النظام التعليمي في لبنان

الواقع التربوي والتعليمي في لبنان بعد مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير... التداخل السياسي والطائفي في التعليم، وعملية تنشئة مجتمع من دون هوية وطنية موحّدة وجامعة.

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، يحتفلون بمئويّةٍ رغائبيّة ثبت بالدليل الماكروني أنه لولا صوت فيروز في ستّين عاماً ونيّفٍ منها لكانت مُجرّد ركام، إنها مئويّة الصوت واللحن والكلمة لكنها على الأرض مئويّة الفساد والطائفية والشتائم والاحتراب. كيف تحتفل بمئويّة إنشاء بلدٍ على يد مُنتدِبٍ لم يستطع أبناؤه إصدار كتاب تاريخٍ موحَّد ولا الاتفاق على أحداثه التاريخية المعاصرة؟ كيف يكون بلداً واحداً ونهائياً وهو مُشلّع، مُشظّى منذ يومه الأول في التعليم الذي هو مُتطيّفٌ وبعضه مُتغرّب؟ كيف تحتفل بمئويّة بلدٍ انتشرت فيه جامعات المذاهب كالفِطر، وما إن حلّت المئة حتّى أشهرت إفلاسها فيما المدارس التي سحبت المال من جيوب أهل لبنان تمدّ يدها للتسوّل بعدما سرَّحت مُدرّسيها، ولأن العِلم والتربية عِماد الأمم نفتح هذا الملف مع الدكتور عماد غنّوم، والدكتورة عزَّة الحاج سليمان، والأستاذة نايلا حلّاني، والدكتور كريستيان خوري بعد تقريرٍ عن إشكاليّة كتاب التاريخ اللبناني.  

تقرير:  

ربّما يلتقي اللبنانيون على سرديّة التاريخ القديم ويتوقّفون طويلاً عند الفترة الفينيقية التي تدخل أيضاً في الصراع على الهوية، كما يختلفون على سرديّة التاريخ الطائفي وأسباب انزياحات الديمغرافيا. ربّما كان هذا مفهوماً لبُعده الزمني أما عدم إجماعهم على روايةٍ مشتركة للأحداث الكُبرى التي طبعت تاريخ لبنان الكبير منذ مئة عام فهنا الطامّة الكُبرى التي جعلت توحيد كُتُب التاريخ في لبنان إشكاليةً ونقطةً خلافية منذ عقود، وحائلاً من دون توحيد سكانه في الرؤى السياسية والثقافية والتاريخية والوطنية. 

بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 والاتفاق على دستور الطائف جرت محاولات في المركز التربوي للبحوث والإنماء لكتابة تاريخ لبنان الحديث، لكنّ جدار التناقُضات العالي بين الأطراف السياسيين وقراءاتهم الخاصة للأحداث التاريخية جعلت الأمر ثامن المُستحيلات، ولذلك تغيب حقبات من تاريخ لبنان عن كتاب التاريخ المُعْتَمد في المناهج الدراسية وأبرزها الحرب الأهلية وما تلاها والاحتلال الإسرائيلي والانسحاب عام 2000 والاغتيالات التي غيَّرت مسار السياسة اللبنانية.

يعتبر بعض الباحثين أن تعليم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي اللبناني والمشرقي بعد كتابته على أسسٍ علمية بحتة يركِّز على دور ومُنجزات اللبنانيين، ويبتعد عن منهج التأريخ الطائفي الذي يرسِّخ الأزمة الثقافية يُسهم في خفض منسوب الاحتقان الطائفي في أذهان الطلاب، ويُسهم في إرساء وحدةٍ مجتمعية تقبل بالتنوّع، وقد بات الأمر مُلحّاً بعد تعمّق الشروخ السياسية والمجتمعية إلى حدّ عودة ملامح الاحتراب. 

غسان الشامي: تحيّةً لكم، دكتورعماد غنوم سيّدي هل يؤدّي التعليم في لبنان دوره في بلورة هوية وطنية؟   

عماد غنّوم: مساء الخير أستاذ غسان لك ولضيوفك الكرام. في الحقيقة للأسف ما يحصل في لبنان أن التعليم أصبح على صورة الوطن، الإشكاليات والمشاكل التي يُعاني منها الوطن وتسلُّط الطبقة السياسية وزرعها للطائفية في مفاصل البلد ينتقل للأسف إلى التعليم. عندما نتحدَّث عن التعليم فهناك عناصر مُكوِّنة للعملية التعليمية، هناك طالب مُتعلِّم وهناك منهج تعليمي ويُضاف إلى ذلك مجتمع يستعدّ لاستيعاب هؤلاء الطلاب ومخرجات التعليم، وأيضاً المجتمع في آنٍ معاً يستوعب ويؤثّر في مخرجات التعليم، لذلك عندما يدرس الطالب المنهج فهناك مثاليات رائعة كثيراً، هناك أمور تُعزِّز اللحمة الوطنية لكن الطالب يدرسها في إطارٍ نظري بحت بينما يرى خلاف ذلك في المجتمع، فيدرك الطالب حينها أن عليه أن يحفظ ما درسه في المنهج التعليمي ليحصل على علامة في حين أن المجتمع على خلاف ذلك.    

غسان الشامي: ولكن هذا يعني أنهم يُعلّمون الطالب أن يكون لديه انفصام في الشخصية ما بين النظري والتطبيقي في المجتمع. 

عماد غنّوم: للأسف نعم، هذا الفصام يعيشه كل مواطن لبناني بين انتمائه الوطني والطائفي وهذا ما انعكس في التعليم أيضاً على المناهج التعليمية، لذلك أصبح الطالب يدرس شيئاً بينما يكون في مكانٍ آخر في المجتمع، لو طلبتَ من أيّ طالب كتابة موضوع عن النزاهة، عن الأمانة، عن الصدق فسيكتب لك موضوعاً جميلاً ولكن في المجتمع يمارس الفساد والواسطة والمحسوبية لأن المجتمع لا يسير إلا بهذا الشكل. لا يمكن للجزء أن يكون أفضل من الكل، إذا كان المجتمع اللبناني الكلّي منخوراً بالطائفية والفساد فإن هذه الطائفية والفساد تنعكس أزماتها على الواقع التعليمي وعلى الطالب المُتعلّم. 

غسان الشامي: دكتور غنّوم أين موقع التربية الوطنية بالتعليم في لبنان؟ 

عماد غنّوم: التربية الوطنية حالياً تعاني من المشكلات التي يعاني منها الوطن، الطائفية والفساد والمحسوبية التي يشهدها الطالب يقرأ في كتاب التربية خلاف ذلك، وفي الحقيقة عندما نتناقش في المدارس والجامعات مع الأساتذة أحياناً يناقشك الطلاب، يقول لك أحدهم أنت تعلّمني أن القانون يقول كذا والدستور يقول كذا والقِيَم والمبادئ تقول كذا ولكن كل ما ندرسه لا يمكننا تطبيقه في المجتمع، لذلك يتسلّط المجتمع على عقليّة وذهنيّة المواطن ولم يعد المواطن يؤمِن بما يدرسه ولا يحاول تصريفه ولا يحاول أن يستثمره حتّى، وهنا الكارثة الكبيرة، حينما يصل الفساد والطائفية إلى المنهج التعليمي وتصبح بدلاً من أن تستثمر المنهج التعليمي والتعليم لتغيير صورة الواقع أو لتغيير المجتمع أصبح المجتمع هو الذي يؤثّر في المنهج التعليمي وسأقول لماذا، لأن تسلّط الطبقة السياسية واستعمال سلطاتها الطائفية والمذهبية على المواطنين لا تترك أيّ مخرج أو أيّ مجال للمواطن كي يتقدَّم في حياته اليومية من دون الخضوع لهؤلاء. أنت تعرف أن السياسيين يتسلّطون على النقابات، انتخابات النقابات تُوزَّع وفق مُحاصَصة طائفية، وظائف البلد، المؤسَّسات الخاصة أصبحت محسوبة على فلان وعلّان من المواقع الطائفية، فهذا التسلّط وهذا التمسّك بقوّة بالمجتمع يرتدّ على التعليم، وأنت تعرف بالأصل أن المناهج توضَع لخدمة المجتمع ولتكون مرآته.   

غسان الشامي: سنأتي إلى موضوع المناهج. دكتورة عزَّة الحاج سليمان أين التعليم في لبنان من مسألة المواطنة، من مسألة المدنيّة، من مسألة حقوق الإنسان؟ أولاً هل توافقين على ما قاله الدكتور؟ 

عزَّة الحاج سليمان: نوعاً ما لأن موضوع كيف يُعطى كتاب التربية المدنية ودور الأستاذ في تفعيل هذه العلاقة بين الوطن والطالب، أيضاً كيف يُعيَّن الأساتذة في المدارس والتمييز بين المدارس الخاصة والرسمية، وعدم توحيد كتاب التربية المدنية وكتاب التاريخ التي هي الجذور التي قد تؤسّس لبناء مواطنة حقيقية. 

غسان الشامي: أين التعليم من المواطنة؟

عزَّة الحاج سليمان: لا يمكننا أن نتحدَّث عن التعليم ودوره في خلق مفهوم المواطنة من دون أن نركِّز على أن المادة العاشرة من الدستور اللبناني التي تنصّ على أن التعليم حرّ حمت حقوق الطوائف بتأسيس مدارسها وجامعاتها، وعلى غرار المادة التاسعة التي تنصّ على أن الدولة تحترم الطوائف وتترك لها مسألة تنظيم الأحوال الشخصية حصل عند تفسير هذه النصوص تقوية دور الطوائف على دور الدولة عِلماً أن الدولة تحترم وجود الطائفة وليس العكس، وبالتالي تمّ التفسير والممارسة وكأن الأساس في الدولة هو للتعليم الديني وللمؤسّسات الدينية، وكأنها أصبحت خارج إطار الرقابة والخضوع لمفهوم النظام العام عِلماً أن النصّ يقول إن التعليم حرّ شرط ألا يخالف النظام العام. ما هو النظام العام في لبنان؟ الطوائف تقول إن النظام العام طائفي على غرار الأحوال الشخصية، وليس عبثاً وُضعت هاتان المادتان تباعاً في الدستور وأثارتا هذا النقاش لأنهما تأسيس للمجتمع سواء بالأحوال الشخصية أو بالتربية. هل النظام العام هو نظام عام طائفي أم مدني؟ حُسم في محكمة التمييز أنه نظام عام مدني، الأساس أن الدولة مدنية حتى وإن كان هناك احترام لدور الطوائف.

غسان الشامي: ولكن هذا عنوان تلعب تحته الطوائف ذهاباً وإياباً.   

عزَّة الحاج سليمان: عندما لا يُحترَم الدستور والقواعد في الممارسة فلن أستطيع التأسيس لمفهوم المواطنة لأن المواطنة هي شعور بالارتباط بهذه القاعدة القانونية ومدى فعاليّتها بتنظيم المجتمع الذي أنتمي إليه، من هنا أتوافق مع الدكتور حول ما قاله عن التشظّي وعدم الواقعية بين النظري والممارسة، بالطبع حينما يكون القانون والدستور نظريين وغير ممارسيْن فأيّة ثقافة من ثقافة المواطنة؟ الأساس في ثقافة المواطنة هي ثقافة القانون. 

غسان الشامي: دكتور عماد كأنك تودّ أن تردّ؟

عماد غنّوم: أريد أن أشير هنا إلى مسألة، في الحقيقة أشرتِ إلى قضية احترام الدولة للطوائف وإلى التنوّع، أنا لست ضد المؤسَّسات الدينية في البلد لأننا في بلد غني ومُتنوِّع. 

عزَّة الحاج سليمان: أنا ضدّ.

عماد غنّوم: ولكن كما أساء أهل السياسة استثمار التنوّع، التنوّع اللبناني رائع والفُسيفساء اللبنانية رائعة وهذا الغنى الثقافي والتنوّع الذي كان يجب أن يُثري لبنان وحوّلوه إلى تناحُرٍ دامٍ، أيضاً أساءت الدولة من خلال تدخّلها في التعليم وفي المناهج التعليمية إلى هذا التنوّع وإلى هذا الغنى اللبناني في المؤسَّسات التعليمية، الإيمان لا يتعارض مع الوطنية، الإيمان علاقة رائعة مع الله.

