لماذا لم تُجفَّف منابع الإرهاب الفكرية؟

 

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم.

الإرهاب الأعمى، ذلك الوحش العدمي الذي اجتاح بلادنا العربية والإسلامية، وجعلها قاعًا صفصفًا وأثرًا بعد عين وخرابًا بعد عمران، يتمتّع بأنفاس مُتعدّدة وأرواح كثيرة، ولديه عشرات الأمصال التي تبعث الحياة فيها كلّ ما قُطِع جزء من هيكله، وهذا الإرهاب القاتل لم يغادر جغرافيتنا أبداً. يستيقظ هنا، وينام هناك، ويستعدّ هنالك، يطلّ برأسه في ليبيا، ويخرج من قمقمه في سيناء المصرية، ويُعيد التمركز في العراق وتونس، ويُنظِّم نفسه في سوريا، وينفجر في أفغانستان، وباكستان، ويُنقَل بالطائرات التركية الرسمية إلى ليبيا حيث نقلت تركيا الرسمية أزيد من 9000 مقاتل من بقايا داعش والنصرة والإرهابيين السوريين والأجانب إلى ليبيا. ولا شكّ أنّ هناك عوامل داخلية وخارجية تساهم في تجديد دينامكية الإرهاب. فداخليًا أدّى غياب الحرية وانتشار الفقر وسوء توزيع الثروة، وتفجّر الفساد الرسمي والحكومي وتفاوت المستويات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، واستبداد الدولة والمُمارسات القمعية والاحتكارية للثروة إلى ارتماء الشباب البطّال في أحضان الجماعات الإرهابية، وخارجيًا تواصل واشنطن وتل أبيب مع حلفائهم في المنطقة العربية في استثمار الأوراق الإرهابية والجماعات المسلّحة التي تكرِّس أجندات الكبار، وتساهم في إعادتهم لرَسْم السياسات والخرائط. والحل الوحيد الذي اعتُمِد في مواجهة الإرهاب في العالم العربي والإسلامي هو الحل الأمني والعسكري في ما انعدمت بالكامل البرامج التربوية والإعلامية والتنويرية، والنصوص القاتِلة والداعية للقتل وكُتب الجهاد المزعومة ومُقاتلة المسلمين والمرتدّين ما زالت على حالها. 

لم نُجفّف فكر الإرهاب بفكر تنويري كبير يُعيد التوازن إلى مشهدنا الثقافي والمعرفي والاجتماعي، والغرب كان ولا يزال ضالِعًا في صناعة الإرهاب في الداخل العربي والإسلامي لتوتير خط طنجة جاكرتا الأمر الذي يُديم قوّته في بلادنا وتدخّله الدائم. يرون أنّ بعض بحّارة الإسكندر المقدوني ألقوا القبض ذات يوم على قُرصان كان يُلاحق بعض المراكب الصغيرة، ولما مَثُلَ أمام الإسكندر المقدوني سأله لماذا تُعكِّر صفو البحر بأفعالك هاته؟

صمت القُرصان لحظة، ثمّ قال مُجيبًا أنت يا سيّدي تقوم بنفس الأفعال التي أقوم بها وعلى نطاقٍ أوسع بكثير، لكن لأنك تمتلك أسطولًا من السفن فإنهم يُسمّونك إمبراطورًا، أمّا أنا فلأنني لا أمالك إلا سفينة واحدة صغيرة يُسمّونني قُرصانًا، وما دام هذا القُرصان الإمبراطور مُصرّاً على البقاء في جغرافيّتنا فسوف يستمر في خَلْق الأهوال. تأمّلوا كيف يأمر حلفاءه العرب في تمويل أيّ عمل إرهابي هنا وهناك، ويوفّر لهم الحماية ما داموا مُطيعين خانِعين. 

الإرهاب يعاود الظهور، لماذا لم تُجفَّف منابع الإرهاب الفكرية لحد الآن عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الشيخ الفاضل محمّد الخضر رئيس المُنتدى الإسلامي اللبناني للدعوة والحوار، ومن تونس الحبيبة الدكتور عبد الجليل بن سالم الوزير السابق للشؤون الدينية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"التاريخ السرّي لتآمُر بريطانيا مع الأصوليين" مارك كورتس.

يقول كاتب الكتاب إنّه يستند إلى الوثائق الرسمية البريطانية التي رفعت عنها السرّية ولاسيّما وثائق الخارجية والاستخبارات والتي يرى الكاتب أنها تفضح تآمُر الحكومة البريطانية مع المُتطرّفين والإرهابيين دولًا وجماعات وأفرادًا في أفغانستان، وإيران، والعراق، والسعودية، وليبيا، وسوريا، ومصر، والبلقان وبلدان دول الرابطة المستقلّة حديثًا. وقد فعلت ذلك لفتراتٍ زمنيةٍ طويلةٍ لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية. ويوضِح المؤلّف كم كانت بريطانيا ماهِرة وماكرة في التلاعُب بكل الأطراف، وأنّ أكثر من استغلّتهم ثم نبذتهم عندما لم يعد لهم جدوى وانتفى الغرض منهم هم كثير من المحسوبين على حركات التطرّف في كل المذاهب الإسلامية والمدارس الدينية.

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد يبدو أنّ هذا الإرهاب يلاحقنا، مُلازِم لنا في كل مرة تتبعثر مسيرتنا وتتقهر تمنيّاتنا. في لبنان تمّ اكتشاف خلايا إرهابية تستعدّ لأعمالٍ إرهابيةٍ، في تونس تفجيرات بين الحين والآخر، ليبيا ساعدها الله تفجّرت، العراق داعش وما يسمّى بتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي يُعاوِد الظهور. وفي أكثر من جغرافيا ها هو الإرهاب يُطلّ برأسه ناهيك عن التفجيرات التي وقعت في سيناء المصرية وغيرها. لماذا بنظرك لحد الآن لم نتمكّن من الذهاب إلى السِلم والسلام؟

محمّد الخضر: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين. بدايةً تحية لكم، وشكرًا على الاستضافة.

يحيى أبو زكريا: صلّى الله عليه وآله، حيّاك الله.

محمّد الخضر: وأيضًا التحية موصولة لمعالي الدكتور الفاضل وللمشاهدين الأعزّاء. الإنسان مخلوق كرَّمه الله، وقوام تكريم هذا الإنسان وتميّزه أمران: العقل الكاشف، والوحي المُسدّد. العقل وظيفته أنّ يُقدّم للإنسان ما في الأمور من إيجابيات وسلبيات ويكشف عنها مصالح ومفاسِد نافِع وضار. والقرآن أو الوحي بشكلٍ عام وظيفته أن يُسدّد ويهدي، وأن يوفّق هذا الإنسان لما يريد أن يُحقّقه من أهداف سامية وعالية، كلّما كان الإنسان أقرب إلى الأخذ بهذين الأمرين الأساسيين كلّما كان أقرب إلى التوفيق والسداد والنجاح والوصول إلى أعلى مستويات الكمال الإنساني، وكلّما فرَّط بهما أو بواحدٍ منهما ولو جزئيًا فهو يُعرِّض نفسه لدفع الثمن ولو في مرحلة من المراحل ولو بشكلٍ عارِض.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: ولذلك نحن نلاحظ أنه حتى في حياة النبي عليه الصلاة والسلام في لحظةٍ من اللحظات عندما اختلّ الفَهْم أو اشتبهت الأمور وضعفت الثقة، وضعف التمسّك بهذين الأصلين دفع المؤمنون من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم أُحد على جبل الرماة الثمن مباشرة وتحوَّل النصر إلى ما يشبه الهزيمة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: العقل هو ميزة الإنسان الذي كرَّمه الله تعالى "ولقد كرَّمنا بني آدم" الوَحي إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوَم، وبالتالي المؤمِن هو يمتلك مقوّمات الرؤية الواضحة وتحديد الأهداف السليمة ومقوّمات السَيْر بطريقةٍ صحيحةٍ لتحقيق هذه الأهداف، هو لا ينتظر أن يتمّ تحريكه من الخارج بإراداتٍ خارجية، هو لا ينتظر أن يُحدِّد له أحد ما دولة أو محور أو قوى عُظمى أو مُرشداً أو قائدًا أن يُحدّد له الهدف بعيدًا عن العقل، وبعيدًا عن الدين، وبعيدًا عن الوَحي وإلا يصبح حينئذٍ مثل الآلة أو مثل مخلوقات أخرى غير الإنسان أكرمكم الله.

الإنسان المؤمِن هو الذي يعرف ماذا يريد، ويعرف ما هو الهدف الذي يريد أن يُحقّقه، وبالتالي هو يسير على هدى ويُحقّق في كل ميدان النصر والنجاح والإنجاز والتمييز والتقدّم. عندما يفشل إذًا ثمّة مشكلة في الفَهْم، في الوعي، في تحديد الأولويات، أو في تحديد الأهداف كذلك لأن القاعدة كما تعلمون المُقدّمات الخاطئة تترتَّب عليها نتائج سلبية.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: لا يمكن أن تأتي النتائج السلبية، ونحن على فَهْمٍ سليمٍ، وعلى وَعي كامل وعلى بصيرة.

يحيى أبو زكريا: دعني أتوقّف في هذه الجملة إذا سمحت، النتائج الخاطئة من سنخ المُقدّمات الخاطئة لأذهب إلى تونس الحبيبة.

دكتور عبد الجليل عندما يذهب مريض إلى طبيب ما ويعطيه دواء ويتفاقم أمر الداء ويزداد صعوبة وضع المريض نقول إمّا الخلل في الدواء، أو أن هذا الطبيب قاصِر ليس ذا تجربة، ولا يمتلك من العِلم الطبي شيئًا، ونبدأ نُحلّل في تداعيات المريض. ما الذي تقوله في عودة الإرهاب إلى المشهد العربي؟ أين يكمن الخلل؟ هل هي الحكومات العربية التي لم تتعلّم قَيْدَ أنملة ممّا وقع لنا؟ ما زالت الحريات مُقيّدة، ما زالت السجون مملوءة، لم تسعَ إلى بلورة مشاريع تنويرية للذين اعتقلتهم، لم توفّر العدالة الاجتماعية، هل الخَلَل في الخارج الذي يريد أن يستثمر هذه الورقة الإرهابية إلى أبعد مدى؟ ما الذي تقوله في هذا الأمر رجاء؟

عبد الجليل بن سالم: أهلًا وسهلًا بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا. تحية لضيفك، وتحية للمشاهدين وشكرًا على هذه الاستضافة وعلى هذه الثقة التي تضعونها في شخصي.

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

عبد الجليل بن سالم: أهلًا وسهلُا. المسألة في تقديري أعتقد أنّ العامِل الخارجي يوظّف ظاهرة إذا شئنا أن نكون موضوعيين وعلميين في تحرير هذه الظاهرة ظاهرة الإرهاب الذي يُعاوِد الظهور، مَن يُعيد إظهاره؟ أو مَن يُعيد إبرازه على الساحة العربية وعلى الساحة الدولية وعلى الساحة الإسلامية؟ الإرهاب الآن هو إرهاب يوصَف بأنه إسلامي، ويوسَم بأنّه إسلامي ويُطبّق على أرض الإسلام في ليبيا، وفي سوريا، وفي العراق، وفي تونس، وممكن في الجزائر. الحقيقة أنا أعتقد أنّ هذا الأمر يتجاوز الحكومات العربية، ويتجاوز الخَلَل الداخلي لتوظيف عالمي توظيف أميركي بالذات وإسرائيلي صهيوني لهذه الظاهرة من أجل خدمة أجندات وخدمة استراتيجيات. هم الآن يُتقنون لعبها، المسألة في تصوّري هي مسألة توظيف الإرهاب وأميركا بالذات والدوائر الدولية هي لعبة مخابراتية بالذات، هم درسوا هذه المجتمعات، فَهِموا هذه المجتمعات، فَهِموا الخلل فيها، فَهِموا التحديات التي توجد في هذه المجتمعات. هناك توظيف غربي أميركي بالذات ولعبة مخابراتية من أجل وضع استراتيجياتهم والحفاظ عليها عَوَض أن يدخلوا هم في الحرب مباشرة يدخلوننا نحن في الحرب، مسلم يقتل مسلم الذي يُكبّر مقتول والقاتِل والمقتول يُكبّران هذه اللعبة وهذه الظاهرة أفلح فيها الغرب في قتلنا وفي تشريدنا أنا أعتقد هكذا يجب أن نفهم الموضوع.

يحيى أبو زكريا: نعم طبعًا لو لم تكُ قلاعنا الداخلية هشَّة لما تسنّى لهذا الغرب أن يتسلّل إلى قلاعنا. شيخ محمّد مبدئيًا الحكومات العربية برمّتها اعتمدت ما يُسمّى بالحل الأمني في التعاطي مع الجماعات الإرهابية. لم نرَ حلولًا فكرية، تنويرية، إعلامية، ثقافية مُعيّنة لم نرَ حلولًا تسعى لوأد هذه الظاهرة بطُرق الوعي وما إلى ذلك. هل قصرَّت الحكومات العربية في هذا الأمر؟

محمّد الخضر: حقيقة في هذا المجال لا بدّ من أن يحضرنا، وأنا يحضرني دائمًا مشهد منهجية التعامُل التي اعتمدها أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب مع الخوارج في زمانه.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: لم يقم عليّ ابن أبي طالب بحملة بالسيف لقتل هؤلاء، وإنّما بدأ بمحاورتهم إمّا مباشرة، وإمّا من خلال مبعوثه إبن عباس أو لآخرين من الصحابة الأجلّاء.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: الإمام علي رضي الله تعالى عنه استدعى أمراء الخوارِج المُفكّرين، المُثقّفين، القرّاء بين قوسين.

يحيى أبو زكريا: صنَّاع الرأي في الخوارج.

محمّد الخضر: صنًّاع الرأي استدعاهم حتى ملأوا ديوانه، ثمّ دعا بمُصحفٍ كما تقول الروايات وجعل يسك على هذا المُصحف ويقول أيها المصحف حدِّث الناس فتعجبوا قالوا يا أمير المؤمنين كيف يُحدّثنا وهو مداد في ورق، قال إن الله تعالى يقول وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَماً من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفّق الله بينهما في إشارة إلى قضية أثاروها ضدّه وهي قضية التحكيم هم يعترضون على أن علي رضي الله تعالى عنه تبنّى مبدأ التحكيم، وهم يرون أنّ هذا مُعارِض للقرآن. فالمناقشة والرأي في النهاية قال لهم إن أمر أمّة محمّد عليه الصلاة والسلام أعظم عند الله من أمر أمرأة ورجل وقد حَكَم الله في ذلك الناس.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: نحن بحاجة إلى اعتماد منهجية الحوار والمناقشة، الدول العربية مع الأسف لم تقم على أساس تكريم الإنسان واعتباره قيمة خاصة ميَّزها الله تعالى، إنّما اعتبروا الناس  مُجرَّد تُبّع ورُعاع وهَمَج يتبعون الحاكم ويبصمون ويُكرّرون ألفاظه، ويُردّدون شعاراته، وعليهم أن ينصاعوا كما تنصاع الغَنَم إلى راعيها هذه المشكلة الأساسية في مجتماعاتنا العربية وفي أنظمتنا العربية المُتخلّفة.

يحيى أبو زكريا: صحيح لكن على الأقل الراعي مُخلِص لغَنَمه يرعى غَنَمه ويطرد الذئب، الراعي العربي جَلَب الذئاب إلى الأغنام.

محمّد الخضر: هذه هي المشكلة مع الأسف، لكن أنا أعتقد أنّ الشعوب العربية الآن آن لها أن تفهم، وأن تعي أن هذه المنظومة المُتخلّفة الرجعية البائِدة لم تعد مُفيدة، ولم تعد نافِعة، وقد أثبتت على مدى عقود أنها فشلت في قيادة الأمّة إلى حيث تتحقّق كرامتها وعزّتها ومكانتها، وإنّما هي تقودها من إخفاقٍ إلى إخفاقٍ ومن هزيمةٍ إلى هزيمةٍ، ومن ذلٍّ إلى ذلّ، وهي تزداد يومًا بعد يوم تبعيّة للغرب عمومًا ولأميركا خصوصًا، والمرحلة الآن في اعتقادي مؤاتية والفرصة مناسبة لأن ننعتق ونخرج من قبضة وهيمنة الأميركي على مستوى العالم وعلى مستوى المنطقة. أنا أعتقد أنّ الشعب الفنزويلي ليس أشجع ولا أصلب ولا أمتن إرادة من الشعوب العربية، وليس بأكرم أيضًا على المستوى الإنساني ولا أذكى ولا أكثر تميّزًا من الشعوب العربية، لكنّنا نريد الإرادة الصادِقة ونريد أن نصدِّق الله ونكذِّب هؤلاء الحكَّام، وليس العكس.

يحيى أبو زكريا: طبعًا الإرادة الصادقة عندما تصنع الشعوب العربية خبزها، وسيّارتها، وتقنيّتها، ودواءها، اليوم إذا تأخّرت الباخرة التي تأتي من كندا وأستراليا تأخّرت عنّا فإنّنا لن نطحن لا خبزًا ولا شعيراً، المفروض أن نبني حضارة ونهضة، ثمّ نقاوِم وهذا ما لم يتحقَّق في بلادنا العربية والإسلامية. دكتور عبد الجليل طبعًا عندما تعود إلى النصوص التي فجَّرت الأمن القومي العربي ما زالت هي هي تذهب إلى المساجد ستجد كتبًا لمؤلّفين يؤمِنون بالجهاد، ومُجاهدة المسلمين على الصعيد المسجدي ما زالت المنابر تَصْدَح بالدعوة لمُحاربة الشعوب والمرتّدين والمُخالفين، الخطاب الديني على حاله تمامًا لم يتزحزح قَيْد أنملة باتجاه العقلانية. أيّ تونسي اليوم يذهب إلى أية مكتبة تونسية سيجد كتب إبن تيمية، وكتب الجهاد لأبي محمّد المقدسي، وأيّ جزائري نفس الشيء، وأيّ مصري نفس الشيء. لم نفعل شيئًا على صعيد تنقية الخطاب الديني من صواعق التفجير والقتل.

عبد الجليل بن سالم: مشكلة الخطاب الديني ومشكلة الفكر الديني عامة هي مشكلة في الحقيقة لم نواجهها مواجهة صريحة ومواجهة جدّية إلى الآن في العالم العربي، ما علاقتنا بتراثنا القديم؟ ما علاقتنا بثقافتنا القديمة؟ نحن لم نُدرك بعد في تصوّري، وأنا أتكلَّم هذا بعد تجربة طويلة في التدريس وفي المعرفة الدينية، أقول نحن مشكلتنا لم نؤطّر فكرنا الديني أنّنا لم نبنِ عقلية دينية علمية تضع في الاعتبار أنّ هذا الخطاب الذي تتحدّث فيه عن الجهاد، أو عن فكر إبن تيمية، أو عن فكر الأشاعرة أو الشيعة وغيرهم، في الحقيقة هذا الفكر أنتجه التاريخ، أُنتِج في التاريخ، أُنتِج في سياقات معيّنة نحن إلى الآن ما زلنا نتحدَّث عن التُراث كأنه شيء مُطلَق، وكأنه شيء مُقدَّس شأنه في ذلك شأن النص الديني نحن لا نفرِّق بين نصٍ بين تراث، أُنتِج في التاريخ أي أنتجته عوامل تاريخية اجتماعية واقتصادية وثقافية معرفية منهجية وبين فكر مُعيّن. نحن إذا لم نعلّم ناسنا، وطلابنا في الجامعات أئمتنا في المساجد ما لم نُعَقْلِن الخطاب الإسلامي ما لم نُعَقْلِن الفكر الإسلامي بهذه المُقاربة المنهجية التاريخية فإننا سنُعيد إنتاج مشاكلنا دائمًا. العقل الإسلامي كما يقول الدكتور الجابري، العقل الإسلامي مشكلته أنه حتى من الناحية الأكاديمية عند العلماء دعنا من أوساط المُثقّفين يريد إنتاج نفسه، نحن نُعيد إنتاج معاركنا الكلامية القديمة بين السنّة والشيعة بين الخوارِج بين المُعتزلة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

عبد الجليل بن سالم: هذا الكلام إذا شئنا أن نخرج من هذه الدائرة من هذه الحلقة المُغلَقة هذه الدوّامة، فلا بدّ من أن ننظر إلى التراث نظرة منهجية. ما أشار إليه الأستاذ محمّد من قبل عن الإمام علي، ماذا فعل للخوارج عليّ أراد أن يقول لهم إن القرآن ينطقه الرجال القرآن النص القرآني الوحي لا يوجد وَحي في الإطلاق، إنّما يوجد وَحي حينما يتفاعل معه العقل المسلم الواقعي الذي سينتج فكرًا سينتج تأويلًا. علي أراد أن يقول لنا إن العقل الإسلامي أنّ الفكر الإسلامي، أنّ التأويل هو من تأويل نحن، فالخوارج كفّروا وقتلوا وكفّروا علي، وقتلوا المسلمين بقراءات مُعيّنة فعلي أراد أن يُعَقْلِن أن يُعلّمهم أنّنا نحن الذين ننتج ذك الفكر، ونحن الذين نضفي عليه القداسة نحن مشكلتنا يا سيّدي في تصوّرنا إلى الآن لم نحين لم نُعَقْلِن لم ننسّق لم ننظر إلى المسائل إلا مسائل تاريخية نظرة تاريخية. فلو نظرنا إلى المسائل نظرة تاريخية لواقعنا في التسامُح التسامُح والحوار والتثاقُف وقبول الآخر حتى قبول الآخر المسلم لأخيه المسلم. أعذرني وأعذرك، لماذا أنت تقول أنت بهذا الرأي؟ لماذا يقول الشيعي بهذا الرأي؟ لماذا يقول السنّي بهذا الرأي؟ لماذا يقول الإباضي بهذا الرأي؟ حينما أنظر إليه بنظرة علمية موضوعية لماذا أنتج هذا الخطاب؟ وكيف أنتج هذا الخطاب؟ حينها فقط يمكن أن نُنتج عقلًا ونُنتج فكرًا مُتعدّدًا مُتنوّرًا مُتسامِحًا، أنظر إلى الخطاب الصوفي مثلًا في الإسلام. أقول الخطاب الصوفي أكثر الخطابات تنوّرًا، وأكثر الخطابات تسامُحًا وتأويلًا للآخر كما يقول الإمام علي العاقِل هو الذي يفهم الآخرين.

يحيى أبو زكريا: صحيح ربما أستاذ عبد الجليل، هذا مؤشّر على أن العودة إلى الروح من شأنها أن تُقلّل من حدّة الموقف السياسي ويُعَقْلِن ويؤنَسِن طِباعنا ومسلكيّتنا.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

"التطرّف خبز عالمي" راشد المبارك.

التطرّف أكثر الأحداث التي تشغل العالم في وقتنا الحاضر حديثنا عنه، ومقاومة له، وتتبّعاً لآثاره، وبحثًا عن دوافعه. ولعلّ تاريخ البشر لم يعرف حشدًا لجهود، وإعدادًا لوسائل، ودعوة إلى ملاحقة كما حَشَدَ من جهدٍ وأعدَّ من وسائل ودُعي إلى ملاحقة التطرّف الذي أثمر إرهابًا أو ردّ فعل على إرهاب. ويُقدِّم الكاتب مُقارنة على التطرّف ومدلوله ونشأته وصفاته ولصلته بمفهوم الكراهية. كما يبحث في التطرّف كخبزٍ عالمي داخل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على وجه الخصوص. في الباب الثاني يربط الكاتب بين التطرّف والثقافة. وقد خصَّص الباب الثالث لطُرُق معالجة التطرّف التي كي تكون ناجِعة يجب استهداف واستئصال جذوره، لا تقليم أظافره والقضاء على مُسبّباته، لا على مظاهره.

المحور الثاني:

"تجفيف منابع الإرهاب" محمّد شحرور

يقول الكاتب إنّ هذا الفقه بدأ في عصر الاستبداد ابتداءً من نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي أي في القرنين الثاني والثالث الهجري. فكان لا مجال إطلاقًا إرضاءً للسلطة للفصل بين الشهادة والموت والقِتال وحرية الناس في اختيار عقائدهم ليتمّ ترسيخ قتل المُرتدّ وجعله من ثوابت الدين الإسلامي وطاعة السلطان وإن كان ظالمًا هو في طاعة الله ورسوله.

الحروب كما جاء في كتاب تجفيف منابع الإرهاب كانت على أساس أممي، أي أمّة إسلامية مقابل أمّة كافِرة، أو بعبارةٍ أخرى دار الإسلام مقابل دار الكفر مع أن الهدف الأساس كان ابتداء من العصر الأموي هو الفتوحات لكَسْبِ وجَمْع الجزية وإبعاد المُعارضة، لكن في العصر الجديد صارت فيه الحروب لكَسْبِ المصالح وللاحتلال وللدفاع عن المصالح، أي أصبحت الحروب بين مجموعات من الناس تعيش في دول وهذه المجموعات هي الشعوب فتحوّلت الحرب يقول محمّد شحرور من أساسٍ أممي إلى أساسٍ وطني ومَصلحي، لكن بقي التقسيم السابق على ما هو عليه.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، عدنا والعود أحمد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نتحدَّث عن الإرهاب الذي يُعاوِد الظهور، ولماذا لم تُجفَّف منابع الإرهاب الفكرية لحد الآن؟ وأذكّر ببعض الكتب المهمّة في هذا السياق كتاب للباحث السوري المرحوم الدكتور محمّد شحرور"تجفيف منابع الإرهاب" طبعاً كتاب فيه الكثير من الإيرادات نحن يهمّنا أن يشير إلى الفكرة التي نحن بصددها الآن، و"التاريخ السرّي لتآمُر بريطانيا مع الأصوليين" مارك كورتس وفيه يتحدَّث عن دور بريطانيا في صناعة الإرهاب في العالم الإسلامي. طبعا بعد ذلك ورثت أميركا بريطانيا كما قال هنري كيسنجر في مذكّراته، والدكتور راشد المبارك كتب كتابًا جميلًا لطيفًا "التطرّف خبز عالمي" وهو ما أشار إليه الأستاذ عبد الجليل بن سالم أنّ الغرب يقتات من الإرهاب.

بالعودة إليك شيخ محمّد، الإرهاب اليوم في خط طنجة جاكرتا بدأ يتصدَّى لأكثر من ساحة، رأينا إرهاباً في مصر، في تونس، ليبيا باتت ساحة إرهابية فعلية، سوريا الثانية إن صحّ التعبير. في سوريا في منطقة الجزيرة وغيرها بدأت داعش تعاود الظهور، في العراق أيضاً داعش والرايات البيض كما سُمّيت بدأت تعاوِد الظهور، وبالتالي هنالك خوف من العودة إلى المرحلة السابقة. هل يمكن للإرهاب أن يضرب بقوّة من حديد مُجدّدًا؟ وما الذي يريده الغرب؟

نحن هنا، أنظر نتحدّث عن ضعف أميركي، لكن في الواقع أميركا تزداد تغوّلًا رغم الأحداث الجارية فيها فإنها تفرض قانون قيصر وتفرض حصارًا اقتصاديًا تجويعيًا على لبنان والمقاومة. ما زال هذا البُعبُع الاستكباري قويًا متينًا ضاربًا.

محمّد الخضر: إسمح لي أولًا أن أقتبس في مسألة إضفاء العصمة على أفكارنا ومناهجنا ومذاهبنا بأربعة أسطر من كتاب الدكتور حيدر حب الله" رسالة سلام مذهبي" في ما يتعلّق بعصمة المذاهب وضرورة النقد البنّاء لهذه الأفكار والمناهج. يقول "ليست هناك مذاهب معصومة، قد يُخطىء السنّة وقد يُخطىء الشيعة حتى لو كان النبي لا يُخطئ عند المسلمين وأهل البيت لا يُخطئون عند الإمامية فليس السنّة هم النبي أو الصحابة، وليس الشيعة هم أهل البيت النبوي فالاعتراف بالخطأ فضيلة". أمّا في ما يتعلّق بحركة أو تنامي حركة داعش مُجدّدًا وأخواتها ومشتقاتها في عددٍ من الساحات والميادين في العالم العربي.

يحيى أبو زكريا: قبل أن تُكمِل دعني أُشيد بكتاب حيدر حب الله "رسالة سلام مذهبي"، والرجل هو من تلاميذ السيّد محمّد حسين فضل الله وهذا الكتاب جدير بالمُطالعة لأنه يدعو إلى السلام بين المذاهب وإلى فتح قنوات الحوار والتفكير الواحد، وهو الذي ندعو إليه بصراحة.

محمّد الخضر: صحيح، وبموضوعيّة للأمانة.

يحيى أبو زكريا: وبموضوعيّة صحيح.

محمّد الخضر: أمّا في ما يتعلّق بسؤالكم، حقيقةً أنا أعتقد في جانب الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة ولا تزال إلى الآن الحرب الاقتصادية في اعتقادي هي ربما ربما هي آخر الحروب على المستوى العالمي التي تقودها أميركا بعد أن فشلت في فرض إرادتها على المنطقة العربية عسكريًا وسياسيًا من خلال تغوّلها وسيطرتها على مراكز القرار في العالم.

يحيى أبو زكريا: لكن عفوًا شيخ محمّد أرجوك أرجوك نريد الدقّة أين ضعفت أميركا؟ ما زالت تحكم الخليج برمّته، ما زالت تحكم المغرب العربي برمّته، ما زالت موجودة في بلادنا هي بعيدة عن لبنان وقد دمرّت لبنان بالكامل عبر سياسة الدَوْلَرة أين هذا الضعف؟

محمّد الخضر: صحيح أنا لم أقل إنّ أميركا بدأت تتفكّك، أو أنّها في إطار الزوال، لا أنا أقول إن أميركا بدأت تظهر وتكشف هي من باطنها من داخلها من تركيبتها الداخلية إنّها مُهيأة للتفكّك، وأنّ عوامل الضعف موجودة في تركيبتها الأساسية، وهذا ما يقوله الآن كبار من كتّاب ومن مُفكرّي الولايات المتحدة والمجتمع الأميركي نفسه، أنا أقتبس هنا مثلًا بعض كلمات. يقول الكاتب إكسندر هيميون يقول إنّ الخلافات الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة قد تؤدّي إلى ظهور قوى انفصالية قادِرة في نهاية المطاف على رَسْم الخارطة السياسية الأميركية، هذه مُجرّد بدايات أميركا. الآن من خلال الأزمات التي تواجهها الآن وهي الدولة العُظمى والكُبرى ماذا فعلت في مواجهة أزمة كورونا؟ هل نجحت في مواجهة هذه الأزمة؟ هل نجحت أميركا في تجاوز تبعات أزمة مقتل المواطن الأميركي؟ أم أنّها خضعت بالفعل لتبعات ونتائج هذه الأزمة؟ على قاعدة أنّ فيها بالفعل تمييزًا عُنصريًا مُتأصّلاً وقديمًا، وهو من عوامل تفكّك ربما في المستقبل القريب إن شاء الله هذه الدولة أنا لا أقول إنّ الشعوب العربية الآن باتت تمتلك زِمام الأمور، وخاصة بوجود هؤلاء الحكَّام الذين يقبعون في مراكزهم وعلى عروشهم، والذين يجثمون على صدور هذه الشعوب العربية. لكن بدأت الشعوب العربية الآن تلمس أنّ أميركا من خلال لجوئها إلى الحرب الاقتصادية هي بالفعل نمرٌ من دولار، نمرٌ من دولار عندما تضعف هذه القيمة تضعف قُدرة أميركا على السيطرة على المنطقة.

يحيى أبو زكريا: أنا أشرت في المقدّمة إلى دور تركيا في نقل إرهابيين من سوريا إلى تركيا فليبيا عبر طائرات رسمية تركية، عددهم 9000 مقاتل من داعش، ومن النصرة، ومن إرهابيين آخرين، نقلوا إلى ليبيا. تركيا عضو في الناتو أليس كذلك؟ الكثير من المسلمين يعتبرون تركيا بصَدَد تجديد الخلافة العثمانية وتوحيد العالم الإسلامي، لكنها أحرقت سوريا، وتحدَّت العراق، وأحرقت ليبيا بالإرهابيين.

محمّد الخضر: دعني هنا أقول تركيا وغيرها من الدول دول المنطقة.

يحيى أبو زكريا: السؤال أن أميركا ما زال لديها وكلاء تتحرّك بهم بقوّة في المنطقة العربية.

محمّد الخضر: تركيا وغيرها من الدول هي مُهتمّة بدورها بحضورها، بتعزيز حضورها على مستوى المنطقة بغضّ النظر عن صراع المحاور والتنافُس على قضية الدور، ولذلك عندما تتشكّل مجموعات لا تمتلك منهجية واضحة ورؤية واضحة ومشروعًا مستقلًا، هذه المجموعات هي جاهزة ومُهيأة لأن يستخدمها أيّ كان، أيّ صاحب دور، أيّ صاحب نفوذ. وهذا ما رأيناه في العراق وسوريا وفي غير مكان عندما كانت الطائرات الأميركية تهبط على بقعة مُحاطة بالنيران ثم تستخلص مجموعة من هؤلاء الجماعات المسلّحة لتنقلها بسلامٍ وأمانٍ بعد أن يكون مصيرها الموت المُحتّم تنقلها إلى مكانٍ آمنٍ. لماذا؟ لأن لها دور يُراد أن تلعبه في مكان آخر وفي ساحة أخرى. هذا لا يمكن أن يستمر وعلى هذه الجماعات، وبالمناسبة هنا أنا لا أستطيع بكل حيادية أن أقول إن كل هذه الجماعات الجهادية أو المسلحة، أو ما يُسمّى بالجماعات السلفية القتالية يمكن أن نصنّفها تحت إسم واحد أو عنوان واحد، فيهم من هو مُغرَّر به، فيهم مَن هو يُسيء الفَهْم ويُخطئ التصوّر، وهؤلاء أمثالهم أمثال الخوارج الذين حاورهم علي.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد الخضر: رضي الله تعالى عنه وفيهم المرتزق طالب الدنيا الطامِع، أنا أريد أن أذهب من لبنان لأن واقعي الاقتصادي صعب ولأنني لا أجد فرصة عمل لأجاهد في ساحة من ساحات القتال في ليبيا أو في غيرها، هذا ليس جهاداً هذا لا يُسمّى قتالًا في سبيل الله، هذا يُسمّى ارتزاقًا، هذا يُسمّى طلبًا للدنيا. كثير من هؤلاء لن تنفع معهم الكلمة أو الحوار أو المنطق هؤلاء يريدون المال مصيرهم إمّا أن يعودوا، أو يموتوا، لكن المشكلة لدينا والتي يمكن أن نجد لها حلًا أن نعتمد الخطاب العقلاني مع مَن يمكن أن يكون قد اشتبهت عليه الأمور، والتبست عليها المسائل واختلطت عليه القضايا.

يحيى أبو زكريا: وللإشارة الكثير بحمد الله عاد وتاب، ومرحبًا بأيّ شخصٍ يترك السلاح وينخرط مُجدّدًا في المجتمع، بل نسأل الله تعالى أن يهدي الجميع وأن يكونوا عناصر مواطنين صالحين إن صحّ التعبير.

أستاذ عبد الجليل واحدة من مصاديق حلقتنا الإرهاب يعاود الظهور في ليبيا، ليبيا اليوم صارت جغرافيا مُحترِقة لا يوجد فيها إجماع مُطلقًا، انفرط الإجماع في ليبيا حكوماتان دولتان، وهنالك دول كثيرة باتت تحرِّك الجغرافيا الليبية كعرائس الأرجوز. الكل يعرف دور السعودية، قطر، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، وأميركا، وفرنسا ومصر، من جهة والجزائر تسعى إلى جمع الأطراف الليبية. هل بنظرك أنّ البركان الليبي سوف يمتد إلى الجزائر وتونس ومصر كما يُخطَّط له؟

عبد الجليل بن سالم: والله هذا يتطلّب عقلاً استراتيجياً عقلاً سياسياً كبيراً، وأنا لست سياسيًا كبيرًا، ولكن الذي أفهمه بكل تواضع، هذا نموذج في الحقيقة الوضع الليبي والصراع الدولي بين الأقطاب بين روسيا وأميركا وبين هذه المحاور. والمحوران الكبيران أنا أفهم أنّ هذا نموذج جيّد لتفهيم الناس أنّ الصراع هناك ليس صراعًا دينيًا، ولا يمكن أن نُطلق عليه الجهاد فالذي يتنادى إلى ليبيا باسم الجهاد هذا خطأ إسلامي كبير وخطأ فُقهي وعلمي كبير، هذا نموذج لست أدري، هل تفاعلت معي في هذه النقطة أم لا أستاذ؟

يحيى أبو زكريا: نعم نعم معك قلبًا وقالبًا.

عبد الجليل بن سالم: الصراع في ليبيا، أو الصراع في سوريا من قِبَل الذين تنادوا باسم الجهاد في سبيل الله هذا نموذج على أنه ليس جهادًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

عبد الجليل بن سالم: إنّما هو صراع مصالح سياسية واستراتيجية واقتصادية، هذا نموذج لتقريبه لعقل المسلم والمسلمين، يا مسلمون هداكم الله، هذا ليس جهادًا كما من قبل كان في أفغانستان لم يكن جهادًا، كان صراعًا بين أميركا والاتحاد السوفياتي، أميركا وظّفت الإسلاميين باسم الجهاد الآن. آن الآوان للعقل المسلم بعد 40 و50 سنة أن يفهم هذه الظواهر، وأن يضعها وضعًا سليمًا ليست جهادًا، أمر إلى الوضع الليبي كما أفهمه هو بكل بساطةٍ هو صراع مصالح العالم العربي بعد تفتيت العراق، وفشلهم في سوريا جاءت أميركا الآن مع حلفائها للسيطرة على النفط الليبي، وهناك صراع بين روسيا من جهة ومَن معها وأميركا ومَن معها يجب أن نفهم هذا الصراع نحن كعرب  وكمسلمين من هذه الزاوية، وأنا كتونسي كتونسي أفهم هذا الصراع على أنّه صراع دولي على اقتسام الكعكة الخاسِر الوحيد في هذه اللعبة هو الشعب الليبي بكل فِرَقه وكل أحزابه وبكل أطيافه، ولذلك نحن نُنادي بتونس النُخَب السياسية، والنُخَب الواعية أن يكون الحل، ليبيا ليبيا وهذا شبه شعار سياسي أكثر منه واقعي لأنه واقعيًا سيقع تقسيم ليبيا بين محور أميركا، ومحور روسيا للأسف الشديد.

يحيى أبو زكريا: ونسأل الله تعالى ألا يمتد ذلك إلى الجزائر حيث يتمّ التهديد بدولة بربرية أمازيغية ودولة عربية في الشمال. أستاذ محمّد شيخنا الفاضل؟

عبد الجليل بن سالم: المقصود الجزائر هي مقصودة الجزائر.

يحيى أبو زكريا: نعم نعم صحيح، وهذا ما تحدَّث عنه الكونغرس الأميركي وحتى البنتاغون الجزائر بعد ليبيا للأسف الشديد والجيش الجزائري أدرك ذلك، ووزَّع جنوده في الصحراء.

عبد الجليل بن سالم: لو سمحت لي أتفاعل مع الأستاذ محمّد ونعمّق الفكرة.

عبد الجليل بن سالم: إنّ أميركا منذ عشرين سنة كتب كتابها الاستراتيجيون على أنهم يخافون من صراعٍ داخلي أميركي. أميركا تعيش بتصدير أزماتها الداخلية إلى العالم، وهم يصدرون إلى العالم المشاكل فقضية الإرهاب هي أحسن موضوع وأحسن مسألة موضوعة من أجل إلهاء الداخل الأميركي بعدو خارجي. الآن تحوّلت الأزمة إلى الداخل الأميركي هم خائفون، ولذلك ما سمّي بالربيع العربي في بعض الدراسات أو الخريف العربي. هذا كله فعل أميركي من أجل من أجل ماذا؟ من أجل إلهاء الداخل، أو تأجيل الصراع الداخلي لأن الاستراتيجيين الأميركيين ومنهم هانتينغتونغ كلهم يتحدّثون عن أزمة هوية داخل أميركا وخوف من انفجار داخلي وخوف من تقسيم داخلي. طبعًا هذا وأنا لست من البُسطاء حتى أتحدّث عن انهيار أميركا أو عن ضعف أميركا. أميركا ما زالت قوّة لمئة سنة، ولكن المؤشّرات تقول إن أميركا الآن بدأت تعيش عدّاً تنازليًا في تراجعي وهذا عُمر إمبراطوريات.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

عبد الجليل بن سالم: قضية الإرهاب هذا واللعب به هو من أجل إلهاء الداخل فقط.

يحيى أبو زكريا: طبعًا أستاذ عبد الجليل أذكِّر هنا بمقولة لأرنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية يقول كل الامبراطوريات في التاريخ سقطت عندما وصلت إلى أوج القوّة، الوصول إلى أوج القوّة وفائض القوّة بداية الانحدار في سنن التاريخ وحركة التاريخ، فلا قوّي إلا المولى عزّ وجلّ.

شيخ محمّد أشار الأستاذ عبد الجليل أنّ الصراع في ليبيا صراع دولي، وكذلك كان الصراع في أفغانستان. وهنا أعود إلى ما يُسمَّى بالمعارك الخاسِرة للمسلمين منذ الصراع في أفغانستان صدّرت مئات الكتب عن الجهاد الأفغاني، ومن هذه الكتب كتاب لعبد الله عزّام "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" أميركا دعت إلى الجهاد ودفعت الخُطباء والدُعاة إلى إصدار فتاوى الالتحاق بالجهاد، رأينا قسمًا من الفلسطينيين تركوا فلسطين وذهبوا لمُجاهدة الروس والسوفيات والجيش الأحمر. وهكذا الأمر في سوريا عندما اجتمع الدُعاة في القاهرة تحت رئاسة مرسي ودعوا إلى النفير العام في سوريا وهكذا الجزائر سابقًا.

هل الغباوة والهَبْنقيّة والضَحالة الفكرية سِمة إسلامية؟ الأميركي يأتي يضحك علينا، ويقول لنا الجهاد ها هنا فنُهَروِل وراء هذا الجهاد. ما بالنا في كل مرة نؤخَذ من ذقوننا إلى معارك خاسِرة وأهداف واهية.

محمّد الخضر: أعتقد هي جدلية مَن يستغلّ من مشكلة، كثير من قياداتنا مع الأسف الإسلامية في الحركات والتنظيمات الإسلامية أنّها تعتقد بذكائها الخارِق هي تستغلّ أميركا وهي التي تُحدِّد وتستدرج أميركا إلى إمدادها بالسلاح والعتاد وكل ما يلزم من عناصر القوّة في ساحة لمعركة هي تختارها هذه الجماعات وهذا غير صحيح.

يحيى أبو زكريا: ذكّرتني بقائد لفصيلٍ جهادي أفغاني كان في أميركا فسُئِل عند مَن كنتم؟ قال كنا عند الأخ ريغان والأخ ريغان تفهَّم وضعنا، صار ريغان أخاً.

محمّد الخضر: هذا ليس من باب المُبالغة، هذا كانوا يقولونه لنا عندما كنا نناقشهم في صوابيّة الخيارات، وتحديد المسارات وتحديد الأهداف وتحديد الساحات واختيار ميادين القتال والجهاد وهم يُعيدون نفس التجربة في كل ميدان وفي كل ساحة. العدو يُحدِّد لنا تاريخ ومكان وزمان المعركة وظروفها، ونحن مُجرَّد وقود مُجرَّد أدوات. في اعتقادي آن لنا أن نفهم أن وظيفتنا وتكليفنا الشرعي في الأساس كيف نصل إلى قلوب الناس، لا كيف نصل إلى كراسي الحُكم وإلى التسلّط على الشعوب.

أدعو إلى الله كما قال الله تعالى قُل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومَن  اتّبعني، الدعوة إلى الله هي التكليف الشرعي، الجهاد نلجأ إليه كحلٍ من حلول الأزمات التي تواجه الدعوة، لا كخيارٍ أساسي يمكن أن يستبق مسألة الدعوة وقضية الدعوة.

يحيى أبو زكريا: وهو ليس ضدّ أمَّتك، ليس ضدّ دولتك، بأيّ حقٍ أن تقتل رجلاً من الجيش اللبناني أو الجيش الجزائري، أو السوري أو العراقي أو الشرطة؟

محمّد الخضر: حتى مع اتفاق المذهب مَن يقتل من الآن في ليبيا؟

يحيى أبو زكريا: على أيّ أساس؟

محمّد الخضر: حتى الاختلاف  المذهبي غير موجود في بعض الساحات، السنّة يقتلون السنّة، الجهاديون يقاتلون الجهاديين، المجاهدون يُكفّرون المجاهدين، بأيّ منطق؟ بأية حجّة سنلقى الله سبحانه وتعالى؟

ولذلك أنا أعتقد إنها مسؤولية عظيمة، الآن آن لنا أن نستدرك ما فات وبالفعل نخرج من فكرة أسوأ نموذج أستاذنا الفاضل، أسوأ نموذج مرّ على تاريخ العمل الإسلامي هو النموذج الذي صدّرته إلينا، والفكر الذي ألبسته إيّانا بعض الأنظمة الخليجية عندما أفهمونا إنّ ما نراه وما نفهمه هو التوحيد، وهو الإسلام وما سواه أو خرج عنه فهو الكفر والردّة، وعكس التوحيد تمامًا هذه الدول وهذه الأنظمة التي شرَّعت التكفير وشرَّعت الطعن واللّعن والتخوين والتشكيك واستباحة الدماء والأموال والأعراض بحجّة التوحيد والجهاد والدفاع عن العقيدة وصون التوحيد، أين هي من الفضائل الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام؟ أين هي من صون الفضائل المجتمعية في بلادها؟ وهي تتخلّى عن أبسط  مقوّمات الأمن الأخلاقي في بلادها والسلوكي في مجتمعها. أين أصبحت الآن؟ أين هي من قضايا المسلمين؟ أين هي من فلسطين؟ أين هي من ساحات الجهاد الحقيقي؟ لذلك أعتقد أنّها مسؤولية كُبرى، وهذا النموذج يجب أن يسقط إلى غير رجعة لأنه لم يعد صالحًا.

يحيى أبو زكريا: وهنا أذهب إلى تونس للكلمة الختامية أستاذ عبد الجليل من فضلك الإرهاب، هل سوف يعاوِد الظهور بقوَّةٍ بنسبيةٍ مُعيّنة؟ ما الذي تقوله في جُملة موجَزة رجاءً؟

عبد الجليل بن سالم: الإرهاب طالما أنه آلية تستعملها القوى العُظمى لمصالحها فإنّه في كل وقت وفي كل حين سيظهر هو الوسيلة الفضلى الذي يوظّف لصالح القوى العُظمى لتحقيق مصالحها وأهدافها وآلية لتحقيق هدف ببساطة.

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد الجليل أذكّرك بدراسة لمعهد واشنطن للدراسات في أوج قوّة داعش عندما استولت داعش على الموصل تقول هذه الدراسة إنّ داعش سوف تتلاشى وتموت قليلًا، لكن سيظهر جيل جديد من داعش سيكون أدعش مما سبق، هم هكذا يُخطِّطون وهكذا يُبَرْمجون.

أستاذ عبد الجليل بن سالم من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك، الشيخ محمّد الخضر من لبنان الحبيب وقاه الله من كل سوء ومضرَّة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل