لبنان بين الكارثة والانقسام

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، لا يمكن لأيّ عاقلٍ أن يصمت أمام هذا الركام السياسي والأخلاقي، لا يمكن أبداً اتّخاذ الحياد موقفاً أمام المصير المجهول الذي يذهب إليه لبنان، أمام الانقسام في السياسة والدين والمذهب. الأمم الحيّة التي تختزن مقوّمات البهاء والحضارة والمستقبل تُراجع تاريخها وتنطلق من كوارثها لتغذّ وتُكمل السير، الأمم التي لا تستجيب للأزمات بالوحدة ومُجابهة الصعاب وابتداع الحلول أممٌ لا مكان لها تحت الشمس، لذلك وأمام الزلزال الذي ضرب بيروت ولبنان في ذكرى مئويّته الأولى لا بدّ من التوقّف أمام الانقسام الحاصل والتراشق والتشاتُم على هذه الأرض وأمام الكاميرات، ولأننا إعلامٌ رسالته الهدوء لا الصراخ والجمع لا التفرقة نجد لزاماً علينا مناقشة الشباب اللبناني في أزمات بلده وأسبابها والخروج منها وصولاً إلى مستقبلٍ يليق به إنسانياً وحضارياً. أجراس المشرق ترحّب من جونية يمكن أنكم ترون الصورة خارجاً، من دون ألقاب ترحّب بالشباب وتطرح أسئلتها عليهم وصولاً إلى محاولة قراءة أيام قادمة. أرحّب بطوني مهنّا، نينات كامل، أيمن عمر، ريان الشيخ، نتلمّس مئوية جديدة غير المُهترئة، قبل أن نناقشهم هذا تقريرٌ عمّا حدث.

تقرير: 

عصر يوم الثلاثاء في الرابع من آب أغسطس الجاري دوّى انفجارٌ هائل في مرفأ بيروت أطلق عليه البعض مُصطلح "بيروتشيما" ألحق أضراراً تشبه الإبادة بالمرفأ والمدينة وضواحيها، وأوقع أكثر من 170 ضحية وأكثر من ستّة آلاف جريح ونحو ثلاثين مفقوداً، وتضرّر 50 ألف منزلٍ وبقي 300 ألف شخصٍ بلا مأوى، وقُدّرت الخسائر بخمسة عشر مليار دولار.

للوهلة الأولى نزل أهل المدينة لمُساعدة بعضهم البعض وإسعاف الجرحى وبان التكافُل الاجتماعي الذي سرعان ما تسيّس وتطيّف في الأيام التالية، حيث دخلت أحزابٌ وجمعيات وقوى دينية وجهات إعلامية استطاعت إخراج المختلف عند اللبنانيين وتجيير الكارثة إلى اتهامات في السياسة قبل استبيان التحقيق، وقبل رفع الركام وانتشال المفقودين في البحر وتحت الأنقاض.

صحيحٌ أن الانقسام في لبنان مُزمِن ويعود إلى اليوم الأول لتأسيس لبنان الكبير قبل مئة عام حيث اختلف اللبنانيون على الانتداب وسوريا والعروبة، واستمرّ حتى بروز الميثاق والاستقلال عام 1943 ثم في احتراب عام 1958 وتكرّس في الحرب الأهلية عام 1975، ولم يستطع اتفاق الطائف وقفه حيث عاد وبقوّةٍ بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري ولا يزال.

عند الشعوب الحيّة تكون الأزمات الكبرى والكوارث عاملاً للوحدة والتكافل ودافعاً للتقدّم لكن هذا لم يحصل في لبنان حتى الساعة.

غسان الشامي: تحيّةُ لكم، أحيّيكم جميعاً، أهلاً بكم في بيتكم في الميادين وأجراس المشرق، سأنطلق معك أستاذ طوني مهنّا وبكامل الهدوء الذي تكلّمنا عنه، أنت أحد الشهود مثلك مثل جميع الذين في بيروت على ما حصل، في اللحظة الأولى الناس تساعد بعضها، بعد ذلك شهدنا هذا الانقسام السياسي وغير السياسي العنيف وأحياناً البشع على الأرض، لماذا هذا الانقسام السياسي؟ 

طوني مهنّا: في البداية شكراً على المقدّمة، كما ذكرتَ حضرتك عادةً خلال الأزمات مثل البراكين والزلازل والانفجارات والحرائق يتماسك المجتمع بشكلٍ عام وهو أمرٌ طبيعي، في البنية الاجتماعية للأمم والبلدان وكما يُقال بالعامّيّة "المصيبة تجمع"، في لبنان لدينا دائماً مشكلة كسر كل المقاييس في ظلّها السلبي. ما حصل في بيروت في اليوم الأول هو أمرٌ طبيعي، الناس التفّت حول بعضها البعض خلال هذه الأزمة من كل صوب، هذا أمرٌ طبيعي في الأمم والمجتمعات، أما غير الطبيعي فهو ما حصل في اليوم الثالث. 

غسان الشامي: بعد 48 ساعة. 

طوني مهنّا: مئة بالمئة وهو أمرٌ غريب ويطرح التساؤلات، ماذا نفعل نحن؟ عادةً المصيبة تجمع ولكن لماذا نحن نتفرّق، حصل انقسامٌ سياسي ولكن إذا فكّرنا به فهو شبه انقسام اجتماعي تخلّله الانقسام السياسي. 