غسان الشامي: وصلت الفكرة، هذا يحتاج إلى حلقة كاملة. أريد أن أكمل معكِ دكتورة عزَّة بما ذكرتيه، أين هو التعليم من المعاصرة في البلد؟

عزَّة الحاج سليمان: لا بدّ من أن نميِّز بين دور المدرسة الرسمية ودور المدرسة الخاصة على أساس ما ذكرناه قبل قليل والمشكلة الأساسية بتكريس الطائفية في المدارس تمّ تهميش المدرسة الرسمية، وشكل من أشكال التهميش هو تغييبها عن مواكبة التحوّلات. أما بالنسبة إلى المدارس الخاصة فيمكننا أن نُميِّز بين المدارس التي تواكب لأن لديها برامج ومناهج تواكب المناهج الفرنسية أو الأميركية وبالتالي تسلّط الضوء على القضايا المعاصرة والمدارس الخاصة الأخرى التي فتحت "دكاكين" وحتّى الجامعات. 

غسان الشامي: بلد من 4 ملايين ونصف مليون فيه 43 جامعة. 

عزَّة الحاج سليمان: نعم، وعلى مقاسات طوائف أيضاً ومذاهب وشخصيات وتجارة، وهنا المشكلة، عندما يتحوَّل التعليم إلى تجارة في الخاص ويتحوَّل الأستاذ إلى أداة وليس دوراً، ويتحوَّل الطالب إلى سلعة مقابل دفع ثمن الخدمة فالتعليم حينها لا يكون خدمة عامة ولا يكون هدفه ترقية المجتمع بل يصبح جزءاً من التجارة في عالمٍ مُعوْلَم نيوليبرالي وبغيابٍ تام للقانون، فقدت الممارسة التربوية لكل أبعادها المعاصرة التي يجب أن تكون مواكبة للتحوّلات. 

غسان الشامي: أستاذة نايلا حلّاني أريد أن أسألكِ عن أمرٍ يقودنا إلى جزء من الحساسية حيال مفهوم التعليم الديني، المناهج والتعليم الديني أين هي من مسألة حقوق الإنسان في هذا التعليم؟

نايلا حلاّني: لنبدأ بالتعليم الديني، في الأساس أعتبر أن التعليم الديني في المدارس ليس في محلّه، مَن يريد أن يتعلّم الدين فليتعلّمه في منزله لأنه حين يتمّ تعليم الدين في المدارس تحصل أدْلَجة لعقول الطلاب، نحن نفرض عليهم أمراً ربّما لا يريدونه، وربّما جاؤوا إلى المدرسة من أجل هذا الأمر ولكن في المبدأ للمدرسة دور أساس وهو بناء شخصية التلميذ وإعطائه معلومات يستمرّ من خلالها في الحياة. لا أعرف إذا ما كانت المناهج الدينية والتربوية تُعطي الطالب حقّه أو تكون جزءاً من حقوق الإنسان، لا أعرف كم تحترم هذه الأمور لأنه في مكانٍ ما حقوق التلميذ غير مُحترَمة، مثلاً حقّه في الراحة، حقّه بمُمارسة نشاطات مُعيّنة، حقّه بالتعلّم الجيّد، حقّه في النشأة حرّاً، لا يمكنني أن أفرض أفكاري على التلميذ وإلا فإنني أخنق حرّيّته.   

غسان الشامي: ماذا أعلّم التلميذ إذاً؟

نايلا حلاّني: تعلّمه أولاً أن يكون إنساناً حرّاً، مسؤولاً لأن الحرية لا تكون من دون مسؤولية، يجب أن أعلّمه الحرية المسؤولة، يجب أن تنظّف مكانك، لا يجب أن ترمي الورقة على الأرض، هذه مسؤولية، أنت مسؤول عن أغراضك وعن نظافة مقعدك، هذه التفاصيل صغيرة ولكنّها تبني الشخصية من دون أن نشعر.  

غسان الشامي: وفي سياق الأمور الكُبرى، المفهوم المناقبي، الأخلاقي، هذا يقود إلى الدين.  

نايلا حلاّني: هذا يقود إلى المسؤولية المواطنية، لا يمكنني بناء مواطن جيِّد وصالح إذا لم أعلّمه على النظافة، على المسؤولية، على الحرية، على الاختيار الصحيح، على احترام الآخر، عدم إيذاء الآخر. للأسف في مسيرتي التعليمية شهدت تحوّلاً سلبياً، أوّل جيل علّمته كان شيئاً والجيل الذي علّمته السنة الماضية كان شيئاً آخر مختلفاً كلياً. 

غسان الشامي: ما الفرق بين الجيلين؟

نايلا حلاّني: الفرق بين الجيلين والذي يمتدّ على مرحلة كبيرة أن الجيل الأول كان يحترم، لديه أخلاقيات، يهتمّ بالنظافة العامة والشخصية، يهتمّ برفاقه، لديه نوع من التعاطف مع الآخر، أما الجيل الحالي للأسف ليس على نفس المستوى القِيَمي الذي كان موجوداً سابقاً، لم يعد لديه نفس التعاطف مع الآخر، وأنا أحمِّل مسؤولية هذا الأمر ليس فقط للمدارس وإنما للتلفَزَة وللبيئة التي يعيش فيها الولد.  

غسان الشامي: الأهل غير مسؤولين؟ 

نايلا حلاّني: بيئته هي بيته لأن الأهل والتلفَزَة والمدرسة يتأثّر بهما التلميذ كي تنمو شخصيّته والنمو مهم، النمو هو أن أساعده في أن يكبر بطريقة جيِّدة ليصل إلى التكامُل.

