المشرق في القرون الوسطى

المشرق في القرون الوسطى: تسعة قرون ونيّف، دول وحضارات. السياسة والعمران والاجتماع والاقتصاد والعسكر والاحتلالات... السكان والديانات والعلاقات خلال حقبة ماتزال تترك بصماتها.

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، من الصعوبة بمكانٍ تأريخ الحقبة التي تمتدّ من الثلث الأول من القرن السابع وحتى مطلع القرن السادس عشر في المشرق أو ما يُعرف في عِلم التاريخ بالعصور الوسطى، ففي هذه الأعوام الطويلة التي أرخت بثقلها على الجغرافيا والسكان جاءت إمبراطوريات ودول ثم دالت، وتشظّى المشرق جغرافياً وبشرياً وحلّ الغرباء من فرنجة ومماليك حكاماً، وفي خواتيمه انهار العمران بالتعبير الإبن خلدوني، وسبّب الطامة الكبرى في ما بعد بحلول عصر الظلام العثماني. الدكتور الياس القطّار تنطّح لهذا العمل المرجعي بتكليفٍ من مركز المشرق للأبحاث والدراسات وأنجزه خلال عامٍ، وهو ضليعٌ في هذه الحقبة لكنّها المرة الأولى التي ترتسم فيها ملامح المشرق برمّته خلال العصور الوسطى سياسياً وعسكرياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً وعمرانياً واقتصادياً، قبل الحوار معه تقريرٌ عن محتويات الكتاب.

تقرير:

"المشرق في القرون الوسطى"، لا يوجد كتابٌ قارب القرون الوسطى في المشرق من نواحيها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بنحوٍ أكاديمي، لكنّ كتاب الدكتور الياس القطّار الصادر عن مركز المشرق للأبحاث والدراسات جاء ليسدّ فراغاً كبيراً لأنه يتناول هذه المنطقة منذ مجيء العرب عام 633 للميلاد وحتى الاحتلال العثماني عام 1516.

يتناول الكتاب الدولة الأموية وخلفاءها والمجتمع وتقاليده وأهل الذمّة والشيعة والثقافة والفنون والعمران، والدولتين العباسية والفاطمية والثورات فيهما والإدارة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والعمران، والتحوّلات الكبرى والأرض والإقطاع وطرق التجارة وروافد النهضة من الهند وفارس واليونان، والعلوم والطب والأدب والشعر والفكر الديني ومذاهبه.

كما يبحث في الأوضاع السياسية والعسكرية والصراع مع الروم والإمارات المستقلة، وفي وضع المسيحيين والقدس وصولاً إلى عهد الفرنجة وأسباب حروبهم ومراحلها، ووضع المشرق من جميع نواحي الحياة في الإدارة والمجتمع والاقتصاد والعمران ووضع أهل المشرق من جميل المِلل، ودور صلاح الدين الأيوبي، والزراعة والأوبئة والعوامل الطبيعية والتمازج العرقي.

في الباب الرابع يبحث الكتاب في العهد المملوكي وسياساته ووضعه العسكري وحملاته على الموارنة وفي الصراع مع الفرنجة، ويتطرّق كذلك إلى الاقتصاد والعمران والمجتمع والوظائف الدينية والقلاع، وإلى جميع المذاهب وواقعها ودورها والمدارس في عهد الأيوبيين في بلدان المشرق، وإلى التجارة البحرية مع أوروبا والزراعة ووضعها والعمران والآثار المملوكية حيث تنتهي القرون بالاحتلال العثماني للمشرق.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أهلاً وسهلاً بك دكتور قطّار ضيفاً عزيزاً، سبق وكنتَ ضيفنا ولكن هذا كتابٌ لا يمكن إغفاله، سيّدي لنبدأ مباشرة، ما هي ملامح المشرق بعد مجيء العرب وقيام الدولة الأموية؟

الياس القطّار: المشرق هو في الأساس مركز حضاري قديم تعاقبت عليه حضارات وهذه الحضارات امتزجت ببعضها البعض، وكانت عبر الزمن تراكماً حضارياً من حضارة إلى أخرى، فكان مشبعاً عند وصول المسلمين إلى المشرق بالحضارة لأن المسلمين الفاتحين لم تكن لديهم هذه الحضارة الغنية فوصلوا إلى أرضٍ مشبعة بالحضارة على صعيد العمران، على صعيد الثقافة، على صعيد الاقتصاد، على صعيد المجتمع وكل الصعد، فدخلوا في هذا الجوّ الثقافي الحضاري واستفادوا منه، في المرحلة الأولى لم يقدّموا نتاجاً مهماً. 

غسان الشامي: يعني كان حضوراً عسكرياً.

الياس القطّار: نعم، الفتح العربي أو الإسلامي أو الفتح الإسلامي العربي.    

غسان الشامي: لكن هناك مشكلة حول كلمة الفتح. 

الياس القطّار: في المصادر الإسلامية تُستعمل كلمة "فتح" رغم أنني لا أحبّها ولكنني ألتزم بالمصادر الإسلامية سواء البلاذري والذين أتوا بعده استعملوا كلمة "فتوح الشام"، "فتوح دمشق" إلى آخره، نلتزم بالتسمية كما وردت في المصادر الإسلامية. فإذاً هذا الفتح كما ذكرت وتفضّلتَ هو فتح عسكري دخل إلى بؤرة حضارية مهمة، عادةً التمثّل الحضاري لا يمكن أن ينتج قبل ثلاثة أجيال، نتلّقن ثم نهضم الحضارة ثم نبدع، اقتضى الأمر هذا طيلة الفترة الأموية إلى أن جاءت الفترة العباسية فبدأت ترتسم ملامح حضارة إسلامية في هذه المنطقة.  

غسان الشامي: قبل أن ننتقل إلى الفترة العباسية أريد أن أسأل، سياسياً وعسكرياً هل تمّ تغيير الحال السكانية؟ هل تمّ نقل سكان هذه الديمغرافيا الموجودة في المشرق في تلك الفترة؟ مثلاً بُني قصر الخضراء لمعاوية بن أبي سفيان في دمشق، كيف قرأتها أنت؟

الياس القطّار: سأكون صريحاً في هذه المعلومات، عدد العسكر كان 24 ألفاً توفّى نصفهم على الأقل، المنطقة كانت مشبعة أيضاً بالسكان، يقال إن عدد سكان دمشق وجوارها كان قرابة مئتي ألف، ثم جاءت قبائل عربية وسياسة معاوية بإسكان قبائل عربية على السواحل لأن السواحل كانت مُشرّعة طيلة الفترة الأموية للغزوات البيزنطية، فأسكنوا قبائل عربية لحماية هذه السواحل ولكن أين ذهب السكان؟ بقوا في هذا المكان، لأكون واضحاً الذين هربوا في أثر البيزنطيين كما في كل الحروب هم الأغنياء والتجار ورجال الدين الأغنياء من رؤساء ومطارنة، ذهبوا في أثر البيزنطيين ولكن الناس بقوا في هذه المنطقة التي لم تعتنق الإسلام بسرعة، في المدن كان هناك تسارع أما الأرياف فقد استمرّت تقريباً حتى القرن الثامن أو التاسع حتى أصبحت الأكثرية السكانية فيها هي أكثرية مسلمة، فإذاً تغيير بالمعنى الديمغرافي لا أعتقد وأجزم أنه لم يكن من تغيير، هناك تطعيم بعناصر عربية للعناصر الموجودة هنا سواء أسميناهم سرياناً أو غيره، تسمية الشعوب ما قبل الفتح الإسلامي ولكن ليس بمعنى التغيير الديمغرافي كما يدّعي البعض.  

غسان الشامي: ما هو موقع ما سمّي بأهل الذمّة ونقصد المسيحيين والصابئة واليهود، ما كان موقعهم في الدولة الأموية؟

الياس القطّار: الدولة الأموية كما نعرف لم تكن متشدّدة في ممارسة الشرع الإسلامي، يُنسب إلى عُمر بن عبد العزيز أنه فرض شعائر أهل الذمّة ولكن هذه المقولة غير صحيحة، وأيضاً لم تكن على يد عُمر بن الخطاب، هذه الشعائر الذمّيّة ظهرت بشكل واضح وجلي مع كتاب أبو يوسف "الخراج" في عهد هارون الرشيد. هناك فترات كان فيها عمر بن عبد العزيز متشدّداً دينياً ولكن الخلفاء الأمويين بعد معاوية وبعد يزيد أيضاً وفي الفترة اللاحقة وهي فترة الدولة المروانية. الخلفاء كانوا تقريباً شبه متهتّكين، يشربون الخمر، لا يمارسون الواجبات الدينية كما يجب، ونعرف قصة ذلك الخليفة "إذا لاقاك ربّك يوم حشرٍ فقل له لقد مزّقني الوليد". فإذاً لم يكن هناك من تكبيل لأهل الذمّة أو تشدُّد معهم، ورواية أن الشاعر الأخطل كان يدخل إلى الخليفة وهو مسيحي من جهة ومن جهة ثانية كان يقال إن الخمر يترقرق من لحيته.

غسان الشامي: ويضع صليباً على صدره.        

الياس القطّار: نعم، هذا التشدّد لم يبدأ على ما أعتقد إلا بعد الدولة الأموية.

غسان الشامي: هل يمكننا الحديث عن تغيير في العادات والتقاليد خلال الفترة الأموية في المشرق؟ 

الياس القطّار: بالعكس العرب هم الذين أخذوا من عادات المشرقيين والمشرقيون لم يأخذوا منهم إلا بعض الأمور كالعصبية القبلية، ولا أعتقد أيضاً أنها لهذه الدرجة لأن هذه شعوب لها كيانها الاجتماعي، دخل عليها العرب ومعهم بعض العادات ولكن هل في الطعام كان العرب متفوّقين على أهل دمشق مثلاً؟ العرب كانوا يأتون من الجزيرة إلى دمشق للتبضّع والتموّن.  

غسان الشامي: هم يعرفونها جيّداً. 

الياس القطّار: عندما دخلوا إلى دمشق كانوا يعرفون البيوت والأسواق لأنهم كانوا يكرّرون المجيء إلى دمشق عبر بُصرى أيضاً للتبضّع، فإذاً لم يكن عندهم تلك العادات في المأكل والملبس والمشرب وكل العادات الاجتماعية التي توازي عادات أهل مدينة متمرّسة في الحياة الاجتماعية على مدى قرون وحضارات مرّت عليها. أعتقد أن العرب هم الذين أخذوا من عادات تلك البلاد المشرقية أكثر مما هم أخذوا من العادات العربية.

غسان الشامي: سنتكّلم عن الوضع الاقتصادي عندما نتكلّم عن الوضع في الدولة العباسية، ولكن هل يمكن أن نوجز وضع المشرق تحت سلطة العباسيين؟  

الياس القطّار: عندما وصل العباسيون إلى السلطة باشروا سلطتهم بمجزرة كما نعلم، جمعوا الأمويين للتصالح معهم بعد انكسارهم أمام القوات العباسية وأقاموا وليمة، وفي تلك الوليمة قضوا على الأمويين ووضعوا البُسط على جثثهم وأكملوا الوليمة. الغاية من هذا الحدث بحدّ ذاته هو إرعاب الناس كي لا يقوم لهم قائماً في ظل الدولة العباسية، واعتمد الخليفة المنصور سياسة قتل كل الذين شاركوا في إيصال العباسيين إلى السلطة من أبو مسلم الخراساني إلى غيره حتى قضى على أعمامه الذين ساهموا أيضاً في انتصاره وانتصار أخيه ووصولهم إلى السلطة. الرعب العباسي الذي اعتُمد حتى قيل يوماً من الأيام إن أحد الأعرابيين سُئل لماذا في ظل الدولة الأموية وفي ظل الخلفاء الراشدين لم يدخل طاعون عمواس الشهير إلى بلاد المشرق، فأجاب العربي أنه لا يلتقي طاعونان العباسيون والطاعون فاستدعاه الخليفة المنصور وقضى عليه، فإذاً هذا الرعب الذي مورس مع الشيعة مورس مع الكل وفرضت الدولة العباسية سلطتها بطريقة القوّة، الرومان أيضاً اعتمدوا نفس الطريقة وكل الدول الكبرى التي هيمنت اعتمدت هذه الطريقة، ولكن ما اعتمده العباسيون أيضاً أنه في ظل الدولة الأموية حصل ترهُّل في جمع الضرائب، فطلبوا إعادة إحصاء الأراضي لأنه عند إحصاء الأراضي لفرض الضرائب ترتفع الضريبة بمجرّد الإحصاء لأن الترهّل يحصل بسبب التلاعب في السجلات، فإذاً تصبح السجلات نظيفة ودقيقة، وزادوا أيضاً في الضرائب، هذه الحال الاقتصادية بفرض الضرائب وإعادة إحصاء الأراضي خلقت أزمة عند الفلاحين ودفع ثمنها كما نعلم في مطلع الدولة العباسية المسيحيون في جبل لبنان عندما خرجوا على الدولة بسبب الضرائب وليس بسبب قضايا دينية كما يظنّ البعض.  

غسان الشامي: قال الخليفة العباسي للغيمة "أنّى ذهبتِ فخراجكِ يعود لي"، ولكن كيف تصف الوضع الاجتماعي سيّدنا؟

الياس القطّار: الوصف الذي يُعطى للحياة الاجتماعية في الدولة العباسية أن الحياة كانت حياة بذخٍ ورفاهية، حياة مجون أيضاً، بلاط الخلافة كان يعجّ بالمُغنّين وغير ذلك، هي حياة كما يصفها كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي لم يُؤلَّف في عهد الدولة العباسية بل تأخّر ولكنّه يصف حال الرفاهية التي كانت تعمّ الدولة العباسية، ولكن هذه الحال لأن الدولة العباسية انفتحت على تجارة الشرق حتى من الصين والهند وغير ذلك. الدولة الأموية كانت متوسطية، كانت تجارتها مع المتوسّط ولكن هذه التجارة المتوسطية بسبب الغزوات البيزنطية الدائمة والمستمرة كانت متقطّعة ولم تُثمر اقتصادياً واجتماعياً في المشرق، أما مع الدولة العباسية فبدأت تتوافد إليها كل بضائع الصين والهند في تلك المنطقة، وبات هناك غنى واضح جداً ولكن السؤال هل كان الغنى على كل الطبقات الاجتماعية؟ لا أظن، الطبقات الفلاحية تبقى فلاحية رازحة تحت الضرائب مثل ضريبة الخراج ولا يصلها من هذا اليُسر إلا القليل، تنعّم به الخليفة وأولاده وحاشيته والقوّاد والمسؤولون الإداريون والأدباء أيضاً والفنانون والموسيقيون جميعهم تنعّموا بهذا الثراء الذي كان موجوداً في البلاط.

غسان الشامي: والشعراء.  

الياس القطّار: نعم، كانوا مُقرّبين جداً، أبو نواس والبحتري وغيرهما لم يكونوا شعراء عاديين، ومن الطبيعي أن الخليفة كان مسروراً بوجود هذا الكمّ من الأدباء والشعراء الذين يحيطون به ويعطون قيمة للبلاط. عادةً في الدولة المهمّة حتى في فرنسا صحيح أن لويس الرابع عشر أنشأ قصر فرساي ولكنّه أحاط نفسه براسين وكورني وموليير. دائماً العظماء من السلاطين أو الخلفاء أو الملوك يحيطون أنفسهم بهذه المجموعات من الأدباء والفنانين.   

غسان الشامي: ووضع أهل الذمّة وبقيّة الطوائف؟ 

الياس القطّار: منذ ما قبل هارون الرشيد ومنذ صدور كتاب "الخراج" الذي يحدّد طريقة عيش أهل الذمّة ويفرض قيوداً عليهم في اللباس، بالسير في الشوارع، في ركوب الأحصنة وغير ذلك، هذه القيود بدأت حتّى قبل هارون الرشيد ولكن تشرعنت في ظلّه، كانت قيوداً قاسية بحقّ أهل الذمّة مع أن أطباء الخلفاء كانوا من أهل الذمّة، عائلة بختيشوع كانت تطبّب الخلفاء باستمرار وأكثر العلماء كانوا مسيحيين، والذين ساهموا في النهضة الفكرية الأدبية في زمن المأمون كانوا من السريان لأنهم كانوا يترجمون من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية، وحتّى أنهم ترجموا كتباً مثل إلياذة هوميروس إلى العربية بشكل جميل يوازي الشكل الذي كانت عليه بالأساس. أهل الذمّة وخاصة المسيحيين كانوا الرافد الأهم في النهضة الفكرية والأدبية العباسية، ولكن هذا لم يمنع الخلفاء من التشدد مع هؤلاء، حتّى المتوكل اتّخذ إجراءات قاسية بحقّهم، وحتى المأمون لم يكن متسامحاً جداً مع المسيحيين وكان يفضّل عدم دخولهم إلى الإدارة وبقائها في يد المسلمين. عادةً الإدارات الإسلامية لم تكن ناجحة، كانوا يستعينون بالمسيحيين وباليهود خاصة في الحسابات، هذا هو وضع العلاقة مع المسيحيين. منذ المتوكّل أخذت الإجراءات طابعاً قاسياَ بحقّ المسيحيين ولكن هل هذه الإجراءات كانت موجودة بشكل مستمر؟ بحسب الظروف، كانت هناك هبّات تشدُّد وتراخٍ وأعتقد أن كل التاريخ الإسلامي شهد هذه الهبّات.  

غسان الشامي: هناك ثورات كثيرة حصلت خلال الفترة العباسية، لماذا؟ ما هي صفاتها؟  

الياس القطّار: لدينا ثورة المنيطرة وهي ثورة مسيحية، والشيعة كانوا ثائرين بشكل دائم، الشيعة قبل الحكم الفاطمي لم يكن لديهم ثورات إلا خلال فترة البويهيين حيث هيمنوا على الخلافة. الحمدانيون أنشأوا إمارة شيعية ولكن بزاوية من الخلافة الإسلامية في حلب وجوارها. بشكل عام المسيحيون والشيعة كانوا عرضة دائماً للضغط والقهر إذا جاز التعبير.  

غسان الشامي: بقليل من الوقت، هل من سمات للواقع الاقتصادي خلال هذه الفترة؟  

الياس القطّار: في الفترة الأولى من الدولة العباسية كان الإنتاج الزراعي جيداً وساهمت الدولة أيضاً في رعاية هذا الإنتاج، كان الإنتاج وفيراً بشكل يؤمّن حاجة الاستهلاك، وكانت هناك صناعات تحمل أسماء المدن التي قامت فيها، مثلاً موسلين من الموصل، داماسكينادو في إسبانيا جاء من دمشق حيث تجد في المدن الإسبانية هذه الحلي الشامية وبتطعيم شامي إلى غير ذلك. على صعيد الصناعات الحرفية وصناعة الورق جاؤوا بها من الصين بسبب وجود الورّاقين ونشأت الكتاتيب لتعليم صناعة الورق، فإذاً الوضع الاقتصادي كان جيدّاً وبقي كذلك طالما كانت الدولة مركزية، عندما فقدت الدولة مركزيّتها لم يعد الخراج والضرائب يصلان إلى الدولة فاضطرت الدولة إلى تلزيم الضرائب والأراضي كي تدفع للجنود بدلاً من النقود كما يسمّى اليوم بال Fresh money، الأرض مقابل تأدية الخدمة العسكرية، هذا منذ العهد البويهي أما قبل ذلك فكانت الدولة قوية.

غسان الشامي: إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود لمتابعة الحوار مع الدكتور الياس القطّار في كتابه المرجعي هذا "المشرق في القرون الوسطى"، انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدّداً، دكتور الياس القطّار كيف قرأت الوضع السياسي والعسكري خلال الفترة الفاطمية؟    

الياس القطّار: عندما سيطر الفاطميون على مصر، انتقلوا من شمال أفريقيا إلى مصر وسيطروا كان طموحهم هو إلغاء أو القضاء على الخلافة العباسية، وكما نعرف لماذا سمّيت عاصمتهم بالقاهرة، القاهرة يعني قاهرة بغداد، ستقهر بغداد.

غسان الشامي: قاهرة المعزّ. 

الياس القطّار: نعم ولكن لماذا أسموها قاهرة، لماذا لم يسمّونها تسميات أخرى مثل "بستان المعزّ"، "روضة المعزّ"، والمقصود بها مجيء الخلافة الشيعية، صحيح أنها إسماعيلية وليست شيعة إمامية، وجرّبوا احتلال المشرق الذي لم يكن سهلاً عليهم، المدن الساحلية اللبنانية، السورية، والفلسطينية خضعت لهم بسهولة أما دمشق فلا، كان هناك مدّ وجزر بينهم وبين العباسيين والسلاجقة، أحياناً تكون دمشق معهم وأحياناً ضدهم في ظلّ الخلافة العباسية. في قلب القاهرة أنشأوا حضارة مترفة على ما يبدو من أوصاف الكتب، في الشرق لم ينشئوا شيئاً مهماً على السواحل، أنشأوا إمارات أصبحت في ما بعد وراثية مثل إمارة بني عقيل وإمارة طرابلس. نحن لم نستفد من الفاطميين كثيراً في المشرق، استفادت منهم الحضارة الإسلامية في القاهرة ومصر بشكل عام. صحيح أنهم أنشأوا بيت الحكمة في القاهرة، بنو عمار بنوا أيضاً بيت حكمة في طرابلس، بنو عمار لم يتركوا آثاراً عمرانية وأبنية في طرابلس وهذه المكتبة زالت، قيل إن الصليبيين أحرقوها ولكنني لا أعتقد ذلك لأن المخطوطات الموجودة في الغرب بالتأكيد سرقها الصليبيون ووضعوها هناك لأن الغرب في العهد الصليبي كان بحاجة إلى كل مصادر المعرفة، وهناك مَن تعلّم العربية منهم في الأندلس وكانوا ينقلون من الأندلسية إلى اللاتينية، فلا أعتقد أن المكتبة ضاعت كما يتمّ تصويرها على أنها كارثة، أعتقد أنهم وضعوها في مكتباتهم، هذا الأمر الوحيد الثقافي الذي حصل عندنا في المشرق.  

غسان الشامي: ماذا حلّ بالمجتمع، علاقات الناس ببعضها البعض خلال الفترة الفاطمية؟  

الياس القطّار: الفاطميون استعملوا الأسلوب التشدّدي بحقّ كل الناس، أحد الخلفاء وهو الحاكم بأمر الله كان الناس يفضلّون أن لا يأتي بهم كوزراء لأنه كان يقتلهم، كل الذين مرّوا بالسلطة في عهده قُتلوا، وهنا نشأت بداية صراعات وكانت الطريقة التي اعتمدها الحاكم مع المسيحيين ومع اليهود وقد تحدّثنا عن إجراءات أهل الذمّة لأنه كان مُتقلّب المزاج، هدم كنيسة القيامة ثم عمّرها ولكن ليس الكنيسة الحالية التي هي من بقايا الصليبيين ولا أعرف كيف كان شكلها. طلب من المسيحيين أن يعلّقوا في رقابهم صليباً يصل إلى الركبة، واليهود... هذا الخليفة كان يتذمّر من كل شيء، كان إذا مرّ في أحد شوارع القاهرة ونبحت الكلاب يبيدها. في مصر هناك ميلٌ جندري إلى الطرب والغناء والرقص لأن عمر ابن العاص حينما دخل إلى الإسكندرية وجد فيها أربعة آلاف مرقصٍ، تخيّل أربعة آلاف مرقصٍ في مدينة وأظنّ أن المؤرّخين العرب بالغوا في هذا الأمر، هم يحبّون الرقص والغناء.  

غسان الشامي: حتّى لو كان فيها ألفاً فهو رقم كبير في ذلك الوقت. 

الياس القطّار: انزعج من غناء النساء وخاصة عندما يبدأ "شمّ النسيم" في فصل الربيع، منع النساء من الغناء وأجبرهن على البقاء في بيوتهنّ وكان يتمّ إدخال الطعام إليهنّ عبر النافذة، هذا نموذج من النماذج ولكنه لم يُطبّق من قِبَل كل الخلفاء الفاطميين ولكن التشدّد الفاطمي كان على سبيل المثال لدرجة أن علّاقة قام بثورة بسبب الأوضاع الاقتصادية، صيّادو السمك في صور قاموا بثورة وكان دارجاً في المدن الفاطمية وخاصة المدن المشرقية أن يقوم الأحداث أي الشباب الصغار بتشكيل ميليشيات في الشوارع بسبب الوضع الاقتصادي المُتردّي، إذاً علّاقة قام بثورة واستعان بالبيزنطيين الذين عرضوا خدماتهم عبر الأسطول، الحاكم بأمر الله انتصر عليه وأخذوا علّاقة إلى القاهرة وركّبوه على الحمار وسلخوا جلده وحشوْه بالتبن وعلّقوه على الباب، هذه الطريقة استعملها الخلفاء الفاطميون مع كل المعادين لهم سياسياً، كانوا يسلخون جلد الشخص وهو حيّ ويحشونه بالتبن، هذا نموذج من القهر الاجتماعي ولكن هذا لا يمنع أن مصر عاشت والمدن اللبنانية مثل صور وصيدا نوعاً من اليُسر في ظل الخلافة الفاطمية. 

غسان الشامي: ألم يكن هناك عمران في الفترة الفاطمية؟

الياس القطّار: في لبنان لا يوجد عمران، لم يتركوا أبنية، حينما زرت القاهرة رأيت جامع الخليفة الحاكم بأمر الله عند إحدى البوابات، لا توجد أبينة مهمة من أيام الفاطميين غير جامع الأزهر.   

غسان الشامي: لم يصلوا إلى بغداد؟  

الياس القطّار: كلا، جامع الأزهر وميدان الحسين هما من بقايا الفاطميين، هذا الميدان المحيط بالأزهر هو لإعطاء الثقل لدولتهم عبر بناء هذا الجامع الذي لا يزال مَعلَماً تاريخياً مهماً، أما باقي الجوامع المهمة فهي من الفترة المملوكية وليست من الفترة الفاطمية.  

غسان الشامي: خلال الدولة الفاطمية جاء الفرنجة إلى المشرق، كيف كان الوضع وما هي ملامح حضورهم في هذه المنطقة؟    

الياس القطّار: الفرنجة جاؤوا إلى المشرق واحتلّوا ما نسميّه اليوم سوريا ولبنان وفلسطين وصولاً إلى العريش، هناك سبب داخلي وأسباب خارجية، السبب الداخلي هو الصراع بين الجماعات الدينية في المشرق، هذه الانقسامات والصراع الحامي والدامي بين السنّة والشيعة على أنواعهم وصراعات عرقية أيضاً، المشرق كان مُتفسّخاً لدرجة أن الجميع كان بإمكانه أن يحتلّه. في هذا الوقت كانت أوروبا تريد مدىً حيوياً جديداً لأن أوروبا لم تعد تكفيهم، انتصروا للمرة الأولى على المسلمين في الأندلس وهذا أعطاهم دافعاً للحرب، الدويلات الإيطالية كانت تبحث عن مدىً حيوي على حساب بيزنطية، فوجدوا أن الشرق ضعيف ومُفكّك وسهل الاحتلال ففكّروا بالقيام بمشروع اقتصادي، صحيح أن السيطرة كانت بذريعة استعادة كنيسة القيامة، بذريعة الحجّ إلى كنيسة القيامة ولكن حتّى هذه الشعارات ليست شعارات مسيحية، نحن المسيحيون لا يهمّنا أن نأتي إلى كنيسة القيامة أو لا، نصعد إلى السماء من دون أن نرى كنيسة القيامة، ليس لدينا ارتباط، وكما قال المسيح "مملكتي ليست من هذا العالم"، هو لم يسأل عن القدس أو عن أماكن الأشفية. 

غسان الشامي: بالعكس قال "يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء ومبيدة الرسل".   

الياس القطّار: الكنيسة اللاتينية مركزها أصبح في روما، الكنيسة الشرقية أصبحت في القسطنطينية، القدس كانت تابعة للقسطنطينية وقبل ذلك كانت تتبع روما، لماذا لم يقيموا مركز البابا أو البطريرك المسكوني هنا؟ هذا الأمر لم يكن يهمّهم، نحن لا نرتبط بالحجر وفق الدين المسيحي، الحجر لا قيمة له عندنا، هذا الحجّ هو منطق إسلامي تأثّروا به لأنه في القرون الوسطى لم يكن لديهم هذه الثقافة المهمة في أوروبا، كانت ثقافتهم ضحلة وتأثّروا بالدين الإسلامي. الجهاد في سبيل الدين غير موجود في الدين المسيحي، أنا لست الله لأحاسب ولكن المسيحيين الذين يجاهدون في سبيل الدين مصيرهم إلى جهنّم، المسيحية لم تنتشر بحدّ السيف بل بالتبشير وبالشهداء. 

غسان الشامي: من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ. 

الياس القطّار: حتّى مار بطرس حينما ضربه بالسيف أعاد له أذنه وقال له هذا الكلام. إذاً هذه الثقافة دفعتهم والمدى الحيوي الاقتصادي، كانت هناك أحلام، اليوم نحن نحلم مثلاً بالذهاب إلى باريس أو إلى لندن حيث الحياة جميلة، وكان نساء الشرق يلبسن الحرير وهم كانوا يلبسون القماش الخشن، هناك المجوهرات والذهب والغنى، وهناك أساطير أننا في الشرق نضع السلّة ليلاً ونجدها صباحاً مملوءة باللؤلؤ والجواهر، كل هذا دفعهم إلى هذه المغامرة التي لها وجه ديني وآخر اقتصادي.  

غسان الشامي: ماذا حلّ بالمجتمع خلال حروب الفرنجة؟ ما هي حاله؟ ماذا حلّ بالسكان الأصليين وبالمسيحيين أيضاً؟  

الياس القطّار: حينما احتلّ الفرنجة هذه المدن، في طرابلس هناك مَن هرب وهناك مَن قُتل وفي بيروت كذلك الأمر، أما في صور فقد بقي الناس في أراضيهم، وإذا سألتني لماذا أقول لك لأنهم ليسوا سنّةً وسيزعل البعض الآن، الفلاح المسيحي بقي وكل فلاح من أية طائفة كان لن يحمل ماشيته معه ويرحل بل سيبقى في أرضه حتى لو تغيّرت السلطة. إذاً هناك مَن بقوا في أراضيهم ورضوا بهيمنة سلطة غريبة عليهم وغير إسلامية. الفرنجة في علاقتهم مع البيزنطيين والروم لم تكن حال عدائية ولا حال محبّة، الموارنة في مراحل معينّة كانت علاقتهم عدائية جداً مع الفرنجة وفي مرحلة أولى كان هناك قبول وشعروا بإمكانية الحركة في ظل الفرنجة.  

غسان الشامي: مشوا معهم حتى القدس. 

الياس القطّار: كلا، هذه أسطورة أيضاً يجب أن أوضحها، رواية غليوم الصوري تقول إنه حينما عسكر الفرنجة قرب طرابلس نزل جماعة من السريان يُنسبون إلى الموارنة.  

غسان الشامي: غليوم الصوري يقول أيضاً إن البطريرك الجرجسي أرسل مطارنة إليهم حينما نزلوا في عرقا. 

الياس القطّار: استقبلوهم ولكن ماذا يمتلك الموارنة في هذه الجبال؟ قدّموا لهم الجوز والزبيب، هل بإمكان الموارنة تموين جيش صليبي من 30 أو 40 ألفاً مع نسائهم ومواشيهم؟ وأرسلوا معهم أحد الأدلّة ولكن الذين موّنوا الجيش الفرنجي هم بيت عمّار حكّام طرابلس الذين أمدّوهم بالمؤونة وأعطوهم دليلاً وهو رجل كبير في السن، ذهب معهم حتى القدس، كان معهم دليلاً من السريان الموارنة وأيضاً دليل من بني عمّار الشيعة، وهم قاموا بتموين هذا الجيش حتى وصل إلى القدس، هل موّنوهم للتخلّص من شرّهم أم لأمور أخرى فهذا الأمر غير واضح ولكن لا يجب أن نتّهم المسيحيين بأنهم ساعدوهم، هل ساعدوهم بالزبيب والجوز؟  

غسان الشامي: كيف يمكن أن نصف الحال في عهد السلاطين المماليك؟ أين وصلت الحال في بلاد المشرق من العراق إلى شرق المتوسّط؟ 

الياس القطّار: المماليك جاؤوا لمحاربة الصليبيين أو استجلبوهم كمرتزقة وقاموا بتربيتهم على الحرب في القاهرة ومن ثم استلموا السلطة، في هذه الحرب ضد الفرنجة ارتفع منسوب الحال العدائية تجاه الفرنجة وحتى تجاه المسيحيين الشرقيين. تمكّن المماليك من طرد الصليبيين من هنا والقضاء عليهم كلياً في الشرق، ولكن حين استلم المماليك السلطة خوّنوا المسيحيين وكل مَن ليس على المذهب السنّي، وفي بداية حكمهم أطلقوا حملات تأديب كما تسمّى بالفرنسية وبالعربية تسمّى حملات انتقامية، واعتبروا أن هناك جماعتين وهما الأرمن وأن بإمكان الفرنجة أن يمدّوا أيديهم إليهم في آسيا الصغرى، وهناك سكان كسروان الذين كانوا بأكثريّتهم من الشيعة المختلطة، الإسماعيلية والعلوية والنصيرية والإثني عشرية.

غسان الشامي: ولكن مَن بقي هم الإثني عشرية.

الياس القطّار: ربّما لأن الإسماعيلية كانوا أكثر تطرّفاً، كانوا على علاقة مع الفرنجة، فقاموا بهذه الحملات التأديبية وأجلوا سكان هذه المنطقة من نهر إبراهيم إلى نهر بيروت ولم يتركوا فيها ساكناً واحداً، وقضوا على المسيحيين الموجودين هناك أيضاً وأعتقد أنهم كانوا يعاقبة وليسوا موارنة لأن الذين هربوا من جونية إلى قبرص كانوا من اليعاقبة.

غسان الشامي: بقايا القرى في البترون تشي بذلك.

الياس القطّار: هذه الحملات التأديبية وحال التخوين هذه استمرّت طيلة العهد المملوكي بخاّصة تجاه الشيعة أو تجاه المسيحيين، يعني إذا تحرّك الشيعة في بيروت كانوا يقتلوهم، لأن إبن مكي الجزيني أنشأ مدرسة فقهية في جزين واشتهرت جداً قاموا بتأديبه وقتله وقضوا على الشيعة لأن الوجود الشيعي في منطقة جزين تراجع جداً وفق الإحصاء الأول الذي أجراه العثمانيون لمنطقة جزين التي كان سكانها من الشيعة، في قريتنا مثلاً على سبيل المثال هناك ثلاث عائلات وفي قرية أخرى عشر عائلات وأخرى خمس، أعتقد أن هذا حصل بعد الحملة التأديبية على هذا المركز الفقهي. أيضاً انتفض العلويون وتحرّكوا أكثر من مرة لسببٍ ما فهاجموا الجبال العلوية وضربوهم بقساوة إلى آخره، وحتّى عندما جاء القبارصة واحتلّوا الإسكندرية وبقوا فيها بضعة أيام قاموا بعمليات انتقامية من كل المسيحيين في الشام ولبنان وفلسطين وكل مسيحيي المشرق.  

غسان الشامي: مررتَ على العلاقة بين المماليك والمسيحيين ولكن مثلاً في الداخل المشرقي، في دمشق، في الجزيرة السورية باتجاه العراق كيف كانت الحال خلال تلك الفترة؟

الياس القطّار: العراق كان تحت حكم المغول، في دمشق كان الوضع مستّتباً إلى حدّ ما للسلطة المملوكية، كانت تحصل ثورات، والي حلب ووالي دمشق لأنه لم يكن هناك توارث للسلطة على عكس المرحلة المملوكية الأولى التي شهدت توارثاً للسلطة، بعدها أصبح الأقوى من حكّام الولايات يصل إلى السلطة، أكثر من مرة حاكم دمشق أو والي دمشق أو نائب دمشق، ومرة نائب طرابلس الذي أصبح نائب دمشق واستلم السلطة، ولكن بشكل عام كانت هناك هيمنة مملوكية على دمشق وعلى المدن السورية بشكل عام.     

غسان الشامي: الملفت للنظر كثرة المدارس في العهدين الأيوبي والمملوكي، هل يمكن أن نتحدّث عن المدارس والعمران في هذين العهدين؟

الياس القطّار: أولاً المدارس بدأت في العهد العباسي عبر المدرسة النظامية ومدارس على مستوى عالٍ وبدأت بالانتشار، حين بدأ الوجود الفرنجي في الشرق أصبح هناك تحدٍّ كما أتصوّر، كثرت المدارس لأن هناك تحدٍّ لاستحداث فكر ديني وثقافة دينية محترمة في مواجهة هذا العدو الذي هو من دينٍ آخر. الزنكيّون شجّعوا المدارس كثيراً، صلاح الدين شجّع المدارس كثيراً في كل المدن حيث يوجد صلاح الدين وقبله الزنكيّون، المماليك كذلك الأمر شجّعوا المدارس الدينية، ولكن زيادةً على هذا الأمر أن المدارس في عهد المماليك أصبحت مبانٍ ضخمة ومهمّة وأنشأوا المكتبات المهمة، مثلاً في دمشق لدينا المكتبة الظاهرية نسبةً إلى الظاهر بيبرس والتي كانت مركزاً ثقافياً قبل أن تصبح المخطوطات في مكتبة الأسد حالياً، وهناك مخطوطات لا تزال موجودة هناك في المكتبة الملاصقة للجامع الأموي. لنأخذ مثالاً عن طرابلس التي هي مدينة مملوكية، المدينة القديمة هي مدينة مملوكية، القلعة وبعض الأبراج هي من بقايا الصليبيين ولكن المدينة العمرانية المهمّة في طرابلس هي مدينة مملوكية، وهناك أكثر من مدرسة في طرابلس وأبنية جميلة ومزخرفة، حتى الجوامع جميلة جداً. هنا في المشرق طرابلس كان لها ثقلها وأيضاً دمشق لها ثقلها في العمران ولكن هذا لا يوازي ما نشهده من عمران في قلب القاهرة، حين نزور القاهرة وحيّ جامع الأزهر ذو الأبنية الضخمة لقانصوه الغوري وكل حكّام المماليك نرى أبنية جميلة ومهمّة جداً.   

غسان الشامي: أريد أن أشكرك، دائماً أريد أن أشكرك.

الياس القطّار: وأنا أيضاً. 

غسان الشامي: لا يمكن للعاقل قراءة التاريخ من زاويةٍ واحدة بل عليه الإلمام بكلّ الزوايا، وعلى القراءة أن تكون موضوعية وأكاديمية ورصينة وإلا فهي مغرضة. شكراً للأستاذ الدكتور الياس القطّار على كتابه المرجعي وعلى حضوره في أجراس المشرق، الشكر لزملائي على جهدهم، أيامكم معرفة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.