غسان الشامي: ولكن كانت هناك اتهامات سياسية.

طوني مهنّا: نحن لدينا ترابط سياسي إيديولوجي اجتماعي، السياسة في لبنان هي ضمن الحياة اليومية، نحن مُلمّون بالحياة السياسية حتّى في حياتنا اليومية، حتّى في علاقاتنا، حتّى في تصنيفنا للأصدقاء والأعداء، السياسة هي طرف أساسي، فتداخل السياسي الاجتماعي في لبنان هو أكثر من البلدان الأخرى. الانقسام السياسي الذي حصل هو تراشق مسؤولية في الأساس واكتساب نقاط، هل أستطيع أن أربح من هذا الحدث نقطة إضافية لي أم لا، فصار هناك مهاجِم ومدافِع ومهاجِم ومدافِع من الطرف الآخر. الانقسام السياسي أثّر على التعاطف الاجتماعي الذي كان قائماً قبل الانفجار واستمرّ بعد ذلك، وهذا ما أثّر على التلاقي الاجتماعي الإنساني اللاسياسي خلال الأزمات. 

غسان الشامي: هل الانقسام الاجتماعي بنيوي عضوي في تركيبة المجتمع اللبناني طوني؟ 

طوني مهنّا: للأسف نعم لأن الأسُس التي تُبنى عليها المجتمعات بشكلٍ عام هي Source of education أو ما يُعرف بمصدر المعلومات أو التربية. مصدر المعلومات في لبنان هو تابعٌ سياسياً وطائفياً ومذهبياً ومنها المدارس، 80% عادةً من مصدر المعلومات في المجتمعات تتأتّى من المدارس ومن الأمَّهات بشكل عام، هكذا تُبنى الأجيال، وفي مرحلة المراهقة وسن الرُشد يحدّد شخصيّته ويثور على ما قبل ولكن الأساس هو هذا المصدر أي من الأمَّهات والمدارس، وهذا الأمر في مجتمعنا مقسوم فكل مدرسة تتبع لديانة معيّنة، لطائفة معيّنة من هذا الطرف أو ذاك.  

غسان الشامي: أنا أريد أن أنتقل إلى أختنا نينات، أنتِ تتابعين موضوع الانقسام، قبل أن أتحدَّث عن الانقسام في المدارس والتربية، هل الانقسام أيضاً ثقافي برأيك؟ 

نينات كامل: بدايةً تحيّة طيّبة للجميع وشكراً على الاستضافة. الانقسام للأسف هو ثقافي أيضاً، ليس لدينا تعريف موحَّد للثقافة، مثلاً البعض يعتبر أنني إذا كنت أقرأ الكثير من الكتب فأنا مُثقّف أو إذا كان لديّ الكثير من الشهادات فأنا مُثقّف، والبعض الآخر يعتبر أنني إذا كنت ناشطاً على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أو تويتر فأنا مُثقّف، لأنه ليس لدينا تعريف موحَّد للثقافة نراها أيضاً منقسمة وهي تلحق بالدين أيضاً، الثقافة الطوائفية تختلف من طائفة إلى أخرى وللأسف أنا أعتبر نفسي مُثقّفاً إذا كنت أقرأ خمسة أو عشرة كتبٍ وأكثر فهماً من الآخرين. إذاً لدينا هذه الفوقية أيضاً في الثقافة التي تجعلنا نبتعد عن الآخرين وتجعلني أعتقد أنني أكثر ثقافة منك وأن أفرض رأيي عليك، وهذا يكون بداية الانقسام بأنني غير مُستعدّ أن أحاور الآخر وأتقبّل رأيه ونتّفق على رأي موحَّد.  

غسان الشامي: كيف ترين الانقسام في مجال التربية، في المناهج وأنتِ تتابعين هذا بحكم العمل؟  

نينات كامل: صحيح، أولاً نستطيع للأسف أن نعتبر أن الانقسام التربوي مُكرّس في الدستور اللبناني كونه يسمح للمدارس بحرية اختيار المناهج التربوية الخاصة بها ويسمح بإقامة المدارس الطائفية، فكل طائفة لها مدارسها، لدينا المدراس الكاثوليكية، مدارس المهدي والمدارس الإنجيلية ومدراس الليسيه، هذه جميعها نسمّيها مُجمّعات مدارس وكل واحدة منها تتبع نهجاً معيّناً، بعضها يتّبع النهج الديني وبعضها الآخر يتّبع النهج المدني وبعضها مُتشدّد، وحتى اليوم لا زلنا نرى مدراس خاصة بالبنات وأخرى خاصة بالشباب، إذاً لدينا أولاً هذا الاختلاف الديني ومن ثم الاختلاف في المناهج، بعضها يتبع المناهج الفرنسية وبعضها يتبع المناهج اللبنانية، وللأسف هناك تفاوت كبير بينها وبين المدارس الرسمية. نحن هنا نتحدَّث عن مناهج مستوردة من الخارج، المناهج لدينا منذ عهد الانتداب الفرنسي ولا زالت حتى اليوم.    

غسان الشامي: إذاً ليس لدينا منهج لبناني واحد جامع. 

نينات كامل: كلا، حتى اليوم لا يوجد لدينا كتاب تاريخ موحَّد. للأسف دائماً نتحدَّث عن ضرورة تطوير مناهجنا التربوية ولكنّها لا تزال تراوح مكانها بل تتراجع بفارق كبير جداً بين المدارس الرسمية والخاصة ذات التكلفة المرتفعة جداً. 

غسان الشامي: دكتور أيمن ما هو دور الدين والطائفة بالانقسام الحاصل في لبنان؟

أيمن عمر: في الحقيقة منذ إنشاء الدولة اللبنانية لم تقم على أسسٍ متينة كدولة بالمفهوم والمعنى الحقيقي للدولة، إنما قامت على أسسٍ وتشوّهات بنيوية بل يمكن وصفها بأسسٍ مُعتلّة بسبب التركيبة الديمغرافية التي قام عليها لبنان، هذه التركيبة قامت على أساسٍ مذهبي وطائفي تتعدّى 17 أو 18 مذهباً خلقت تشوّهات بنيوية في النظام السياسي اللبناني بل في الثقافة والانتماء الوطني اللبناني، لذلك نحن يمكن أن نسمّيه الكيان اللبناني وليس الدولة اللبنانية، هذا الكيان اللبناني قام على كانتونات دينية ومذهبية، لم تقم على أساس دولة المؤسّسات ودولة الرعاية، لذلك نجد أن المواطن اللبناني ومنذ نشأة الدولة اللبنانية الحديثة أو القديمة، هو يجد في المذهب وفي الطائفة وفي الزعيم الذي يمثّل هذا المذهب شبكة الأمان الاجتماعية بسبب غياب المؤسّسات الأساسية للدولة كدولة، لذلك هذه الثقافة أساسية وأصلية في التركيبة اللبنانية ولا يمكن فصلها عن الواقع وارتداداته. نحن أمام أزمة حقيقية، أزمة نظام سياسي حقيقي. لبنان الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم تعد هذه الصيغة اللبنانية بتركيبتها القائمة صالحة للاستمرار وللحياة بل نحن أيضاً أمام أزمة ثقافة وطنية مرتبطة بالانتماء الوطني وبالمواطنة، حيث أننا لا ننتمي إلى الوطن كمفهوم، وطن النجوم الذي كنّا نتغنّى به، وطن الفينيق.

غسان الشامي: هذه أغنية.  

أيمن عمر: للأسف الشديد هذه أغنية مثالية أفلاطونية سمّها ما شئت ولكن نحن ننتمي إلى هذا المذهب، أصبحنا أمام خصخصة المذاهب، لكلّ زعيم مذهب خاص به وعلى أساسها تمّ تركيب الدولة اللبنانية. نقطة ثانية إذا سمحت لي، أيضاً من خطورة الموضوع أنه قامت من ضمن الإدارات العامة بما يُسمّى شبكة المحاسيب، وكل شبكة تابعة لفريق سياسي مُعيّن ضمن العنوان المذهبي، وهي للأسف الشديد لا تخدم الصالح العام والشأن العام كإدارات عامة إنما هي عبارة عن مفاتيح انتخابية استنزفت المالية العامة، وهذا ما نشاهده اليوم من تداعياتٍ اقتصادية ومالية ونقدية.

غسان الشامي: أنت قدّمتَ شرحاً موجزاً توصيفياً ولكن مضت مئة سنة من عُمر هذا اللبنان، في أيلول المقبل يُتمّ المئة عام أي قريباً جداً، أيّ دور تاريخي لعبه لبنان إن كان داخل الجغرافيا اللبنانية التي ابتُدعت عام 1920 وإن كان في محيطه، خارج الانقسامات هل لديه دور توحيدي واحد؟ 

أيمن عمر: لبنان للأسف ليس لديه دور توحيدي، لبنان منذ نشأته وكما ذكرت بسبب التركيبة الديمغرافية كان ساحة صراع ونفوذ إقليمية ودولية، أحداث عام 1958 وثورة شمعون وإنزال المارينز في بيروت شاهد، 1969 اتفاق القاهرة والسماح للمنظمات الفلسطينية أن يكون لبنان منطلقاً للعمليات الفدائية والمقاومة، والآن ما حدث بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، هذا الحدث الجَلَل يُظهر أن لبنان ليس لديه دورٌ إنما هو فقط عبارة عن ساحة صراع وساحة نفوذ، يستغلّون حال الانقسام، هذا الانقسام العمودي والانقسام المذهبي للمجتمع اللبناني حيث اتفّقنا أن نتحدّث من دون قفازات، يرتمي المسيحيون في أحضان الأمَّ الحنون والغرب بمجمله. 

غسان الشامي: ليس الجميع.

أيمن عمر: أنا أعطي توصيفاً كما قلنا، الشيعة يحتمون بولاية الفقيه، السنّة دخلوا في النفق العربي والصراع العربي. 

غسان الشامي: بوليّ الأمر.

أيمن عمر: نعم ثم الخليجي ثم انتقلوا الآن إلى التركي المُنقذ، هذه الانقسامات تزيد من حدّة الانقسام الداخلي اللبناني وتلغي دور لبنان كدولة ريادية. 

غسان الشامي: ريان سيّدتي أنتِ أيضاً منذ بداية هذا الحراك كنتِ موجودة في الشارع، وبحكم عملكِ الاجتماعي والصحي أسألكِ لماذا انكفأ الشباب اللبناني عن الدور الريادي؟ 

ريان الشيخ: بدايةً مساء الخير للجميع، مساء الخير أستاذ غسان، انطلاقاً ممّا قيل سابقاً أريد أن أعود إلى أصل المشكلة، إلى أصل المرض الذي يأكل أسفل الهرم وهو أنه ليس لدينا تعريف لهويّة جامعة تجمع كل الشعب اللبناني، مثلاً إذا سألنا أيّ شعب في العالم، الفرنسي يقول أنا أنتمي إلى فرنسا، الإنكليزي يقول حدودي إنكلترا وحدودها الجغرافية معروفة، ولكن بالنسبة إلينا لدينا مفاهيم خطرة جداً تُطرح، نسمع من المواطنين كلاماً عن المُكوّنات اللبنانية، عن الشعوب اللبنانية، عن الثقافات اللبنانية، وهذا الأمر غريب جداً وما من عِلم اجتماع يمكنه تبرير هذا الأمر، لو سألتَ أحدهم سيقول أنا فينيقي، آخر يقول أنا مسلم، وآخر يقول أنا عربي كونه ناطقاً باللغة العربية. عدم وجود هوية جامعة للشعب اللبناني أدّت إلى هذا التشرذم الحاصل، إذاً غياب الهوية أدّى إلى خلق زعماء الطوائف وهذا النظام الطائفي العَفِن.

غسان الشامي: هذا الأمر يجب أن يدفع الشباب إلى مُجابهته، إلى الذهاب نحو هوية جامِعة ولكنه انكفاً.

ريان الشيخ: وبسبب وجود هذا النظام الطائفي يستغلّون غياب الهوية عند الشباب لجعلهم أكثر ارتباطاً بهم لمنافعهم الشخصية، ورؤساء الطوائف أيضاً يستفيدون من هذا الأمر لمآرب داخلية وخارجية، مثال على هذا الأمر نستطيع أن نتحدَّث عن حقبة ليست بعيدة كان هناك رؤساء جمهوريات تعاملوا مع مَن يُفترض أن يكون عدواً للبنان، هل هذا الشخص أو هذا الطرف يهوى العمالة؟ بالطبع لا ولكن بسبب عدم وجود هوية أو انتماء لهذه الأرض حصل هذا الخَلَل. هناك مَن يتحدّث اليوم عن الحياد، وهناك مَن يتحدّث عن المارونية السياسية، غياب هويّتنا الجامِعة بين أطراف الشعب اللبناني تُشرذمنا وتجعل البوصلة غير واضحة وتُعيق تحرّك الشباب ضمن أطرٍ واضحة في المجتمع. 

غسان الشامي: برأيكِ لماذا يستسهل هؤلاء الشباب أن يكونوا بغالبيّتهم أزلاماً لزعماء أو زُوعيمين أو زُويعمات كما تشائين ولا يؤطّرون أنفسهم في تيارٍ عام يمكنه أن يقلب الصورة في لبنان؟

ريان الشيخ: كما قلنا قبل قليل هناك خَلَل في بنية البلد وأيضاً هناك خَلَل في صلب المجتمع يمنعه من قيادة هذا التيار النهضوي لأنه لا يوجد تعريف لهويّتنا ولا توحيد لماهيّة الوطن تجعلنا نرتقي بهذا المجتمع ونقود هذا التيار النهضوي. يجب أن نبدأ بالتغيير من الأسفل وأن ننهض بفكرنا كشعبٍ ونلغي كل الحواجز في ما بيننا ونعود إلى حقيقتنا. مع احترامي لكل الأديان التي جاءت لتشرف على حياة المجتمع ولكن علينا أن نعود إلى أصلنا، نحن مزيج من حضارات عظيمة، جئنا وتوقّفنا بدلاً من أن نكملها. 

غسان الشامي: نعم شكراً، أخي طوني بقليلٍ من الوقت إذا سمحت البعض تحجّج بزمن الوصاية أنه لم تكن هناك حرية لبناء وطن، الوصاية انتهت منذ 15 سنة وأنتم خلال هذه الفترة كان يجب أن تكونوا فاعلين في المجتمع، لماذا لم نذهب إلى حرية؟

طوني مهنّا: سأتحدّث عن أمرٍ بشكلٍ مُختصر وسهل تحدّث عنه الأصدقاء هنا، نستطيع أن نقول بأن ما بُني على باطل يبقى باطلاً، المجتمع اللبناني بالأساس بُني من فسيفساء من هنا هناك وبقي هذا الأساس، وهو بُني بهذا الشكل لتبقى فيه المشاكل، تغيّرت الوصايات، هذه لم تكن الوصاية الأولى، وإذا قرأتَ التاريخ ستجد المستقبل نفسه، والي الجبل كان على صراع مع والي طرابلس، الوصايات كانت موجودة دائماً ومُتزاحمة، تذهب وصاية وتأتي أخرى ولكن المشكلة تكمن فينا، هناك مثل شعبي يقول "الحق عالطليان"، علينا أن نستنتج بأن المشكلة فينا.  

غسان الشامي: الغريب على حدّ قول زياد الرحباني. 

طوني مهنّا: لا الغريب ولا الجرّة، المشكلة في داخلنا، قبل أن نثور على الآخرين يجب أن نثور على أنفسنا، ثورة الحق، أول سؤال يُطرَح مَن نحن، نحن ماذا؟ كما قالت ريان، هل نحن فينيقيون، عرب، مسلمون، مسيحيون، ما هي هويّتنا؟ ما هو انتماؤنا؟ هذه الصلة بيننا وبين هذا التراب هل هي صلة بمحسوس فقط أم أكثر من ذلك؟ 

غسان الشامي: نحن سنذهب إلى فاصل اعذرونا، فاصل ونعود لمتابعة هذا الحوار، أشكركم على هذه الصراحة، أعزائي فاصل ونعود إليكم.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، نينات يقول مفكّر لبناني معاصر إن بنية مجتمعنا هي بنية تقوم على سلّمٍ من ثلاث: أنانية، فردية وعنصرية، كل هذا لا يؤدّي إلى الوحدة، أنتِ كيف ترين بنية هذا المجتمع؟ 

نينات كامل: كما تفضّل أصدقائي بالقول إنه في لبنان لدينا تنوّع طائفي، تنوّع إثني كونه لدينا عدّة حضارات، وتنوّع طبقي وثقافي، وكما سبق وقلتُ إن كل شخص ينظر إلى نفسه على أنه الأفضل. أريد أن أركّز على فكرة أن التنوّع بحدّ ذاته ليس أمراً سيّئاً، ما يميّزنا في لبنان إننا متنوّعون، صحيح أن مساحة لبنان 10452 كيلومتراً مربّعاً ولكن هذه المساحة الصغيرة تضمّ 18 طائفة وعدّة آراء وعدّة طبقات. 

غسان الشامي: التنوّع يجب أن يكون غنىً.

نينات كامل: صحيح وقد قال عنه البابا يوحنّا بولس الثاني رسالة لأنه بلد غني ويتعايش أبناؤه مع بعضهم.  

غسان الشامي: ولكن أيّة رسالة، الرسالة مثقوبة.

نينات كامل: للأسف.

طوني مهنّا: هل الطوائف هي تنوّع؟ التنوّع بالنسبة لي هو تنوّع فكري، إثني كما قلتِ، الطائفة بالنسبة لي لا تندرج ضن إطار التنوّع الثقافي. 

غسان الشامي: لقد فهمتُ ما قالته نينات، الدين والطوائف هي بالأصل مُعطىً ثقافي، إذا أخذته كثقافة من دون تعصّب.  

نينات كامل: أنا أكتسب ثقافتي من ديني، أتعرّف على آباء ديني وأكتسب ثقافة وهذا ما يجعلني أكون شخصاً مُتنوّعاً مختلفاً عن الشخص الآخر. يجب أن أعرف أن هناك أشخاصاً آخرين مختلفين عني ولكننا مُتشابهون ولا يجب أن أنظر إلى نفسي على أنني أفضل منهم، هذا إنسان مختلف ولكن لدينا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات، حين نتساوى في الحقوق والواجبات سأتخلّص من هذا التعصّب الأصيل. الأنانية تصل بنا إلى هذا الأمر وكذلك التعصّب، ولكي أتخلّى عنهما يجب أن تكون لديّ مساواة تامّة في الحقوق والواجبات كي أتقبّل الرأي الآخر.

أيمن عمر: وفق هذا السلّم أصبحت وظيفة اللبناني للأسف الشديد إما مفتاحاً انتخابياً أو مشروع تابوت أو حقيبة هجرة وفق الواقع الذي نعيشه. 

غسان الشامي: ليته يكون مفتاحاً انتخابياً صدئاً يدرّ المال. أريد أن أسألك ضمن اختصاصك دكتور أيمن، نحن منذ أكثر من ثلث قرنٍ محكومون بدستور يُسمّى دستور الطائف ومنذ ثلث قرنٍ مع دستور الطائف الذي كان يجب أن يكون جامِعاً شهدنا هذه الانقسامات، كيف تفسّر ذلك؟    

أيمن عمر: الإشكالية الأساسية هنا أنه هل تمّ تطبيق اتفاق الطائف بجميع مُندرجاته ومحتوياته ومضامينه؟ من أهم مضامين اتفاق الطائف هي اللامركزية الإدارية والتي هي برأيي الشخصي الحل الحقيقي والفعلي للبنان الجديد الذي نريده، وأيضاً هذه اللامركزية الإدارية لها ارتدادات وانعكاسات اقتصادية مهمة جداً على مستوى الوطن ككل وهي تحقّق الإنماء المُتوازِن الذي نادت به جميع البيانات الوزارية بل حتّى تضمّنه الدستور اللبناني. المضمون الثاني لاتفاق الطائف وهو مجلس الشيوخ الذي الهدف منه هو أن يكون انعكاساً للتمثيل المذهبي والطائفي، في المقابل نجد أن التمثيل المذهبي والطائفي تحقّق في مجلس النواب.  

غسان الشامي: ولكن أهم ما جاء في دستور الطائف أيضاً انتخابات لبنان دائرة واحدة وخارج القَيْد الطائفي.    

أيمن عمر: النقطة الثالثة أن يكون قانون الانتخاب خارج القَيْد الطائفي ضمن دائرة واحدة لا تتمثّل فيه هذه العقليّة المذهبية. النقطة الرابعة أيضاً والمهمة هي أن الدستور اللبناني لم يُحدّد هوية مذهب الموقع الأول أو الثاني أو الثالث، الدستور لم يُحدّد أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون كذا ورئيس مجلس الوزراء كذا، هذا بالعُرف، لذلك نحن أمام مُعضلة حقيقية لا تتمثّل بمضمون اتفاق الطائف أنه فاشل ولكن السلطة السياسية التي قامت بتطبيق اتفاق الطائف على مدى الثلاثين عاماً هي السلطة المسؤولة عن الفشل وعن الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية التي وقعنا بها الآن. هذه السلطة منذ 1992 حتى الآن لم تقم ببناء اقتصادٍ إنتاجي حقيقي يحمي الليرة اللبنانية ويحمي المالية العامة من الأزمات عند الاهتزازات وعند التدخّلات الخارجية وعند العقوبات الخارجية التي تُفرض لأهدافٍ سياسية، لذلك وصلنا إلى ما وصلنا إليه من الانهيار والتوجّه نحو القاع.

غسان الشامي: ريان منذ تشرين وحتى اليوم أي منذ المرة الأولى التي نزل بها اللبنانيون ليعبّروا ومن ثم قيل إنها خطفت أو أزيحت عن مسارها، ذكرتِ في جوابٍ سابق شيئاً عن الهوية ولكن أيّ بلد تقترن مكانته ومكانة ناسه بالدور، ما هو الدور الذي كان يريده اللبنانيون منذ تشرين حتى اليوم، اللبنانيون الحقيقيون ولم يتحقّق؟  

ريان الشيخ: لا شك أن ثورة 17 تشرين كانت نقطةً مُضيئة في تاريخ لبنان الحديث وإن لم تجنِ ثمارها. بغضّ النظر عن التسيّس السياسي الذي حصل والذي نعرفه كان هناك العديد من المجموعات التي طرحت العديد من الأفكار، نحن قلنا سابقاً أن المرض هو فقدان الهوية، أيّما مجموعة من حراك 17 تشرين ممّن لا يزال لديها الأمل بنهوض لبنان لا تطرح أيّة حلول لمرضي ولا علاجاً لا يُعوَّل عليها. بالنسبة لي يجب أن تطرح آليات فصل الدين عن الدولة لنعيد بناء ثقة المواطن اللبناني بدولته على أساس المواطنة، على أساس الدولة المدنية، ومن هنا يبدأ الشعب اللبناني بالشعور بأن مصلحة لبنان فوق أية مصلحة أخرى وأن ننهض بهذا المجتمع، إذاً الخطوة الأولى هي طرح آلية فصل الدين عن الدولة.  

أيمن عمر: ثورة 17 تشرين حقّقت إنجازاً مهماً وهي أنه للمرة الأولى تمكّنت من كسر هذا القَيْد السياسي التقليدي، أهمية ثورة 17 تشرين أنها شكّلت رأياً عاماً وقد تكون بداية بناء وعي سياسي جديد في لبنان يُبنى عليه لمرحلة قادمة، وأنا أظنّ أن نتيجة 17 تشرين إذا استطاعت السلطة التقليدية بمكانٍ ما أن تسيطر عليها وتشرذمها ولكن لا بدّ من أن نجد آثارها في الانتخابات المقبلة.   

غسان الشامي: إذا كان هناك قانون انتخاب يجمع كل اللبنانيين وليس قانون مُحاصصة طائفية. طوني برأيك حتى يصبح لبنان واحداً طرح الدكتور أيمن مفهوم اللامركزية الإدارية، هناك مَن يطرح الفدرالية، هناك مَن يطرح الحياد، هناك مَن يستجلب الانتداب، هناك مَن يتّكئ على الغرب وهناك مَن يتّكئ على الشرق، كيف يمكن في ظل هذه الانقسامات المفاهيمية أن يكون لبنان موحَّداً؟ ماذا ترى؟   

طوني مهنّا: العلاج لكل المشاكل في لبنان هو أن يتوحَّد، هذا الكلام جميل، المشكلة أولاً هي أننا لا زلنا نختلف حول المشكلة، كلٌّ لديه مشكلته الخاصة.  

غسان الشامي: أريد أن أشكرك على هذا الكلام.

طوني مهنّا: أنا آسف ولكنني واقعي في كلامي.   

غسان الشامي: قل ما تشاء. 

طوني مهنّا: كي أكون صريحاً مع نفسي ومع الآخرين نحن نختلف على المشكلة قبل أن نختلف على الحل، إذا أردنا أن نبحث عن جوهر المشكلة كما قلنا وكما ذكرت نينات إن ثقافتنا تؤثّر عليها، إذا تكلّمنا عن اللامركزية فالآخر يراها فدرالية، الفدرالية إذا كنت تراها فدرالية مناطقية تجمع أقضية فالآخر يراها فدرالية دينية، إذا كنتَ تستنجد بالخارج فالآخر يتّجه نحو الغرب أو غيره. إذاً مشاكلنا غير مشتركة، الحلّ لهذا الأمر وأعتذر على راديكاليّتي هو ثورة على النفس تكسر المقاييس، تكسر ما يُعرَف بالحلال والحرام، تكسر ما يُعرَف بالحق والباطل لأن المقاييس التي تربّينا عليها يجب أن تتغيّر، يجب أن نمرّ بمرحلة تكسر كل المقاييس، يجب أن نمرّ بمرحلة سيّئة نوعاً ما لنُعيد بناء شخصية جديدة وإنسان جديد. 

غسان الشامي: سيّئة كيف؟ 

طوني مهنّا: سنمرّ بفترة ضياع.

غسان الشامي: هذا تخوُّف أمْ رؤية؟ 

طوني مهنّا: هذه حاجة، نحن الآن في وطنٍ مريض يحتضر، في دولة فاشلة، في مسخ وطن، لا أعرف ماذا أسمّيه، نحن وصلنا إلى أسوأ مرحلة، وصلنا إلى مرحلة تفجير أنفسنا، فسادنا فجّرنا، فعلنا بأنفسنا ما لم يستطع العدو فعله بنا، نحن مجانين، كي نعبر هذه المرحلة لا بدّ من المرور بهذا المخاض، بالثورة على النفس، ثورة على مفاهيمنا، ثورة على أننا لسنا مختلفين طائفياً، البلد ليس 18 طائفة، ليس هذا هو الاختلاف، نحن اختلافنا أكبر بكثير من الطوائف، الطائفة في بيتك.

ريان الشيخ: برأيك الثورة على النفس التي تحدّثتَ عنها يمكن أن تحصل من دون قائد؟ نحن جرّبنا ثورة 17 تشرين ورأينا كيف تفكّكت المجموعات، طُرحت أفكار جميلة ولكنها لم تتلاحم، هل أفكارك الجميلة هذه يمكن تؤدّي إلى نتيجة من دون قائد يرعى هذه النهضة؟  

طوني مهنّا: في تجارب الثورات، الثورة البلشفية والثورة الفرنسية وغيرها من الثورات دائماً هناك فكرة تولد.

غسان الشامي: كل الثورات قامت على أساسٍ فكري وتُنجِب قائدها معها.

طوني مهنّا: يجب على أحدهم أن يقولها ويستنتجها وعلى الآخر أن يفعلها، إذا أخذنا الثورة البلشفية مثالاً، كارل ماركس وغيره طرحوا الفكرة بينما المُنفّذ والمدير كان لينين، ليس لينين مَن أطلق الفكرة، هو تبنّاها ونظّم آليّتها. 

نينات كامل: ما هي فكرة ثورة 17 تشرين؟  

غسان الشامي: من دون مناقشة فكرة ثورة 17 تشرين، هناك الكثير من الكلام عنها، حتّى أنها عامل انقسام وليست عامل وحدة، اللبنانيون منقسمون حولها، في حلقتنا نحن نتحدّث عن الانقسام. أريد أن أقول لكِ نينات في هذا البلد هناك ثلاث مرجعيات فكرية: مرجعية دينية مسيحية، ومرجعية دينية إسلامية ومرجعية علمانية ولكنّها مُنكفئة، كيف يمكن توحيد رؤى اللبنانيين ضمن مرجعيات مُتناحِرة؟ قولوا لنا كيف؟    

نينات كامل: بالنسبة لي لا أعرف إذا كان بإمكاننا الوصول إلى دولة مدنية تحترم الطوائف الموجودة، هذه هي النقطة التي نختلف عليها أنا وطوني، أنا نينات كامل أدرس الدكتوراه وشارفت على الانتهاء ولكنني مُتمسّكة بأرضي وسأبقى فيها ولكن ماذا سأفعل لاحقاً؟ ليس لديّ رؤية مستقبلية، أريد من وطني وأرضي أن يمنحاني ما أستحقّه ضمن نطاق اختصاصي لأن الآخرين يسعون خلف طوائفهم وزعمائهم للحصول على ما تريده، ولكن إذا وصلنا إلى دولة مدنية تحتضن هذا التنوّع الموجود وتعتمد على الكفاءة من دون الالتفات إلى المحسوبيات فحينها سأكون على يقين بأنني سأنال ما أستحقّه بكفاءتي من دون واسطة من أحد. هذا هو الحل برأيي، وإذا كان من الصعب الاتفاق على هذا الحل فإن اللامركزية الموسّعة بإمكانها أن تقوم بهذه المهمة، ولكن علينا أولاً أن نتحاور ونتناقش لكي نكتشف المشكلة والحل، إذاً الأساس هو الحوار.  

غسان الشامي: ريان قالت كلاماً مهماً في مفهوم الهوية، يجب أن يعرف الشخص مَن هو ليقول إنه يعيش في هذا البلد، أنتِ تعرفين أنهم اخترعوا ما يُسمّى "لبنان وطن نهائي" مع أن لا شيء في العالم نهائي ولكن أيّة هوية برأيك توحّد اللبنانيين، فقط أن أكون لبنانياً وأتغنّى "لبنان يا أخضر حلو" أمْ على ماذا أتوحّد؟   

نينات كامل: يجب أن أتحاور مع الآخر لنتّفق على ماذا سنتوحّد، قد يكون الحب للأرض. 

ريان الشيخ: يجب أن نعرف من أين أتينا.    

نينات كامل: يجب أن نتحاور لنعرف. 

طوني مهنّا: بشكل عام لا يمكنكِ أن تحاوري كل الشعوب، هناك فكرة تُطرح وهناك مَن يتبنّاها، المصلحة المشتركة هي التي تجمع الشعوب، المصلحة الاقتصادية هي التي تدفع الإنسان ليكون مُتفاعلاً مع الإنسان الآخر.

غسان الشامي: الدكتور أيمن كتب في هذا الموضوع، كتبتَ عن الهوية الاقتصادية أو شيء من هذا القبيل، حتى في الاقتصاد نحن مختلفون، نريده شرقاً، غرباً، بين بين، ليبرالياً، غير ليبرالي، رأسمالياً، اشتراكياً، أيّ اقتصاد يُمكن أن يُفكَّر به للبنان غير هذا اللبنان؟  

أيمن عمر: أولاً إذا سمحتَ لي يجب علينا ألا نمزج ونخلط بين الأحكام الشخصية لكل طائفة ومذهب والتي تُعتبر خصوصية لكل مذهب، المشكلة ليست هنا، المشكلة هي في مكانٍ آخر لها علاقة بالنظام السياسي ومؤسّسات النظام السياسي بل على العكس السلطة السياسية التي كانت قائمة. عوداً على سؤال حضرتك كانت إشكالية كُبرى وهي هل أن التوجّه شرقاً يُغيّر من هوية لبنان، لبنان منذ إنشائه قام على الحرية والليبرالية، عندما طُرحت نظرية التوجّه شرقاً قيل بأننا نسلخ لبنان عن هويّته الاقتصادية، لذلك أنا كتبت بطريقة علمية وأكاديمية وبالأرقام والإحصائيات، حتى بين الولايات المتحدة الأميركية والصين هناك علاقات وتبادلات اقتصادية كبيرة جداً، الولايات المتحدة تستثمر في الصين حوالى 14 مليار دولار وهي تشكّل 10% من حجم الاستثمارات الأجنبية في الصين، الميزان التجاري يتخطّى 600 مليار دولار في التبادلات بين الولايات المتحدة والصين.   

غسان الشامي: إذا خرجنا من الأرقام إلى التوصيف.

أيمن عمر: أنا أقصد من هذه الأرقام أنه حتى بين الشرق والغرب هناك تداخلات اقتصادية لا يمكن الفصل بينها، نحن في عصر العولَمة، لذلك إذا كانت مصلحة لبنان تقتضي وتتطلّب مني أن أذهب إلى إيطاليا أو الصين أو تركيا أو إيران، أن أذهب شرقاً وغرباً لتحقيق مصلحة لبنان فهذا لا يعني أننا سلخنا لبنان من هويّته الاقتصادية. حتى دول الخليج مثل السعودية والإمارات هناك تبادلات اقتصادية كبيرة جداً بينها وبين الصين، هناك استثمارات صينية في الإمارات، في السعودية، في تركيا، في كل مكان. نحن في عصر العولمة، العولمة كسرت الحواجز الاقتصادية وكسرت الهويات الاقتصادية. 

غسان الشامي: بقي القليل جداً من الوقت، بكلمتين كيف ترى لبنان الآتي؟ السؤال لحضراتكم جميعاً. 

طوني مهنّا: كيف أتمنّى أو كيف أراه؟

غسان الشامي: تتمنّى عليك أن تعمل، كيف تراه؟

طوني مهنّا: سأكون سلبياً قليلاً، غداً كيفما كان سيكون أجمل لأن وضعنا سيّىء جداً، نحن وصلنا إلى قمّة الأزمات، إذاً كيفما كان الغد سيكون أجمل.  

غسان الشامي: آمل.. نينات. 

نينات كامل: بالنسبة لي سأبقى أرى لبنان البلد الذي أحبّه كثيراً ولن أتركه مهما حصل.

غسان الشامي: جميل، رؤيتكِ فيروزية.

أيمن عمر: 4 آب أصدرت ورقة النعي الرسمية للجمهورية اللبنانية الثانية، نحن مقبلون على أعتاب جمهورية ثالثة إلى الآن لم تتحدّد معالمها، هي ترتبط بصراعات المنطقة وارتداداتها الداخلية ولكننا نحن كشعبٍ لبناني نستطيع أن نُحدِث بعض التأثير على لبنان الجديد الذي نريده، ولكن من المؤكّد أن هذه الطبقة السياسية التقليدية لن تكون في المشهد السياسي المقبل.

غسان الشامي: نأمل ذلك، ريان.

ريان الشيخ: سأقول كلاماً شاعرياً مثل نينات، يقول الشاعر الكبير أنسي الحاج: "من عتمة الظلمة أجلس وأكتب البداية"، وبالنسبة لي لبنان سيبقى بداية كل جميل في الدنيا.

غسان الشامي: نحن لا نكره الشعر أيضاً. أعزّائي غالباً ما يقع على كاهل الشباب عبء بناء المستقبل لكن أيّ شباب؟ إنهم أولئك الخارجون من إسار الطوائف والمذاهب والعباءات السياسية المقولَبة، إنهم مَن يُفكّرون ويعملون خارج الصندوق. شكراً لطوني مهنّا، نينات كامل، أيمن عمر، ريان الشيخ. نأمل ونعمل معكم لبناء بلدٍ ينهض من تحت الرُكام والزجاج، الشكر كل الشكر لزملائي في البرنامج والميادين جميعاً، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.