غسان الشامي: لديّ سؤال آخر لكِ، كما ذكرت دكتورة عزَّة مدارس وجامعات مُقسَّمة بين الطوائف والمذاهب، من هذه المصطبة كيف يمكن الانطلاق نحو مفهوم تشارُكي، مفهوم مواطنة؟ كيف يمكن أن نوصل هذه الجامعات الحاضرة المُقسَّمة لأن تكون في سياق وطني عام؟   

نايلا حلاّني: هناك حلّ جميل للغاية يمكن أن تعتمده جميع المدارس لأن تنشئة الطالب تبدأ من المدرسة والبيت، بدلاً من إعطاء دروس دينية خاصة في كل منطقة وبناء نوع من الجدار مقابل الآخر لماذا لا يتمّ استحداث منهج ديني موحَّد هو تاريخ الأديان وتعليمه للتلامذة كي يتقبّلوا الآخر في المرحلة الجامعية. هناك مناطق تشعر فيها بتقبّل الآخر أما في مناطق أخرى ليس لديهم استعداد لتقبّل الآخر وإن كانوا يسايرونه ظاهرياً، في الظاهر تشعر أنهم مُتحابّون وأصدقاء أما حين يكون كلٌّ منهم في بيئته يختلف الموضوع.  

غسان الشامي: هذا هو التكاذُب.

نايلا حلاّني: نعم التكاذُب الاجتماعي الذي تحدَّثنا عنه سابقاً وذلك بسبب أنه نشأ على أن الآخر ليس مثله. 

غسان الشامي: دكتور كريستيان خوري كأستاذ للتاريخ أيّ تاريخ يُدرَّس في المدارس اللبنانية؟ أيّ تاريخ يُدرَّس في الجامعات؟

كريستيان خوري: أنا أدرِّس تاريخ لبنان الحديث والمُعاصِر في الجامعة اللبنانية، نحن نحرص على إعطاء التاريخ بمعنى الأحداث التاريخية ونترك للطالب حرية التحليل، وبالتالي عند إجراء مسابقة في التعليم الجامعي لا نعطي سؤالاً وجواباً بل نعطي نصّاً تاريخياً ونُحلّله ونناقشه، ويُترَك تقييم الحَدَث التاريخي للطالب الذي قد يُقيِّم الحَدَث التاريخي الوارِد في الوثيقة بشكلٍ إيجابي ويحصل على العلامة الكاملة بينما يُقيِّم طالب آخر بشكلٍ سلبي ويحصل على العلامة الكاملة، الأمر هنا هو وجهة نظر ولكن المهم هو أن يكون التحليل صحيحاً، هذا الأمر غير مُطبَّق في المدارس، لا زلنا في المدارس نطرح سؤالاً والإجابة جاهزة، هذا هو الفرق بين نمط التعليم عندنا والتعليم في الدول خارج المنظومة المُقيّدة، وهنا لا أتحدَّث عن نمطٍ غربي أو شرقي لأن التعليم في اليابان هو كالتعليم في فرنسا، نعطي نصّاً ونحلّله ونخرج بمُعطيات تفيدنا للمستقبل، مثالٌ بسيط الخلاف الفرنسي - الألماني، الحرب العالمية الأولى والثانية، انتهوا منه بمعنى أن الفرنسيين والألمان توصّلوا على صعيد الطلاب، في المدارس، الأهل وفي المجتمع ككل أن الحرب الجميع فيها خاسِر دائماً، حتى وإن ربحتُ الحرب ومات عندي ثلاثة ملايين ومات عنده أربعة ملايين فأنا خاسِر، بهذا المعنى فهموا أن الحرب خاسِرة واتّجهوا نحو فكرة الصَفح. نحن في لبنان لم نتناول هذا الموضوع ولم نتّجه نحو تنقية الذاكِرة الجماعية حتى عند أولادنا، هناك مدارس بالفعل تعلِّم بشكل جيِّد وهنا الأمر مُلقى على عاتق المعلّمين، حينما أحرص على الإتيان بمعلّمٍ اختصاصي بمادته ويفهمها يجب أن أعرف ماذا سيُعطي، للأدب العربي عليّ الإتيان بمجاز في اللغة العربية، للتاريخ عليّ الإتيان بمجاز في التاريخ، ولكن حينما يكون لدى أستاذ الأدب العربي ساعتا فراغ فسأطلب منه تمضيتهما في الصف التاسع.    

غسان الشامي: لماذا برأيك لم يستطع لبنان إنجاز كتاب تاريخ موحَّد؟ 

كريستيان خوري: نستطيع إنجاز كتاب التاريخ الموحَّد عبر أكاديميين وهذا الأمر حصل، ولكن المشكلة كانت في تقديمه إلى مجلس الوزراء لأن كل وزير يريد أن ينال رضا حزبه وطائفته وربّما طائفته تريد أن تنال رضا المرجع الأكبر في الطائفة خارج البلد، وبالتالي هنا المشكلة الكبرى حيث نقف عند الكلمة، وبالرغم من ذلك حتى لو بسّطت هذه الكلمة وأعطيتها منحىً كاملاً وقدَّمت هذا المنهج للمُعلّمين في المدارس فكل مُعلّم سيُعطيها صفته الخاصة، قليلون جداً مَن يعطون التاريخ بمنحى الأحداث، هو يُعطي تحليلاً ويقول للطالب إن رأيه غير مهم، احتفظ برأيك لنفسك وتناقش به مع أهلك وفي مجتمعك، أنا أعطيتك الحَدَث وأنت فكِّر. 

غسان الشامي: سأعاود سؤالك في هذا الموضوع ولكن بعد الفاصل، أعزائي بعد الفاصل انتظرونا في حديث عن العِلم والمناهج في لبنان خلال مئة عام.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، دكتور كريستيان أنت لامستَ الجرح من دون أن تضع عليه الملح، بمعنى أنك ذكرتَ أنه حين يصل الموضوع إلى السياسيين يتوقّف، الساسة في لبنان خارج التاريخ، لبنان من حتّي إلى اليوم يوجد فيه مؤرِّخون كبار، من المُعيب أن يكون هناك كتب لمؤرِّخين كبار موجودة في المكتبات ولا يوجد كتاب تأريخ على الأقل لتأريخ الحرب التي ذهب ضحيّتها مئتا ألف شهيد في لبنان، يجب أن نضع سيّدي إصبعنا على الجرح ونقول مَن وقف بوجه كتاب تاريخ موحَّد يجمع اللبنانيين. 

كريستيان خوري: كل السياسيين المُنتمين إلى طوائفهم، الكل بشكل مباشر أو غير مباشر، أنا لديّ محور أرفضه، أنت لديك محور آخر ترفضه، أنا لن أسمّي الحروب الصليبية شيئاً عظيماً وأنت لا تريد أن تسمّي الفتح العربي شيئاً عظيماً، ببساطة كلّيّة، أنا أسمّيه فتحاً عربياً وأنت تسمّيه حروباً صليبية، لم نتكلّم في الدين ولكن في المعنى الحروب الصليبية تخصّ المسيحيين والفتح العربي يخصّ المسلمين، هذا الواقع في لبنان. 

غسان الشامي: في التاريخ المعاصر.  

كريستيان خوري: أيضاً في التاريخ المعاصر هناك أحداث نختلف في تقييمها، مُجرَّد أن نذكر سلسلة رؤساء الجمهورية اللبنانيين مباشرةً يقول لك أحدهم هذا الرئيس عظيم وهو بنظر الآخرين عميل أو خائن، لا يوجد اتفاق على المُسلّمات التي ننقلها إلى طلاب المدارس. الأمر أسهل مع طلاب الجامعات لأنه منذ البداية وخاصة في الجامعة اللبنانية، أنا فخور أنني أدرِّس في الفرع الثاني حيث يوجد من كل التيارات السياسية، حين تتحاور مع طلابك فأنت تنقل أفكاراً عالمية موجودة في كتابة التاريخ بشكلٍ عام إلى طلابك ليشغّلوا فكرهم.   

غسان الشامي: أستاذة نايلا لديها شيء.

نايلا حلاّني: أريد أن أعلِّق على ما قاله الدكتور كريستيان، المشكلة في كتاب التاريخ الموحَّد ألا أحد مُستعدّ أن يعترف بالحقيقة ولا أحد مُستعدّ أن يعترف بخطئه، جميعهم أخطأوا بحقّ لبنان وبحقّ المواطن اللبناني من دون استثناء، كلّ مَن حمل البندقية وأطلق النار هو مُخطئ، يجب عليهم جميعاً أن يعترفوا بخطئهم وأن يطلبوا السماح من الشعب اللبناني من دون استثناء، ولكنهم غير مُستعدّين لقول الحقيقة أو لمواجهة أنفسهم بالحقيقة ويخافون دائماً من الحقيقة، لذلك هم غير مُستعدّين على الاتفاق على كتاب تاريخ موحَّد خشيةً من الفضيحة أمام الجيل الجديد الذي لا زالوا يكذبون عليه حتى الآن، والذي يربّون فيه الحقد تجاه الآخر، حتى اليوم لم يتعلّموا من آثار الحرب، حرامٌ أن نربّي طفلاً بريئاً طاهِراً على الحقد تجاه شخص لا يعرفه، حرامٌ أن أجعل هذا الطفل الذي هو مستقبل البلد إنساناً مشوَّهاً، عنيفاً، يكره الآخر، ما الأسوأ من أن أربّي الكره والحقد في الإنسان تجاه الآخر لأنني أنا أكره هذا الآخر. 

كريستيان خوري: بهذا المعنى أريد أن أعطي اختباراً صغيراً عشناه، أقمنا دورةً مع المركز التربوي للبحوث والإنماء حول الصراع بين الجيش الجمهوري الإيرلندي السرّي والحكومة البريطانية، وكيف استطاع النظام التربوي الموجود حالياً والمُطبَّق في المملكة المتحدة أن يتخطَّى هذا الصراع الذي استمر عشرات السنين ليس عبر فكرة الاعتراف بالخطأ وإنما عبر الاعتراف بأن شهداءهم الذين قاتلوا كانوا يعتقدون أنهم يقومون بعملٍ عظيم، وبعد ذلك أنا أعتذر منك وأنت تعتذر منّي ونعيش سوياً.  

غسان الشامي: هل تريد أن تقول شيئاً دكتور عماد أم أسألك سؤالاً عن دور المدرسة الرسمية والجامعة الرسمية في ضبط هذه الخلافات في موضوع تاريخ لبنان؟  

عماد غنّوم: سأنطلق مما قالته السيّدة نايلا والدكتور كريستيان لأجيبك على هذا السؤال، المجتمع يؤثّر على الطالب أو على الطفل أكثر، المشاكل التي تحدَّثتِ عنها جميعنا نعاني منها، الطالب الذي لديه فرديّة والذي فقد التعاطُف والذي لا يحترم، ولكن هذا لا علاقة له بالتعليم الديني إنما هو نتيجة الثقافة الوافِدة إلينا التي تُعلي من الفرديّة لدى الطالب.  

غسان الشامي: وافِدة من أين؟

عماد غنّوم: قد تكون من الغرب وقد تكون أصبحت منتشرة في مجتمعنا.  

غسان الشامي: ليس في الغرب فقط، كلٌّ منا يرى نفسه عظيماً.

عماد غنّوم: صحيح وهذا يجعلنا غير مُتعاطفين، على العكس إذا علّمتُ الدين كأخلاق وكمحبَّة للآخر، كاعتراف وغنىً، أنا أركِّز على هذا الغنى اللبناني والتنوّع اللبناني وأن نستثمره. أريد أن أتحدَّث في موضوع الجامعة الوطنية المظلومة جداً في لبنان، نحن أساتذة جامعيون وكما يعرف الدكتور كريستيان إننا فخورون بانتمائنا لهذه المؤسَّسة، زملاؤنا من كل ألوان الطيف اللبناني، طلابنا كذلك، لا حواجز بيننا في قلب الحَرَم الجامعي، نحن نقوم بواجبنا، الطالب يتعلّم منّا ويكتسب ويتفاعل مع كل ألوان الطيف اللبناني ويعطي ويأخذ منهم. في الحقيقة هناك ثلاث مؤسَّسات في لبنان بأهميّة المؤسَّسات الدستورية هي: الجيش اللبناني، الجامعة الوطنية التي هي الجيش اللبناني الثاني، ومصرف لبنان الذي يُعطي الأمان الاقتصادي للبلد. الطبقة السياسية والطائفية تحاولان إضعاف الجامعة اللبنانية، يجب أن نُسمِّي الأمور بمُسمّياتها، في الجامعة الوطنية هناك 82 ألف طالب، من أكبر جامعات العالم وليس من أكبر جامعات لبنان فقط بميزانية لا تتعدَّى ال 250 مليون دولار بينما أصغر جامعة ببضعة آلاف في دولة تحترم التعليم ميزانيّـتها 4 أو 5 مليارات دولار، أنظر إلى الفرق الشاسِع.     

غسان الشامي: الجامعة الأميركية 800 مليون دولار السنة الماضية، أما هذه السنة فنفس ميزانيّة الجامعة اللبنانية.

عماد غنّوم: تخيّل أن 80% من الكوادر التعليمية في الجامعة اللبنانية والدكتور كريستيان يعرف عما أتحدَّث هم من المتعاقدين، ليس لديهم أمان وظيفي، ليس لديهم تأمين صحّي ولا بدل نقل، لا يمتلك نفقات استشفاء أبنائه فكيف تطلب من هذا المُعلّم أن يعطي وهو يعطي من قلبه ومن انتمائه الوطني، ومن انتمائه لهذه المؤسَّسة التي يحترمها ويُقدِّرها، وهذا الأمر مُخالف للقانون، تخيَّل أن 80% من الكوادر في الجامعة هم من المتعاقدين، الطبقة السياسية الطائفية تُمعِن في حرمان الجامعة من تمويلها.   

غسان الشامي: ولكن هذه الطبقة السياسية أيضاً توظّف أساتذة جامعيين من جماعتها، كلٌّ له مخدَّة يتّكئ عليها. 

عماد غنّوم: هذا ما تحدَّثت عنه للأسف، المجتمع يقول لك إنك لن تتوظّف إلا بعد أن تسير خلف طائفتك.  

عزَّة الحاج سليمان: ليس المجتمع فقط، هذا واقع سيطرة القوى السياسية التي قسَّمت الجامعة اللبنانية وأصبحت فروعها على مقاس الطوائف، لا يمكننا التغاضي عن هذا الموضوع، نحن نسعى لاستعادة دورها الوطني وتحويل قضية الجامعة اللبنانية إلى قضية وطنية بامتياز.   

عماد غنّوم: رَفْع يد السياسيين عن الجامعة، أيضاً دعم البحث العِلمي، كما هي حال نهضة الصين التي أصبحت مارداً يواجه أقوى الدول الغربية، حينما أنفقت على التعليم في الجامعات والبحث العِلمي. 

غسان الشامي: هذا الأمر مفروغ منه، تريد أن تطوِّر فعليك تطوير المنهاج التعليمي والوصول إلى اقتصاد معرفي، ماذا كنتِ تودّين أن تقولي دكتورة؟    

عزَّة الحاج سليمان: كنت أركِّز على فكرة تقسيم الجامعة اللبنانية التي أصبحت على شاكلة هذا الوطن المُقسَّم على فروع مُتعدِّدة لأحزاب مُتعدِّدة وأصبحت مثل مملكة وكل حزب له مملكته في التوظيف، في الطلاب، في الأساتذة، في الإداريين، في العمادات، إذا كان تعيين عميد قد يؤخِّر التعيين سنة حسب الانتماء الطائفي والسياسي شلّ الجامعة اللبنانية وانعكس في حياة الطلاب.       

غسان الشامي: نفهم من هذا الموضوع أن الجامعة الوطنية هي بمعنى "حارة كل مين إيده إله"؟

كريستيان خوري: هذا كلام خطير لا أؤيّده.

عزَّة الحاج سليمان: حين نتحدَّث عن النوايا السياسية فنحن نعود إلى نفس الإشكالية المطروحة، لا يمكننا أن نطلب من مُجرمي الحرب أن يُديروا مرحلة سِلم من دون المحاسبة. قانون العفو الذي صدر بعد اتفاق الطائف شرَّع كل أشكال الانتهاكات ومنها محاولة السيطرة على الجامعة اللبنانية، هذا لا ينفي أن أساتذة الجامعة اللبنانية يُقدِّمون من اللحم الحيّ ويحاولون تخطّي هذا الأمر للمحافظة على الدور الوطني للجامعة اللبنانية، ولكن دور الأستاذ الجامعي وظلمه وتهميشه هو جزء من السياسة العامة الطائفية للمحافظة على الزبائنيّة داخل الجامعة اللبنانية. الجامعة اللبنانية تناضل كما يناضل كل مواطن لبناني للمحافظة على دورها وهي أبقت هذا الدور، ونحن نشهد أن طلابنا وأساتذتنا كانوا مثالاً للتفاعُل والتعاضُد الاجتماعيين عند الضرورة، ونحن رأينا خلال أزمة كورونا وفي أزمات مُتعدِّدة كيف كانت الجامعة اللبنانية هي الحصن لهذا الوطن، ولكننا نركّز على الأداء السياسي في التعامُل مع الجامعة اللبنانية.     

كريستيان خوري: أنا لا أختلف معهم في أن الجامعة بحاجة إلى ضخٍّ مالي وبحاجة إلى مُساندة الأبحاث والمختبرات وتفريغ الأساتذة، ولكن أريد أن أقول إن إنتاجية الجامعة اللبنانية على الأرض هي التي ترفع الرأس، وأنا فخور، أنا بدأت بالتعليم في الجامعة اللبنانية بزحلة وأنا أسكن في جبيل، كنت أعلّم ساعتين إلى زحلة وأعود إلى جبيل أي أنني أقضي أربع ساعات على الطريق، علّمتُ في زحلة، علّمتُ في الفنار ولديّ طلاب في طرابلس.

غسان الشامي: دكتور دعنا نذهب إلى المباشر لو سمحت.  

كريستيان خوري: في فترة الأحداث وكورونا اعتمدنا طريقة التعليم أونلاين، كان من الضروري أن نوحِّد الرؤية لأن ما أعطيه يجب أن يكون مسموعاً في طرابلس، في صيدا، في زحلة، وزملائي كذلك الأمر، استطعنا خلال فترة أسبوع أن نتّفق على كيفيّة التعاطي في الفروع الخمس للجامعة اللبنانية واستطعنا أن نعلّم طلابنا عن بُعد.  

عماد غنوم: كفاءات رائعة، طلابنا رائعون، نقاتل باللحم الحيّ لنواجه هذه الطبقة السياسية.

غسان الشامي: أنتم أبناء الجامعة اللبنانية وكلّنا أتينا من هذا المكان الوطني ولكن مقابل ذلك يجب أن نضع إصبعنا على الجرح، إذا كان هناك أمر جيِّد في هذا الوضع المُتردّي للبلد فعلينا أن نسأل بعضنا. أريد أن أسألكِ أستاذة نايلا، سأعود إلى الأمر الذي نختلف عليه، يقول إميل دوركايم: "المؤسَّسات التربوية في مجتمعٍ ما بزمانٍ مُعيَّن تشكّل جزءاً من نظامٍ عام وتنفِّذ أفكاره". هذا كلام خطير وحقيقي، إذا كان هذا النظام السياسي بهذه الصورة فالجامعة والمؤسَّسة التعليمية بهذه الصورة، أولاً هل توافقين على ذلك؟ وكيف يتبدَّى هذا في النظام التعليمي في بلادنا؟ 

نايلا حلاّني: كلام صحيح للأسف وما نراه على الأرض هو انعكاس لهذا الكلام، انعكاس لفساد نظامنا السياسي، فساد الطبقة السياسية التي تمسك زِمام البلد منذ فترة طويلة وتذهب به باتجاه الانهيار والمهوار، ليس الانهيار الاقتصادي فقط وإنما الانهيار القِيَمي الذي هو أسوا بكثير من الانهيار الاقتصادي، يمكنني ان أُحيي الاقتصاد ولكن ليس من السهولة أن أعيد إحياء القِيَم الإنسانية أو الإنسان.

غسان الشامي: أو أعيد إحياء التعليم؟   

نايلا حلاّني: التعليم هو جزء من بناء الإنسان، إذا لم يكن التعليم هدفه الإنسان فهناك مشكلة.    

غسان الشامي: أقصد كمؤسَّسة.   

نايلا حلاّني: مئة بالمئة، المؤسَّسات التعليمية كما قالت صديقتي وزميلتي وحبيبتي الدكتورة عزَّة إنها للأسف أصبحت "دكاكين"، البعض بالطبع لأن هناك مدارس مُحترَمة وقوية ولكن هناك نوع من التجارة، التعليم ليس تجارة.  

غسان الشامي: لماذا تخجلين من القول إن أغلب التعليم في لبنان هو تجارة فقط؟  

نايلا حلاّني: أصبح تجارة للأسف، التلميذ ليس زبوناً، التلميذ هو النبتة التي نُسقيها لتُزهِر، لا يمكنني الاستهتار به، أمر مؤسِف. الدكتور كريستيان تحدَّث عن كتب التاريخ وتعليمه، للأسف التاريخ الذي ندرسه اليوم هو مزوَّر بأغلبيّته، مُزيَّف، غير صحيح، لقد تعلّمنا أموراً خاطئة ونعلّمها لأبنائنا، نحن نبني مجتمعاً كاذباً، وحتى الآن لم تحصل أية مُصالحة أو عدالة ترميمية في لبنان، إذا لم تحصل العدالة الترميمية في لبنان فإننا ذاهبون إلى المهوار.   

غسان الشامي: دعينا نرى كيف يمكننا الذهاب نحو المستقبل، سأسألك حتى لا نبقى في الدائرة نفسها، جميعنا نعرف أن الطوائف فتحت المدارس لأبنائها أيام العثمانيين والمُتصرفية ولكن منذ 1920 أنت تعرف أن المناهج لم تتغيَّر إلا بعد الموافقة على الميثاق الوطني عام 1943، في العام 1947 حصل أوّل تغيير في المناهج، قبل الحرب الأهلية في لبنان في العام 1971 حصل تغيير في المناهج، وكذلك في العام 1997 بعد اتفاق الطائف، هل كل مرة دكتور غنّوم نحتاج إلى حروبٍ كي نغيِّر مناهجنا؟ 

عماد غنّوم: أنت أشرتَ إلى ما قاله دوركايم كيف تكون المؤسَّسة التعليمية جزءاً من نظام مُعيَّن في واقع مُعيَّن، أريد أن أضيف على ذلك ما قاله لويس ألتوسير الذي قال إن المؤسَّسات التعليمية هي أدوات خطيرة في يد الطبقة السياسية، هذا هو الحاصِل في لبنان، دائماً ما نشتكي ونرفع الصوت من السياسيين الذين تقف الطوائف خلفهم وتُعلي شأنهم ويتدخّلون بإسمها في كل شارِدة ووارِدة في لبنان حتّى في المناهج التعليمية. كي نكون مثاليين يجب ألا نقبل بحرب لتغيير نظامنا التعليمي، تخيَّل أنه خلال مئة سنة تغيَّر النظام التعليمي ثلاث مرات، الدول التي تمتلك رؤية يُفترَض أن يتغيَّر النظام التعليمي فيها كل بضعة سنوات، يجب أن يُعاد تقييم المنهج التعليمي كل خمس سنوات وتغييره ليواكب الحَدَاثة والمُعاصَرة، تخيّل أن أعطي طلابي درساً عن الأدب والتكنولوجيا وكيف تنعكس التكنولوجيا في الأدب، الصورة الموضوعة لآلةٍ في الكتاب لم تعد موجودة لأنها كانت منذ 25 سنة ولم يتغيَّر الكتاب منذ تلك الفترة. إذاً لا بدّ من أن تطلق الدولة يد الأكاديميين كما قال الدكتور كريستيان، نحن في الجامعة اللبنانية وفي ظرف أسبوع اتّفقنا على منهجٍ موحَّدٍ في خمسة فروع وبآليات موحَّدة وبتوزيع موحَّد للدروس. يجب أن ترفع الطبقة السياسية يدها عن الأكاديميين وأن تمنحهم التمويل اللازم، وأؤكِّد لك أنه في لبنان لدينا طاقات أكاديمية ومُفكّرون ومؤرِّخون وأدباء رفعوا إسم لبنان عالياً، أنا سافرت إلى الكثير من الدول العربية، حينما تقول لبنان يتذكَّرون وطن جبران، هم يحترمون الأدب اللبناني كثيراً. 

غسان الشامي: لا أريد أن أعود إلى الشعر "لبنان يا أخضر حلو"، و "من طاقة العرزال"، جميل جداً ولكن الواقع سيِّىء جداً. سيّدتي مَن يراقب التعليم في لبنان إذا كانت المناهج قد تغيَّرت ثلاث مرات خلال مئة عام؟

عزّة الحاج سليمان: غياب الدولة وغياب القوانين وإطلاق الحريات للأحزاب الطائفية، السياسة هي طائفية، ليس لدينا سياسة ولا دولة ولا حقوق.   

غسان الشامي: مَن يراقب التعليم؟ 

عزّة الحاج سليمان: لا أحد، "حارة كل مين إيده إله"، هناك أنظمة ولكن كيف تُطبَّق، نحن نشهد على فضائح ما يحصل في كواليس وزارة التربية على مدى سنوات سابقة ولكن يهمّني التركيز على أمرٍ قبل ان أتحدَّث عن الرقابة لأن مفهوم الرقابة يقابله مفهوم الحرية وتثير هذا النقاش، تبقى الأخلاقيات والأخلاقيات هي التي تضبط في ظل منظومة حديثة ومعولَمة ووسائل تواصل اجتماعي وتعليم أونلاين وغيره، كيف تُبنى الأخلاقيات؟ نعود إلى نفس النقطة، أريد أن أركّز على مسألة أساسية في الجامعة اللبنانية كما في المدرسة الرسمية التي يجب أن تكون مساحة عامة، في لبنان لا توجد أمكنة عامة، الجامعة اللبنانية التي هي مساحة عامة للتلاقي والحوار تحوّلت بالمناهج إلى ما نسمّيه مناهج LMD, Credit على غرار النمط الأميركي، ليس هنالك وقت للأساتذة مع توظيفهم بالطريقة التي شرحوا عنها للنقاش ولا وقت للطلاب للمناقشة  في ما بينهم، لا توجد كافتيريا في الجامعة اللبنانية، هذا المكان - المساحة العامة يقودني إلى الساحة العامة التي وُجدت على أثر ثورة 17 تشرين حيث تحوَّلت الساحات إلى جامعات من اختصاصيين وخبراء ونقاشات، وهذا كان يمكن البناء عليه.    

غسان الشامي: في الأيام الأولى قبل أن يذهب إلى العنف.  

عزّة الحاج سليمان: نعم 17 تشرين.  

غسان الشامي: لقد ضاق بي الوقت، أريد أن أتوجَّه بالسؤال للأستاذة نايلا والدكتور كريستيان لأنه يدخل ضمن اختصاصك أستاذة نايلا، لماذا انكفأت اللغة العربية؟ أنتِ تتابعين الشأن الفرنسي، لماذا انكفأت اللغة العربية في مدارسنا وحتى في جامعاتنا؟ نحن بدأنا التنوير وعصر النهضة.  

نايلا حلاّني: اللغة جميلة ودراسة اللغات أمر جميل، اللغة العربية انكفأت ببساطة لأن خيال التلميذ توقّف.  

غسان الشامي: ما علاقة الخيال؟   

نايلا حلاني: هل تتذكَّر طفولتك؟   

غسان الشامي: كلا أطفأوا قلبي ولم يتركوا لي مكاناً.   

نايلا حلاّني: أطفأوا كل شيء، طفولتنا كانت جميلة، كنا نلعب ونتسلّق الأشجار والتلال، إذاً خيالنا نما، حينما كنا نكتب موضوعاً إنشائياً كنا نكتبه بطريقة جميلة بينما خيال الولد الآن إجمالاً انحصر بشيء مُعيَّن داخل آلة تُسمّى الهاتف الذكي أو "التابلت" لدرجة أن التابلت أو الهاتف أصبح أذكى من الولد، أصبح تفكيره محصوراً بمكانٍ واحد ولم يعد يمتلك الخيال ليُطلق العنان لأفكاره ليكتب شيئاً جميلاً.    

غسان الشامي: بقيت لديّ دقيقة إذا سمحتم، أشكركم على كل هذه الحيوية ولكن أريد أن أسال الدكتور كريستيان والسؤال لكم جميعاً، هل من عِلم مُتطوِّر من دون دولة مدنية ومواطنة؟ 

كريستيان خوري: بالتأكيد لا، وضع الأسس يفترض عدم وضع أسس لمجموعة من أبناء الوطن من دون مجموعة أخرى، عندما نتحدَّث عن طائفة فهي مجموعة، عندما نتحدَّث عن حزب فهو مجموعة، الوطن للجميع ولذلك القاعدة التي تصحّ للجميع هي الدولة المدنية أو النظام المدني. سأقول أمراً بشكلٍ إيجابي، فرنسا تُطبِّق نظاماً تربوياً، تُطبِّق نظرية دوركايم ولكن بشكلٍ إيجابي بمعنى إذا كنت تريد أن تبني مجتمعاً صالحاً عليك أن تضع نظاماً تربوياً صحيحاً.   

غسان الشامي: بالنسبة للدولة المدنية بكلمة.  

عماد غنّوم: نحن لسنا في دولة دينية بل في دولة طائفية، نحن نريد دولة قوية تمارس الرقابة، الدكتورة ركَّزت على أن هناك فوضى، الحرية من دون رقابة تتحوَّل إلى فوضى، هناك غياب للدولة، نريد دولة في البداية ومن ثم نتّفق على شكل هذه الدولة وعلى الخطوة التالية. 

غسان الشامي: دكتورة عزَّة.   

عزّة الحاج سليمان: نعم لديّ تعليق أخير أنه لا يمكن بناء مجتمع من دون وجود دولة وقوانين واضحة وتفعيل حُكم القانون بشكل خاص لأن مفهوم الديمقراطية تتمّ إعادة مناقشته في العالم.

غسان الشامي: انتهى الوقت.

نايلا حلاّني: فلينزل الجميع إلى دائرة الأحوال الشخصية لإلغاء الطائفة عن هويّـتهم

وانتهينا.     

غسان الشامي: شكراً.

نايلا حلانّي: شكراً لك.

غسان الشامي: مئويّة جديدة بعدّةٍ قديمة، عَالمٌ معرفي مُعاصِر مقابل عالمٍ يعيش أخيولات الماضي، أيّ بؤسٍ معرفي هذا؟ وأيّ مستقبلٍ نتّجه إليه سوى مغادرة طالبي العِلم والعمل؟ كل الشكر للأساتذة غنّوم، الحاج سليمان، حلاّني وخوري، شكري أيضاً لزملائي الأحباء في البرنامج وقناة الميادين، ودائماً سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.