تحية إلى بيروت

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. كأنّ قدر (بيروت) ألّا ترسو على مرفأ الأمن والأمان، كأنّ جمالها اليوسفيّ جعلها تُرمى في الجُبِّ مرّةً تلو أُخرى وما من "يعقوبٍ" ليبكيها سوى عشّاقها، وما من ريحٍ جمِلُ عطرها سوى وجوه شهدائها ودخان الحرائِق. أصواتنا مُختلطة بعويل الثكالى وحبرنا ممتزجٌ بدم الشهداء، لكن كما يُمكن لعُشبة طريّة أن تُصدِّع جداراً يُمكن لكلمةٍ طيبةٍ أن تُبلسم جرحاً وتُكفْكِف دمعةً. لأجل ذلك هذه الحلقة الخاصة من "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب تحيّةً لكلّ بيتٍ لكلّ أُسرةٍ، تحيّة لبيتنا كلّنا أعني عاصمتنا الحبيبة (بيروت)، وقبل البدء عزاؤنا لمَن فقدوا أحبّةً ودُعاؤنا لجرحانا والمُصابين جميعاً وانحناءة قلوبنا للأُمّهات المُلتاعات. يُشاركنا هذه التحية ضيفانا العزيزان الفنانة "تانيا صالِح" والكاتب المسرحي والناقد "عبيدو باشا"، أهلاً وسهلاً بكما في "بيت القصيد". "تانيا"، سؤالي الأول لحضرتكِ، لحظة انفجار المرفأ أين كنتِ وما هي الحال التي عشتِها؟ 

تانيا صالِح: كنت في البيت، بيتي في (بيت مري)، وسمعت الانفجار قوياً جداً وحتى أحسست أنّه دفعني قليلاً إلى الوراء 

زاهي وهبي: رغم بُعد المسافة 

تانيا صالِح: رغم بُعد المسافة. سمعت في البداية أول ضربة وكانت قوية لكن الضربة الثانية كانت تبدو أنها أبداً لم تكن مسألة صغيرة، فوراً ركضت إلى الهاتف لأطمئّن عن أولادي لأنّ لا أحد منهم كان في البيت وكانا عائِدين إلى المنزل عبر الطريق البحرية، فأردت فقط أن أعرِف أنهما بخير وهذا كان أوّل شيء فكَّرت به 

زاهي وهبي: أهمّ شيء. الله يخلّي لكِ أولادكِ 

تانيا صالِح: وأريد أيضاً أن أُعزّي كل أهالي الشهداء ولا أدري إن كان من اللازم أن أُسميهم شهداء لأن الناس الذين قضوا وخسرناهم لم يختاروا أن يموتوا 

زاهي وهبي: لكنهم شهداء، شهداء الفساد والإهمال، شهداء ما تريدينه. أُستاذ "عبيدو" أنت كنت في بيتك في (الشويفات) أيضاً، ما الحال التي عشتها عندما سمعت الانفجار؟ 

عبيدو باشا: أنا تمالكت نفسي قليلاً لأنني بعد أن سمعت الانفجار الأول سمعت صوت طائِرات، فقلت في نفسي إنّ الحرب بدأت لأننا كنّا في جوّ اشتباك بين المقاومة و(إسرائيل) جرّاء ما حدث في (سوريا)، عندما حدث الانفجار الثاني اهتزّت البناية في مكانها فقلت أنّ هناك شيئاً أكبر بكثير من اشتباك، لكن بقيَت في رأسي فكرة أن هناك طائرة مرّت ورمت شيئاً في مكانٍ ما وفي ما بعد عرفت أن الانفجار كان في المرفأ وزعلت كثيراً. زعلت جداً، لا بأس إن أطلت قليلاً، زعلت كثيراً لأنّنا في ما حدث خسرنا حرباً من دون أن نخوضها لأنّ الفكرة الأساسيّة في الصراع مع (إسرائيل) قائمة على مُعطيين، مرفأ (بيروت) والمصارِف. تآكلت منظومة المصارِف وأنت أكيد شاهدت، كلا، أنت كنت في المُعتقل حينها

زاهي وهبي: هو صراع على الدور، صراع على الدور حتى بيننا وبين هذا العدو

عبيدو باشا: بالضبط

زاهي وهبي: مرفأ (حيفا) أو مرفأ (بيروت) 

عبيدو باشا: مرفأ (حيفا) أو مرفأ (بيروت)؟ المصارف اللبنانية أو الإسرائيلية؟ أنت كنت في المُعتقل لكن أنا حينها رأيت المصارف الإسرائيلية تموت كي تتمكّن من أن تصرِف شيكلاً واحداً في المناطق اللبنانية وكان اللبنانيون يرفضون هذه العمليّة

زاهي وهبي: جميل. "تانياً، هذه الحلقة تحيّة لـ (بيروت)، ليس فقط كونها عاصمة (لبنان) بل كونها عاصمة إنسانية، عاصمة ثقافة وانفتاح وفنّ وإلى آخره. ما معنى (بيروت) بالنسبة لك عندما يُذكَر إسم (بيروت) أمامكِ؟

تانيا صالِح: عندما تكون تعيش فيها تجد أنّها عاديّة لكن عندما تبتعد عنها تعرِف قيمتها وتصير تجد الأشياء الحلوة فيها مثل أنها من أقدم المُدن المأهولة في العالم والتي مرّ على كونها مأهولة زمن طويل. هذا المرفأ موجود هنا منذ أكثر من خمسة آلاف سنة قبل المسيح يعني ليس شيئاً جديداً. هذه مدينة قديمة جداً وفيها الكثير من التاريخ المهم الذي مرّ عليها، وفعلاً هي عاصمة ثقافية للعالم العربي كلّه منذ أوائل القرن الماضي

زاهي وهبي: أنت غنّيتِ "شبابيك بيروت" صحّ؟ يعني إذا لم نكن في الحيّ مباشرةً وكلّنا تضرّرنا، مبانينا ومساكننا وإلى آخره، لكن حتى الذي لم يتضرّر يشاهد على التلفزيون أبواباً مُخلّعة وشبابيك مُنفصِلة وعفش منازل. طبعاً الأولويّة للضحايا، للجرحى، للإنسان، ولكن منظر البيوت حيث تناثرت ذكريات الناس وأغراضهم، بماذا أحسست؟ 

تانيا صالِح: أنا لم أكتف في مشاهدة هذه الأشياء على التلفزيون، في اليوم التالي لم أستطع إلّا أن أنزل وأرى فعلياً ما حدث. يعني شيء قاسٍ جداً جداً أن ترى مدينتك نصفها في الأرض، كلها زجاج مُتناثر، في كلّ المدينة زجاج مُتناثِر، وأن تعرِف أنّ هناك أناساً لا يزالون تحت هذه الأنقاض ولا نعرِف عنهم شيئاً. الأمر وكأنّ عندي أحد خسرته فكيف يُمكنني أن أنام؟ كيف أنام إذا لم نجده بعد؟ 

زاهي وهبي: يعني نضع أنفسنا في مكان الأُمّهات، في مكان الآباء

عبيدو باشا: هناك مناخ، وأنا أعرِف من عند أهلي، الناس الذين يكبرون مع أغراضهم يُصبحون كما هذه الأغراض، يعني يصير الناس كالأغراض ولا يعودون يُميزون أنفسهم عن أغراضهم. عندما يُرون أغراضهم خارج منازلهم يحسّون أنّهم أصبحوا خارجها أيضاً. عندما ترى منزلك على الأرض وأنا أعرف الكثير من الناس الذين لم يعد عندهم منازل، كنت أقول لهم سابقاً إنهم يقطنون في مكانٍ غالٍ جداً، لكن لم يعد عندهم حتى مكان في هذا المكان الغالي

زاهي وهبي: أُستاذ "عبيدو" أنت كتبت الكثير لـ (بيروت)، يعني شعر وأُغنيات، (بيروت) التي قال عنها "عُمر الزعنّي" قبل عقود من الزمن "زهرة في غير أوانها". معنى (بيروت) بالنسبة لك وأنت إبن (بيروت) وعشت كلّ ما مرّ على هذه المدينة العاصمة

عبيدو باشا: أنا ولا مرّة "أبو داني"، ولا مرّة كنت مُتشائماً في عيشي في هذه المدينة. مرّة واحدة قُرِصت فيها، في عام 1982، حين رأيت الناس تهجّ وتهرب إلى قراها. في ذاك الوقت اكتشفت أنّه ليس عندي ضيعة، يعني ضيعتك هي ضيعتي، ضيعة "رفيق" هي ضيعتي مثلاً، لكن اكتشفت أنّه ليس عندي ضيعة، ليس عندي سوى هذه المدينة، واكتشفت بأنّ عُمق معنى علاقتي بهذه المدينة ينطلق من هذا الاعتبار. يعني هذه المدينة هي بيتي وفي هذه المدينة عشت كلّ مراحل حياتي، وللأسف الشديد، منذ أن كنت صغيراً وأنا أسمع جملة على الإذاعات وأسمعها أيضاً على التلفزيونات، مع أنّ التلفزيونات في صغري كانت قليلة جداً وكنّا نشاهد التلفزيونات في بيوت الجيران، وهي أنّ (لبنان) على مُفترَق طُرُق، منذ أن كنت صغيراً وأنا أسمع أنّ هذا البلد لا يزال عند مُفترَق طُرُق. نحن جيل أُستاذ "زاهي" لم يعِش إلّا حروباً، لذلك الآن الكتاب الذي بين يداي إسمه "أجزاء ناقصة من حروف زائِدة" لأنّ جيلنا نحن 

زاهي وهبي: الكتاب الذي بين يديك تشتغل عليه تأليفاً؟ 

عبيدو باشا: أجل وصرت في طور الانتهاء من كتابته، "أجزاء ناقصة من حروف زائِدة" لأنك مهما كتبت تكون الحروف في الحروب أكثر بكثير من الأشياء التي تريد أن تكتبها فكتبت "أجزاء ناقصة من حروف زائِدة" لأنّ الحرب جزء من حياتنا وأنا كنت أقول لك إنني لستُ مُتشائِماً، أنا مُتفائِل وما زلت حتى هذه اللحظة مُتفائلاً

زاهي وهبي: عندكِ أمل "تانيا" مثل الأُستاذ "عبيدو"؟ عندكِ أمل أو بصيص أمل في وسط كل هذه المَعْمَعة التي نحن فيها؟ 

تانيا صالِح: عندي بصيص أمل عندما أرى هؤلاء الشباب الذين رأيتهم على الطريق يُساعدون 

زاهي وهبي: نعم، يكنسون وينظّفون الشوارع من الرُكام 

تانيا صالِح: شباب من جميع المناطق على فكرة، هذا هو الحلو أنهم شبان وصبايا أتوا من جميع المناطق، تجد مَن هم لهجتهم جنوبية ومَن لهجتهم شمالية والذين يتحدَّثون بالفرنسية فقط والذين يتحدَّثون بالإنكليزية فقط لأنك كما تعلم الشباب كلّ منهم شِكل للأسف لكن كلّهم كانوا على الأرض وكلّهم كانوا يُساعدون وكلّهم برضاهم وكلّهم من دون مقابل وكلّهم لا ينتظر شيئاً في المقابل، هذا هو الأمل 

عبيدو باشا: كلّ واحد منهم شِكل ليس للأسف، كلّ واحد شِكل أحد عناوين 

زاهي وهبي: حتى ننوِّع

تانيا صالِح: أنا أقول للأسف لأنهم لا يعرِفون تاريخهم في طريقة موحَّدة، لا توجد عندهم فكرة موحَّدة للوطن، للأسف من هذه الناحية

عبيدو باشا: أنا مع ألّا يكون عندهم فكرة

تانيا صالِح: ربما أحسن؟ 

عبيدو باشا: أجل طبعاً

زاهي وهبي: أنا أجد هذا الشيء على أرض الواقع وكم هو حلو مناخ التضامُن بين اللبنانيين في اللحظات الحَرِجة. تأتي إلى منصّات التواصُل الاجتماعي أُستاذ "عبيدو" تجد شيئاً مُختلفاً، تجد حرب "داحس والغبراء"، أعني أين الحقيقة؟

عبيدو باشا: أنا لا أبحث عن الحقيقة في هذه الأماكن، في هذه الأماكن لا يُمكنك أبداً أن تجد الحقيقة وهذه الأماكن وُجدَت لكي يقول بعض مَن لا يتسنّى لهم التواجد في أي مكان آخر أن يتواجدوا بين الناس ويصيرون يقولون أيّ شيء. هم لا يعلمون أبداً أنهم يوتّرون، لا يدرون أبداً أنهم يزرعون الحقد والسمّ والكراهية وما تريده، لا يدرون. لكن مواقع التواصُل الاجتماعي هذه موجودة لهذه الغاية لأنّ فكرة مواقع التواصُل الاجتماعي هي في الردّ على علاقة لم تكتمل. هكذا بدأت، العلاقة لم تكتمل. "زوكربيرغ" حاول أن يُجري علاقة ولم تقبل الفتاة فقرَّر أن يعاقبها، فمكث طوال الليل إلى أن اخترع هذا النظام وفضحها في الجامعة. هذا معنى حضور مواقع التواصُل الاجتماعي

زاهي وهبي: يعني المعنى كأنه فضائحي في رأيك؟ 

عبيدو باشا: مئة في المئة 

زاهي وهبي: هكذا تجدين مواقع التواصُل؟

تانيا صالِح: في معظم الوقت أجل هكذا. أحياناً أشعر بأنّه خلص، لا أريد أن أكون على الهاتف لأتواصل، ما هذه الحياة؟ هذه الفكرة تُزعجني، والأمر الآخر هو كميّة الكُره الموجودة وهذا أمر سيّئ يمكن لجيلنا أن يستوعبها لكن الجيل الطالع لا أدري كيف في إمكانه أن يعيش مع هكذا شيء طوال الوقت 

زاهي وهبي: حضرتكِ ربّما أصغر سنّا منّي ومن "عبيدو" أكيد 

تانيا صالِح: قليلاً وليس كثيراً 

زاهي وهبي: لكنّك عشتِ الحروب، جزءاً كبيراً من الحروب اللبنانية ومن المآسي اللبنانية

تانيا صالِح: طبعاً 

زاهي وهبي: هذه المرّة، هذا الانفجار في المرفأ بماذا يختلف في رأيك؟ خصوصاً وأنّه قد يكون على الأرجح نتيجة الإهمال والفساد إذا لم يكن مُدبَّراً. يعني وصل الفساد إلى حد أن يقتلنا في بيوتنا؟  

تانيا صالِح: أجل هنا الخطورة. خطورة الفساد "زاهي" إننا حتى لو كان التفجير مدبّراُ، ليس منّي ومنك لكن النظام الموجود في هذا البلد والفساد الموجود في هذا البلد جعل هذا الشيء يحدث حتى لو كان مُدبّراً. يعني إذا أحدهم أراد حدوث ذلك جاءته من الله هذه الخبرية لكي يُفرِّغ (بيروت)

زاهي وهبي: سيُغيِّر فينا شيئاً هذا الانفجار؟

عبيدو باشا: أنا أُفضِّل أن يكون مُدبّراً 

زاهي وهبي: نعم؟ 

عبيدو باشا: أنا شخصياً أُفضِّل أن يكون مُدبّراً لأنه في الأخير من غير اللازم أن تقضي حفلة فساد على ثلاثة أرباع المدينة وعلى مرفأ المدينة. أُفضّل أن يكون مُدبّراً لأنّ الحادثة يكون لها معنىً أكبر، يكون لها معنى على الأقل في أنّه والله عدوٌّ استهدفنا وهدم نصف المدينة وهدم المرفأ، لكن هبَل وفساد؟ هذه مسألة لا تُغتَفر أبداً 

زاهي وهبي: أُستاذ "عبيدو"، بخلاف الحزن على الشهداء وعلى الجرحى وعلى البيوت والأُسَر المنكوبة الذي هو حزن عميق ويجعلنا كلّنا نُفكِّر في مصيرنا ومصير أولادنا وبيوتنا وإلى آخره. لكن هل هذا سيُغيِّر فينا شيئاً؟ يعني هلّ ما جرى مرحلة مفصلية في تاريخ (لبنان)؟ 

عبيدو باشا: في رأيي كلّا للأسف الشديد

زاهي وهبي: لماذا؟ 

عبيدو باشا: لأنّ اللبناني في طبعه ينسى، بسرعة ينسى اللبناني ويدير حياته على ضوء المُعطيات الراهنة التي تحدث. الآن أوكي، بالنسبة لي هناك احتمالان: المرفأ تدمَّر، إما أقف أمام المرفأ وأبكي عليه وأُمزِّق ثيابي أو أن أمنح نفسي الأمل في أن أبنيه أجمل

زاهي وهبي: هل لا تزال عندنا الإرادة والقدرة التي عشناها طوال سنوات الحروب؟ كنت ترى الزجاج المُكسَّر جرّاء القصف مثلاً اليوم وفي اليوم التالي تجد صاحب المتجر أو المنزل يُركِّب زجاجاً جديداً 

عبيدو باشا: أو يضع النايلون

زاهي وهبي: أو يضع النايلون. هل لا يزال عندنا هذا الجَلَد وهذه الإرادة التي يتحدَّث عنها أُستاذ "عبيدو"؟ 

تانيا صالِح: نحن موجودون في بقعة جغرافية تحكم علينا أن نعيش في هذه الطريقة منذ زمن بعيد، فصارت الإرادة موجودة في الجينات، في أننا أوكي سنقف مرة أُخرى. هل رأيت تلك الجدّة التي صوّروها أيضاً في مواقع التواصُل تعزف على البيانو وبيتها من حولها كلّه صار في الأرض وهي تعزف على البيانو، هذا هو الشعب اللبناني، عنده قُدرة على الخَلق غريبة عجيبة في كل الميادين

عبيدو باشا: توجد صورة بديعة 

زاهي وهبي: السيّدة التي تعزف على البيانو؟ 

عبيدو باشا: أعطتني أملاً فظيعاً 

زاهي وهبي: الممرضة؟ 

عبيدو باشا: باص ينزل إلى (بيروت) من أجل المُشاركة في عمليات التنظيف وإزالة آثار الانفجار، موتوسيكل يجلس عليه شاب صغير جداً وهو يحمل مكنسة، نازل على دراجته النارية من الشمال إلى (بيروت) ويحمل في إحدى يديه مكنسة

زاهي وهبي: أحضر المكنسة من البيت من الشمال ليُساهم 

عبيدو باشا: هؤلاء هم الناس الذين يقولون لك: "تفضّل أُستاذ "زاهي"، هذه كميّة من الأمل لتضعها في محفظتك" 

زاهي وهبي: سنسمع عدداً من الفنانين والأصدقاء الذين يشاركوننا التحيّة لـ (بيروت) اليوم في جزءين، نسمع الجزء الأول من هؤلاء الأصدقاء الفنانين الذين أحببنا أن يُشاركوننا هذه التحية إلى (بيروت)

كريمة صقلّلي – فنانة من المغرب: عزّائي ومواساتي لكلّ اللبنانيين، صبراً جميلاً إن شاء الله. شكراً (لبنان)، شكراً. لقد نقشتُ في قلبي ذكريات سنوات من موجات حبٍّ على عدّة خشبات، مسارِح كُبرى ومنابر إعلامية حرفيّة عُظمى. شكراً لكِ (بيروت) على كلّ شيء، على جمالك وعلى نكهتكِ العربيّة الأنيقة المنتشرة في العالم 

سمير جبران – موسيقي من فلسطين: (بيروت) هي العاصمة الوحيدة التي نزلت في مطارها وسبقتني دموعي، التقيت في (بيروت) أجمل الأصدقاء ولي أجمل الذكريات في أجمل الأماكن

سامح السريطي - ممثل من مصر: (بيروت) أعطتني أجمل الأوقات مع أجمل الأصحاب. أعطتني أصدقاء أعتزّ بهم 

رولا عازر – مغنية من فلسطين: (بيروت) أعطتني فُرصة أن أوصِل فنّي، (بيروت) أعطتني الحب وأعطتني دروس الحياة وأصدقاء العُمر

طوني عيسى - ممثل من لبنان: (بيروت) آخ يا (بيروت). (بيروت) أعطتني المحبّة، أعطتني الحبّ، أعطتني الألفة، أعطتني الطمأنينة، أعطتني أنّها هي ستّ الدنيا، أعطتني التعايُش الإسلامي المسيحي، أعطتني اللاطائفية، أعطتني تعدّد الطوائِف الصحّ، أعطتني أن أُحب كل الناس وأن يحبّني كل الناس، أن أغار على مصلحة أولاد بلدي وعليها وليس أن أغار منها ولا من أولاد بلدي. شكراً (بيروت) 

هبة مجدي – ممثلة من مصر: (بيروت) ستنهض مُجدّداً لأنها لطالما مرّت بأزمات كثيرة جداً أكبر من هذه ووقفت مرة ثانية على قدميها. ستنهض (بيروت) لأنها وسط اخواتها وأهلها الذين لن يتركوها أبداً. ستنهض (بيروت) لأنّها عاصمة من عواصم الفنّ والجمال التي لطالما تعلّمنا منها الكثير

رولا عازر – مغنية من فلسطين: "بيروت رح ترجع" ومن اللازم أن ترجع لأنّ أهل (لبنان) وأهل (بيروت) قلبهم يسع الدنيا ولأن الاستسلام لم يكن ولا مرة خياراً عندهم 

سامح السريطي - ممثل من مصر: سترجع (بيروت) أفضل من الأوّل لأنّ أبناءها قادرون على إعادة البناء. سترجع (بيروت) أفضل من الأوّل لأنّ شعبها مُحبّ للحياة 

كريمة صقلّلي – فنانة من المغرب: سوف تعودين لنا أقوى بنضالكِ الفكريّ 

طوني عيسى - ممثل من لبنان: (بيروت) أمّنا (بيروت) والدنا (بيروت) أُختنا (بيروت) أخانا، إذا أردنا أن نبكي، نبكي في قلب (بيروت) وتتحمّل وجعنا 

رفيق علي أحمد – ممثل من (لبنان): من خجلي منكِ لا أجرؤ أن أضع عيني في مقابل عينكِ وأقول لكِ شيئاً، فقط أريد أن أقول إنّ عندي أمل، من دون أيّ سبب عندي أمل أنكِ سترجعين سيّدة العواصم وسترجعين عاصمة الحق والخير والجمال وسترجع كل الدنيا تنادي لكِ " يا ستّ الدنيا يا بيروت"

زاهي وهبي: "يا ستّ الدنيا يا (بيروت)" وصديقنا "رفيق علي أحمد" وكل الفنانين الذين شاهدناهم، يعني غريب هذا الرِهان الدائِم على قدرة (بيروت) على تجاوز الموت والمِحَن والخراب. من أين الرهان؟ من أين هذا الأمل؟

عبيدو باشا: أُستاذ "زاهي"، تاريخ. (بيروت) التي تمكّنت من النهوض بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والتي تمكّنت من النهوض بعد الغزوات الإسرائيلية المُتكرّرة، أتحدّث عن (بيروت) عاصمة (لبنان)، عندما نتحدَّث عن (بيروت) نكون نتحدّث عن (لبنان)، التي استطاعت أن تقاوم وأعادت صياغة مقاومتها، التي أعادت نفسها بِكراً، التي خرجت من خمسة زلازل مُدمّرة، الآن موجود خمس طبقات، موجودة تحت خمس طبقات (بيروت) القديمة التي تمكّنت من النهوض، التاريخ يؤشّر لنا ويقول أنّ هذه المدينة سوف تعود مُجدّداً لكي تقف على قدميها وستعود إلى الوقوف على قدميها، لا يُمكنها ألّا تقف على قدميها

زاهي وهبي: عند كلّ الذين تحدّثوا من أصدقائنا المُبدعين توجد رسالة أمل. الكلّ متمسّك بالأمل وهذا الشيء يُلفِت 

تانيا صالِح: طبعاً، تحسّ أنّ (بيروت) محبوبة كثيراً. اللبنانيون محبوبون أيضاً كشعب وبلدنا محبوبة كثيراً ليس فقط من العرب وليس فقط من أصدقائنا، هؤلاء الناس حقيقيون ويقولون شعورهم الحقيقي. هذا تسمعه من كل الذين يأتون إلى (لبنان) وأنت تعرِف أنّه أحياناً هناك علاقة حبّ وكره مع المدينة أيضاً. تكون أحياناً في قمة تعصيبك ويأتي أحدهم من الخارج ويقول لك: "كيف تقولين هذا؟ انظري إلى هذا وإلى ذاك وانظري إلى هنا وهناك، ثم لاحقاً تعود وتقول " صحيح ما يقولونه"، لا يُمكنك أن تنكر، هذه مدينة فضلها كبير جداً علينا، مُذوقة ومُحبّة وحنونة وبشعة وحلوة وتصرِّخ وتحنّ 

عبيدو باشا: وتقبلك 

تانيا صالِح: وتقبلك كما أنت، غريبة، والآن فقط أريد أن أقول لك شيئاً وللأُستاذ "عبيدو"، إنّنا طوال الوقت نقول: لا نريد هذا البلد ونريد أن نغادره لكن عندما تقع المصيبة نصبح متعلّقين أكثر وأكثر، كلّ مُصيبة تُعلِّقنا أكثر وأكثر 

زاهي وهبي: إذا لاحظت، الأُستاذ "رفيق علي أحمد" صديقنا يصوِّر في (تركيا) في مسلسل "عروس بيروت" للمُفارَقة، هل لاحظت شكله وحزنه؟ ربما لو كان هنا لما كان 

عبيدو باشا: المسافة قاتلة أُستاذ "زاهي". عندما تكون في الداخل تحسّ بالخطر في مقدار أقل، يعني "رفيق" يشعُر بالخطر في مقدار كبير جداً لأنّ المسافة ترسم أيضاً 

زاهي وهبي: يشاهد من بعيد 

عبيدو باشا: بالضبط. (بيروت) جزء من "طريق الحرير" أُستاذ "زاهي"، ولأنها جزء من "طريق الحرير" سوف تبقى، هذا أولاً. ثانياً قال البابا "بولس الثالث" الذي أحبّه كثيراً، قال شيئاً في غاية الأهمية أكرّره دائِماً على طريقتي الخاصة، "(لبنان) حاجة للآخرين وليس حاجة للبنانيين"، لو كان حاجة للبنانيين لكانوا نتّفوا البلد من زمان ورموه في البحر، حاجة للآخرين 

زاهي وهبي: لماذا حاجة للآخرين؟ في أي معنى؟ 

عبيدو باشا: أولا دعني أتحدّث في مسألة تتعلق بالسياسة، (لبنان) دمّلة في خاصرة (إسرائيل) ولا أتحدّث عن العسكر الآن، لماذا؟ لأن (لبنان) يمتلك نموذجاً يُشار إليه دائماً حين يُقال للإسرائيليين قوموا بحلٍّ مع الفلسطينيين، فيجيبونهم" لا يمكننا أن نتعايش معهم" ويأتي الجواب " أنظروا، هناك نموذج على كتفكم لا يتعايش مع فئة واحدة بل بين مجموعة هائِلة من الفئات ويستفيد من هذا التعايُش المُتداخِل والمُنصَهر. أنا لا أُحب كلمة تعايُش 

زاهي وهبي: من أجل هذا نجد أنّ (إسرائيل) حريصة على أن تضرب هذا التنوّع اللبناني وتخلِق الفِتَن وتُساهم في هذه الفِتن

عبيدو باشا: طبعاً، (بيروت) مختبر، وكانت "تانيا" تقول شيئاً في غاية الأهمية، كانت تتحدّث عن علاقة الآخرين بـ (بيروت) لأنها مُختبر على مُختلف الصُعد، مُختبر على صعيد ثقافي وهي واجهة ثقافة ليس فقط في العالم العربي بل في العالم. هي مُختبر على صعيد اجتماعي وقدَّمت نماذج على الصعيد الاقتصادي ولو أنّها وقعت في شرّ بعض السياسات المالية حسبما يردّد اللبنانيون في هذه المرحلة. هذه مدينة قدَّمت نموذجاً مختلفاً ومتقدّماً على صعيد العالم، وهكذا مدينة محكومة بالحياة 

زاهي وهبي: حلو أن نكون محكومين بالحياة والأمل كما قال "سعد الله ونّوس" في يوم من الأيام. هذا التضامن العالمي مع (بيروت) "تانيا" ليس فقط من دول وحكومات وسياسيين. مُعظم فنّاني العالم، النجوم الكبار، المشاهير الأجانب والعرب كتبوا على مواقعهم، على صفحاتهم دعوة للتضامن مع (بيروت) والتبرّع لأجل (بيروت) وأهل (بيروت) الذين أُصيبوا. ما تفسيركِ لهذه الظاهرة؟ 

تانيا صالِح: بروباغاندا قوية، يعني هكذا ضربة لوحدها تجذب شعوراً وتعاطفاً من العالم فكيف إذا كانت الميديا في العالم بأسره أضاءت كثيراً عليها 

زاهي وهبي: لكن أحياناً هناك حروب طاحنة تدور في منطقتنا وفي بلادنا لا تستدرّ هذا التعاطف وهذا الانشغال العالمي 

تانيا صالِح: أجل، لا يوجد إنسان على الكوكب أعرِفه لم يتصل بي وأكيد أنت حصل معك الأمر نفسه وكذلك الأُستاذ "عبيدو". هذه لم تحدث بعد ولا مرّة وهناك كمية من الاضاءة عليها كبيرة جداً وأيضاً أنا، ومن الجيّد أنك أثرت الموضوع، عندي مشكلة كبيرة جداً في كيف الآن يُضاء علينا كمُستجدين. نحن لسنا شعب يستجدي، لسنا شعباً يستجدي العطف ولا نستجدي منّة من أحد، نحن لسنا مُتسوّلين، ممنوع أن نتسوَّل  

زاهي وهبي: لكن عندنا طبقة سياسية مُتسوّلة، عاشت على التسوّل يعني

زاهي وهبي: من دون أن تذكُر سيرة هذه الطبقة أُستاذ "زاهي" لو سمحت يا غالي، دعني أُكمِل الفكرة التي اتفقنا عليها. هذه مدينة تمتلك معناها وهي كريمة بحيث أنّها وزّعت هذا المعنى على العالم العربي وعلى بعض الأجزاء في العالم. لذلك ينتبه لنا كل العالم، لذلك كل الناس الذين يُحبوننا رفعوا سمّاعة التلفون واطمأنّوا على المدينة قبل أن يطمئنّوا علينا، ليعلموا عن حدود الدمار في المدينة وحدود الخسائِر في المدينة، بعد ذلك سألونا عن أحوالنا واطمأنوا عنّا لأنهم سمعوا صوتنا وتأكّدوا أننا بخير في الحدّ الأدنى من خلال سماعهم لصوتنا

زاهي وهبي: نعم، إسمحا لنا أن نسمع مقطعاً من "عُمر الزعنّي" وهو يغني (بيروت) و "ترومواي" (بيروت) ثم نتوقّف مع استراحة سريعة نتابع بعدها هذه التحية من "بيت القصيد" إلى (بيروت) 

المحور الثاني

زاهي وهبي: "تانيا صالِح" و "شبابيك بيروت"، لماذا غنّيتِ "شبابيك بيروت"؟ 

عبيدو باشا: لا تُفكّري، لا تُفكّري 

تانيا صالح: لأنّني، قلت لك من قبل، هناك علاقة بهذه المدينة، علاقة كره وحبّ وليس فقط حبّ، يعني أُحبها كثيراً وأكرهها كثيراً في أوقات كثيرة. فخطر في بالي أن أقول هذا الشيء لكن طبعاً في طريقة حقيقية بقدر ما أستطيع وأذكُر الأشياء الحلوة التي فيها أيضاً 

زاهي وهبي: كل العشّاق يتبادلون الحبّ والكره أحياناً في اللحظة نفسها ويكون التبادُل مزيجاً، هل لا تزال (بيروت) مثلما قلنا قبل قليل أُستاذ "عبيدو"، وحضرتك كتبت (بيروت) في أشكال مُختلفة وفي مناسبات مُختلفة، يعني في "رمضان" كتبت "بيروت صندوق فرجة كبير" أليس كذلك؟ 

عبيدو باشا: 

بيروت يا بيروت يا قصة         صندوق فرجة كبير

بيروت رح تظلّ للأيام             عروسة الأمير   

"الخضر" ع بابا             عم يكتُب كتابا 

مطرح ما بدّك روح         بيروت هيّ الروح 

لمّا تناديها                بحرها إلك بيلوح   

مرحى مرحى                 جيبوا الطرحة

جيبوا الطرحة                 لبيروت 

مرحى مرحى                 خلّوا الفرحة

تملّي الدني                     من (بيروت)   

عبيدو باشا: هذه كتبتها أيمتى؟ في عام 1982، عندما كان الإسرائيليون يُحاصرون (بيروت) ويدكّوننا دكّاً يعني 

زاهي وهبي: إذاً، مهما كانت الظروف قاسية، مهما سقط من شهداء، مهما دُمِّرت بيوت سنستعيد هذه الـ (بيروت) إلى حياتها 

عبيدو باشا: حُكماً، أنا أقول لك حُكماً من دون تردّد، لأنني أيضاً أتذكَّر مسألة أُخرى، أنا أتذكَّر أنك قلت لي إنني كتبت الكثير، صحيح، كتبت الكثير. كتبت أشياء حزينة عن (بيروت)، كتبت أنّ:

 (بيروت) حزينة      مدينة سوداء وحزينة 

بيوتها بيوت بعيدة     وشوارعها عيون

وبحرها شريط ملوّن  بألوان جديدة 

وعفر تراب أرضها  عفر تراب مدينة سودا وحزينة 

عبيدو باشا: هذه أيضاً في عام 1982، ولاحقاً صارت (بيروت) يا (بيروت) 

زاهي وهبي: حسب الحال 

عبيدو باشا: الفكرة في أننا تخطّينا كل هذه الحالات وأعدنا بناء هذه المدينة وهي ساعدتنا في إعادة بناء نفسها، عندها القدرة على أن تمد يداً لإعادة بناء نفسها، فبالتالي إذا أنا أقرأ فقط الذي كتبته أنا والتي كتبته "تانيا" أو الذي كتبه أنت في قصائِدك عن (بيروت) أنا أكيد أنّ (بيروت) سوف تشُدّ ثوبها إلى جسمها من جديد وسوف تقوم على قدميها من جديد، وهذا كلام ليس في الهواء أبداً

زاهي وهبي: تاريخياً (بيروت) مُلهمة للشعراء والأُدباء، كُتِب عن (بيروت) الكثير، من "نزار قبّاني" و"محمود درويش"، ولا أُريد أن أعُدّ أسماء الآن 

عبيدو باشا: لا يوجد إبن امرأة لم يكتب

زاهي وهبي: صحيح، لا يوجد إبن امرأة لم يكتب. هل لا تزال (بيروت) مُلهِمة؟ 

تانيا صالح: طبعاً، كثيراً وليس قليلاً. هناك كميّة من الجمال، هناك ذوق، هناك محبّة الناس، الناس هم أعتقد مَن يحيون المدينة أولاً، وهناك الذوق وهناك خلطة هذه الحضارة التي هي خلطة هنا وهناك وكذا شغلة، مثل البهارات المشكّلة في التبولة. هناك ذوق، ذوق في التعامُل، ذوق في الحياة، حبّ الحياة، هذه قصة حبّ الحياة أحياناً تُزعجني 

زاهي وهبي: عندما تُصبِح كليشيه، عندما تُصبِح شعاراً ممجوجاً 

تانيا صالح: لكنّها فعلاً هكذا 

زاهي وهبي: إسمحي لي أيضاً قبل أن أسأل في موضوع (بيروت) والإلهام، أُريد أن أقول هذه الأبيات الثلاثة للشاعرة العراقية الكبيرة "لميعة عباس عمارة"، إسمعي ماذا تقول عن (بيروت)، تقول: 

قصيدةٌ أنتِ يا (بيروت) مُبهمةٌ          ما قالها شاعرٌ لكن تخيّلها 

أراد مُعجزةً في الفنّ خالقها              فلمّا من أجمل الأشياء أجملها 

وصبّ من روحه في ناسها ألقاً         وحين أكملها صلّى وقبّلها 

"لميعة عباس عمارة" 

تانيا صالح: حلو 

عبيدو باشا: حلو كثيراً مع أنني لا أُحب الشعر العامودي

زاهي وهبي: الشعر العامودي الموزون، نعم 

عبيدو باشا: لكنها حلوة كثيراً 

زاهي وهبي: أنت من أنصار الحَداثة. سرّ هذا الإلهام؟ لم يُكتَب لعاصمة أعتقد في قدر ما كُتِب لـ (بيروت) في مراحلها المُختلفة، سواء عندما كانت آمِنة ومُطمئنّة وربما في مراحل أو في الحرب أو 

عبيدو باشا: لأنها مدينة لا تخاف من الآخر، يعني الميزة الأساسية أنّها لا تخشى الآخر. عندما يأتيها شخص من الخارِج يجد أنّ المدينة فوراً فتحت له يديها ويحسّ بنوع من الأُنس، ويحسّ فوراً أنّ التاريخ بدأ يتسرّب على أكمام قميصه ثم ينزل إلى يديه ولا يعود يعرِف كيف يلتقط التاريخ بيديه، وعندما يصل إلى أطراف أصابعه تبدأ أطراف أصابعه تنبُض، وعندما تنبُض تبدأ الأشياء التاريخية تتبلور 

زاهي وهبي: هلّ قَدَر (بيروت) أن تُرمى دائِماً في الجُبّ؟ يعني هذا الجمال اليوسفي كما أسميته في المُقدّمة 

عبيدو باشا: المُقدِّمة حلوة جداً 

زاهي وهبي: هذه المدينة، هذه العاصمة التي طردت الاحتلال الإسرائيلي مدحوراً مذلولاً، ينادون كانوا بمكبرات الصوت: "يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار 

عبيدو باشا: "نحن راحلون غداً" بالفُصحى، أنا سمعتهم. "نحن راحلون غداً" لأنّ سيّارة عسكرية دخلت إلى منطقة (عائِشة بكار) بكامل عتادها وعسكرها واختفت ولم يجدوها، دخل الإسرائيليون إلى (عائِشة بكّار) وخربوا الدنيا، لكن السيارة اختفت، فبدأوا يجولون في المنطقة وأنا كنت أقف لجهة مبنى التلفزيون 

زاهي وهبي: (تلّة الخياط) 

عبيدو باشا: أجل (تلّة الخياط) وسمعتهم ينادون: "يا أهالي بيروت لا تُطلقوا النار علينا رجاءً، نحن راحلون غداً"، وفي اليوم التالي كانوا قد بدأوا في توضيب أغراضهم، ويبدو أن اتفاقاً حدث في الليل لإعادة السيارة لهم مع عفشها 

زاهي وهبي: هل تدفع ثمناً (بيروت)؟ ثمن أنّها قالت للإسرائيلي "لا"؟ رفضت العصر الإسرائيلي؟ لم تستسلم للزمن الإسرائيلي؟  

تانيا صالح: طبعاً، أكيد طبعاً، ثمّ هذه المنطقة الموجودة فيها (بيروت) والتي مناخها جميل وعندنا أكل طيّب وأُناس طيبون وحلوين وعندنا كما يقولون أيضاً كليشيه الجبل والبحر في أقل من ساعة، البلد رائع، اخضرار ورائِحة أرض جميلة، هناك مليون شغلة جيّدة، والآن ينقّبون لنا عن البترول، ماذا تريد أحسن من هذا؟ 

زاهي وهبي: نحن عندما نقول (بيروت) نقول (لبنان)، يعني (بيروت) عاصمة (لبنان) وموجز أحوال (لبنان) إذا أردت يتجلّى في (بيروت)

عبيدو باشا: نحن عندما نكرِّم (بيروت) فقط أريد أن أقول هذا الكلام للناس الذين يتساءلون لماذا نتحدَّث عن (بيروت). حين نُكرِّم (بيروت) نُكرِمّ (لبنان) 

زاهي وهبي: طبعاً 

عبيدو باشا: وحين تتهدّد العاصمة أخطارا تتهدّد (لبنان) الأخطار التي تتهدّد العاصمة 

زاهي وهبي: صحيح، ونحن عندما نقول (بيروت) كما تفضّلت نقول (لبنان). (بيروت) أو(لبنان) تاريخياً مشروعيّة وجوده فيها جانب ثقافي، يعني هناك دور ثقافي لهذه المدينة وهذه العاصمة. كما تعلم مُعظم الشعراء العرب مرّوا من (بيروت) وكذلك الكُتّاب والرسّامين إلى آخره. هل لا تزال (بيروت) تلعب دوراً ثقافياً محورياً في المنطقة؟ 

عبيدو باشا: ما هي مُشكلة (بيروت) أُستاذ "زاهي"؟ بالإضافة إلى أنها تتعرّض لضربات لأنّها آخر عاصمة تُقاوم السطوة الإسرائيلية على المنطقة، آخر عاصمة، لأنّها لا تُشبه عواصم الإقليم. كل ما جرى في السنوات الماضية هو مُحاولة لجعل (بيروت) تتأقلم على معايير المنطقة. أنّه لماذا يكون عندنا في النهاية مدينة أو بلد لا يشبه البلدان الأُخرى؟ بلد يتمتّع بحريات واسعة على صعيد الحريّة الشخصية، على صعيد حرية النشر، على مُختلف الصُعد يعني، ولماذا تتمتّع هذه العاصمة بهذا النظام السياسي الحرّ. لا تهتم بالرجال الذين يجلسون في غُرَف النظام السياسي، تتمتّع (بيروت) بنظام سياسي غير موجود في أيّة عاصمة أُخرى. أراد الآخرون لـ (بيروت) أن تتشابه والمُدن الأُخرى، إلّا أنّها لا تزال حتى هذه اللحظة تُقاوِم التشابُه وتُقاوم فكرة أن تكون على صورة المُدن الأُخرى، لذلك تجدها تدفع أثماناً غالية 

تانيا صالح: صحيح 

عبيدو باشا: وما من شيء من دون ثمن أُستاذ "زاهي"، لكلّ شيء ثمنه 

تانيا صالح: صحيح

زاهي وهبي: عندكِ إضافة؟ 

تانيا صالح: لا، لكن صحيح جداً ما يقوله أُستاذ "عبيدو" لأنّ مُشكلتنا ليست فقط أنّ عند (إسرائيل) أطماع بنا، مُشكلتنا أنّ الأنظمة العربيّة لا تريد أن تصير بلدانها مثلنا 

زاهي وهبي: هذا ما يقوله "عبيدو" في طريقة غير مباشرة 

تانيا صالح: وهذا مهم ومن غير اللازم أن ننساه، نحن ليس فقط عندنا مُشكلة مع (إسرائيل)، عندنا مُشكلة مع الجيران الآخرين سواء أكانوا عرباً أم غير عرب. إذاً يجب أن نبحث عن كيفيّة التعامل مع هذه القصة لمصلحتنا، ما كان فيه شيء لمصلحتنا نقوم به، وما كان لغير مصلحتنا لا نقوم به

زاهي وهبي: كأنّ هذا النظام الرسمي العربي لم يستطع أن يتحمّل مدينة إلى هذا الحدّ حرّة وإلى هذا الحدّ مُتنوّعة

عبيدو باشا: بالضبط هكذا، ولماذا المرء يلفّ ويدور؟ 

زاهي وهبي: منذ أية سنة أغنية "عمر الزعنّي"؟

عبيدو باشا: منذ الخمسينات

زاهي وهبي: منذ الخمسينات، وربما قبلاً 

تانيا صالح: منذ الثلاثينات أو منتصف الثلاثينات 

عبيدو باشا: الأغنية بعد، هو من مواليد الثلاثينات 

زاهي وهبي: هل قدرها دائِماً أن تكون "زهرة في غير أوانها"؟

عبيدو باشا: أجل لكنها تعاود النمو، هذه الزهرة التي في غير أوانها تنمو مجدّداً في آنية ثانية، أي في وقتٍ آخر لا يكون الناس يحتسبون أنّها ستنمو، تنمو وتخلق مُفاجأة في نموّها، هذه هي المفاجأة التي لا أحد يقلعها. هذه مدينة مفاجأة، هذه مدينة عبارة عن مجموعة من الطوابق وليست من طابق واحد، لكنهم لا يريدونها في طوابق

زاهي وهبي: ربما في قدر ما السياسة ظالمة في حقّ (بيروت)، أتحدّث عن سياسة الإقليم وسياسة الدول وسياسة الساسة عندنا في (لبنان)، في قدر ما الفنانين والمثقفين والثقافة والفن تحتفي كما قلنا بـ (بيروت). نريد أن نسمع أيضاً تحيّات من أصدقاء وفنانين إلى (بيروت)

مشاركات في التحية إلى بيروت – الجزء الثاني: 

عابد فهد – ممثل من سوريا: (بيروت) حكاية تخطف الأنفاس وتسرق العقول. (بيروت) ستنهض لأنّها قصائِد الشعراء، ستنهض لأنّها نجمة البلاد

سميرة القادري – مغنّية سوبرانو من المغرب: ماذا أصابكِ يا لؤلؤة المتوسِّط؟ آلامكِ هي آلمُنا وجراحكِ هي جراحنا، ومهما صار (بيروت) سترجع كما كانت، سترجِع أفضل مما كانت 

أمير تاج السر – كاتب من السودان: تلك المدينة العظيمة قدَّمت لي شخصياً خدمات لا تُنسى حين أوصلت أعمالي الإبداعية إلى أماكن بعيدة جداً عن طريق دور النشر الكُبرى التي احتضنت تلك الأعمال. شكراً (بيروت) 

آلاء حسين – ممثلة من العراق: (بيروت) كالألماس، مهما غطّاها السواد تبقى برّاقة، لامعة وجميلة، صلبة وقويّة. انهضي (بيروت) 

علي جابر – ممثل من العراق: جلل مصابكِ يا (بيروت) يُبكينا، يا أخت (بغداد)، ما يؤذيكِ يؤذينا 

سميرة القادري – مغنّية سوبرانو من المغرب: لنا كلّ الأمل فيكِ، لنا كلّ الأمل في شعبكِ القويّ، في شعبكِ الذي برهن كل مرة أنّه قادرٌ على أن يواجه كل الصدمات وكل الأزمات 

سعود السنعوسي – كاتب من الكويت: لا شكّ أنّ ما أصاب (بيروت) قد ترك غصّةً في القلب، (بيروت) الفنّ والثقافة والجمال، (بيروت) السلام، (بيروت) التي منحتنا الكثير ومنحتني على صعيد شخصي الكثير أيضاً حيثُ كانت محطّة انتشار لبلوغ القارئ العربي في كل مكان

محمد محسن – فنان من مصر: كل مرة أذهب فيها إلى (بيروت) من (القاهرة) أحسّ أنني ذاهب من (القاهرة) إلى (القاهرة)، في حياتي لم أشعر في أيّة غربة في شوارع (بيروت)، دائماً نحسّ بالسلام والطمأنينة. (بيروت) بلد الفنّ والجمال وكل ما هو جميل 

آلاء حسين – ممثلة من العراق: منذ عقود وكل نهارات (بغداد) وأيامها الجديدة والحياة الجديدة تبدأ بصوت "فيروز". (بيروت) أهدتني أجمل أصدقاء 

سعود السنعوسي – كاتب من الكويت: أخلص التعازي لأُسَر الضحايا وأصدق الأُمنيات لـ (لبنان) بغدٍ أجمل يليق بصورة (لبنان) في وعينا 

محمد محسن – فنان من مصر: شكراً لـ (لبنان) وشكراً لـ (بيروت) التي احتضنني في بداياتي وأقمت فيها أجمل الحفلات وغنّيت فيها أجمل الأغاني ولغاية الآن أتشرّف بصداقتي لفنانين كبار جداً في (لبنان) تعلّمت منهم كثيراً جداً 

علي جابر – ممثل من العراق: لأنّها الجمال، لأنّها الطيبة، لأنها المُسالِمة، لأنّها سحر الشرق. ستعود (بيروت)، هذا جرح كبير لكِ لكن إن شاء الله سنفرح ونراكِ تجاوزتِ الأزمة

عابد فهد – ممثل من سوريا: (بيروت) مدينة لا تُشبه أيُّة مدينةٍ أُخرى لا في صمتها لا في توهّجها. (بيروت) ستنهض بعشّاقها 

زاهي وهبي: من مُختلف البلدان العربيّة، وهذا هو الجميل 

عبيدو باشا: هل يُمكنني أن أقول شهادة؟ هم يقولون شهادات 

زاهي وهبي: تفضّل

عبيدو باشا: آه يا ديني ع المدينة الّلي إسمها (بيروت)

إن حبيتها بابها بيفتح لك على بيتها    

وبيتها جنينة، آه يا عيني 

أجمل ما فيها شربينة ع الدايم دوم بتحكيني 

وحكاية بتجرّ حكاية عن (بيروت)، عن (بيروت)، عن (بيروت) 

زاهي وهبي: وستبقى (بيروت) عاصمة بإذن الله للحياة والحب والفرح والجمال رغم هذه المأساة ورغم الحزن على الضحايا والشهداء الذين أُكرّر أنا باسم "بيت القصيد" وباسم فريق العمل وباسم الضيفين الكريمين وكل الضيوف الذين شاكرونا التحية وباسم "الميادين" العزاء لهؤلاء الشهداء والدعاء الصادق للجرحى والمنكوبين بالشفاء العاجل أياً كانت الحال سواء جرح نفسي أو جرح جسدي. "تانيا" مشاهد كثيرة شاهدناها في اليومين الأخيرين، منذ الانفجار إلى اليوم، الممرضة التي تحتضن مواليد جُدُداً، السيّدة المتقدّمة في السنّ وهي تعزِف البيانو وسط الرُكام، العاملة الأجنبية التي ركضت لتلتقط الطفلة قبل أن تهرب إلى الداخل، الأب الذي يُخبّئ إبنه ربما تحت المجلى أو في خزانة. ما هي المشاهد الأكثر تأثيراً فيكِ والتي ستبقى بصمة في ذاكرتكِ ووجدانك من الذي مرّ علينا في الأيام الأخيرة؟ 

تانيا صالح: كل ما ذكرتهم أثروا، لا أعتقد أنّهم يُنسون أبداً. لكن الأكثر حينما نزلت على الأرض ورأيت بعيني الشباب الذين كانوا يحملون المكانس ويُكنسون من دون مقابل، من دون أن يطلب منهم أحد. هذا هو المشهد الذي لن أنساه، وهذا الذي يُعطيني الأمل 

زاهي وهبي: أُستاذ "عبيدو" 

عبيدو باشا: مشهد من الخارج وليس من هنا.  بنت كويتية عُمرها ثلاث أو أربع سنوات شاهدت الانفجار على شاشة التلفاز وقامت بمناحة، واستمروا ربما على مدى تقريباً أربعين دقيقة يهدّئوا من روعها ويقولون لها أنّ هذه مدينة ستعيد بناء نفسها. حتّى على صعيد العلاقة بالأطفال، هذه المدينة تعني الكثير للناس لأنّ هذه المدينة عندها القُدرة في أن تُقدِّم رائِحتها، تقدِّم نَفَسها للآخرين وليس من داعٍ أبداً أن تستعمل الكلام لكي تُشكِّل لغتها. لغتها جاهزة، لغتها منها وفيها، فقط يضع المرء أنفه عليها، فقط يضع رأس أصابعه عليها تصل إليه فوراً المدينة. في هذا المعنى كل المشاهد التي رأيتها أثّرت بي إلى درجة أنني كنت كلّما أُشاهد مشهداً أشعُر بأنني عبارة عن ثلثي الكرة الأرضية المكوّنة من مياه، لأنّ الكرة الأرض ثلثها يابسة وثلثيها مياه، كنت كلّما رأيت مشهداً من المشاهد أحسّ بأنني ثلثي الكرة الأرضية المؤلّفة من مياه، أحسّ بأنني خزّان من دموع على وشك أن تتدفّق لكنني أمسك نفسي لأنّ الأمل دائِماً يسبق الأشياء السيّئة 

زاهي وهبي: ربما في مقدار حزننا على "ألكسندرا"، هذه البنت التي عُمرها ثلاث سنوات واستشهدت ووجهها صبوح، أحرّ العزاء لأهلها. في نفس الوقت مولودتان جديدتان سمّيا (بيروت)، مولودة في (لبنان) ومولودة في (فلسطين). الأهل أطلقوا على هاتين البنتين الجديدتين الآتيتين إلى الحياة إسم (بيروت). كم يعني لك كلبنانية أن تصير عاصمتكِ (بيروت) إسماً لأطفال، لناس، لبشر؟

تانيا صالِح: طبعاً. يعني لي كثيراً ويجعلني أُحب أنني آتية من هذه المنطقة، لكن أيضاً هناك مسألة "زاهي"، حلو أن تكون المحبة في هذا القدر لكن أيضاً علينا أن نعرِف كشعب كيف سنعيد بناءها، هل ما نقوم به الآن صحيحاً؟ ما فعلوه لنا عاطل جداً وفاشل جداً لكن نحن كشعب ما نقوم به يجب أن يكون صحيحاً، لمرة واحدة وخلص لأننا لم نعُد نحمل، خاصةً جيلنا، لم نعُد نحمل ضربات، يكفي هذا القدر. ضروري جداً أن نعرِف كيف ستتم إعادة تأهيل هذه المدينة 

زاهي وهبي: في مقدار ضرورة مُحاكمة المسؤولين عن هذه الجريمة الكُبرى المجزرة، في مقدار أيضاً أنّ الشعب اللبناني إذا لم يتطهّر من المشاعر الطائِفية والمذهبية لن نعرف خلاصاً

تانيا صالِح: صحيح

عبيدو باشا: أُستاذ "زاهي" هذا الجيل ليس طائِفياً، أنا أعرِف جيّداً 

زاهي وهبي: الشباب الذين يأتون من كل المناطق 

عبيدو باشا: طبعاً، وغير هذا أنا أعرِف، ودعني أكون شخصانياً كثيراً في ما يتعلّق بهذا الموضوع بالذات. أنا عندي ولدان الله يخلّي أولاد كلّ الناس 

زاهي وهبي وتانيا صالح: الله يخلّيهم لك 

عبيدو باشا: أنا زوّجت ولديّ زواجاّ مدنياً، "كارين" أخذت من غير طائِفتها و"طارق" أخذ من غير طائِفته. والدي الأُمّي السيّد "أبو عبيدو باشا" الذي لا يقرأ ولا يكتب والذي كنت أحسب له الحساب، عندما أردت أن أُخبره أنّ الأولاد تزوّجا قلت له أنهم تزوّجا من غير طائِفتهما. قال لي: "هل يحبّون بعضم البعض"؟ قلت له نعم يحبون بعضهم، قال لي: ألف مبروك. هذا الجيل ليس في جوّنا أبداً ليس في جوّ أُناس وسخين يقفون على قاعدة نتنة لم أعد أطيقها مُطلقاً والتي كل فترة نجدها في هذا المكان وذاك المكان في طريقة مدروسة وليست عفوية، لو كانت في طريقة عفوية كنت أخاف لكن لأنها في طريقة مدروسة هذه الأشياء لا تُخيفني أبداً. نحن أمام جيل لا طائِفي لا يهمّه أبداً أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو كذا إلى آخره مع احترامه واحترامنا للأديان، ليس بوصفها أدياناً بل بوصفها منصة حضارات كُبرى، الإسلام حضارة والمسيحية حضارة والأديان الأُخرى منصّات لحضارات وليست أدياناً، وهذه الأديان لا تدعو إلى التقاتُل وإلى التنابُذ على الإطلاق

زاهي وهبي: كم بلادنا، عاصمتنا وبلدنا وبلادنا العربيّة كلّها المنكوبة، كم نحن في حاجة إلى حبّ، بمعنى أن نحبّ حتى المُختلِف ولا نُحب حتى صورتنا في المرآة، نُحب الآخر، نتعلّم أنّ الاختلاف حلو في الحياة، التنوّع حلو وليس بالضرورة أن نكون كلّنا نسخة طبق الأصل. كم في هذا المعنى نحن في حاجة إلى بثّ قِيَم حبّ وخير وجمال وأمل وإلى آخره 

تانيا صالِح: كثيراً أُستاذ "زاهي". أحياناً أعتقد أنّ هناك مسألة في (لبنان) من اللازم أن تُدرَس وهي أنّه عندما تحدُث مصيبة تجد هذه العواطف كلها خرجت، تجد هذه المحبّة بين الناس، "حبيبي أنت وأنا أُحبك"، فيصيرون واحداً. بعد ربع ساعة أو يومين ينسون، وكأنّه لم تكن هذه المحبة. ليتنا نعرِف كيف نُحافظ على تلك الروح التي تحصل عند وجود مُصيبة ونجعلها معنا طوال الوقت، كيف يُمكننا أن نقوم بهذه؟ 

زاهي وهبي: عفواً، الوقت بدأ يُداهمنا لكن أنا أعتقد أنّ الخطاب السياسي والإعلامي يلعب كثيراً دوراً تخريبياً. أنا أحسّ أنّ الشعب اللبناني أحياناً مثل وعاء الزجاج الفاضي، شفّاف، تضعين فيه عصيراً لونه أصفر يُصبح لونه أصفر، تضعين فيه عصيراً لونه أحمر يُصبح أحمر

تانيا صالح: والشعب طيِّب أيضاً 

زاهي وهبي: لكن يُضخ، كم تجد من ماكينات إعلامية تبث السموم أُستاذ "عبيدو"؟ 

عبيدو باشا: السُلطة انكشفت، القوى السياسية كلّها انكشفت، ليس فقط انكشفت بل تعرّت. لم يعُد هناك ثمة نخبة سياسية مُنزّهة عند الناس، والناس

زاهي وهبي: لكن ألا تجد تزييفاً للوعي ومُحاولة 

عبيدو باشا: على الإطلاق. سأقول لك شيئاً أُستاذ "زاهي". الناس امتلكوا حسّاً نقدياً، نحن لغاية الآن غير قادرين على التقاطه، يحتاج إلى وقت كي نلتقطه. الناس من خلال تجاربهم وخبراتهم امتلكوا حسّاً نقدياً عالياً، هذا سوف يُعبَّر عنه في الأيام والأشهر والسنوات المُقبلة 

زاهي وهبي: ولكن عفواً، ألا يتعرّضون إلى عملية غسل دماغ، مُحاولات من ماكينة إعلامية هائلة؟ 

عبيدو باشا: في رأيي هذا الموضوع انتهى، عملية غسل الدماغ انتهت مع الوعي الكبير للناس لأنهم مضطرون للذهاب إلى الأمام في الحياة، إذا وقفت مكانك تموت. الحياة تحمل الناس من مكان إلى مكان والناس يتقدّمون فيها باستمرار فامتلكوا حساً نقدياً سوف يُعبَّر عنه في الأشهر المقبلة، وغداً سنرى 

زاهي وهبي: لا يزال لدينا ثوان فقط من الوقت. كلمة أخيرة لـ (بيروت) بما تعنيه من عاصمة (لبنان) وعاصمة العرب وعاصمة الإنسانية في المعنى الثقافي والفِكري والحضاري 

تانيا صالح: الله يُصبِّر أهل الذين قضوا في الانفجار ويبقي عندنا روح الحب والتضامن الموجودة الآن. هذا بالنسبة لي أهم شيء 

زاهي وهبي: "عبيدو"، كلمتين 

عبيدو باشا: أن تبقى هذه المدينة خرزة زرقاء على كتِف هذا العالم المُحيط بها

زاهي وهبي: نعم، شكراً لحضوركما الجميل، شكراً لكل الفنانين الذين ساهموا اليوم في هذه التحيّة إلى (بيروت)، (بيروت) الجريحة التي ستعرِف طريق النهوض جيداً. أُكرّر باسم "بيت القصيد" و"الميادين" وكل العاملين أحرّ التعازي لذوي الشهداء وأصدق الدعاء للجرحى والمُصابين، واسمحا لي بعد إذنِكما أن نختُم بهذه الكلمات: 

(بيروت) زهرة الصوان، أُقحوانة التعب 

شهوةُ الغيبِ ونشوة العناقيد في ثمالة العِنب 

(بيروت) أُهزوجة العيد ونشيدُ الأناشيد وكلِمة الله في كتاب العجب 

(بيروت) رُمّانة القلب 

كمّ في غواياتها جُنّت شعوبٌ وتاه عشّاق

سليلة الملح والجرح والوردة الدهريّة في حديقة الأبد

عبيدو باشا: "زاهي وهبي" 

تانيا صالح: شو حلو   

 

 

                   

                 

  

  

 

 

  

 

           

   

         

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل