الهيمنة الأميركية

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن (فنزويلا) و(إيران) و(الولايات المتّحدة) وبالتالي سنتحدّث عن السياسات العالمية والوضع الدقيق الموجود حالياً بين التدخّل العسكري المباشر في (فنزويلا) وربما حتى في (إيران) وما هو ردّ فعل العالم تجاه ذلك أو بالأحرى كيف يجدر به أن يردّ. السبب التقريبي لهذا النقاش هو التهديدات المتكرّرة للحكومة الأميركية بالتدخل لوقف التجارة الشرعيّة تماماً بين (إيران) و(فنزويلا) في المجالات البتروكيميائية والنفطية التي لا علاقة لـ (الولايات المتّحدة) بها مُطلقاً لكنّها منحت نفسها دور الشرطي لتطبيق القانون في العالم مع أنها ترفض المثول أمام المحكمة في (لاهاي) مع بداية تحقيقات "محكمة الجنايات الدولية" في جرائم حرب مزعومة نفّذتها القوات الأميركية في (أفغانستان). شرطي يرفض المثول أمام تلك المحكمة ويهدّدها بإنزال عقوبات بها وبموظّفيها لأنّها تجرّأت على التشكيك في تصرّفات الحكومة الأميركية. الصورة برمّتها تُظهِر بوضوح تام انعدام أخلاقيات الدور الذي تلعبه (الولايات المتّحدة) في العالم، دور المُتسلِّط العالمي وليس دور الشرطي العالمي لكنّها ما زالت حتّى هذه اللحظة، وقد لا يستمر ذلك طويلاً، المُهيمن العالمي وتمنح نفسها الحقّ لتُملي على الحكومات السيادية ما ينبغي أن تفعله معها أو كلّ على حدة. كالعادة تنضمّ إليّ مجموعة من الخبراء المتميّزين، وأنا مجرد الهاوي الوحيد في هذه المجموعة، دعوني أقدّمهم لكم: "كالفن تاكر" من صحيفة "مورنينغ ستار" وهو شخصيّة مُميّزة لكنه هنا كأحد المراقبين الدوليين المئتين للانتخابات الديمقراطية في (فنزويلا) ولديه خبرة كبيرة سيُشاركنا إياها. "ويليام مورا" على يميني وهو داعم كبير للحكومة الفنزويليّة وداعم كبير للرئيس الراحل "هوغو تشافيز"، حينها تعرّفت عليه، وهو يرفع الراية هنا في (بريطانيا) دفاعاً عن الثورة البوليفاريّة التي هي الإيديولوجيا خلف الحكومة في (كراكاس). وعلى يميني الأقصى، عذراً على استخدام هذه العبارة التي لا تحمل أيّ معنى سياسي، "كلايف مانزيز " وهو رجل أعمال متخصص في القطاعين المالي والتكنولوجي. دعني أبدأ معك يا "كلايف". هذه العقوبات التي فرضتها (الولايات المتّحدة) على (فنزويلا) و(إيران) لا تتمتّع بأيّة صلاحيّة دوليّة قانونيّة، إذاً كيف تتمكّن (الولايات المتّحدة) من فرض عقوبات من جانب واحِد لاسيّما على بلدين خاضعين للعقوبات لكنّهما يسعيان إلى مُمارسة نشاطات تجاريّة قانونيّة في ما بينهما؟ 

كلايف مانزيز – خبير اقتصادي: لقد حلّلت كثيراً التفكير النقدي المُشترك الذي كان مشروعاً جماعياً في محاولتي لفَهم كيف تسير الأمور في العالم، وحين تفهم أُطر العمل الذي في ضمنه نعيش كلّنا ترى شيئاً فشيئاً أنّ (الولايات المتّحدة) نفسها لا تُسيطر على زمام الأمور بل هي فعلياً تخضع لسيطرة بنية الاقتصاد السياسي وعلى الأخص من خلال نفوذ المال. تحدّثت حضرتك عن العقوبات العشوائيّة التي تفرضها (الولايات المتّحدة) وأودّ أن أُشير أيضاً إلى أنّ مصرف (إنكلترا) المركزي يرفض في شكلٍ عشوائي أو أُحادي الجانب أن يعيد إلى (فنزويلا) ذهبها الذي يُساوي مليوني دولار تقريباً والذي طالبت (فنزويلا) في شكلٍ شرعيّ استعادته لكن طلبها رُفِض. إذاً نتحدّث عن بنية قوية تقوم أساساً على نفوذ المال وهذا النفوذ نفسه يُسيطر ويقود (الولايات المتّحدة)، والحوافز البنيوية والعقوبات ضمن السياسة الاقتصادية هي التي تولِّد هذه التوتّرات علماً أنّه ليس لـ (الولايات المتّحدة) مشروعية في ذلك. من المثير للاهتمام أنّك أشرت إلى التناقض في كون (الولايات المتّحدة) هي الشُرطي العالمي والمُتسلِّط العالمي، لكن حين ننظُر إلى العسكرة في مجال الشرطة في شكلٍ عام نجد أن الفرق قليل جداً في رأيي بين هذين المسارين 

جورج غالاواي: نقطة مهمة جداً. كانوا يدعونني بانتظام إلى جلسات نقاش في المحافل الأكاديمية مع مُفكّرين من الطبقة البرجوازيّة في موضوع "النظام القائِم على قواعِد"، هذه الجملة بقيت تُثير الجدل لبعض الوقت وهي تبدو الآن سخيفة لكن الكثيرين كانوا يُصرِّحون عن ولائِهم والتزامهم بنظامٍ قائِمٍ على قواعِد. لكن ما تفعله (الولايات المتّحدة) ضدّ (فنزويلا) و(إيران) يناقض تماماً أي نظام قائِم على قواعِد، الأميركيون مزّقوا في الحقيقة كلّ القواعِد عملياً وطبّقوا إملاءاتهم الخاصة الأُحادية الجانب أليس كذلك؟

كلايف مانزيز: يُمكنني القول إنّها تعمل على مجموعة قواعِد مُختلفة. النظام القائِم على قواعِد يعتمد على عملٍ مُشتَرك وهو مُصادرة كلّ الأصول العائِدة شرعياً للشعب ثمّ إعادة تأجيرها إليه وهذا ما أوصل حكومة "موراليس" البوليفية إلى الحُكم وهي بالتأكيد لم تعُد قائمة للأسف. إن نظرنا إلى ما حصل تدريجياً في (أميركا اللاتينية) نجد أن الشرق الأوسط كان مصدر إلهاء منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما بعدها لأنها أبقت الأضواء مُسلّطة عليه، وفي هذا الوقت شهِدنا ولادة "حركة شعبيّة" حقيقية، وهو تعبير لا أُحب استخدامه لأنه مُتلاعَب فيه، لكن من القاعدة وما فوق تحت حُكم "هوغو تشافيز" شهِدنا ذاك المدّ الشعبي الذي بدأ في التحكُّم بمصيره الخاص ما أدّى إلى قيام حركات مماثلة في (الإكوادور) و(بوليفيا) و(الأرجنتين) التي كلّها تعرّضت للاكتساح و(فنزويلا) هي الصامدة الأخيرة إذا أردت، تماماً كما هي حال (إيران) في الشرق الأوسط وكذلك (سوريا) حيثُ فرضت (الولايات المتّحدة ) نزعتها الإمبريالية وهيمنتها 

جورج غالاواي: علماً أنّها لم تتلاش بعد 

كلايف مانزيز: بالفعل لم تتلاش وفي رأيي ما نراه فعلياً هو نتيجة لهذا السياق ضمن النظام المالي العالمي الذي ينهار عمداً الآن. وضمن هذا السياق، ما نراه حالياً في ما يخصّ (الولايات المتّحدة) هو مُحاولتها الأخيرة لإنقاذ إمبراطوريّتها، وهذه الأنفس الأخيرة إلى حدٍّ ما للطموح الإمبريالي سواء تمّ تصنيف ذلك كحكومة عالمية، عِلماً أنّها الخطّة الأساسية، أو تمّ نقل المعركة إلى (إسرائيل) أو (الصين)، مَن يدري! لكنّ كلّها ستكون تحت سيطرة النفوذ المالي لذا لن يُغيِّر هذا الكثير 

جورج غالاواي: يُفاجئني أنّك تظنّ أنّ هناك خطّة، لا تبدو أنّها خطّة بالنسبة لي لكننا سنعود إلى هذا الموضوع. "كالفن"، إذا نظرنا اليوم إلى الوضع الأميركي والفوضى العارِمة القائِمة هناك، أيُفاجئ ذلك ناشطاً مُتمرّساً مُناهضاً للإمبريالية مثلك أنها لا تزال تتدخّل في (إيران) وفي (فنزويلا) وما بينهما؟

كالفن تاكر – صحافي من مورننغ ستار: في رأيي، إذا نظرنا إلى ما يحصل في كلّ ولاية أميركية يُمكننا أن نرى إيديولوجيا التفوّق الأبيض أو على الأقلّ أصداء أصحاب أفكار التفوُّق الأبيض المُتجذّرة منذ تاريخ تأسيس (الولايات المتّحدة) وهي بلاد أُسّست على إبادة سكّانها الأصليين واكتسبت قوّة اقتصادية من خلال نقل السود من (أفريقيا) واستعبادهم. لذا نرى حالياً تلك النقمة الكبيرة وذلك الغضب الساحِق تجاه ما أصاب ذاك الرجُل من (مينيابوليس) 

جورج غالاواي: "جورج فلويد" 

كالفن تاكر: "جورج فلويد" صحيح، لكن الأمر بالطبع لا يقتصر على ما حصل مع "جورج فلويد" كفرد بل إنّ عمليّة قتله تركت وقعاً قوياً لدى السود وحلفائِهم في كلّ أنحاء العالم بما في ذلك في بلدان غير متوقّعة لاسيّما في أجزاء من (أوروبا) الشرقية وهنا في (بريطانيا) حيث نزل مُحتجّون في قرى وبلدات ريفيّة من حركة "حياة السود مهمّة" إلى الشوارِع. إذاً الامبريالية الأميركية مُتجذّرة بعُمق في الأحداث التاريخية وهي بالتأكيد إيديولوجية وهي سياسية وهي اقتصادية وهي عسكرية. أعني مثلاً انتقال أسطول النفط الإيراني إلى (فنزويلا)، قالت (الولايات المتّحدة) إنّها ستردع ذلك لكنّها فشِلت في تحقيق ذلك وقد تلقت في الحقيقة ضربة بسبب ذلك لكنّي أظن أنّ القوّة العسكريّة مستمرة بلا هوادة لكن ضمن سياق إمبراطوريّة اقتصادها آيل إلى السقوط كما ذكرنا سابقاً، إذاً الوضع خطر للغاية 

جورج غالاواي: إنه كذلك لأن الحيوان الجريح يُشكّل خطراً أكبر في العادة ولم ينظر أحد إلى (الولايات المتّحدة) اليوم من دون القول إنّها بلاد جريحة. لكن المرء يتساءل مع ذلك كيف أنّ طبقة سياسية تعجز عن حفظ النظام في شوارعها إلّا من خلال اللجوء إلى أقصى درجات العُنف التي ينتُج منها المزيد من المُقاومة وهي ما زالت تتصوّر أنّ في إمكانها السيطرة على شوارِع (فنزويلا) 

كالفن تاكر: هذا أمر لا يُصدّق، أعني أنّه منذ مُحاولة تنصيب "خوان غوايدو" كرئيس لجمهورية (فنزويلا) قبل ثمانية عشر شهراً، مرّت ثمانية عشر شهراً و"غوايدو" لا يُسيطر على مُستشفى واحد حتّى ولا على موظّف حكومي واحد أو شرطي واحد أو وحدة عسكرية واحدة ولا على جانب واحد من الدولة الفنزويليّة ورغم ذلك هذا الرجل مُعتَرَف به رئيساً شرعياً للبلاد من خمسين بلداً في العالم، تلك البلدان التي تُسمّي نفسها "المُجتمع الدولي". بالتأكيد هذه مُثير للسُخرية لأنّ هناك مئتي بلد في العالم ما يعني أنّ مئة وخمسين بلداً تعترِف بالرئيس الشرعي المُنتخب لـ (فنزويلا) ومع ذلك هذا لا يردع نظام العقوبات المُشين من التأثير على كافّة جوانب الاقتصاد الفنزويلي والناس لا يعلمون ذلك ويعتقدون أنّ العقوبات بدأت مع "ترامب" فيما هي بدأت فعلياً في عام 2015 في عهد الرئيس "أوباما" ولاحقاً كثّف "ترامب" تلك العقوبات لمصادرة الأصول النفطية المُتعثّرة في (الولايات المتحدة) للحؤول دون متاجرة (فنزويلا) بها واستخدامها لمهاجمة الصفقات المالية وما إلى هنالك 

جورج غالاواي: لنستمع إلى مُداخلة من الدكتور "فرنسيسكو دومينغيز" وهو رئيس مركز الدراسات الأميركيّة اللاتينية والبرازيلية في جامعة "ميدل سكس". دكتور "فرنسيسكو"، هل شكّل نجاح وصول أُسطول النفط الإيراني إلى (فنزويلا) تهديداً على الهيمنة الأميركية؟ 

د. فرنسيسكو دومنغيز: لا يقتصر الأمر على بلدين يخضعان لعقوبات أميركية بهدف خنقهما اقتصادياً بل هناك نيّة لجعلهما أمثولة للعالم مع تهديدات مُستمرّة بالتدخُّل العسكري ضدّهما سواء في حال (إيران) أو (فنزويلا)، الحكومة الإيرانية تتخذ القرار بالتنسيق مع (فنزويلا) بإرسال هذا الأُسطول. (الولايات المتّحدة) حاولت القيام بشيء حيال ذلك لكنّها في النهاية قرّرت ألّا تقوم بأي شيء. في الواقع نشرت (الولايات المتّحدة) أسطولاً حربياً ضخماً في (الكاريبي) مع نيّة ردع قويّة لأيّة عمليّات تهريب من (فنزويلا) كما زعمت، وهذه المزاعم كاذبة بالتأكيد، وحصلت على دعم سُفن حربيّة من (فرنسا) و(هولندا) و(المملكة المتّحدة) بالإضافة إلى مروحيّات وغوّاصات وطائِرات حربيّة وغيرها. وعلى الرغم من انتشار هذه القوّة الضخمة مرّت السُفن التي تنقل النفط واحدةً تلو الأُخرى، والأهم من ذلك كلّه هو ما قامت به الحكومة الفنزويليّة وهو المرافقة العسكريّة التي رافقت مُختلف ناقلات النفط الواحدة تلو الأُخرى والتي كانت في المنطقة الاقتصادية الفنزويلية، بمعنى أنّ المرافقة العسكرية اتجهت إلى المياه الدولية لتحرص على تقديم الحماية لهذه السُفن في حال شنّت (الولايات المتّحدة) هجوماً. هذا الأمر لا ينهي الحصار على (فنزويلا) لكنّه يُخفّف حتماً من حدّته، والأهم من ذلك أنّه بالرغم من الحصار ووقعه الاقتصادي والمالي وغير ذلك من الناحية غير الملموسة، أظنّ أنّ ما حصل له أهميّة رمزية وهي عدم قدرة (الولايات المتّحدة) وعجزها كونها الحكومة الأكثر تطرّفاً يمينياً على الإطلاق. بعد تهديدات متكرّرة لم تفعل شيئاً فعلياً في نهاية المطاف، لذلك أظن أنّها ضربة موجِعة تتيح المجال أمام بلدان كثيرة في أن تتحرّك وهذا سيغيّر العالم في شكلٍ جذري لأنّه أمر سيتكرّر مراراً وتكراراً ليس فقط بين (فنزويلا) و(إيران) ولكني واثق أنه سيكون أيضاً بين (فنزويلا) وبلدان أُخرى و(إيران) وبلدان أُخرى. الأمر أصبح غير مقبول إطلاقاً و(الولايات المتحدة) تستخدم التهديد العسكري خارِج حدودها الإقليمية لتفرض إرادتها غير الشرعية والجرميّة على بلدان تريد أن تُتاجر وتتعاون في ما بينها بسلام 

جورج غالاواي: "ويليام"، (فنزويلا) بلادك ومن المؤكّد أنّ معنويّاتك ارتفعت أمام فشل (الولايات المتّحدة) في وقف التجارة القانونية بين (إيران) و(فنزويلا) لكنّهم لم يرحلوا أليس كذلك؟ كان الجنود الأميركيون يصلون إلى (كولومبيا) المُجاورة، والعقوبات كُثِّفت وتعاظمت قساوة الخطاب، كيف تجد الوضع الحالي بين الإمبريالية الأميركية وبلادك؟ 

ويليام مورا: إنّها معركة طويلة نخوضها مع (الولايات المتّحدة) منذ اندلاع الثورة عام 1999. منذ لحظة إعلان دستورنا كانت بُنية هذا الدستور تتحدّى عقيدة (الولايات المتّحدة) لاسيّما من ناحية منح الدستور عمليّة توزيع القوّة والثروة للشعب مع الحاجة إلى خلق تشكيلات شعبيّة ليبدأ الشعب في اتّخاذ قراراته الخاصّة. ثم انتقل "تشافيز" إلى تعديل النظام الاقتصادي مع استعادة السيادة على قطاع النفط وكان هذا جوهر ما أزعج الإمبراطوريّة. عندما أعلنّا أنّ النفط هو ملك (فنزويلا) قمنا فوراً بنقل المخزون الفنزويلي من سجلّ "إكسون – موبيل" إلى سجلّ فنزويلي. كانت شركة "إكسون موبيل" تقرض الأموال مُستخدمةً المخزون الفنزويلي وكأنّه خاصّتها. حينما أعلنا هذا النقل قالت شركة "إكسون موبيل" إنّها تتكبّد خسائر ومعها كلّ الشركات داخل (الولايات المتّحدة). الخطاب الذي سمعناه مؤخراً يعكِس معركتهم التي بدأت عام 1999 ثم عام 2001 حين أعلن الرئيس "تشافيز" عن القوانين الجديدة التي تُعزّز الدستور ما دفع المشروع إلى الأمام، حينها بدأت (الولايات المتّحدة) تتخذ مواقف عنيفة ضدّ البنى السياسية في (فنزويلا). ثم الانقلاب عام 2002 وبعده الاجتياح العسكري للمرتزقة عام 2003 وإضراب النفط في عام 2003 ثمّ تدخّلات متتالية واستخدام المُعارضة الفنزويلية كدُمى لمصلحة (الولايات المتّحدة)، وفي بطء تحوّلت المُعارضة الفنزويلية إلى قوّة مُسيطِرة وعنيفة في السياق الفنزويلي بحيث أصبحت تُسكِت الأصوات المُعتدِلة التي قد تُمثِّل الديمقراطيّة في (فنزويلا). لذا وجدت (فنزويلا) نفسها مع مُعارضة عنيفة جداً تتلقّى الدعم المالي واللوجستي والسياسي والإعلامي من (الولايات المتّحدة) وحلفائِها والأمر استمرّ إلى درجة وصول رئيس اختارته (الولايات المتّحدة) وهي تُحرِّكه وهو لم يُنتَخب من الشعب إذ لم ينتخبه أحد كرئيس ولا يتمتّع بأيّة سُلطة للقيام بأيّ شيء بل أملَت عليه (الولايات المتّحدة) ما يقوم به. "خوان غوايدو" يُطالب بأفظع الأمور ضدّ بلاده، إنه لا يفهم أنّه عارٍ تماماً أمامنا، سيتذكّره الجميع ولن ينسى أحد ما يفعله في الوقت الحالي رغم أنّه مدعوم من كبار المُتسلّطين وهؤلاء المُتسلّطين لن يبقوا موجودين إلى الأبد. آمل أن نتغلّب في طريقة سلميّة على تلك المُقاومة التي نشهدها الآن من المُعارضة الفنزويليّة وأن نصل في طريقة سلمية إلى الانتخابات المقبلة ونتمكّن سلمياً من زعزعة القيادة اليمينيّة المُتطرِّفة والعنيفة التي فرضتها (الولايات المتّحدة) على المُعارضة الفنزويليّة وتنحيتها وحينها سنحصل على مُعارضة مُعتدلة وبنّاءة ووفيّة للبلد وسنتمكّن من الانتقال إلى المرحلة الثانية. لكن الوضع حالياً هو التالي: لا تحصل (الولايات المتّحدة) على مُبتغاها و(فنزويلا) في مرحلة حَرِجة جداً لدرجة أنّه سيكون على (الولايات المتّحدة) غزو (فنزويلا)، وأن فعلت ذلك أو لم تفعل ذلك ستُخفِق. لذا أقحمت (الولايات المتّحدة) نفسها في وضعٍ صعبٍ جداً وأخشى أنّها ستشنّ هجومها على (فنزويلا) لأنّها تحتاج إلى ذلك، لأنّه أمرٌ يعكس سياستها الداخليّة. فهي تُريد أن تُظهِر محلياً وداخلياً أنّها قويّة وتحتاج إلى تحقيق نصر في مكانٍ ما وتظنّ أنّها قد تُحقق نصراً في (فنزويلا) لكنّها لن تستطيع 

جورج غالاواي: أيّها الدكتور، لماذا فشلت (الولايات المتّحدة) في وقف هذا التبادل التجاري بين (إيران) و(فنزويلا)؟

د. فرنسيسكو دومنغيز: أتمنى لو كنت أعلم جازماً ما هو السبب لكنني أعتقد أنّ هناك عدة أسباب تساعدنا في فَهْم سبب فشلهم. أولاً، رغم أن وزارة الدفاع في (البنتاغون) المتعطشة دوماً للدماء هي التي تُطبِق السياسة الأميركية في العالم منذ عقود، أعتقد أنّ الكثيرين منهم وصلوا إلى استنتاج، فهناك العديد من العقلاء هناك الذين يعرفون الواقع العالمي والعديد منهم نصحوا بعدم التدخل ضدّ (فنزويلا) خلال وجود الأُسطول الحربي في (الكاريبي)، كثيرون منهم، وعلت أصوات عدد من المسؤولين النافذين عبر الإعلام والصحافة قائلين إنّ التدخّل ليس فكرة سديدة. إذاً علت أصوات كثيرة ضمن (البنتاغون) والمؤسّسة العسكرية قائلةً إنّها ليست فكرة جيّدة وندّدت بأيّ تدخُّل، وقيل ذلك علناً مرّاتٍ عدّة، ولكن في رأيي هناك عامل ثانٍ مهم. حينما قامت (الولايات المتّحدة) في أسوأ طريقة ممكنة بتمهيد الطريق بالاحتيال وانتهى بها المطاف باغتيال الجنرال "سليماني" لم يتوقعوا الردود التي أتت من (إيران)، وفي الشرق الأوسط أصبحت (الولايات المتّحدة) ضعيفة جداً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً أمام الهجمات. أذكُر أنني قرأت ردود فعل الحكومة الإيرانيّة ألا وهي الهجوم على ثلاث قواعِد أميركيّة قويّة وهو أمرٌ لم يسبق له مثيل. في هذه المناسبة بالتحديد لم تنصح وزارة الدفاع والمؤسّسة العسكرية الأميركية بعدم خوض صراع واضح فحسب بل أيضاً قدّرت أنّ أيّ تدخل عسكري كان ليأتي بنتائِج وخيمة أيضاً. وفي رأيي هناك سبب قالت لكن أهميته ضئيلة وهو أنّ الأوروبيين كانوا قلقين من حصول أيّ صِدام لأنهم يخافون وقد عبّروا عن خوفهم بسريّة تامّة وحرصوا على الهرب إلى مواقفهم الآمنة قبل أن يطال ذلك أيّ أحد. إذاً أدركت (الولايات المتّحدة) بفضل المُفكّرين فيها أنّها ستُصبِح في عزلة إن قرّرت (إيران) الردّ، لذا قرّرت ألّا تتصرّف حيال ذلك 

جورج غالاواي: شكراً دكتور "فرنسيسكو". المزيد بعد الفاصل، ابقوا معنا  

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن الهيمنة الأميركية وتعدّياتها لاسيّما على (إيران) و(فنزويلا)، تحديداً حين بدأ التعاون التجاري بين (إيران) و(فنزويلا). "كالفن"، لقد سبق ورأى من هم في سنّي ذلك ونذكُر ما حصل، الهدف من هذه العقوبات وزعزعة الاستقرار الاقتصادي هو انهيار الاقتصاد في البلد المُستهدف أو بالأحرى جعل الشعب ينهار. رأينا ذلك في (التشيلي) خلال الإطاحة بالرئيس "أليندي" كما رأيناه في أماكن عديدة، لكن هذه العقوبات لم تجعل الاقتصادَيْن الإيراني أو الفنزويلي ينهاران، هلّ سيؤدّي ذلك إلى الاتّجاه الذي أشار إليه "ويليام"، أي التدخل العسكري المُباشِر؟ عليّ القول إنّ مفهوم هذه (الولايات المتّحدة) أو بالأحرى (الولايات غير المتّحدة) وتورّطها في حربٍ كبيرة في (فنزويلا)، ولا أظن أنّها قد تجرؤ على ذلك مع (إيران)، هي احتماليّة مُخيفة جداً. ما رأيك؟ 

كالفن تاكر: أظنّ أنك مُحق تماماً. أظن أنّ الهيمنة الأميركية تتضاءل داخلياً فهناك التصدّعات على المُستويات العرقيّة والإقليمية والاقتصاديّة في كلّ أجزاء البلاد، لذا في رأيي هي تضعف داخلياً واقتصادياً على الأقل نسبياً تجاه (الصين)، ولهذا السبب حوّلَ "ترامب" نيرانه الإمبرياليّة من (روسيا) في اتجاه (الصين) مع إشارات من بلدان الاتّحاد الأوروبي بأنّها الآن تنضمّ إلى قافلة البلدان المُناهِضة لـ (الصين). لذا أجل، في رأيي هذه احتماليّة خطرة ربما لمَن يُنازع لأجل الحياة لكنّه من دون شك خطير وينشر الرعب من حوله. أعني العقوبات فعّالة لـ (الولايات المتّحدة) في معنى أنّها تُدمِّر أو تُعطِّل اقتصادات تلك البلدان وتخلق غلياناً داخلياً إضافةً إلى سحق معنويّات الناس العاديين، وفي النهاية بالطبع الحكومات تُحاكَم استناداً إلى ما تُقدِّمه للمواطنين العاديين من احتياجات كالمساكن والطعام والتعليم والصحّة، كلّ الأمور التي تحدّث عنها "وليام"، فالثورة البوليفارية في (فنزويلا) حققت سجلّاً يُمكِنها أن تفتخر به إلى أن تمكّنت الإمبريالية من التدخّل من خلال العقوبات وكذلك بواسطة التلاعب بسعر النفط، وذلك منذ عقود، كان لذلك وقع كبير على قدرة (فنزويلا) على الاعتناء بمواطنيها خلال السنوات الأخيرة. أعني يُمكننا القول إنّ الوضع الاقتصادي في (فنزويلا) بالنسبة إلى المواطنين العاديين قاسٍ جداً في الوقت الحالي. في رأيي سبب صمودهم يكمن في وجود حكومة ملتزمة بالاعتناء في الطبقة العاملة والفقيرة في المناطق الشعبيّة أي حيث تعيش الطبقة العاملة والفقراء وحيث يتمّ التوزيع الشهري لسلّة غذائِيّة توفِّر المواد الغذائِيّة للمواطنين الفنزويليين العاديين وبذلك نقول إنّ الشعب يحصل على طعام وإنّ الحكومة نجحت في الحفاظ على عملٍ نظاميّ التعليم والصحّة لكنّها ليست ضمن المستوى الذي كانت عليه خلال رئاسة "تشافيز" بل مستمرة في مستوى ضعيف لكنّ الشعب الفنزويلي لن يستسلم. لو كانوا يريدون الاستسلام لتسنّى لهم ذلك خلال كثير من المناسبات التي أُتيحت أمامهم لاسيّما بعد إضراب النفط والانقلاب العسكري عام 2002 وسلسة الانقلابات الأخيرة التي حصلت مؤخراً مُتراكِمة في ذاك المشهد لإعادة إحياء مشهد "خليج الخنازير" التاريخي مع مجموعة من المُرتزقة الذين وصلوا إلى ساحل (فنزويلا) وألقت القبض عليهم مجموعة من الصيّادين المحليين. لذا لم تنجح العقوبات ولا أظن أنّها ستنجح من حيث قدرتها على إسقاط الحكومة الفنزويليّة لكنّها حالت دون أن تعمل (فنزويلا) كمُجتمع عادي. هلّ ستتدخل (الولايات المتّحدة) عسكرياً؟ هناك منطق يترافق مع التدخل العسكري لكن كما ذكر "فرنسيسكو دومينغيز" آنفاً، أُنظروا إلى غياب ردّ الفعل حين أطلقت (إيران) سلسلة من الصواريخ على قواعِد أميركية في (العراق)، لم تُحرِّك (الولايات المتّحدة) ساكناً. بالطبع في استطاعة (الولايات المتحدة) أن تغزو وتقصف في مُحاولة للإخضاع ولكن ما لم تكُن مُستعِدّة لإنزال قوّاتها على الأرض، لأنّ هذا ما يتطلّبه الأمر لإخضاع الشعب الفنزويلي، استناداً إلى خبرتي في السفر يستحيل أن ينهار الشعب ويخضع للسيطرة العسكريّة الأميركية 

جورج غالاواي: لنتحدّث عن (إيران). الدكتورة "ياسمين ميدر" من جامعة (أوكسفورد)، من كلّية "سانت أنطوني" بالتحديد وهي إيرانية وناشطة ومناضلة متمرِّسة جداً في المسائِل التي تواجهها بلادها. أهلاً بكّ دكتورة "ياسمين"، لماذا في رأيكِ فشِلت (الولايات المتّحدة) في التدخُّل بين الإيرانيين والفنزويليين؟ 

د. ياسمين ميدر: هناك سببان في رأيي أحدهما هو الوضع الراهن حتّى قبل الأُسبوعين الماضيين الذي تزامن مع رحلات الأسطول، كان الرئيس الأميركي يُعالِج أزمة كبيرة وهي سقوط آلاف الضحايا بسبب فيروس "كورونا"، وبعد ذلك خسر المزيد من الدعم له بسبب موقفه تجاه التمييز العرقي، لكنّي أظن أنّ لديه أعداء كُثُر في (الولايات المتّحدة) لاسيّما وزير الدفاع السابق "ماتيس". لذا نرى وضعاً فريداً من نوعه تاريخياً. وهناك أيضاً التهديد الذي ردّت (إيران) عليه حين قالت أإّها لن تبدأ حرباً لكنّها سترُدّ إن تعرّض الأُسطول إلى أيّ هجوم. التوليفة في هذين الأمرين في رأيي أثَّرت في هذه السياسة المتّبعة وعلينا أن ننتبه إلى أنّ (الولايات المتّحدة) تُخطط حالياً لإنزال عقوبات على كلّ ناقلات النفط المتّجهة إلى (فنزويلا) بالإضافة إلى شركات نقل النفط العاملة مع سُفن النقل الخمس، لذا فإننا في بداية هذه الأحداث الجديدة 

جورج غالاواي: يعتبر البعض أنّ الفشل الأميركي في تحقيق تدخل ناجح هو تغيير فعلي ضمن البيئة الدوليّة. إلى أيّ مدى سيصل هذا الاهتزاز؟ 

د. ياسمين ميدر: أعتقد أن الأمر يعتمد على المرحلة التاريخيّة الحاليّة. الرئيس الأميركي في عزلة كبيرة وهو من وضع نفسه في هذا الموقف داخلياً وخارجياً على السواء ما أتاح هذه الفرصة. وبالتأكيد سنشهد أزمة اقتصادية كبيرة جداً وسيكون تأثيرها طويل الأمد على الاقتصاد الأميركي وعلى الاقتصاد العالمي، الاقتصاد الرأسمالي العالمي. لذا يجري الحديث عن ظهور (الصين) كقوّة إضافةً إلى مسائِل دوليّة أُخرى. على الرغم من هذا كلّه أظنّ أنّ (الولايات المتّحدة) تبقى القوّة المُهيمنة في العالم ويجب أن ننتظر لنرى ما سيحصل في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني، ربما رئيس أميركي جديد سيكتسب مُجدداً الدعم الدولي الذي خسره "ترامب" ويتموضع أكثر ضمن مقترحات الكونغرس ويحظى أيضاً بدعم المؤسّسة العسكريّة أكثر

جورج غالاواي: ما الذي ستفعله (إيران) الآن علماً أنّها ما زالت تواجه عقوبات اقتصادية قاسية؟ 

د. ياسمين ميدر: تجد (إيران) نفسها في وضعٍ اقتصادي حرج جداً بسبب العقوبات لذا ستحاول، كما قد تفعل أي بلاد تحت هكذا ضغوط، الاستمرار في بيع النفط لبلدان أُخرى علناً أو سرّاً ولكن يجب أن يستمرّ اقتصادها في إعالة ثمانين مليون إيراني ولا يُمكنها الاستمرار من دون بيع النفط. وكما تعلمون انخفض سعر النفط بسبب الأزمة وغيرها لذا ستُحاول (إيران)، وأيّ بلد آخر في هذا الوضع كان سيفعل الأمر نفسه وسنحاول إيجاد السُبل للخروج من هذه الأزمة. في رأيي، مُعدّل المُشكلة الاقتصادية التي تواجهها (إيران) هائل وهذا لن يحلّ المُشكلات الاقتصاديّة على المدى الطويل 

جورج غالاواي: هلّ هذه بداية نهاية الهيمنة الأميركيّة على العالم؟

د. ياسمين ميدر: لقد بدأت القوّة الأميركيّة تتراجع وظهر ذلك في انتخاب "ترامب" وهناك تناقُض. لكن كما قلت سابقاً أظنّ أنّه من الناحية الاقتصاديّة وحتّى من الناحية العسكريّة الجويّة ما زالت (الولايات المتّحدة) بلداً قويّاً جداً وقد تمرّ عقود عدّة قبل أن تتغلّب عليها بلاد أُخرى 

جورج غالاواي: أشكرك دكتورة "ياسمين". "كلايف"، عدا الحرب ما هي الخيارات المُتاحة أمام (الولايات المتّحدة) لتفرِض هيمنتها التي سبق وتحدّثنا عنها؟ ما الذي عساها تفعله على مُستوى النفوذ المالي الذي تكلّمت حضرتك عنه؟ هي ما زالت من دون شك تتربع على العرش

كالفن تاكر: إن نظرنا تاريخياً إلى البلدان التي تعرّضت للعقوبات والهجوم، (العراق) مثلاً حين قالت "مادلين أولبرايت" أنّ مقتل نصف مليون طفل عراقي أمرٌ يستحقّ العناء وإن نظرنا إلى ما حصلَ في الشرق الأوسط، هذا يعطينا إشارة إلى أنماط العمل المُتّبعة. إن نظرنا إلى مُعظم العالم نلاحظ أنّه يندرّج ضمن مُعسكر القوّة الإنغلو أميركية أو القطاع العالمي الجديد إن أردت تسميته هكذا، ونُلاحظ صمود (إيران) و(سوريا) حيث فشل الأميركيون في (سوريا) وأظنّ أنّ هذا يدفعنا إلى طرح سؤال في شأن الاستعلاء العسكري الأميركي. (روسيا) لا تروِّج لقُدراتها التقنيّة العسكريّة ولكن أظنّ أنّ ما رأيناه عبر النزاع السوري هو أنّ الأمور لا تجري دوماً كما تشتهي (الولايات المتّحدة) ما يُظهِر أنّ استعلاءها العسكري ليس سوى أُسطورة. وإن نظرنا إلى التسارُع في تطوُّر التكنولوجيا الصينيّة لاسيّما في بناء البُنى التحتيّة، وإن طبّقت التقنيات نفسها في صنع الأسلِحة حينها لا أظنّ أنّ (الولايات المتّحدة) تتمتّع بالضرورة بتفوُّق عسكري غير محدود 

جورج غالاواي: الأمر لا يتطلّب عقدين من الزمن كما قدّرت الدكتورة "ياسمين"، وأنهم سيستمرّون عشرين سنة أُخرى كقوّة عُظمى 

كالفن تاكر: كلا، العالم يعيش اليوم التغييرات الكبرى وأظن أننا نشهد نُقطة تحوُّل محوريّة في شكل الحضارة كما نعرِفها. أحد الأمور التي لا تتطرّق لهذا الجدل مباشرة لكنّها على صلة وثيقة به هي هيكلية المال وكيفية السيطرة عليه. كانت المصارِف المركزيّة تُسيطر بفعاليّة على الاقتصاد العالمي، كانت تُنقذ الاقتصاد منذ عام 2008 وهذه خدعة انتهت صلاحيّتها. إذاً ما نتحدّث عنه هو انهيار النظام الاقتصادي لكن في الوقت نفسه هناك قوى لامركزيّة، إذا يوجد هذا الاحتكار العالمي من المصارِف المُحصّنة لكنّها تواجه تحدياً من قوى أُخرى تسعى لإفقاد القوة الماليّة مركزيّتها

جورج غالاواي: لقد بدأت (الصين) الآن تبيع الديون الأميركية والمصرف الفدرالي هدّد أو وعد، هذا يعتمد على وجهة نظرك، بالانتقال إلى إعطاء فوائِد سلبيّة، لكن الدولار يواجه التحدّيات في ما يتعلّق بهيمنته العالميّة، صحيح؟ 

كالفن تاكر: بالتأكيد، وهذا ينطبق على الجنيه الإسترليني واليورو والين الياباني، إن استمرّيت في إصدار العُملة، هذه حيلة تؤدّي إلى عنصر الشعور بالراحة في البورصة وهذا الشعور ليس بالضرورة للناس. كما تعلم منذ عام 2008 يزداد الناس فقراً باضطراد ونتحدث هنا عن الطبقات الوُسطى أيضاً وليس فقط عن الطبقات العاملة وإنما هؤلاء من النُخبة الثريّة الحاكمة حسبما وصفها تقرير "سيتي بنك" عام 2006. في شكلٍ أساسيّ هناك اقتصادان، وفي النظر إلى المُعدّلات فهي بلا معنى لأنّ هناك اقتصاداً للأثرياء حيثُ الرفاهية والسلع الباهظة وهناك الاقتصاد الذي يعيش فيه مُعظم الناس. ما يجري حالياً هو انعدامٌ الطلب في الاقتصاد، لذا هناك قوى متناقضة، لدينا قوى انكماش هائِل، الأمر الذي بدأ قبل ما يُسمّى بجائِحة "كورونا" لكن في الوقت نفسه لدينا المصارِف المركزيّة مثل المصرف الاحتياطي الفيدرالي الذي بدأ يكشف ميزانيّة احتياطاته في سبتمبر 2019، وسواء في وقت قصير أو بعد وقت طويل، موضوع المال يتعلّق بالثقة وحينما تنعدِم الثقة ينهار كلّ شيء، لذا نسمع "مارك كارني" الذي انتقل الآن لأن يكون المسؤول عن المناخ والمال يتحدث عن عملة رقميّة عالميّة تتعلّق بالطاقة. لذا بات للنفوذ المالي خطة وهي العملة العالمية لكن هناك أيضاً قوى لامركزيّة تعمل لصالِحها الخاص في تفكيك مفهوم التمركز المالي القائِم منذ مئات السنين

جورج غالاواي: لنستمع إلى وجهة نظر عبر (الأطلسي) من "وايات ريد" من العاصمة (واشنطن) وهو صحافي مقيم في العاصمة يُركِّز على شؤون (أميركا) اللاتينية لكنّه أيضاً منتج برنامج " By Any Means Necessary " عبر راديو "سبوتنيك" ومُساهم منتظم في موقع "Gray Zone " الإلكتروني. "وايات"، أهلاً بك في البرنامج. ما مدى أهمية تصدير النفط الإيراني إلى (فنزويلا) في رأيك؟  

وايات ريد - صحافي: لقد حققت الحكومة الفنزويليّة عدداً كبيراً من الانتصارات التي لم تكن انتصارات دعائيّة بل انتصارات فعليّة للطبقة العاملة في (فنزويلا) خلال الأشهر القليلة الماضية بعد كشفها عن تلك الخطّة الغبيّة المدعومة أميركياً على ما يبدو أو على الأقل مُحاولة الانقلاب التي كانت وكالة الاستخبارات المركزيّة على عِلمٍ بها، كانت على عِلمٍ بها ولم تُحرِّك ساكناً لوقفها حسب معلوماتنا بالإضافة إلى سيناريو "خليج الخنازير" كما يوصف. منذ بضعة أشهر لدينا الآن هذا التعاون بين (إيران) و(فنزويلا) للتخفيف من النقص الهائِل في النفط، وتحدّثنا مؤخراً مع وزير الشؤون الخارجية الفنزويلية "خورخي أرياسا" الذي وصف هذه الحملة أو هذه المعركة التي يتمّ شنّها بأنها في غاية الأهميّة للشعب الفنزويلي وهي الخطوة الأولى في هذا النظام الاقتصادي الجديد الذي تأمل (فنزويلا) وغيرها من البلدان غير المُنحازة أن يتحقّق. لذا نعم، أهميّة ذلك لا تقتصر على الشعب الفنزويلي. بالإضافة إلى النفط هناك قطع غيار أساسية لإصلاح معامل تكرير النفط في (فنزويلا) ما يُعيد النشاط إلى هذا القطاع. لذا نتطلّع إلى فرصة لإعادة الحركة ضمن المُجتمع الفنزويلي وأيضاً استعادة البلاد لنشاطها الاقتصادي 

جورج غالاواي: كيف يتمّ وصف الأمر في (الولايات المتّحدة)؟ هل يعرِف الناس عن هذا؟ وما رأيهم فيه؟ هذا الأمر قد يؤدّي إلى مزيد من الاعتداءات الأميركية

وايات ريد: أجل، أظنّ إنّنا نرى إحباطاً وغضباً إضافة إلى الشعور بالعجز كما وصفته صحيفة الـ "واشنطن بوست"، لا يقولون أكثر من هذا لأن ليس لديهم أكثر ليقولوه سوى: "لقد خسرنا، هذا مُحرِج". رأينا البارحة تحرّكاً وقد نقلته قناة "بلوم بيرغ" مفاده أنّ إدارة "ترامب" تُعِدّ عقوبات على خمسين ناقلة نفط كجزء من الجهود لوقف التجارة بين (إيران) و(فنزويلا) استناداً إلى شخص خبير في المسألة. إذاً، نجهل مَن صاحب الخبر ولكن "بلوم بيرغ" نقلته وهي عقوبات باتت متوقّعة، لكن هذا هو الهدف مما نشهده من نضالٍ كلّي. العقوبات هي ملاذها الوحيد في هذه المرحلة وقد برهنت أنّها غير مُستعِدّة لدعم العقوبات بأيّ تدخل عسكري يمنح الأمر معنىً أكبر، وكما يقول "ماو تسي تونغ": "لقد سبق وأظهروا أنّهم النمر الإمبريالي الوَرقي"، وترى الآن أنّ هناك تحرّكات مُعيّنة لا يمكنهم القيام بها وفي مجرّد أنّها فشلت في شنّ هجوم على (فنزويلا) أو (إيران) كي تعالج الأمر عسكرياً بحجّة التعاون التجاري بينهما، في مجرّد عدم تفاعلها مع ذلك هي تفتح الآن الباب أمام أيّ بلدٍ في العالم، وهناك الكثير منهم، يرزح تحت العقوبات الأميركية، لذا ستتحدّى هذه البلدان هذه العقوبات.  إذا لم يحصل أيّ تدخُّل في (فنزويلا) أو (إيران) ما الذي ستفعله سوى إضافة العقوبات؟ سنستمر في هذا الأمر ولتهتمّ (الولايات المتّحدة) بشؤونها الخاصّة 

جورج غالاواي: "ويليام"، استبق "ماو تسي تونغ" الأمور حين وصف (الولايات المتّحدة) في ستّينات القرن العشرين أنّها نمرٌ ورقيّ، لكن هذا النمر التهَم الكثيرين منذ قال "ماو" ذلك. إن لم تكن نمراً ورقياً فهي حتماً نمر ضعيف ومُتعَب وجريح. لماذا أنت قلِق من أنّهم قد يقتربون من شواطئ بلادك؟ ألن يُجازفوا بـ (فيتنام) أُخرى تُلحق بهم هزيمة جديدة؟ 

ويليام مورا: هم مقتنعون بأنّ (فنزويلا) فريسة سهلة 

جورج غالاواي: هذا ما قالوه عن (العراق) و(أفغانستان) 

ويليام مورا: ولا ينفكّون يقولون ذلك للجميع ولأنفسهم وأجهل من أين يأتون بمعلوماتهم المُضلِّلة. ما يقلقني أنّه استناداً إلى هذا التراث من المراهنات والأخطاء قد يشنّون حرباً جديدة أُخرى لأنّهم مُقتنعون بإمكانيّة سرعتها. لسبب ما يظنّون أنّهم سيلقون ترحيباً كمنتصرين ونسوا كيف عاملنا "نيكسون" حين أتى إلى (كراكاس)، جرى طرده وشعَر بالحَرَج ورفض التحدّث عن زيارته إلى (كراكاس). لذا لماذا تريدون تكرار الأخطاء نفسها؟ 

جورج غالاواي: يتفاجأ كثيرون بالدور الذي يلعبه "خوان غايدو" كما ذكر "كالفن" سابقاً، تستمر خمسون بلداً في العالم في الاعتراف به كرئيس وبدا ذلك غباء كبير حينها 

ويليام مورا: إنّه أسوأ 

جورج غالاواي: ويبدو هزلياً جداً الآن. ما رأي الناس في شوارع (فنزويلا) بهذا الرجُل؟ ولماذا لا يزال يتجوّل ويدعو إلى اجتياح بلاده؟ 

ويليام مورا: لقد تعلّمنا من أخطائِنا، كان "لوبيز" يشغل منصب "غوايدو" سابقاً، و"لوبيز" أطلق تلك الاحتجاجات العنيفة المُخطط لها مُسبقاً وزعموا أنّها عفويّة لكن الفِرَق اللوجستيّة كانت تصل إلى (كراكاس) من (ميامي) وتمّ توزيع المال قبل عام 2014. كان في (ميامي) في أغسطس/ آب 2013 يجمع المال لأجل هذه الاحتجاجات التي حدثت في يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط عام 2014 ودخل السجن لأنّه نظّم عمليات قتل لـ 43 فنزويلياً. لم يكن قاتلاً لكنّه خطّط لقتلهم لذا اتُّهِم وأُدين بهذه الجرائِم ثمّ أصبح بطلاً في مجال حقوق الإنسان! ثمّ لم نستطع فَهْم سبب تسليط أضواء الإعلام، مثل إعلام الـ "بي بي سي" و"غارديان"، على حماية شخصيّة مثل "لوبيز" واعتباره سجيناً سياسياً. لا، هذا الرجل نظّم مقتل أشخاص فنزويليين وهو مُجرِم، لذا لم نتمكّن من فكّ هذين الأمرين وعجِزنا عن تقديم أدلّة إضافيّة لإقناع الإعلام بالأمور المعاكسة لأنها كانت مؤامرة سياسية، والأمر نفسه يحصل الآن مع "غوايدو". إذاً "غوايدو" سيُصبح مهمّاً من الناحية السياسية إن أصبح سجيناً. لذا لا يُمكننا أن نُدخله السجن، للأسف، علماً أنّ سجلّه يُخوّله دخول السجن لفترة طويلة لكن حالما نُدخله السجن سيُصبِح قيّماً بدل أن يكون وضيعاً ولا نُريد منحه هذا الامتياز. أعتقد أنّه عاجز تماماً ولا يُمكنه فعل أي شيء، هو مثار للسخرية، لذا من الناحية القانونية يجدر به أن يكون في السجن وأعتقد أنّه في نهاية المطاف سيدخل إلى السجن 

جورج غالاواي: السؤال الأخير لكم جميعاً وفي إيجاز. مع رؤيا عام 2020، إن اجتمعنا في هذا البرنامج مُجدّداً بعد سنتين هلّ ستكون (الولايات المتّحدة) قد انتصرت في (إيران) أو في (فنزويلا)؟ "كالفن" 

كالفن تاكر: التنبؤ بالمُستقبل يُعدّ دوماً مُجازفة لكنني سأُحاول ذلك. الجواب هو لا في كلتا الحالين. لا أظن أنّ (الولايات المتّحدة) ستقوم بغزوٍ عسكريّ لـ (إيران)، قد تقوم بعمليّة عسكرية لكنّها لن تكون غزواً، والأمر نفسه ينطبق على (فنزويلا)، لكن إن أرادت (الولايات المتحدة) إنزال قوّاتها على الأرض في (فنزويلا) لن تنجح لأنّها إن قتلت "مدورو"، وقد حاولت ذلك مرّات عدة بهجوم طائرة مُسيّرة وهجوم المرتزقة الأخير، إن قتلوا "مدورو" من المؤكّد أن "مدورو" آخر سيحلّ مكانه بكلّ بساطة. الجيش الفنزويلي يتألف من نصف مليون عُنصر، إنّه جيش موحّد، ولو كان سينهار لانهار الآن فعلاً. عشرة أضعاف هذا الجيش من المواطنين المدنيين منضوين ضمن ميليشيات مواطنين وهم أشخاص يتمتّعون بطاقة كبيرة ومُسيّسون في شكلٍ كبير ويفهمون كُنه المُشكلات وسيحاربون. إن اجتاحت (الولايات المتّحدة) (فنزويلا) سيحصل حمام دم كارثي، لكن حتّى لو حصل ذلك لن يفوزوا 

جورج غالاواي: "كلايف"

كلايف مانزيز: لا أُحبّ أن أتنبّأ ولكن في رأيي هذه مسألة تتعلّق بالعالم لا بـ (فنزويلا) فقط، فالعالم في مرحلة انتقاليّة، وفي العالم الغربي سنعيش تجربة لم نختبرها سابقاً لكن جيل أهلنا اختبرها، ألا وهي الزعزعة الانتمائية جرّاء الانهيار الاقتصادي والحالة الحربيّة الداخليّة. إذاً في رأيي إن انتصرت قوى اللا مركزية ستُحرّر حينها (فنزويلا) وبلدان أُخرى لاسيما البلدان الخاضعة للقمع سواء كنّا نتحدّث عن الكُرد أو الفلسطينيين في الشرق الأوسط. إن انتصرت قوى اللا مركزيّة فنحن ننظر إلى عالم أفضل بكثير للجميع بما في ذلك (فنزويلا) و(إيران) 

جورج غالاواي: "وليام" الكلمة الأخيرة لك

ويليام مورا: يجب أن نستعد للصدمة فالوضع سيزداد سوءاً هذا العام أو العام المقبل. (الولايات المتّحدة) تُطلق عمليّة إنقاذ ضخمة بقيمة تسعة مليارات دولار في الاقتصاد ما سيؤدّي إلى تضخم كبير داخل الولايات المتّحدة. هذه هي نظرتي إلى الأزمة، لذا السياسة الأميركية الخارجية تعكس السياسة الداخليّة والأمر الوحيد الذي أودّ قوله إنّه بعد سنتين التضامن وحده بين الأُمم سيُساعدنا على تخطّي هذه الأزمة. هذه صدمة هائِلة سنتعرّض لها ويجب أن نستعد لتلقّيها ويجب أن نتضامن معاً. إذاً التضامن الذي أراه بين (إيران) و(فنزويلا) أُباركه من كلّ قلبي لأنه حتّى في أصعب الظروف الدرامية وأفظع العقوبات والمزيد من العقوبات التي ستُفرَض علينا نحن نُساعد بعضنا البعض ونُريد أن يفهم الجميع أنّه في غضّ الطرف عن اللغة والدين والموقع الذي نعيش فيه إن ساعدنا بعضنا سنتخطّى الأزمة حتماً 

جورج غالاواي: شدّوا أحزمة الأمان واستعدّوا لتلقّي الضربة. كانت حلقة رائِعة لي وآمل أنها كانت كذلك لكم. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" عبر قناة "الميادين " وأنتم كنتم جمهوراً مميزاً. شكراً للمُشاهدة