محمد علي التسخيري: رائد الوحدة والتقريب بين المذاهب

يزخر تارخنا الإسلامي القديم والمعاصر بسير شخصيات إسلامية علمائية قررت أن تجعل من الآية التي إفتتحنا بها منطلقا ومسلكية في عملها الإسلامي والعلمي والفكري ...

 

المحور الأول:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

قال الله تعالى في محكم التنزيل "إنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون" يزخر تاريخنا الإسلامي القديم والمعاصر بسِيَر شخصيات إسلامية عُلمائية قرّرت أن تجعل من الآية القرآنية التي افتتحنا بها منطلقاً ومسلكية في عملها الإسلامي والعلمي والفكري. ويجمع علماء الإسلام أنّ أعظم الأعمال عند الله هي الجَمْع بين المسلمين، وتكريس الصُلح في ما بينهم، وتوحيد كلمتهم، والأمر فَرْض عين على كل مسلم حتى لا يكون المسلم بيدقاً أو أداة بيد مَن يريد تمزيق المسلمين وتحويلهم إلى قطيع يسهل الانقضاض عليه. وعندما نشأت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر المُعاصِر كان العاملون عليها قلّة، ثمّ سرعان ما تحوَّلت إلى الفكرة الكبرى، ثمّ إلى مشروع حقيقي واعِد. وكان الشيخ محمد علي التسخيري واحداً من العلماء الذين قدّموا كلّ حياتهم لتكريس مشروع التقريب والوحدة في خط طنجة جاكرتا. فالتسخيري العالِم الفقيه المُفكّر الوَرِع كان مٌدرِكاً أنّ وحدة المسلمين مدخل أساس لصناعة حضارتهم ونهضتهم التي يعمل الغرب بشتَّى الوسائل لحِرمانهم منها حتى يبقى المسلمون في دائرة الاستهلاك، ويواصل الغرب قوّته صانعاً للحضارة ومُفرداتها في دائرة الإنتاج.

عاش محمد علي التسخيري مُجاهداً، صابراً، مُدافِعاً عن الحق، وبذل جهوداً كبيرة لتوحيد الأمَّة الإسلامية ونبذ الفِتَن والطائفية. وقد أثمرت جهوده في الكثير من الأمصار وحتى لمّا تدهورت صحّته واصل النقاشات وحضور المؤتمرات، وهذا الثراء في فكر محمد علي التسخيري يعود إلى جَمْعه بين الدراسات الحوزوية والعصرية حيث درس في النجف الأشرف في حوزتها وفي كليّة الفقه، ثمّ واصل تعلّمه في مدينة قم المُقدَّسة. وحضر بحوث أساطين كبار ورجالات العِلم في العراق وإيران. تتلمذ على يد السيّد محمد باقر الصدر، وقبله السيّد أبو القاسم الخوئي، ومحمد تقي الحكيم وجواد التبريزي، وكاظم التبريزي، ومحمد رجائي وصدر الدين البتكوبي والسيّد كولبيكاني وحسين وحيد الخرساني وهاشم الأمولي ومجتبى اللانكراني.

كان المُفكّر محمد علي التسخيري يقول إنّ الحضارة الإسلامية بكل عناصرها تركِّز على الوحدة الإسلامية مهما تتبّعنا عناصر هذه الحضارة سواء في الجانب العقائدي أو المفاهيمي أو العاطفي أو العِلمي، والقرآن الكريم هو أساس تلك الحضارة، والسنّة الشريفة أيضاً أساس لهذه الحضارة. فالقرآن هو كتاب الوحدة فقد سلك كل الطُرُق التي تؤدّي إلى الوحدة الإسلامية.

"محمد علي التسخيري رائِد الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا النقاش من إيران الحبيبة الدكتور عباس خاميار المُستشار الثقافي الإيراني في العاصمة اللبنانية بيروت. ومن مصر الحبيبة العلاَّمة المُفكِّر أحد روَّاد التقريب في عصرنا المُعاصٍر الشيخ أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

يحيى أبو زكريا: دكتور أحمد كريمة لطالما كانت مصر نواة للتقريب وكان أزهرها واحداً من مداميك التقريب بين المذاهب، وكانت المذاهب حاضِرة في المناهج التعليمية في الآراء الفقهية في الفقه المُقارَن على وجه التحديد. من خلال عملكم في مجال التقريب، ولا زلتم وأصدرتم كتباً في هذا السياق، ما الذي تقوله عن العلاَّمة الفقيه محمد علي التسخيري رحمه الله تعالى؟

أحمد كريمة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه الكريم "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا"، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد رسول الله القائل المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقّره بحسب إمرئٍ من الشر أن يُحقّر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه. ورضي الله تبارك وتعالى عن السابقين في الإسلام سادتنا آل بيت رسول الله والصحابة ومَن جاء بعدهم من أولياء الله الصالحين والصالحين والمُصلحين آمين.

بداية نعُزِّي أنفسنا ونُعزِّي الأشقاء في العراق وفي إيران لوفاة العلاَّمة الموسوعي السيّد محمد علي التسخيري، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسكنه فسيح جنّاته وأن يُعوِّض المسلمين عنه خيراً آمين.

كما تفضّلت فضيلة الإعلامي الواعِد صاحِب اللسان العَذْب، والقلم الشريف دكتور يحيى أبو زكريا أدامه الله.

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربّي إن شاء الله.

أحمد كريمة: فإنّ مصر لمّا شهدت دعوة الإمام الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الراحل ومعه السيّد القمي من جمهورية إيران، ومعه كوكبة من الصالحين والمُصلحين، وتمّ إنشاء دار التقريب في جمهورية مصر العربية في أواسط القرن الميلادي الماضي، ولكن ترجم هذا بقرار شجاع من فضيلة الشيخ محمود شلتوت بوصفه وعمله وجهاده قرَّر الفقه المُقارَن في جامعة الأزهر ليجمع بين فقه آل البيت رضي الله عنهم وفقه السنّة وفقه الإباضية، وهو تخصّصي الذي أشرف بخدمته في الأزهر في مرحلة الماجستير والدكتوراه في الفقه المُقارَن. لا يُجاز الباحث إلا إذا ذكر في المسألة الرأي لإخوتنا الشيعة الجعفرية، وأخوتنا الشيعة الزيدية، وكذلك الفقه الإباضي مع الفقه السنّي.

طبعاً الصلة قديمة حينما نرجع إلى صدر الإسلام نجد أنّ الأمام أبا حنيفة والإمام مالك رضي الله عنهما جلسا وتعلَّما من سيّدنا جعفر الصادق عليه رضوان الله، وتأثّرا بفقهه في العديد من المسائل، ولمّا كانت العقول مُنْفتِحة والقلوب نقيّة كانت لا توجد غَضاضة أنّ إمامين من أكابر أئمة السنّة يتعلّمان من كبير من أكابر فقه آل البيت، وهو سيّدنا جعفر الصادق عليه رضوان الله بطبيعة الحال للأسف، وأنا أقولها لأنّه لي دراسة ولعلّي أرسلتها لكم، وأنا لي كتاب التقريب والوحدة الإسلامية ولي كتاب فريضة التقريب. لكن بُغتنا في سبعينات القرن الماضي بعد رحيل الشيخ محمود شلتوت رحمه الله بأنّ الوهّابية المُتسلّفة أصدرت ما سمّوه فتوى بتحريم وتجريم التقريب الإسلامي ما بين المسلمين، ولم يتحدّثوا عن العلاقات ما بين العرب والمسلمين وما بين البيت الأبيض أو الأسود أياً كان المُسمّى في أميركا فانقلبت الآية في المفهوم المُتسلّف الوهّابي، وأنا في كتابي هذا عندي نص فتوى إبن باز في تحريم وتجريم التقريب المذهبي، وللأسف لمّا اختلطت الأمور وأراد مَن أراد أن يُبْعِد اللحمة والأخوَّة. لكن بفضل الله تعالى هناك نابهون، وأحسب أنّي واحد من خدَّام مشروع التقريب بين المسلمين، ولن أدعه حتى ألقى الله سبحانه وتعالى لأنّني مما أذكره فضيلة الدكتور يحيى أبو زكريا، والضيف الحبيب السيّد عباس من الجمهورية الإسلامية في إيران، وبعد أن نُعزِّيه ونُعزِّي أنفسنا معه أنّه كان من اللطائف والدقائق للراحل الكريم العلاَّمة محمد علي التسخيري أنه كان يؤسِّس منهجية في المؤتمرات والكتابات والإصدارات، وفي النِتاج العلمي أنّه كان يحرص على إظهار المُشتركات العلمية بين المذاهب الإسلامية، وكان ينأى بنفسه عن الخلافات العلمية منهجية ذِكر المُشتركات العلمية أنا استفدت منها فتطوّرت مشروع التقريب بين المسلمين تقريب المذاهب الإسلامية إلى الوفاق الإسلامي.

يحيى أبو زكريا: دكتور أحمد كريمة لا شكّ سنتطرَّق إلى مُعوِّقات التقريب، ومَن يعمل على دَكْدَكة هذه الفكرة القرآنية. دكتور عباس خاميار أنتَ كنت قريباً من المرحوم الشيخ محمد علي التسخيري، وعملت معه لفترةٍ من الزمن الرجل كان يوصِل الليل بالنهار، وأنا زرته وأعرف كيف كان يعمل رحمة الله عليه. هلاّ وضعتنا في صورة هذا الكائن الوَحدوي  الذي كان مُشبعاً بفقه التلاقي والحوار والتواصُل ومدّ جسور التواصُل بين المسلمين؟

عباس خاميار: بسم الله الرحمن الرحيم تحيّة لك دكتور يحيى ولضيفك العزيز سماحة الشيخ أحمد.

يحيى أبو زكريا: حيَّاك الله.

عباس خاميار: الذي نُكّن له كل الاحترام ولكل المشاهدين ونُعزِّي الأمَّة بفقدان هذا العالِم الجليل وهذا الرجل الوَحدوي الكبير والرائِد في مجال الوحدة وتقريب المذاهب الإسلامية والنجم الساطِع في سمائها. الحقيقة الحديث عن سماحة الشيخ المرحوم هو حديث ذو شجون، هذه الشخصية بالحقيقة هي ظاهرة ربما تكون فريدة نحن نُكِّن كلّ الاحترام للشخصيات الكبيرة الوَحدوية التي درسنا عنها وتعلَّمنا منها واقتدينا طريقها، فالمرحوم الشيخ محمود شلتوت أمثال الشهيد حسن البنا أمثال الشيخ محمد عبدو، السيّد جمال الدين الأسد أبادي وآية الله القمي وكثيرين الذين ساروا وأسّسوا على هذا النهج القويم، وساروا على هذا النهج القويم. ولكن في تاريخنا المُعاصِر الذي عاصرناه سماحة الشيخ محمد علي التسخيري هذا العلاَّمة الفاضل الحقيقة أتصوَّر بأنّه كان ظاهرة فريدة من نوعها في سنوات نحن بأمسّ الحاجة إلى أمثاله وإلى هذه الشخصيات.

نعم أنا منذ سنوات قبل الثورة كنّا نسمع عن هذا النجم الساطِع عندما كان يحضر في مؤتمرات الفكر الإسلامي في الجزائر، والذي كان يمثّل إيران آنذاك، ومن ثم مقالته وحضوره ومحاضراته قبل انتصار الثورة ومواكبته للإمام بعد الهجرة إلى إيران بعد دراسته العميقة كما أشرت أنت أخ يحيى في المُقدِّمة هو في النهاية كان ثورياً كبيراً وكان مُفكّراً، وكان عالماً، وكان إنساناً بكل ما تملك الكلمة من معنى. واكب الثورة، ونظَّر لها، وكتب لها، وأسَّس مجموعات، وأسَّس مؤسَّسات كبيرة وكثيرة منها مؤسَّسة الدعوة الإسلامية، ومؤسَّسة رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ومؤسِّس أهل البيت ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية. والحقيقة هو عمل كثيراً لإيجاد جامعة المصطفى العالمية بعد أن اندمجت مجموعة من المؤسَّسات التي أوجدها، هو كان مُمثلاً ونائباً عن طهران في مجلس الخُبراء لانتخاب القيادة، وهذا مجلس مهم جداً، هو يُعنى بالقائد، وينتخب القائد. كانت له أبحاث كثيرة أكثر من 75 مؤلَّفاً، أكثر من 400 بحث علمي وحضور في ندوات ومؤتمرات عالمية أكثر من 700 ندوة، وكان شاعراً وأديباً، وله ديوان معروف وله 30 قصيدة في هذا المجال، وبنفس الوقت هو أشرف على طروحات دكتوراه. كان الحقيقة خبيراً بارعاً في القضايا المُستحدَثة بما يتعلّق بالمواطنة، حقوق الأقلّيات، حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق الأسرة، وكان مُفسِّراً كبيراً للقرآن الكريم، وكان عارِفاً وأديباً وشاعراً وفقيهاً. وبالنسبة للفقه السياسي وتأليفاته وبالنسبة للفقه المُقارن هو يعتبر أن لديه الأبحاث النادِرة في عصرنا هذا، وأهم من كل هذا كانت شخصيّته الإنسانية كان محاوراً بامتياز فرض احترامه على الجميع حتى على أعدائه، أنا شاركت معه وكنت في معيّته في كثيرٍ من المؤتمرات في عواصم مُتعدِّدة لمست جيداً وبحق كيف يحترمه الجميع بأسلوبه، بسعة صدره، بأخلاقه، بفكره، وبتحمّله للآخر. لم يعادِ أحداً حتى الذين عادوه، أنا أتذكَّر كنّا في اجتماع بالدوحة مع عالمٍ كبيرٍ في تلك الفترة، وهو معروف لا أريد أن أسمِّي، طلب منه بإلحاح أن يكتب مُقدِّمة لكتاب مُذكّراته فقبلها بصدرٍ رحب، وهو يفوق آية الله التسخيري بـ 17 عاماً هذه الشخصية الكبيرة وهذه الظاهرة الفريدة في عصرنا.

يحيى أبو زكريا: دكتور عباس يسهل علينا أن نتحدَّث عن الوادي، عن النهر، عن البحيرة، لكن عندما تتكلَّم عن محيط تحتاج إلى كل قواميس المعرفة والابستمولوجيا لتقديم معادلة عن هذه الشخصية التي سنفصِّل في كل أبعادها بُعيد الفاصل بحول الله وقوَّته.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نُعالِج رحيل الشيخ محمد علي التسخيري رحمه الله تعالى، وهو من روَّاد الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية.

دكتور أحمد كريمة أنا التقيت الشيخ مراراً، وكانت بيننا نقاشات، لكن جذبني قَبَس عِلمه وشُعاعه الفكري، وأنا ممّن يتأثّر ويقشِّعر بدنه أمام العِلم لأنّي أحب العِلم من كل أطرافه. حاولت أن أُحلِّل شخصيّته وجدت أنه استفاد من كل الذين درس عندهم، أخذ من محمد باقر الصدر دقَّته الأصولية، وأخذ من السيّد أبي القاسم الخوئي دقَّته في عِلم الرجال، وأخذ من السيّد الآملي دقَّته الفلسفية، وأخذ من الإمام الخُميني بُعده العِرفاني والصوفي، وأخذ من أئمة الفقه الأربعة أبو حنيفة، والشافعي، ومالك وإبن حنبل دقَّتهم الفقهية واطّلاعهم الواسع على سنَّة المصطفى، وأخذ من الإمام جعفر الصادق علوّ قدمه في مجال فَهْم كُنْه الشريعة. إنّ رجلاً من هذا الطراز (لقمين) أن يُقدِّم أطروحة وحدوية شاملة، أليس كذلك؟

أحمد كريمة: حينما ينعم الله سبحانه وتعالى على هذه الأمَّة بمصابيح ذكرهم في كتابه الكريم في سورة آل عُمران "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العِلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" الله بدأ بنفسه وثنَّى بملائكته، وثلَّث بأهل العِلم، والله سبحانه وتعالى أبان عن العلماء الراسخين الفاهمين في كتابه الكريم ولو ردَّوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعِلمه الذين يستنبطونه منهم أي العلماء. وفي سورة التوبة "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين"، وفي سورة فاطر "إنّما يخشى الله من عباده العُلماء"، وفي سورة الزمر "أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذّر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، قُل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنّما يتذكّر أولو الألباب". وأخيراً في سياحة القرآن عن العلماء الراسخين في سورة المُجادَلة "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العِلم درجات".

نحسب أنّ الراحل الكريم العلاَّمة محمد علي التسخيري رحمة الله، وعوَّض الأمَّة خيراً من هذا النفر الذي أحسن فَهْم الإسلام، وأحسن عرضه، والله أراد لهذا العالم الراسخ الثقة الثبت أن يجمع ما بين رافدين أو روافد، فكما تفضّلت هو درس في النجف الأشرف في العراق الشقيقة، ثمّ رحل إلى إيران، ودرس في الحوزات العلمية في إيران الحبيبة. هذا الذي جعله يُقدِّم لهذه الأمَّة وصفة أو روشتة العلاج للتفرّق والتناحُر والتهاجُر والتداحُر، فكان من منهجه أن نتناصح ولا نتناطح، وفعل المأثور من منهجيّة الإمام الشافعي رضي الله عنه، وأنتم تعلمون أنّ الإمام الشافعي رضي الله عنه جَهَر بنصرته وموالته لأئمة آل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم. فالإمام الشافعي ماذا قال؟ قال تجمعنا مئات المسائل، وتفرِّقنا بضعة مسائل. فينعى علينا أنّ مسائل كثيرة هي التي جعلها في المنهجية المُعاصِرة العلاَّمة التسخيري منهجية ذِكر المُشتركات العلمية هي الأساس، وهي حجر الزاوية، وهي المظلّة التي يجب على المسلمين في عالم مُعاصِر مُتغيِّر مُتقلِّب أن يفطنوا إليها أن تجمعنا مئات المسائل في أصول الدين في الشريعة الإسلامية في الثقافة الإسلامية، لكن هناك بضعة مسائل قد تكون موجودة في المذهب نفسه، مثلاً في فقهنا السنّي، هناك مسائل اختلف فيها الصاحبان أبو يوسف ومحمد إبن الحسن مع الإمام أبي حنيفة نفسه في فُقه مالك أبو القاسم اختلف مع الإمام مالك نفسه، الإمام الشافعي كما نعلم عدَّل مذهبه المذهب القديم كان في العراق والمذهب الجديد كان في مصر. والإمام  أحمد إبنه عبد الله كان يراجعه مراراً في كثير من المسائل، وهنا المُشتركات العلمية أنا أضمّ صوتي إلى منهجيّة العلاَّمة التسخيري هي ما نحرص عليها.

أما في الفروعيات أو الاختلافات، فأنا أنادي بأنّها تكون في قاعات البحث بأيدي العلماء، ولا تُطرَح في الإعلام على العوام، لكن أنا كما تفضّل الدكتور يحيى عندما نذكر الشيء نذكر نقيضه هناك أناس يبحثون عمّا يزيد الهوَّة والفِرقة والوحشة بين المسلمين، لكن في الواقع مثلاً أنا تحضرني الفتوى الشجاعة الرائدة للشيخ محمود شلتوت رحمة الله عليه حينما سُئِل عن جواز التعبِّد على غير المذهب السنّي، الرجل قال نعم إنّ شريعة الله سبحانه وتعالى وجب علينا ألا نتعبّد، ننكفئ على مذهب من المذاهب، وما وهذا كلام الشيخ شلتوت وما كانت شريعة الله تابعة لمذهب فهذا العلاَّمة وضع الأسس، وأيضاً من الأسس التي لا بدّ من أن نحرص عليها هي مسألة المُشتركات العلمية التي أصلها ونظرها وقدَّمها العلاَّمة التسخيري.

يحيى أبو زكريا: دكتور أحمد طبعاً نحن عندما نترقّى علمياً نذهب إلى الدليل العلمي، ونفهم كُنه القرآن ولبّ السنَّة النبوية الشريفة تجد أنّ الوحدة سوف تُرخي بظلالها على أفكارنا وأحكامنا، والأزهر في الواقع كان دائماً على خير في موضوع التقريب، وهنا تصريح للدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر يقول تكفير الشيعة مرفوض، وسوف أُصلِّي خلفهم في النجف الأشرف. هذا ما يجب أن يكون عليه المسلمون كل المسلمين والقرار ربّاني الله هو الذي دعانا إلى ذلك.

دكتور عباس بالعودة إلى بنيوية الشيخ محمد علي التسخيري الفكرية، الرجل كان مُجتهداً، أي له القدرة على الاستنباط بإجازات مُتعدِّدة من أساطين الفقاهة في النجف الأشرف، في قم المُقدَّسة، كان مُنتجاً للمعرفة، ناهيك عن إنتاج الحُكم الشرعي. أليس كذلك؟

عباس خاميار: بالتأكيد، حضوره الدائم في كل مكان، في كل المحافل العلمية كان يأتي بجديد أنا ركَّزت على القضايا المُستحدَثة التي كان يأتي بحلول لها، وخاصةً إشرافه الكامل في الفُقه المُقارَن عند المذاهب الأربعة، إضافةً إلى ذلك حواره مع نحن يجب أن نعرف شخصية العلاَّمة الشيخ التسخيري هي صحيح هو رمز للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ولكن هو كان مُلمّاً بالأديان، كان رمزاً حوارياً مع الآخرين، أنا تحدَّثت عن مكانته العلمية وعن احترامه للآخرين، هذا الاحترام الذي كان يفرضه بعِلمه وبذكائه وبأخلاقه، هذا الاحترام لن يعرف الجغرافيا، ولن يعرف الدين، ولا المذهب ولا القومية، كان عند الجميع هذه هي الشخصية الوسطية التي كان يؤمِن بها حتى النخاع كانت هي التي تجعل منه هذه الظاهرة هو كان مؤمناً داعية حقيقية بكل ما تملك الكلمة من معنى. وهذا ربما يكون نموذجاً، كونوا دُعاة للناس بغير ألسنتكم، هو كان داعية حقيقية بغير لسانه. هذا اللسان الذي كان في الحقيقة يواجه به الأفكار الضالَّة، ولكن بهدوء وباحترام وبذكاء وبحكمة وبأخلاق هذه الشخصية، الحقيقة كانت لها ميزات مهمة جداً كان يؤمِن بالقضية الفلسطينية، يؤمِن بالقدس، القدس كانت في قلبه دائماً، وفي فكره وفي ذهنه هذه نقطة لن يُضيِّع البوصلة كان يؤمِن بالمقاومة أينما كانت في جغرافيّتنا وفي تاريخنا وفي عقائدنا، وكان يستند إلى ضرورة هذه المقاومة إلى ضرورة الدفاع عن القضية الفلسطينية عن التقريب عن مواجهة التكفير بالذكاء وبالحكمة وبالمنطق وبالأخلاق وبالحوار. كان يتحاور مع الجميع مع الجميع يتحاور حتى مع أعدائه وأعداء فكره، وكان كما قلت المؤتمرات تشهد الشخصيات الكبيرة تشهد على ما أقول وتقف أمام هذه القامة الكبيرة، وتؤمِن بما يطرحه من أفكار وبما يطرحه من دراسات بما يتعلَّق بموضوع التقريب.

التقريب بين المذاهب الإسلامية والحوار بين الأديان كان منهجه هو أسَّس مؤسَّسات كبيرة مازالت هذه المؤسَّسات تعمل ليل نهار. هذا الرجل لن يتعب وخاصةً في السنوات الأخيرة عندما ألمَّت به أمراض مُتعدِّدة، كان يواجه ويُكافِح هذه الأمراض بقوَّة وبذكاء، وكان الحقيقة طائراً بين القارات السبع، وبين العواصم المختلفة وحاضراً في كل مكان لا يتعب حتى بما نشاهده، وكنّا نشاهده بالرغم من آلامه ومن أتعابه، ولكنّه لم يتعب، يسير هنا وهناك يطير هنا وهناك كان طائراً بين هذه العواصم وبين القارات السبع.

الحقيقة أنا أتصوَّر، وهذا ما شاهدته خلال يوم أمس عندما كان هناك التشييع لجثمانه الطاهر في ظلّ هذه الظروف الكورونية، أنا كنت أقرأ في وجوه المُشيِّعين هذا الحديث ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدَّها شيء بفُقدان العلماء، هذه كانت حقيقة أنا أتصوَّر، هناك سيحدث مع الأسف فراغ كبير نحن بحاجة إلى هذه الشخصيات بحاجة إلى هؤلاء التقريبيين، بحاجة إلى هؤلاء الوحدويين بحاجة إلى هذه الأفكار المُتنوِّرة التي تستطيع أن تنقذنا من مآسينا، ومن تحدّياتنا، ومن آلامنا في ظلّ هذه الظروف العصيبة والتحدّيات الكبيرة التي تواجه الأمَّة.

يحيى أبو زكريا: دكتور عباس أخي الحبيب لا شكّ أن الشيخ محمد علي التسخيري سيلقى المولى عزّ وجلّ مُطمئن القلب إذا تركنا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عقلائياً، عقلائياً الذي يذهب إلى ربِّه وهو يوحِّد المسلمين أفضل بكثير من الذي يذهب إلى ربِّه وهو يُفرِّق بين المسلمين ويدعو إلى قتل بعضهم وجزّ رؤوس الآخرين وهلمَّ جرّاً.

دعني في هذه العجالة استحضر قوله رحمة الله عليه يقول إنّ عدو هذه الأمَّة مُتّحد ويُقيم الولاية في ما بينه فإن لم نقم هذه الولاية في ما بيننا، وإلا لم نتحدّ كمسلمين فسنقع في الفتنة والفساد والعذاب، الأعداء أقاموا ولاية مُصطَنعة في ما بينهم هدفها القضاء على هذه الأمَّة.

دكتور أحمد كريمة قد قيل إن الإله ذو ولد وقيل إنّ الرسول قد كهن. ما نجا الله ولا الرسول من لسان الورى، فكيف؟ أنا ذكرت أن إبن باز كفَّر الشيخ محمود شلتوت، وأنا قرأت عشرات الكتب في تكفير الشيخ محمود شلتوت لأنّه أجاز التعبّد بالمذهب الجعفري ومدرسة أهل البيت. لا أحد يناقش في أنّها مدرسة كبيرة وعملاقة ويصعب أن نُلمّ بأطرافها في هذه العجالة. لكن ممّا قيل في الشيخ محمد علي التسخيري إنه كان يدعو إلى التقريب لنشر التشيُّع هكذا يُقال في بعض الأوساط. بالله عليك هذه المقولة صائِبة؟ وأنت قد زرت إيران والتقيته.

أحمد كريمة: بسم الله الرحمن الرحيم ما شهدنا إلّا بما علمنا، لمّا عزمت على إحياء مشروع التقريب المذهبي الإسلامي، مشروع الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، والسيّد القمي، وكان موجوداً أحد المحامين الراحلين محمد علي، وقرأت حوالى عشرة إصدارات قد لا تكوم معروفة عند الناس من الشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمد المراغي، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، والشيخ حسنين محمد مخلوف، والشيخ محمد عبد الله ديراز، والشيخ محمد الغزالي السقا والشيخ عبد العزيز عيسى، والشيخ محمد محمد المدني، والأستاذ عبد الصبور مرزوق وصدر كتاب نادر أحتفظ به لأنّه لديّ مركز في داخل المؤسَّسة الخيرية للتقريب دعوة التقريب تاريخ ووثائق إصدار وزارة الأوقاف المصرية للشؤون الإسلامية سنة 1991.

الحقيقة أعداء الأمَّة من عملاء وخَوَنة عندهم مراكز الوفاق الإسلامي والوحدة الإسلامية فيسعون إلى التفتيت بناءً على إملاءات وتوجّهات ممَّن لا يريدون للمسلمين خيراً. في كتاب يُعتَبر من الألغام في تكفير المسلمين إسمه فتاوى علماء البلد الحرام طبعة الجريسي في الرياض من ضمن ما في هذا الكتاب الفتوى أو الرأي الشاذّ اللغم الذي يُشعِل الحرائق ما بين المسلمين لمّا إبن باز وهو يُعتَبر من تلاميذ تلاميذ تلاميذ تلاميذ للشيخ محمود شلتوت يتّهمه بأنّه من الأغرار، وأنّه لا يفهم معنى الفُقه وكال له الاتهامات، واتّهم علماء الأزهر الذين يسعون للتقريب ما بين المسلمين، ما بين السنَّة وبين الشيعة وبين الإباضية بأنّهم لم تعركم الحياة، كأنّ إعلاء الوحدة الإسلامية، وللأسف وإذا كنّا نحن في بداية عام هجري جديد، ونعلم المؤاخاة التي أرساها النبي محمّد صلّى الله عليه وآله ما بين المهاجرين والأنصار وليقضي على العصبيات، وما بين الأوس والخزرج. هيّأ مشروع التقريب يمشي على أنوار ما فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم عقب الهجرة النبوية المُحمَّدية، لكن هناك أناس يُثيرون الهواجِس يتَّهمون العلماء الراسخين أمثال الشيخ شلتوت، بل وأشاعوا عنّي أنا ذلك قالوا هذا تمهيد للتشيُّع، قلت لهم نحن لا نسعى لا للتسنّن في بيئات شيعية ولا للتشييع في بيئات سنّية ولا تشييع وتسنّن في بيئات إباضية. هذه مذاهب علمية ويحتمل قولنا صواب، ويحتمل الخطأ وقول المُخالِف خطأ يحتمل الصواب.

لكنّنا نسعى لرأب الصَدْع، والآن الهوَّة الواسعة التي انقلبت إلى طائفيات وإلى قوميات وإلى نعرات شعوبيّة استدعيت من إبّان العهد الأموي في التفرقة بين المسلمين، والإيقاع مثلاً ما بين آل البيت والصحابة والصحابة وآل البيت وهكذا.

يحيى أبو زكريا: دكتور أحمد وما يزيد الطين بلّة وبلّة أنّ الذي يحارب التقريب والأخوّة والمحبّة والمودَّة والحوار والتلاقي بين المسلمين يدعو إلى الذهاب إلى تل أبيب، وجعل منها تل حبيب للأسف الشديد الصهيوني صار أخاً وقريباً وعزيزاً والمسلم صار عدّواً.

دكتور عباس خاميار طبعاً مدرسة التقريب في إيران أصبحت اتجاهاً فُقهياً حتى المُرشد الإيراني السيّد علي الخامنئي هو واحد أيضاً من روَّاد التقريب، ربما الكثير لا يعرف ذلك فلا خوف من ضياع مشروع التقريب ووحدة المسلمين في إيران الحبيبة. أليس كذلك؟

عباس خاميار: حقيقة أخي يحيى ربما أنت زرت إيران والتقيت بالكثيرين، وعرفت عن قُرب ما يدور في هذه الحوزات الدينية ومراكز الأبحاث والفكر الإسلامي والشيعي في هذه الحوزات. إذا أردنا أن نتعرَّف على الإنجاز الذي حَدَث بعد انتصار الثورة، وأنا أسمِّيها دائماً المُعجزة في مجال التقريب إذا أردنا أن نفهم ما حَدَث بالتأكيد يجب أن نعرف أين كنّا قبل انتصار الثورة وأين وصلنا. عند ذلك نعرف بأنّ هناك قفزات، ولم تكن خطوات أوجدها الإمام الخُميني الراحل، ومن بعد ذلك الإمام القائد الخامنئي بكل أناة وبكلّ إيمان، وهذا مُنتشر من خلال الكُتب ومن خلال المواقع الاجتماعية هذه قفزات لم يكن لها مثيل على مدى العقود والقرون الماضية قبل انتصار الثورة. أنا أتصوَّر هذه القناعة هي التي أهبت وأوجدت هذه الحال عند الاستعمار وعند الاستكبار وعند الدول المُعادية وعند الكثير من الفِرَق الضالَّة ليواجهوا هذا المشروع. هذا المشروع مُخيف هذا المشروع الذي يستطيع أن يُحرِّر الإنسان، هذا المشروع الذي يستطيع أن يُحرِّر القدس يُحرِّر الأراضي المحتلة، هذا المشروع الوحدوي والتقريب هو حقيقة ما نشاهده اليوم من مقاومة هذا ناتج من هذا الفكر التقريبي، هذا أمر مُخيف. فلهذا الآن تُطرَح هذه البدائل وتُطرَح هذه المؤمرات، وتُطرَح هذه اللقاءات لمواجهة هذا المشروع الوَحدوي. المرحوم العلاَّمة الشيخ آية الله التسخيري كان في الحقيقة عَلماً من أعلام هذا المشروع، وسار على نهج الإمام.

يحيى أبو زكريا: دكتور عباس أشرت إلى أن هذا المشروع يُخيف الكتلة الغربية الأعداء التاريخيين للعالم العربي والإسلامي. سأعضد قولك بمقولة لأرنولد تويمبي مُنظّر المركزية الغربية في تاريخ البشرية يقول: "لا يمكن التنبوء بمصير الغرب إذا توحَّد العرب والمسلمون دمَّروا وحدة العرب والمسلمين سوف يستمر الغرب قوياً" وهذا ما قاله اشبن غلار أيضاً.

الدكتور عباس خاميار من إيران الحبيبة شكراً جزيلاً لك. والعزاء لكم وللشعب الإيراني وللقيادة الإيرانية، ونسأل الله أن يتغمَّد الفقيد برحمته، ونسأل الله أن يُكثِر من العلماء الربّانيين الموحّدين الجامعين لا المُفرّقين والمُضلّين وفُقهاء الدماء. الدكتور أحمد كريمة المُفكّر الإسلامي ورائد من روَّاد التقريب في راهننا العربي والإسلامي من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، ووفقّكم الله للجَمْع بين المسلمين جميعاً.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.