ليس عليك أن تُجري حسابات ربح وخسارة، هذه أخطر شيء لأننا نصير "ميركانتيليين" في حقّ أنفسنا من حيث لا ندري. لا تقوم بحساب الربح والخسارة، إنسَ حساب الربح والخسارة، هناك شيء يجب أن يُعمل، نعم أم لا؟ إذا يجب أعمله وانسَ الربح والخسارة. فلتكن خسارة، خسارة أثناء عراكك وليست خسارة وأنت ساكت، خسارة وأنت إنسان حرّ تظلّ تُعارِك وفي النهاية تربح، لكن إياك أن تستسلم، إياك والاستلام. هذه هي المسألة

زاهي وهبي: ربما في هذا الوضع الاقتصادي في زمن الفقر والبطالة، ونتحدّث مثلاً في (لبنان) عن مليون ربما عاطل عن العمل. ربما البعض يقول لك إنّ الحديث عن المعرِفة وعن الثقافة وعن القراءة وعن خلافه ليس وقته الآن

حسن حمادة: يسخّفونه طبعاً

زاهي وهبي: يسخّفونه

حسن حمادة: طبعاً

زاهي وهبي: أنا أُريد أن أسمع رأيك في هذا الموضوع. كم ممكن أن تكون المعرِفة والثقافة وكلّ ما نتحدّث عنه هي المفاتيح الأساسية لنغلب الفقر والبطالة والفساد وكلّ الآفات التي تعاني مُجتمعاتنا منها؟

حسن حمادة: هذه درب جلجلة لا بدّ من الدخول فيها. لا بدّ، يستحيل. مضطرون إلى الدخول فيها وهي درب صعبة جداً جداً لأنّ الفقراء يا أخي أعداء أنفسهم. نحن هنا بلد ظاهرتين، الأولى هي أنّه لم يعُد هناك شيء إسمه فضيحة لأنّ كلّ شيء فضائِح. هذا أكبر دليل على انحدار الشعوب

زاهي وهبي: "لم يعد هناك ستر مُغطّى" في العربي الدارج 

حسن حمادة: الثانية أنّ هناك كلّ أسباب الثورة الاجتماعية ولا تقوم لأنّها إذا قامت يرمون الفقراء في الطائفية أو المذهبية

زاهي وهبي: يأخذونها في اتجاهات

حسن حمادة: يفتكون بالفقراء

زاهي وهبي: دفاعاً عن الأغنياء

حسن حمادة: دفاعاً عن الأغنياء. هذا هو واقع الحال. لذلك معركة التوعية ضرورية

زاهي وهبي: وطويلة

حسن حمادة: المسنودة بمواقف، وهي درب الجلجلة التي علينا أن نسلكها، لا مجال

زاهي وهبي: لا مفرّ

حسن حمادة: لأنّها درب الحرية، وما عدا ذلك، العبودية. وعلينا أن نختار، خلص، لم يعُد عندنا خيار ثالث

زاهي وهبي: دكتور "حسن حمادة" أُريد أن أعود، ولو داهمنا الوقت، إلى ما قاله الدكتور "غسان مراد" بمعنى أنّ هذه الثورة

حسن حمادة: أعجبني كثيراً ما قاله

زاهي وهبي: ما من شكّ أنّه مثقف كبير من (لبنان). الثورة الرقمية اليوم والذكاء الصناعي والأدوات والأجهزة التي نحملها بين أيدينا، في مقدار فيها نوع من العبودية، خصوصاً عندما نرى أطفالنا متعلقين بها طوال الوقت، بقدر ما فيها فسحة حرية وإمكانية بث أفكارنا وآرائنا

حسن حمادة: بلا شك

زاهي وهبي: حتّى لو كان الذي يتحكّم بها الدول الكبرى والشركات الكبرى لكن هل نستطيع أن نوائِم بين مخزوننا الإنساني والمعرِفي والثقافي الممتدّ إلى آلاف السنين في التاريخ وبين أدوات العصر الحديث؟

حسن حمادة: طبعاً، نحن نستطيع بكلّ بساطة لأنّ العقول موجودة عندنا أيضاً وستنبت عقول جديدة لذلك علينا أن نُحافِظ عليها لأننا نُحدِث ثورة في الثورة الرقمية أيضاً، تصدُر من عندنا بلا شك ونؤنسن الثورة الرقمية ولا نتركها فقط متوحشة لخدمة المتسلّطين والمُستكبرين، لا، نؤنسن الثورة الرقمية. هذا إبن بلادنا والجيل الجديد سيُحدِث هذا الأمر، من هذه البلاد ولن يكون هذا من الخارِج. لماذا لا؟

زاهي وهبي: يا ربّ

حسن حمادة: في طبيعة الحال، معلوم

زاهي وهبي: ألف شكر

حسن حمادة: الشكر لك

زاهي وهبي: دائِماً نستمدّ الأمل

حسن حمادة: العفو

زاهي وهبي: من الناس المتنوّرين وأصحاب الأفكار الإنسانية النبيلة أمثال حضرتك دكتور "حسن"

حسن حمادة: لي الشرف

زاهي وهبي: شرّفت "بيت القصيد"، أهلاً وسهلاً. الشُكر لفريق العمل ولمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل لى خير بإذن الله

 

                              

                   

                                        

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل