الكاتب مروان عبد العال

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. مناضلٌ على أكثر من جبهة وفي أكثر من ميدان، نجول برفقته في ميدان الكلمة الحرّة المُقاوِمة الطالعة من جوف المعاناة، الملتزمة بحقّ الإنسان في أرضه في كلّ أرض. سياسيٌّ مُثقفٌ في زمنٍ جفّت فيه ينابيع السياسة الحقّة، وروائيٌّ وتشكيليٌّ يسعى من خلال أعماله إلى ترسيخ الهويّة الوطنيّة لأبناء شعبه أفراداً وجماعةً وإلى ترسيخ الذاكرة الجماعيّة التي يُحاول الاحتلال الإسرائيليّ محوها أو السطو عليها. قدّمَ العديد من الروايات المنتصرة للإنسان والحريّة والحياة، المُبشّرة بالعدالة الآتية لا مُحال. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحّب بالكاتب والرسّام السياسي الفلسطيني الأُستاذ "مروان عبد العال" أهلاً وسهلاً بك 

مروان عبد العال: أهلاً بك 

زاهي وهبي: شرّفت "بيت القصيد"

مروان عبد العال: شكراً، الله عليك يا "زاهي" 

زاهي وهبي: الله يحفظك

مروان عبد العال: الله يخلّيك 

زاهي وهبي: هل طغى الجانب السياسي أو الدور السياسي لحضرتك على المُثقّف والأديب والروائي؟ 

مروان عبد العال: لا، أعتقد أنّ السياسة أعطتني مكاناً أطلّ من خلاله على الجانب الأدبي والجانب الفنّي من زوايا مُتعدّدة، وأعطتني حريّة في المناسبة وليس قيداً كما يعتقد الكثيرون لأنّ مفهومي للسياسة يختلف تماماً عن 

زاهي وهبي: عن التقليدي 

مروان عبد العال: بالضبط. السياسة بالنسبة لي ليست حرفة وليست مهنة 

زاهي وهبي: ما هي السياسة بالنسبة لك؟

مروان عبد العال: السياسة بالنسبة لي هي جزء من انتمائي الفلسطيني لأن السياسة أساساً مسألة مرتبطة بالهوية والواجب الذي يجب القيام به، وبالتالي للأدب أيضاً فهمه 

زاهي وهبي: هل من تناقضات أو صراع أحياناً بين ما يقتضيه العمل السياسي أو الحزبي من التزامات وبين ما يقتضيه الأدب والثقافة والخيال من جموح أو جنوح وتفلّت؟

مروان عبد العال: على العكس، أنا دائماً أعتبر أنّ السياسة هي الكلام داخل الصندوق بينما الأدب يُشدّ إليه الكلام خارِج الصندوق لأنّ تخيُّل الروائي أعتقد هو جزء من الإبداع والإضافة، على العكس هو يخدم الفكرة السياسية في طريقة غير مُباشرة 

زاهي وهبي: أنا أعرِف أنّ أدبك صادر من صلب الواقع ومن خِضمّ التجربة الفرديّة والجمعيّة لأبناء الشعب الفلسطيني ولكن في نفس الوقت كم مُتأثّر حضرتك بتيّار الواقعيّة السحريّة في الرواية؟ بمعنى أحياناً مزج الواقع بالخيال، مزج الحقيقي بالوَهم أو بالحلم إلى آخره 

مروان عبد العال: أنا أعتقد أنّه أحياناً مُحاولة للتخلّص من سطوة الكلام الجاهز والقوالب الجاهزة خاصةً وأنّ الأدب والرواية مرّا بمراحل مُختلفة. كما تعلم، في البدايات كان شيئاً مباشراً، يعني الحديث عن القضيّة الفلسطينية كان يأتي في طبعه المباشر لكن الأمور تعقّدت وصارت أكثر تركيباً وبالتالي صار يجب البحث في مسائل وجودية في سرديات ذاتيّة أحياناً، في قضايا لا شعورية، في الذهاب تجاه الفانتازيا بما يخدِم المسألة غير الروائية 

زاهي وهبي: في فترة من الفترات كان الجوّ العام لا يتقبّل من المُثقّف أو الأديب الفلسطيني في شكلٍ خاص أو مَن يكتُب لـ (فلسطين) وعن (فلسطين) طغيان الجماليّات أو الانحياز إلى جماليّات النص، يريد كلاماً تحريضياً تعبويّاً إلى أخره. هل يُمكننا أن نقول إنّنا تخطّينا هذه المرحلة؟ 

مروان عبد العال: أعتقد أنّه تمّ تخطّي هذه المرحلة مع أنّه لربما الكمّ من الروايات الفلسطينية التي يتمّ إصدارها فيها أيضاً تركيز كثير على النوع، وأعتقد أنّه من كميّة الجوائِز وكميّة المسائِل التي تمّ إنجازها هناك نوع ما يُقدَّم الآن وهو مُحاولة البحث في تعقيدات هذه القضيّة في الإنسان الفلسطيني نفسه وليس فقط البحث في المسألة السياسية تحديداً ومُحاولة الإجابة عن أسئِلة مُركّبة 

زاهي وهبي: وأنّ ليس دائماً الفلسطيني أُسطورة أو ضحيّة أو بطل 

مروان عبد العال: بالضبط

زاهي وهبي: هو إنسان 

مروان عبد العال: فكرة البطل الـ "سوبرمان" لم تعُد قائِمة كثيراً، وفي المناسبة أحياناً نقول حتى البطل الفردي تلاشى لمصلحة البطل الجماعي، ونحن نتحدّث عن شعب وتاريخ شعب وعن قضيّة فيها تعقيدات. مسألة الهويّة مثلاً مسألة مُتشابكة ومُركّبة، عندما أحكي عن منفى أحكي عن منفى متعدّد وليس منفى واحد، أحكي عن (فلسطين) بالمناسبة أيضاً وعن تركيبتها وتعقيدات (فلسطين) كجُغرافيا، فهذه مسائل 

زاهي وهبي: سأدخل إلى عالمك الروائي ولكن بدايةً لغتك الروائيّة تجنح أحياناً كثيرة نحو الشِعر أو مُحمّلة بشحنات من الشِعر، هل في داخلك شاعرٌ مكبوت؟ 

مروان عبد العال: هناك شاعر وهناك رسّام، لا أدري لكن عادةً أحياناً تُفاجأ عندما تكتُب رواية. في بداياتي الأولى كانت كتاباتي للرواية صدفة، ربما كانت جزءاً من مسائِل العلاقة بخواطر ووجدانيات تُكوِّنك كروائي 

زاهي وهبي: لكن هناك شاعريّة في لغتك 

مروان عبد العال: أعتقد أنّ لا أحد يمكنه أن يُخفي هذا الجانب

زاهي وهبي: مَن له الأثر الأكبر كروائيين وكتّاب وشعراء؟ لمَن قرأت وأنت فتى يافع؟ 

مروان عبد العال: هذا سؤال عميق جداً في المناسبة لأنه عند أيّ إنسان ربطة الإلهام الموجودة لها مائدة وربما تريد أن تقتات من فرط جوعها في شكلً أوسع من فرد واحد. كيف تشكّلت هذه الانطباعات وكيف تراكمت وماهية الأحداث التي طوّرتك، لا شكّ في أنّ أُدباء عديدين أثّروا في البدايات مثل "غسان كنفاني" 

زاهي وهبي: "غسان كنفاني"

مروان عبد العال: طبعاً. كان منذ البدايات، لماذا؟ لأنّ "غسّان حتى تعاطينا معه بالمناسبة في الفتوّة، وكان في بداية استشهاده كأنّ أدبه هو جزء من مادة تثقيفية 

زاهي وهبي: خصوصاً في "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" 

مروان عبد العال: نعم، خصوصاً في "الجبهة"، مادة تثقيف حزبي. بالتالي، بالنسبة لنا كان هو البدايات الأولى

زاهي وهبي: يلفتني أنّه رغم مرور كل هذه السنوات وهذا الزمن على استشهاده وعلى كتابة ما كتب لا يزال على وسائِل التواصل اليوم أدب "غسّان كنفاني" حاضراً 

مروان عبد العال: بالتأكيد 

زاهي وهبي: والشباب يتداولونه، الأجيال الجديدة تتداوله وهذا شيء مُفرِح بالنسبة لي

مروان عبد العال: صحيح، طبعاً

زاهي وهبي: قبل أن ندخل أكثر إلى عالمك الروائي دعنا نذهب إلى مُخيّم (مار الياس) برفقتك ورفقة زميلتنا "سحر حامد" ونستمع إلى الجزء الأول من "قطع وصل" 

قطع وصل - مروان عبد العال: 

- بالنسبة لي "المُخيّم" هو الحكاية الأولى، هو البدايات، هو الأبجدية، هو محطّ الذاكرة ومسقط الحُلم، هو كلّ شيء لكن هذا المُخيّم أيضاً نضج داخلنا واختلف ولم يعُد في نفس الصورة التي كان عليها عندما وُلدنا فيه. حقيقةً شطرَ حياتنا إلى نصفين، نصف شكّل فيه الجغرافيا بما فيها من قهر ونصف شكّل فيه الذاكرة بما فيها من وطن وهويّة 

- أكبر خسارة هي خسارة الذكريات خاصةً الذكريات التي احترقت يوماً ما في المُخيّم وكان جزءاً منها ذكرياتٌ هي امتداد لأشياء ورموز من (فلسطين). لكن الربح الأكبر هو تجديد هذه الذاكرة، خاصةً تجديدها في الكتابة التي عندما تجد أنّها تتجاوز الحدود الوهميّة لا يمكن لأحد حتّى أن يحرقها لأنّها عبارة عن أفكار وعن كلمات 

- دائِماً كنت أجد أنني معاند لهذا الزمن وكنت أعتبر أنه لا يُعبِّر عنّي كثيراً. كان الوطن المُتخيّل ربما هو ليس القائِم الآن لكنّه مُتخيّل، هو الزمن المُرتجى بالنسبة لي. مسألة افتقاد الوطن، أعتقد أنّ العالم بأسره لا يستطيع أن يُعوِّض عنه، لذلك دائِماً هناك شعور بالفقدان. لا يُمكن أن يشعُر بأهمية الوطن، أهميّة الزمن المُرتجى، أنا هكذا أُسميّه، سوى اللاجئ تحديداً لأن الوطن بالنسبة له هو وطن مُفتَرض، الوطن عنده مُتخيّل، وطن قد لا يُشبه الأوطان جميعها وهو في المناسبة قد يُصبِح أسطورة، لذلك نحن نبحث عن هذه الأُسطورة التي هي وطننا الحقيقي 

- الرواية لا يُمكن أن تولَد بقرار شخصي، هي تأتي كصلاة، كسيمفونيّة، كشيء تلقائي. هذه الرواية إذا أردت أن أُهديها، أُهديها إلى الحالم الذي لا زال يسير حتى تحقيق هذا الحُلم 

- أحنّ إلى زمن ما قبل النكبة. شكل هذا الحنين أعتقد أنّه شكل ملتبس وربما سريالي في بعض النواحي لكن أتمنّى وأعتقد أنّ هذا الشكل الإضافي، شكل التجريب حتى في اللغة، في الإمكان أن يخلِق أقاليم جديدة وأدوات جديدة وسرديات جديدة 

زاهي وهبي: من مُخيّم (مار الياس) في (بيروت) نعود إلى "بيت القصيد". أُستاذ "مروان" كم هذه الذاكرة التي تحدّثت عنها، بقدر ما هي ذاكرة فرد، ذاكرة "مروان عبد العال" شخصياً خصوصاً في رواية " حاسّة هاربة" حيث هناك شيء من السيرة الذاتية، بقدر ما هي في نفس الوقت ذاكرة شعب، ذاكرة جماعية يختلط فيها الفردي بالجماعي؟ 

مروان عبد العال: أنا أعتبر أنّ معركة الذاكرة هو مُقاومة لأنّها أساساً مُقاوَمة للنسيان

زاهي وهبي: نعم 

مروان عبد العال: هي مُقاومة لمُحاولة إلغاء هذه الذاكرة أو محاولة تكسيرها أو مُحاولة تحويلها إلى عبريّة بالمناسبة أو مُحاولة سرِقتها في مكان آخر، وفي الوقت نفسه هذا تشكُّل. يعني أنا من مواليد مخيّم (نهر البارد)، أنا إبن المخيّم، وبالتالي بالنسبة هو لي كلّ الأحداث التي عشتها والتفاصيل، مكانة المُخيّم كمُنشِّط حقيقي للذاكرة، يعني على العكس، حتى في مرّات نقول إنّنا نأخذه إلى أكثر من ذلك ونعتبره حياة قليلة، حياة عارية كما وصفها "جورج أغامبيون"، وهو يتحدّث عن مفهوم "الغيتو" للاجئين، لكن في الوقت نفسه في هذا المكان الهوية الفلسطينية حافظت على تشكّلها، على بقائها 

زاهي وهبي: والحنين إلى زمن ما قبل النكبة هو حنين إلى ذاكرة ربما وصلتك بالتواتر

مروان عبد العال: طبعاً 

زاهي وهبي: يعني ذاكرة مسموعة

مروان عبد العال: نعم 

زاهي وهبي: لهذا كتبت "جفرا" مثلاً بكل ما تحمله "جفرا" من موروث فلسطيني؟ 

مروان عبد العال: صحيح. جزء من هذه الذاكرة هي ذاكرة محكيّة، ذاكرة شفهيّة، ذاكرة نقلها لنا الأجداد. أنا عندما قلت "الحالم الذي ما زال يسير"، هذه العبارة ربما هي الإهداء الأول لأول رواية التي هي "سفر أيوب"، و"أيوب" الذي هو جدّي. دائِماً أُحاول حتّى لو كنت أكتب إهداءً آخر، دائماً أعتبره إهداءً لهذا الحالم الذي ما زال يسير لأنني أعتبر أنّ هؤلاء الأجداد رحلوا لكن الحكاية ما زالت على قيد الحياة. ولأنّ الحكاية ما زالت على قيد الحياة أعتبر أنّ الذاكرة ما زالت حيّة 

زاهي وهبي: انطلاقاً من مُحاولات، وحضرتك أشرت أنّ الاحتلال الإسرائيلي لم يحتلّ فقط الجغرافيا بل يحاول احتلال التاريخ بمعنى احتلال الذاكرة، سرقة الذاكرة الفلسطينية، وإمّا محوها أو مُحاولة نسبها إلى نفسه. في هذا المعنى كم تصير كتابة الذاكرة والأدب والفن، سواء في الرسم أو في الكلمات، جزءاً لا يتجزّأ من الصراع مع هذا المُحتلّ 

مروان عبد العال: طبعاً. أنا عندما أتحدّث عن الوطنيّة الفلسطينية أو الذاكرة الفلسطينية أو الشخصيّة الفلسطينية أنا أراها بالتأكيد أولاً في مواجهة الرواية الأُخرى، الرواية الزائِفة. دعنا نقول هناك فرق بين ذاكرتين، بين ذاكرة أصيلة تنمو وتترعرع وتتفرّع ويجب أن نُلاحِظ كلّ أشكال تشكّلها، لكن هناك ذاكرة مُقابلها هي ذاكرة مُسبقة الصنع التي هي الذاكرة التي يُحاول هذا العدو أن يخلقها ضمن روايته 

زاهي وهبي: وهي ذاكرة زائِفة 

مروان عبد العال: ذاكرة مُزيّفة، وبالتالي عمِلَوا في وسائِل عديدة دعنا نعترف، ولا نريد أن ندخل في القلب الصهيوني، كانوا يشتغلون في شكلٍ عميق على خلق ذاكرة 

زاهي وهبي: شكل واعٍ ومُدرك لأهمية هذا الأمر. حضرتك تقول ألّا سلاح أقوى من سلاح الوعي. في هذا المعنى، كم هنا تُصبِح مسؤولية المثقف أو الأديب الفلسطيني مُضاعفة عن أيّ أديب ربما مُثقّف آخر في أيّ مكان في هذا العالم؟ بمعنى بثّ الوعي وإيصال هذه الذاكرة وإبقاءها حيّة كما فعل جدّك "أيوب" معك وكما تفعل اليوم ربما مع أبنائك ومع أحفادك إلى آخره 

مروان عبد العال: صحيح. أنا أعتبر أنّ الإنسان من دون ذاكرة أساساً يُمكن أن يُصبح شيئاً ويُمكن أن يتحوّل إلى "لا إنسان" لأنّ الذاكرة أساساً هي التعبير عن أنّه إنسان حيّ، كما العقل هو التعبير عن أن الإنسان صاحب إرادة. بالتالي، احتلال هذا العقل هو المُمهِّد الرئيسي لاحتلال الإنسان نفسه، وعندما نتحدّث عن فكرة التطبيع ما هي فكرة التطبيع؟ فكرة التطبيع أن تقبل رواية الآخر وتتبنّاها وعلى العكس تُبرِّر له، وهذا على فكرة أسوأ أنواع الاستلاب

زاهي وهبي: وهو ما يحصل للأسف حالياً 

مروان عبد العال: بالضبط، أن تُبرّر له احتلاله، تُبرّر له قهره لك، تُبرّر له أن يكون جلّادك وأنت الضحية. هذا أسوأ أنواع الاستلاب، فبالتالي من واجبك أن تحمل هذه الراية التي تخوّلك أن تفرِض فيها نفسك كإنسان

زاهي وهبي: في روايتك" زهرة الطين" نجد أنّ ذاكرة الإنسان الفلسطيني هي وطنه، يعني في ظلّ الوطن المُحتلّ وطالما الوطن الفلسطيني مُحتلّ، خصوصاً أنّ مَن هو في الشتات وخارِج (فلسطين) وطنه هو ذاكرته بينما الذهاب أو الهروب عبر البحر كأنّه ذهاب إلى المجهول وإلى فُقدان الذاكرة، صحيح هذا الانطباع بعد قراءة "زهرة الطين"؟ 

مروان عبد العال: كما تعلم "في الأساس في "زهرة الطين" هو بطل سلبي، بطل فقد ذاكرته

زاهي وهبي: نعم 

مروان عبد العال: وأنا أقول دائِماً إنّه، وهذه مأخوذة ربما من قصصنا الشعبيّة إنه عادةً إذا رجل كبير فقد ذاكرته لا يعود يُحسن العودة إلى منزله وكان هذا يُصيب على الأقل مَن يُصابون بـ "الزهايمر"، كان لا يُحسن العودة إلى منزله. أنا كنت أُريد أن أُعطي نموذجاً وأقول إنّه مهما ارتحل هذا الإنسان إذا فقد ذاكرته لن يستطيع العودة إلى بلاده، إلى (فلسطين). فبالتالي أحد أشكال تمسّكه ببلده وفي ذاكرة عودته أنّ هذه الذاكرة دائماً ستكون (فلسطين) تسكنها وإلّا لا معنى لها  

زاهي وهبي: نعم. وفي رواية "جفرا" لماذا اخترت هذا الرمز الفلسطيني بالتحديد؟ لماذا اخترت "جفرا" لتُقدِّم من خلالها أهميّة هذا المُعطى التاريخي؟

مروان عبد العال: "جفرا" كإسم هو جزء من أُسطورة فلسطينية، أُسطورة مُرتبطة بالعشق في المناسبة 

زاهي وهبي: من المرويات الشعبية الفلسطينية 

مروان عبد العال: أيوه، ربما في الأعراس دائِماً يُغنّى لـ "جفرا" ولا تُعرَف مَن هي "جفرا". أنا بين "جفرتين" بين "جفرا" التي لها علاقة بالماضي، ذاكرة الماضي التي نحاول أن نربطها وبين الذاكرة المُستقبليّة لأنه يجب أن تكون عندك ذاكرة استباقيّة، بمعنى أيضاً قوّة التخيُّل بالمناسبة القادرة على خلق معرِفة وخلق ذهنيّة وخلق وعي 

زاهي وهبي: طبعاً

مروان عبد العال: فبالتالي أيضاً البحث عن "جفرا" المعشوقة كالبحث عن (فلسطين) 

زاهي وهبي: يعني الهاجِس الأساسي

مروان عبد العال: نعم، الاستفادة من هذه الميثولوجيا ووضعها 

زاهي وهبي: وكأنّ (فلسطين) هي المُحرِّك لكلّ ما تفعله، يعني في عملك السياسي هذا الأمر بديهي وطبيعي. لكن حتّى في عملك الروائي، في كل رواياتك مشغول بقضيّتك

مروان عبد العال: في كلّ شراييني. لكن في الوقت نفسه بالمناسبة مثلاً هناك روايات كثيرة قد لا تجد فيها كلمة (فلسطين) 

زاهي وهبي: صحيح

مروان عبد العال: في رواية "حاسّة هاربة" التي كُتِبت عن مُخيّم (نهر البارد) وعن الأحداث التي حصلت في (نهر البارد) لن تجد فيها كلمة عن المُخيّم كمُخيّم، كإسم 

زاهي وهبي: ولكن المدلولات 

مروان عبد العال: بالتأكيد، وهنا الفِكرة. هناك Code روائي، حبكة روائية، هناك طريقة بُنية روائية، هذا يجب ألّا نفقده في أيّ عمل. يعني لا نُقدِّم عملاً مباشراً فقط يتحدّث عن (فلسطين)، هذا لم يعُد يكفي كحق وباطل، هذا رأيي. دخلت في قضايا إنسانية مثلاً في "جفرا" أردت أن أذهب فيها إلى الآخر وأتحدّث عنها، هناك أحداث جديّة حصلت في قرية إسمها (الغبسيّة) التي هي قريتي ولها علاقة 

زاهي وهبي: في قضاء (عكّا) 

مروان عبد العال: نعم، لها علاقة باشتباك مع دوريّة إسرائيلية تحديداً وبالتالي قصة كاملة بُنيت عليها 

زاهي وهبي: وكلّ هذا الأمر مهمّ اليوم ويرتدي اليوم أهمية مضاعفة، لماذا؟ لأنّ اليوم هناك مُحاولة ليس فقط من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي لمحو الذاكرة الفلسطينية، على مُستوى العالم العربي نُلاحظ تغييباً لـ (فلسطين) نهائياً. بمعنى الأدب الفلسطيني الذي كان في يومٍ من الأيام زهرة الأدب العربي، الشعر الفلسطيني، الرواية الفلسطينية 

مروان عبد العال: طبعاً 

زاهي وهبي: لا نجد له حيّزاً واسعاً أو لا نجِد له حيّزاً في الإعلام العربي للأسف وفي المشهد الثقافي العربي، صحيح؟ 

مروان عبد العال: صحيح لأنني أعتبر أنّ هناك تراجُعاً دائِماً، هناك ارتباط جدّي ما بين الأدب والرواية والسياسة بصراحة، عندما نلاحِظ مرحلة تراجُع حصلت على صعيد عام وكما تعلم مرحلة النهوض كانت مشروعاً قومياً وجد في النهاية الكثير من الانتكاسات ومن الإعاقات ومن أيضاً هزيمة هذا المشروع، بالتالي هذا انعكس على الأُغنية، انعكس على الأدب، على الشِعر، على الكتاب، على الرواية، على كافة تفاصيل حياتنا، فبالتالي حدثت مُحاولة لمُحاصرة حتّى هذه الفِكرة الفلسطينية، مُحاولة تجريد الجميع من (فلسطين) وهذه هي المسألة الأصعب 

زاهي وهبي: إغلاق الأبواب في وجه كل من يقول (فلسطين) حتّى ويُحاول أن يُذكِّر بقضيّة (فلسطين). سؤال الهويّة أيضاً موجود في رواياتك، ربما إذا أخذنا مثلاً "إيفان فلسطيني" عندما يحرِق بصماته لكي يدخُل إلى (ألمانيا) كأنّه حرق هويّته، بمعنى أنّ الإنسان الفلسطيني هويّته هي بصمته، هذا صحيح؟  

مروان عبد العال: صحيح. فكرة الشواء

زاهي وهبي: خائف على الهويّة الفلسطينية؟

مروان عبد العال: فكرة الشواء بالمناسبة أنا اكتشفتها. الكثيرون ممن سافروا إذا كان أحدهم يضطرّ للدخول إلى دولة مثلاً ضمن (الاتحاد الأوروبي)، إذا دخل إلى (اليونان) لا يستطيع الذهاب إلى (ألمانيا)، فهو كان يُغيِّر بصماته، وأكيد كي يغيِّر بصماته كان يحرق أصابعه بمعنى حفلة شواء. إحساس الحرق هذا، هناك الكثيرون قالوا لنا، أثناء قراءتنا للرواية شممنا رائِحة، وليس فقط رائِحة بل معنى أيضاً. أنت تعلم أن المرء حينها يضطرّ إلى تغيير إسمه لأنّه يعتبر أنّ إسمه صار عبئاً عليه في مكانٍ ما ويضطر إلى العيش في تناقض الهويّة، وهذه الرواية بالمناسبة كانت من الروايات التي أحدثت إشكاليّة في المعنى الفلسفي لأنّها طرحت فكرة الهويّة، وأنا في المناسبة أتحدّث لأجيال. ربما هذا الجيل لا يزال عنده حنين، ثورة و(فلسطين)، ولا يزال موجوداً لكن عنده أبناء وُلِدوا في الغرب وجزء منهم لم يعد يجيد التحدّث باللغة العربيّة، وأنت صرت أمام تفاصيل، ويصير يتزوّج ويتأهل ويختلط ويندمج في مُجتمع غربي، فبالتي يُمكنك أن تتخايل كيف يمكن لهذا العربي أن يصير "إيفان" أو يصير "عرب" "إيفان" معاً  

زاهي وهبي: إذاً تحدّي الهوية هو تحد جدّي وحقيقي 

مروان عبد العال: ودائماً الهويّة في حال تشكُّل ومهمّتنا أن نعيها، بالتالي الفكرة بين أن تكوِّن هويّة تصالحيّة أو هويّة إقصائيّة أو تناقضيّة. في المناسبة، أولاً وأخيراً هو ينظر إلى المرآة وهو الشخص نفسه، فعليك أن تعرِف مَن قتل مَن، "عرب" قتل "إيفان" أم "إيفان" قتل "عرب"! يعني الهويّة لمصلحة مَن؟ وتركت الرواية الباب مفتوحاً ولم تقفله 

زاهي وهبي: نعم، نهايتها مفتوحة

مروان عبد العال: هناك كثيرون كانوا يسألون، "يا أخي مَن قتل مَن؟"، والفكرة هنا وأنا في رأيي هي رواية لكلّ قارئ، في النهاية مَن سينتصر؟ هل سينتصر الاستلاب لهذه الهويّة؟ أم تأصيل هذه الهويّة؟ هذه هي الفِكرة الرئيسية 

زاهي وهبي: كيف تولَد رواياتك أُستاذ "مروان"؟ بمعنى هل هي دائِماً مُستنِدة إلى هدف واقعي حقيقي حصل سواء من تجربتك الشخصيّة أو بالتواتر والسماع والمُعايشة، أم هناك أشياء من وحي الخيال المحض؟ 

مروان عبد العال: أعرِف أنّ كلّ رواية لها قصّة، إما في شكلٍ مُفاجئ أو غير مُفاجئ. لم أكن أعلم أنني أكتب رواية ثم تفاجأت أنها صارت رواية، لكن هناك روايات في صراحة فيها شيء تراكمي دعني أقول في بريدي الداخلي لأنّ هناك أُناساً عندهم ذكرياتهم وأُناسٌ عندهم أوراقهم. مثلاً إذا أردت أن أذكُر إحداها، "ستين مليون زهرة" هي مُذكرات المُقاومين الذين بدأوا العمل المُسلّح في (غزّة) 

زاهي وهبي: وبطل الرواية هو الجندي المجهول 

مروان عبد العال: هو الراوي. لكن الحقيقة أنّ الأبطال حقيقيون، هم أبطال حقيقيون وهنا فكرة الواقع والواقعيّة السحريّة، بين جعل الواقع أُسطورة وبين أحداث حقيقية وقعت على الأرض وفي معارِك جديّة حصلت ربما قبل بدايات انطلاق الثورة الفلسطينية، المسائل لم تبدأ من هنا. المرء يعرِف مثلاً تجربة "جيفارا غزّة" يعرِف أنّها تجربة سابقة في البدايات 

زاهي وهبي: وكأنّ فيها إعادة اعتبار لنمَط من المُناضلين في (غزّة) أو لتيّار من المُناضلين والمُقاومين الغزّاويين 

مروان عبد العال: عندما أقول "ستّين مليون زهرة"، في رأيي لا يُمكن قتل الزهور وخاصةَ زهور (غزّة) المعروفة أنّها من أكثر زهور العالم التي لا تذبل بسرعة، لذلك (هولندا) كانت تستورد كميّة كبيرة وصلت إلى ستّين مليون زهرة بالمناسبة وهذا إسم الرواية 

زاهي وهبي: من (غزّة)؟

مروان عبد العال: نعم، من (غزّة)، فبالتالي هو استعادة وتأصيل لفكرة الصراع وهذه العلاقة مع العدوّ، هؤلاء الرجال يجب ألّا يُنسوا وهؤلاء ليسوا على هامش الحياة. ما قوّة أيّة رواية؟ في رأيي العمل الروائي هو رؤية ما لا يراه الآخرون، وأحياناً على فكرة حتّى السياسي تنساه أحياناً في الخطاب السياسي لأنّ الخطاب السياسي يحكي اللحظة، يحكي شيئاً سطحياً، لكن الذي ينزل إلى العُمق في رأيي هو العمل الروائي 

زاهي وهبي: على كلّ حال نُحيّي ذكرى "جيفارا غزّة" و "غسّان كنفاني" و"جورج حبش" وكل المناضلين والشهداء الذين سقطوا على هذه الدرب الطويلة جداً والشاقة التي لا بد من أن تصل في نهاية المطاف إلى برّ الأمان وإلى الحريّة، حريّة (فلسطين). إسمح لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد" مع الروائي والفنان التشكيلي الفلسطيني والسياسي المُناضل "مروان عبد العال"

المحور الثاني                                   

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نتابع "بيت القصيد" مع الروائي والفنّان التشكيلي الفلسطيني الأُستاذ "مروان عبد العال". أُستاذ "مروان"، من عنوان روايتك " شردِل الثاني" يستحضرني موضوع المُناصرين العالميين للقضيّة الفلسطينية، على تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والمُقاومة الفلسطينية كانت هناك دائِماً جنسيات من كلّ العالم إلى جانب الثورة الفلسطينية، أردت أن توجِّه تحيّة من خلال "شردل" إلى هؤلاء؟ 

مروان عبد العال: بالتأكيد، أصبت، هذه هي غاية الرواية وهي أيضاً ربما اتخذت أسماء وجدناها غريبة عن لغتنا وأنا كنت أقصُد بذلك أن أُعطي الأسماء الحقيقيّة كما مثلاً الياباني" موكوزو أوتوموتو" أو مثلاً إسم "شردِل" وهو أيضاً مقاتل جاء متطوّعاً من جنوب (إيران) والتزم الثورة منذ بداياتها. في المناسبة بدايات الاحتكاك الأول مع الاحتلال جرت عام 1982 و"شردِل" كان شخص يدرُس في (ألمانيا) ولم يأتِ من (إيران)، تخيّل أنّه باع كلّ أغراضه واشترى سيارة وأتى بها إلى (النمسا) ثمّ (بلغاريا) ثمّ (سوريا) ليدخل إلى (البقاع) اللبناني، لاحظ، جريدة "السفير" كتبت حينها "بدأ أوّل عمل مُقاوِم"، وصورة كاملة مأخوذة من الداخل كانت من فِعل هؤلاء الشباب الأبطال. يعني إذاً أردت أن أُعطي صورة، هذه الثورة وهذه الـ (فلسطين) بصراحة هي ليست هويّة في المعنى الإقليمي، في المعنى الوطني الضيِّق

زاهي وهبي: في المعنى الإنساني العام 

مروان عبد العال: بالضبط في المعنى الإنساني. كل الذين يناضلون من أجلها أعتبرهم فلسطينيين. وفي المناسبة أيضاً فيهم شيء تمّ اكتشافه، النقّاد اكتشفوه وأنا والله لم أكتشفه، اكتشفوا أنّ مُعظم هؤلاء الذين بقوا معنا لم يتمكّنوا من العودة إلى بلدانهم لمليون سبب، ضحّوا بعائِلاتهم 

زاهي وهبي: وأوطانهم 

مروان عبد العال: وأوطانهم، حتّى ضحّوا بحياتهم العاطفيّة. تلاحظ مثلاً أن "موكوزو" يعيش الآن كشخص مريض، كم سُجن داخل الاحتلال وكم عُذِّب داخل الاحتلال والآن هو يعيش ويخدمه رفاق له وهو لا يعرِف أيّة علاقات عاطفيّة في المناسبة، والرفيق الآخر لا يعرِف أيضاً. تفاجأت أنّ هناك شكلاً آخر من التضحية 

زاهي وهبي: "شردِل" لا يزال على قيد الحياة؟ 

مروان عبد العال: نعم 

زاهي وهبي: وهذا إسمه الحقيقي أم إسم 

مروان عبد العال: إسمه الحقيقي

زاهي وهبي: أنا على كلّ حال أُريد أن ألفت نظر مُشاهدينا إلى أنّ رواياتك كلّها صادرة عن "دار الفارابي"

مروان عبد العال: نعم 

زاهي وهبي: لأيّ أحد يرغب في التوسُّع أكثر ويعرِف أكثر لأنّ الوقت لا يسمح لنا للأسف أن نغوص في عالم كل رواية. هل لا تزال (فلسطين) اليوم عامل جذب للمُناضلين في كل أنحاء العالم؟ أم كما يبدو لنا، خفَتَ وَهْج هذه القضيّة؟ 

مروان عبد العال: بالتأكيد كما قلت لك، طبيعة الصراع أصبحت أكثر تركيباً وأكثر تعقيداً وفي الوقت نفسه توجد أسئِلة كثيرة تمّت إضافتها. الآن السؤال الذي يُطرَح وأنت تعرِف، عندما تعود لتأصيل فكرة الصراع في رأيي أنت تستعيد حتى (فلسطين) في أعماق العالم كلّه كقضية حريّة لكن عندما تتشوّه فكرة الصراع تتشوّه في رأيي كل التفاصيل. أحياناً أنا أسأل ودائماً أؤكِّد على هذا ويعرف كل إخواننا ورفاقنا في العمل الثقافي الفلسطيني والأدبي، أقول لهم: بالنسبة لنا (فلسطين) واحدة غير قابلة للتقسيم، يعني لا يُمكن الحديث عن (فلسطين) كجزء، (فلسطين) كاملة وبالتالي حتى (فلسطين) أقول أنا أحياناً أنّ مساحتها أوسع من الجغرافيا، هي أين تصل الأحلام والأفكار 

زاهي وهبي: يعني تستعيد مقولة "محمود درويش: "ما أكبر الفِكرة وما أصغر الدولة". الفِكرة أكبر من الدولة 

مروان عبد العال: صحيح، "غسّان" في المناسبة كان يُركِّز كثيراً على معنى (فلسطين) 

زاهي وهبي: "غسّان كنفاني" 

مروان عبد العال: وعلى حقيقة (فلسطين) لأنّ (فلسطين) هي معنى أيضاً وهي فكرة

زاهي وهبي: طبعاً 

مروان عبد العال: وليست فقط قطعة أرض أو عقاراً نتحدّث عنه

زاهي وهبي: وكلّما أخرجت (فلسطين) من الإطار المحلّي، من الإطار الوطني الضيّق أو من الإطار القومي الضيّق أو من الإطار الديني بمعنى ألّا تعتبرها مجرّد مكان صراع ديني على مُقدّسات مع الاحترام الجليل للمُقدّسات، كلّما أعطيتها بُعداً إنسانياً أوسع، صحيح؟

مروان عبد العال: طبعاً، لذلك في مرّات عديدة نقول بأنّ العالم منقسم ما بين شرق وغرب ومع وضدّ ومحور المقاومة والتشهير بالمقاومة، وأنا أقسمه بين شيئين: بين أناس هم خنجر في ظهر (فلسطين) وأناس هم سيف في يد (فلسطين) 

زاهي وهبي: وهذا هو رأيي في الحقيقة 

مروان عبد العال: هذا رأيي باختصار وفي هذه البساطة، وهذه هي الحقيقة 

زاهي وهبي: أُستاذ "مروان" وأنا أيضاً هذا رأيي، أنا دائِماً أقول إنّ معيار الحُكم على كلّ ثائِر في هذا العالم أو كلّ منادٍ بالحريّة أو العدالة هو موقفه من (فلسطين). يعني إذا كانت حريّته تقف عند حدود (فلسطين) هذا يعني إننا سنضع علامة استفهام حول هذه الحريّة 

مروان عبد العال: صحيح

زاهي وهبي: دعنا لو سمحت قبل أن أطرح موضوع هل لا يزال للأدب السياسي أو الأدب المُلتزِم قي قضيّة أو الذي يطرح قضيّة، بكلّ أشكاله المباشرة وغير المباشرة، هل لا يزال له وهج وتأثير كما كان في السابق؟ نسمع الجزء الثاني من "قطع وصل" مع الكاتب والشاعر والصحافي الفلسطيني الأُستاذ "هشام نفّاع"، نستمع إليه من (حيفا)

هشام نفّاع – شاعر روائي وصحافي: هذه المُفردة التي إسمها سياسي، في رأيي الرواية تحكي لي قصّة عن شيء يحدُث في حيّ في (بغداد) من دون أن تدخل على السياسي مباشرة، بالنسبة لي هذا هو السياسي حتّى لو لم يأخذ الأدب بالمقولة السياسية المباشرة، أنا في تعريفي أتعامل أنّ هذا نعم أدب سياسي

- الابتعاد عن الخوض في قضايا كُبرى، هذا الشيء نابع أيضاً عن تغيُّر، التغيُّر الكبير الذي صار منذ الستينات. منذ سنوات الستينات والسبعينات لحدّ اليوم كانت هناك مشاريع تحرُّر كُبرى واليوم لا تزال هناك مشاريع تحرُّر ولكن ليست في نفس الزخم الذي كان في تلك الفترة

- جزء كبير من الأدب اليوم، من اللازم أن نحكي في صراحة، من يحكُم على جودته؟ هم أناس أو هيئات أو مؤسّسات أو تيّارات أو منابر هي جزء من هذه المنظومة المهيمنة في رساميلها وأنا أسمّيها في رجعيّتها وإلى آخره، بحيث تجعل الكتّاب والكاتبات من أجيال شابة، بمعنى نتوقّع منك أن تكتب هكذا، هذا كلّه له تأثير في رأيي، كلّه له تأثير. الأدب المفصول عن همّ ما ينتمي إليه صاحبه أو صاحبته، في رأيي هنا وفي تعريفي نفقد فيه بعض تعريفات الأدب أيضاً وليس فقط الأدب السياسي

- مُحاولات البحث دائِماً عن ماضٍ جميل وعن فردوس مفقود وعن إلى آخره جميل ولكن لا يُجدي، يجب أن نحفِر في المناطق القاتمة، يجب أن نحفِر في المناطق الإشكاليّة، هناك يجب أن نبحث عن ليس فقط صورتنا بل أيضاً عن رؤيتنا إلى الأمام، إلى المُستقبل، بماذا نُفكِّر، محاولة فهم حاضرنا، هذا ما نحتاجه. يجدر البحث في التوليف الذي يجمع هذه العوالِم، نعم عالم الكتابة عالم الفِعل وعالم الإنتاج وربط هذه العوالِم مع بعضها البعض التي هي في النهاية تُشكِّل ملامح وتُشكِّل هويّة مُجتمعاتنا وشعوبنا وما ننتمي إليه ومن ننتمي إليهم 

- الإنسان في حاجة إلى أدب يحمِل قضيّة، يحمل همّاً سواءً كانت قضيّة جمعيّة واضحة نُسمّها باسمها أو محاولة البحث والحفر كما أسميته في ما يُمكن أن ينفع، في ما يُمكن أن يُكشف، في ما يُمكن أن يعطي مساحة للتفكير، مساحة للنقد، مساحة للرفض، مساحة للتشكيك، مساحة لإعادة التشكيل، إعادة البناء، نعم كل المُجتمعات الإنسانية فعلاً في حاجة إلى هذا، ونحن في وضعنا ربما في حاجة أكثر من غيرنا بقليل أيضاً 

زاهي وهبي: الشُكر الجزيل للشاعر والكاتب والصحافي "هشام نفّاع". إلى أيّ حد تتّفق مع ما تفضّل به؟ 

مروان عبد العال: أنا أُحيي الروائي العزيز "هشام نفّاع" وأنا مُعجب جداً أيضاً بسرديّاته الفلسفيّة الحديثة في العمل الروائي حقيقةً 

زاهي وهبي: نُحيّيه ونُمسّيه بالخير  

مروان عبد العال: نعم، فهذا شيء ممتاز ورائِع أن نتحدّث عن فِكرة أنّ هناك دائِماً شيئاً له علاقة في المُستقبل. ثانياً لا يُمكنك أن تحكي عن أدب معزول عن السياسي، وفي المناسبة حتى الأدب اللا سياسي هو سياسي، يعني بالضبط كما قصة الانتخابات، الذي لا يذهب إلى الانتخابات كأنّه أدلى بصوته أيضاً 

زاهي وهبي: نعم 

مروان عبد العال: الممتنع عن التصويت يُحسب كأنه أدلى بصوته 

زاهي وهبي: أنت تعلم في الزمانات كم دارت سجالات ونقاشات حول الفنّ للفنّ، والفن والإيديولوجيا، وهل يجوز أن نُحمِّل الفن إلى آخره. اليوم تجري فعلاً، يعني هذه القوة الناعمة التي إسمها الأدب والفنّ والإعلام وإلى آخره، عملية تفريغ لأدوات التعبير هذه من مضامينها 

مروان عبد العال: صحيح، أنا أعتبر أنّ هذا جزء من الحرب الناعمة لأنّ في المناسبة حتّى الإسرائيليين في مؤتمرات جرت سابقاً، أكيد جامعة في أكثر من إطلالة منّي، في (هرتزيليا) كانوا يتحدّثون عن معركة السرد ومَن الذي سيفوز في معركة الرأي رغم أنّ بيننا معركة سرد 

زاهي وهبي: يعني مَن روايته أكثر 

مروان عبد العال: بالضبط، هر الرابح. شوف مثلاً عندما أضرب مثلاً صغيراً، "ألبرتو هايكو" الروائي الإيطالي في روايته "مقبرة براغ" التي استعاد فيها عبر تخيُّل روائي تاريخي بروتوكولات حُكماء "صهيون" واتّهم "درايفوس" اليهودي الفرنسي الذي خان باللاساميّة. "الفاتيكان" أدان الرواية بعد أن بيعت منها ملايين النُسخ لأنّ هذا يعتبرونه جزءاً من نُصرة رواية الآخر 

زاهي وهبي: هل هناك إدراك عند القوى المُقاومة اليوم، القوى الرافضة لمشروع الاستعمار والهيمنة الاحتلال والتطبيع وبيع (فلسطين) في العربي الواضح، هل هناك إدراك عند هذه القوى المؤثِّرة لأهميّة الأدب؟ لأهميّة الفن؟ لأهميّة هذه القوّة الناعمة في هذه المعركة الشرسة التي نخوضها؟ 

مروان عبد العال: لا، أنا في رأيي لحدّ الآن ربما بخلاف السياق الإعلامي هناك غياب لمشروع ثقافي. أنت تُلاحظ أنّ عندي أنا مشروعي الثقافي ربما "زاهي" في كلّ تفاصيله 

زاهي وهبي: كأفراد

مروان عبد العال: نعم، لكن لا يوجد مشروع ثقافي 

زاهي وهبي: ليس هناك مؤسّسة، ليس هناك جائِزة، ليس هناك مهرجان وهذا شيء غريب 

مروان عبد العال: صحيح، من اللازم أن يكون عندك مشروع ثقافي أيضاً مبني على هذه الثقافة المواجهة لثقافة الآخر، الثقافة المُضادّة دعنا نُسمّيها. الأمر كما عندما تحكي في السياسي، تجد العشرات عندهم آراؤهم السياسية لكن كم هناك رؤية سياسية؟ في نفس الوقت من اللازم أن تكون هناك رؤية يُبنى على أساسها مشروع ثقافي. هذا نفتقده أكيد 

زاهي وهبي: هل يمكننا أن نقول إنّه إذا اعتبرنا أو سلّمنا جدلاً أنّ هناك خفوت لما يُسمّى الأدب السياسي أو الأدب المُلتزِم دعني أقول أو الأدب الإنساني، لأنّ الأدب المُلتزِم هو أدب إنساني يلتزم بالإنسان وفي حقوق الإنسان وفي قضايا الإنسان. إذا سلّمنا جدلاً أنّ هناك خفوتاً، ليس الذنب ذنب المُتلقّي ولا الكاتب نفسه ربما

مروان عبد العال: لا 

زاهي وهبي: ذنب مَن؟ منظومة معيّنة؟ 

مروان عبد العال: نعم، في رأيي منظومة كاملة لأنّك تعلم نحن أحياناً نتحدّث عن كُتّاب لكن هناك أيضاً في نفس الوقت قرّاء، يعني كم هي النسبة؟ كم نسبة القراءة؟ هذه المسألة ليست سهلة، والآن هناك عالم مفتوح على هذا القارئ وهناك أكثر من قناة يشاهدها وليس فقط قناة واحدة، هناك عشرات ربما الأجهزة والمؤسّسات والوسائِل التي تضخّ يومياً على عقل هذا الإنسان. فبالتالي فكرة القراءة فكرة تتراجع، وهي دائماً تعكس نفسها بحيث يصير الكاتب يكتب أيضاً وفق مبدأ القراءة وهنا إشكاليّة أُخرى. الناقد مثلاً غائب، الناقد الذي من اللازم أن يُركِّز على الأقل على ما يتمّ إنتاجه سواء أكان في المعنى الأُفقي أو العامودي

زاهي وهبي: تحوَّل النقد إلى مهنة 

مروان عبد العال: أجل، الآن يُمكنك أن تتحدّث عن أسماء قليلة من النُقّاد الجادّين الذين يقدّمون شيئاً راشداً، وأتحدّث عن المُستوى الفلسطيني على الأقل. يُمكنك أن تتحدّث عن ناقد واحد أو ناقدين، والباقون عبارة فقط عمّن يقرأون روايات أكثر من ناقدين 

زاهي وهبي: إذا أردنا أن نفتح موضوع القراءة خصوصاً في الوطن العربي سنجد كوارِث 

مروان عبد العال: طبعاً 

زاهي وهبي: نسبة القراءة قليلة جداً، وماذا نقرأ؟ أيضاً نعود وندخل في دهليز آخر إلى آخره. كما تعلم هناك تغييب لرموز مُعيّنة أيضاً، في هذه المعركة ليس فقط طمس الذاكرة وسرقة الموروث والموسيقى والأزياء وإلى آخره، أيضاً رموز مرّت في هذا النضال. روايتك "الزعتر الأخير" هي إحياء لذكرى المناضل الكبير "أبو أحمد الزعتر"؟ صحيح؟ 

مروان عبد العال: نعم، جزء كبير من مذكّراته 

زاهي وهبي: لكن لماذا "الزعتر الأخير"؟ 

مروان عبد العال: لأنّ "الزعتر" هو "أبو أحمد" وهو صديق وكاتب مهمّ عايش فترة نضاليّة كبيرة في تاريخنا، لكن في نفس الوقت لا ننسى أنّ إسمه " أبو أحمد الزعتر" نسبةً لمُخيّم "تلّ الزعتر". هذه التجربة عندما تكتب عن حياة لا تريدها، عن واقع يرفضك وتنبذه وينبذك وهناك علاقة متوتّرة معه، عن نستولوجيا الفاشيّة التي استُعيدت في يومٍ ما وأحياناً تتمّ استعادتها بالمناسبة كما في مديح الكراهية غير الممكن، لكن أنا عندما كتبت كان ذلك استشرافاُ وله علاقة في المُستقبل. أنا أُريد أن أنفُض كلّ شيء وحشي، كلّ شيء شيطاني من الروح الإنسانية مقابل ألّا يكون هذا الجُرح، يجب أن يكون الجرح الأخير. يعني رواية "الزعتر الأخير" فكرتها أن يكون الجرح الأخير. في نفس الوقت كما تعلم حتى في العشق، هو أيضاً كان يُحبّ "زعتر" (فلسطين) الذي لم يرَ بعد زعتره الآخر، بمعنى هناك مقياس للحب ومقياس للحرب. تقريباً هناك شيء فلسفي في إطار السرد، هي ذكريات كانت يوميّات ولكن تحوّلت إلى شيء له علاقة بالحبكة الروائية 

 زاهي وهبي: نشمّ فيها رائحة الزعتر الذي يتحوّل ويأخذ أبعاداً أو مدلولات مُختلفة 

مروان عبد العال: طبعاً، فيها ترميز. أنا في المناسبة حتى الترميز الذي قمت به، حوّلت الماعز، كما تعلم الإنسان البسيط عندنا إذا كان يعيش في سلام وفي أمان

زاهي وهبي: ماهيّة الوطن 

مروان عبد العال: كانت أمنيته، يعني أُمنية "أبو أحمد" في المناسبة حين كان طفلاً أن يشتري له والده ماعِز، لاحظ، فأنا ما فعلته أنك أيضاً يُمكن أن ترى شكلاً من أشكال الماعز المتوحِّش في شكلٍ غرائبي 

زاهي وهبي: كم هنا أيضاً نعود مرة أُخرى ونتأكّد كم في إمكان الأدب والفنّ أن يُخلِّد سيرة وذاكرة المُقاومين، بمعنى ضرورة أدب المقاومة، ضرورة أدب الثورة، ضرورة أدب الكفاح والنضال 

مروان عبد العال: طبعاً. أنا أعتبر أنّ الاعتداء يصير

زاهي وهبي: ولماذا أنا أسألك هذه الأسئِلة؟ لأن موضة سادت في فترة من الفترات أنّك كلّما أردت أن تكتُب عن (فلسطين) أو عن المقاومة أو عن الثورة يقولون لك إنّ هذه لغة خشبية، هذه موضة قديمة، هذه موضة أكل عليها الدهر وشرب 

مروان عبد العال: صحّ، ربما فكرة هنا حكاها "هشام" وهي مهمّة جداً. عندك أدب رديء وأدب غير رديء في صراحة. إذا كان أدباً جيداً في مقدوره أن يدخُل في أعماق الإنسان نفسه سواء أكان فلسطينياً أو غير فلسطيني. في المناسبة في إمكانك أن تتصالح مع قضايا كثيرة لها علاقة بالحريّة والتحرّر والجمال والحب، يعني مسائِل لا يُمكن أن نفصلها عن بعضها

زاهي وهبي: نعم 

مروان عبد العال: لكن في رأيي، الاعتداء على الذاكرة هو اعتداء أيضاً على شخوص ورموز يمثّلون جزءاً من هذه الذاكرة 

زاهي وهبي: طبعاً، تمّ تغييبهم 

مروان عبد العال: طبعاً، كما فكرة تدمير البطولة، كما فكرة اغتيال فكرة البطل عندك. لاحظ كم الإسرائيليين، وأُريد أن ألجأ إلى عدوّي وكيف يُفكّر، خطفوا "آيخمان" النازي من (الأرجنتين) وأحضروه وجعلوا هذه العمليّة أهمّ بطولة. على فكرة الآن يحتفلون بها كأنها عمل بطولي. اختطفوا شخصاً لا أدري إن كان هو "آيخمان" عن جدّ وهو ربما كان في التسعين من عُمره وكان يحتفل بعيد لا أدري ماذا فحقنوه وأحضروه بالطائرة، وعملت (إسرائيل) من هذا العمل قصّة كبيرة وكُتِب عنها كذا

زاهي وهبي: وكرّروا هذا الأمر

مروان عبد العال: بالضبط، أن هذا الكيان خلق بطلاً أو "سوبرمان" بينما عندك أنت موجة 

زاهي وهبي: قتل الأبطال، قتل الرموز  

مروان عبد العال: قتل أبطالك نعم، اغتيال رمزي لهؤلاء، هذا جاسوس وهذا خائِن وهذا لا أدري ماذا، وذهبنا ناحية "محمود درويش" وصرنا نفتح ذكرياته مع "غسّان كنفاني" لنقول أيضاً إنّه لو لم يكن سياسياً لما كان قد قُتل؟ يعني كأن تحميله أنّ أدبه كان سياسياً 

زاهي وهبي: ما كان موقفك من مقالة "سليم بركات" أو جزء من كتابه الذي نُشِر والذي تناول فيه "محمود درويش" في مسألة شخصيّة؟ وما أُثير حولها

مروان عبد العال: في رأيي هي جزء من مُحاولة. كما تعلم كثيرون أحضروا جوازات سفر لجوائِز عالمية بصراحة واستغلّوا الكثير من المسائِل الحسّاسة التي ربما لها علاقة في أسرار البيوت التي قد تكون استُغِلّت في مسائل، على العكس هناك أناس استغلّوا قضايا لها علاقة بأسرار أوطان من أجل أن ينالوا جوائِز أو ربما يرضى عنهم الآخر

زاهي وهبي: حتّى يمكننا أن نتحدّث عن أدب الجوائز، بمعنى هناك أدب يُكتب، يعني روايات وأعمال تُكتب لغاية نيل هذه الجائزة أو تلك ونيل رضى هذه المؤسّسة الثقافية أو تلك 

مروان عبد العال: صحيح 

زاهي وهبي: في روايتك "أوكسيجين" التي مسرحها (تونس) كما قلنا تتكرّر مُفردة "الحياة"، حتى البطل كنيته 

مروان عبد العال: "أبو حياة"

زاهي وهبي: "أبو حياة". ماذا تريد أن تقول؟ 

مروان عبد العال: كما تعلم أنا أُراقب تطوّر اللجوء. يعني كنّا نتحدّث عن منفى والآن هناك أحدهم ذهب إلى المنفى الأقصى، يعني هو لم يخرج من (فلسطين) ولا علاقة له بـ (فلسطين) بل كان منفياً إلى (فلسطين) ثمّ ذهب إلى منفى آخر وصار يتحدّث عن المنفى الأمّ. أنا اخترت (تونس) لأنّ (تونس) كانت لها رسائِل عديدة سواء فلسطينياً أو حتّى كبداية للتغيير الذي حصل 

زاهي وهبي: نستذكر قول "محمود درويش"، "كيف نشفى من حبّ (تونس)"؟ 

مروان عبد العال: فاخترت (تونس) كمركز لهذا الموضوع. "أبو حياة" لأنّ هناك شاباً فلسطينياً أيضاً من قلب (فلسطين)، من (الخليل) كان يعشق صبيّة إسمها "حياة"، ربما جاء وعاش في (تونس) طوال حياته وظلّ يحمل إسم "أبو حياة" 

زاهي وهبي: للمُفارقة أنّ "محمود درويش" ارتبط بسيّدة إسمها "حياة"، كما تعلم هو ارتبط مرّتين إحداهما كانت "حياة" التي نُحيّيها بكلّ احترام. كم رواياتك على سيرة الحياة تبدو مشغولة بجدليّة الحياة والموت، الفناء والبقاء؟ 

مروان عبد العال: ربما احتفال الموت كأنّه 

زاهي وهبي: كأنّ الموت هو، طبعاً هو رفيق كل إنسان، كل كائِن، ولكن في الحال الفلسطينية يبدو الموت متآلفاً مع الحياة أكثر 

مروان عبد العال: صحيح. هو في نفس الوقت الوجه الآخر للحياة، لا أعتقد أنّ هناك حياة من دون موت

زاهي وهبي: "الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا" 

مروان عبد العال: طبعاً. لذلك روايتي الأولى كانت تتحدّث عن الموت لأنني كتبت عن موت شخص إسمه "غانم" قالوا لي إنهم كانوا محتفلين عندما مات. هو كان يجلس في حال نزاع وكانت هناك أغانٍ تقال، وأنا جلبت القليل من الأناشيد التي كانت تُقال له، لأنّ بالنسبة لهم كان هذا الشخص يُعتَبر بطلاً أُسطورياً في تلك القرى في ذاك الزمن وكان للموت احتفاليّة خاصّة. فلا أدري، ربما تكون فكرة الموت شيئاً تمّ الاعتياد عليه في المعنى الفلسطيني ولكن أنا لا أعتقد أننا من المُمكن أن ننال حياة سعيدة من دون أن نكسبها بالموت 

زاهي وهبي: "أوكسيجين" هي الرواية الأخيرة التي صدرت لحضرتك، المشروع المُقبل ما هو؟ 

مروان عبد العال: أنا ما زلت في دائِرة "أوكسيجين"، وفي المناسبة "أوكسيجين" كُتِبت قبل "كورونا" أليس كذلك؟ كانت فكرة نقص الأوكسيجين في المنطقة العربيّة كلّها، لا أدري لماذا، جاءت في بالي قبل "كورونا" 

زاهي وهبي: النقص في الكون كلّه، النقص في الكوكب كلّه 

مروان عبد العال: ففكّرت أنّ هذا الموضوع لحدّ الآن ما زال مستمراً وأنا أسمع آراء أناس، لحدّ الآن هناك تفاعُل لم تكتمل دورته حتى نُفكِّر في عمل جديد، لكن دائِماً هناك تراكم

زاهي وهبي: والرسم؟ 

مروان عبد العال: بالنسبة لي الرسم دائِماً حالة

زاهي وهبي: حالة دائِمة 

مروان عبد العال: حالة بالنسبة لي أُمارسها كحالة، أحياناً تأتيني هذه الحالة كما يأتي "كريب" للمرء مثلاً 

زاهي وهبي: تُصاب بنوبة رسم 

مروان عبد العال: نعم لأنني من عائِلة رسّامين، والدي الله يرحمه رسّام وهو علّمني في طفولتي، كنت ألعب في الألوان ولم أكن أعرِف الأكريليك من الزيت من القماش وأنا أعيش في بيئة كلّها ألوان. الآن ثلاثة أرباع العائِلة تقريباً رسّامين 

زاهي وهبي: قلنا إنّ في رواية "حاسّة هاربة" هناك شيء من السيرة الذاتية، هلّ تُفكِّر فعلاً في كتابة سيرة ذاتيّة بما تعنيه الكلمة؟ 

مروان عبد العال: أنا أعتبر أنّ كلّ الروايات فيها شيء من سيرتي حقيقةً. في المناسبة السيرة الذاتية لا أرضى عنها كثيراً ربما لأن قلائل ممّن كتبوا سيرة ذاتية كانت سيرتهم تحتوى على مُراجعة ذاتية ونقد، وهناك جزء منهم يعتبرون إنها تاريخ وإنّهم لم يرتاحوا كثيراً 

زاهي وهبي: أو فيها مساحيق تجميلية

مروان عبد العال: أجل، وفي الآخر كانت الأمور هكذا لكنّ صاحب السيرة كان مُختلفاً وكان بريئاً من تلك المرحلة. أنا بصراحة أُحب من ينتقد ذلك، هل ممكن أن يكون هناك عمل آخر يتوِّج كلّ هذه العمارة الروائية دعني أُسمِّيها لأنني أعتبر أنّ هذه السيرة تاريخ وهي سيرتي وإذا تحدّثنا في شكل آخر تصير سيرة جماعيّة، بطولة جماعيّة، ذاكرة جماعيّة. فأنا تاريخي هو تاريخ شعبي في النهاية 

زاهي وهبي: على كلّ حال إن شاء الله نلتقي برفقتك على أرض (فلسطين) 

مروان عبد العال: إن شاء الله 

زاهي وهبي: الحرّة المُحرّرة ولا نفقد هذا الأمل أبداً. سُعِدت جدّاً بوجودك أُستاذ "مروان عبد العال" 

مروان عبد العال: شكراً لك 

زاهي وهبي: وأنا استمتعت في الحوار معك

مروان عبد العال: تسلم الله يخلّيك، وأنا أكثر

زاهي وهبي: وإن شاء الله يتكرّر لقاؤنا 

مروان عبد العال: إن شاء الله، شكراً لك 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً شرّفت. شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله

 

      

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل