زعزعة الاستقرار في بيلاروسيا

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا. ظهرَ "برنار هنري ليفي" في (بيلا روسيا)، وهو مهندس الثورات الملوّنة وما اصطُلِحَ على تسميته "الربيع العربي"، وهنا بدأت علامات الاستفهام حولَ الاحتجاجات المتواصلة ضدّ الرئيس "ألكسندر لوكاشينكو"، فهلّ المُستهدَف هو النظام الحليف لـ (موسكو) أم الأمن القومي الروسي؟ لاسيما أنّ النظريّة الغربيّة تقول إنّ (روسيا) دولة إذا انضمّت إليها (أوكرانيا) و(بيلا روسيا) تُصبِح إمبراطوريّة. "بوتين" أعلن دعم (لوكاشينكو) الذي اعتبر بلاده تتعرّض لعدوانٍ خارجيّ وفق سيناريو الثورات الملوّنة التي حصلت في (جورجيا) و(أُوكرانيا) وغيرها من الجمهوريات السوفياتية السابقة. لكن ماذا عن ردّ الفعل الروسي؟ هل تدخُل (روسيا) مباشرةً في مواجهةٍ مع الغرب في (بيلا روسيا) كما حصلَ في (سوريا) مثلاً؟ ما تبِعات ذلك على منطقتنا هنا في المنطقة العربيّة؟ 

المحور الأول:    

كمال خلف: أهلاً بكم مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". ضيوفنا في هذه الحلقة، من (موسكو) "قسطنطين سيفكوف" عضو أكاديمية العلوم المِدفعيّة والصاروخية والرئيس السابق للأكاديمية الجيو – سياسية الروسية، ومن (القاهرة) الباحِث في "مركز الأهرام للدراسات" الدكتور "إيهاب عُمَر"، هنا في الأستديو الكاتب المُتخصّص في الشأن الروسي الدكتور "جمال دملج". أُحييكم ضيوفي جميعاً، أسعد الله أوقاتكم وأبدأ من هنا من الأستديو. دكتور "جمال" حيّاك الله

جمال دملج: حيّاك الله  

كمال خلف: توصيف ما يجري في (بيلا روسيا)، هل هو ثورة ملوّنة مدعومة من الغرب أم حركة احتجاج على تزوير انتخابات تجري في شكلٍ طبيعي كما اعتبرتها المُعارضة أم حركة تغيير طبيعية بعد ستّة وعشرين عاماً من حُكم "ألكسندر لوكاشينكو"؟ ما هو التوصيف الدقيق لما يجري في (بيلا روسيا)؟ 

جمال دملج: لا يُمكن في أيّ شكلٍ من الأشكال استبعاد الأصابع الأجنبيّة والخارجية التي تقوم بتحريك الملفّ البيلاروسي في الوقت الراهن لاسيما كما أشرت قبل قليل أنّ الرئيس "ألكسندر لوكاشينكو" أمضى لغاية الآن ستّة وعشرين عاماً في منصبه كرئيسٍ للبلاد، ولكن تكثيف التحرّكات الشعبية على هذا النحو إن دلّ على شيء فهو يدلّ على تورُّط جهات أجنبيّة تريد أن تُحرِّك الورقة البيلاروسية من أجل استهداف (بيلا روسيا) في الدرجة الأولى، وفي الدرجة الثانية (روسيا) الاتّحاديّة وتحديداً إدارة الرئيس الروسيّ "فلاديمير بوتين"

كمال خلف: نعم 

جمال دملج: هذا هو ما يجري حالياً، ولهذا السبب رأينا حالاً من التكثيف الشديد في أوساط قوّات المُعارضة خلافاً لما درَجت عليه الحال في الدورات الانتخابيّة السابقة، ونضيف إلى ذلك أيضاً أنّه حتى من حيث نتائِج الانتخابات التي يُشكِّك فيها الغرب فإنّ الروس من جانبهم أيضاً يُظهرون بعض التغاضي عن عمليّات التلاعُب التي جرت في نتائِج الانتخابات عِلماً أنّ ذلك لا يعني في أيّ شكلٍ من الأشكال أنّ (روسيا) "فلاديمير بوتين" يُمكن أن تتخلّى عن حليفها "ألكسندر لوكاشينكو" في (روسيا) البيضاء 

كمال خلف: يعني التوصيف أنّه لا يُمكن أن نقول بأنها ثورة مُلوّنة مدعومة غربياً في شكلٍ كامل، لكن لا يُمكن استبعاد الدور الذي تلعبه دول غربيّة داخل (بيلا روسيا)! 

جمال دملج: بالتأكيد، كما حصلَ هنا في المنطقة العربيّة. عندما أشرت إلى "برنار هنري ليفي" فهو معروف، يعني حتى عندما نعود في الذاكِرة إلى الثورة البرتقالية عام 2004 في (أوكرانيا) والثورة في (جورجيا) في العام التالي والحرب الروسيّة الجورجيّة أيضاً عام 2003 و (قرغيزستان) على سبيل المثال أيضاً، كل هذه الثورات الملوّنة كانت تجري بدعم وفي مُعظم الأحيان بتخطيط غربي واضح ومُباشِر الغرض منه استهداف (روسيا) على غرار ما حصلَ مثلاً في عزّ اشتداد ما يُسمَّى "الحرب على الإرهاب" في (أفغانستان) عندما سمح الرئيس الأوزبكي الراحل "إسلام كريموف" ببناء قاعدة عسكرية أميركية، للمرة الأولى حضر الجنود من (الولايات المتحدة) إلى أراضٍ سوفياتية سابقة. ولكن التحرّكات الغربية في (أوزباكستان) على سبيل المثال أثبتت أنّ (الولايات المتّحدة الأميركية) أرادت أن تلعب بالورقة الأوزبكية من أجل تحريكها ضدّ إدارة الرئيس "فلاديمير بوتين" الأمر الذي أدّى إلى قيام الرئيس الراحل "كريموف" بطرد الجنود الأميركيين للمرة الأولى في تاريخ (الولايات المتحدة) 

كمال خلف: نعم، في نهاية المطاف. هنا نسأل إذا سمحت لنا أُستاذ "إيهاب عُمَر"، حيّاك الله أُستاذ "إيهاب". وسائِل إعلام روسية نشرت صوَراً للفرنسي "برنار هنري ليفي" في (بيلا روسيا)، هذه الشخصيّة التي حُكيَ عنها كثيراً في ثورات "الربيع العربي" هنا ووصِفت بأنّها شخصيّة سيِّئة الصيت والسمعة والدور أيضاً واقترن هذا الإسم في استغلال الغرب للمطالب الشعبية في الإصلاحات أو غضب الشعوب من الأنظمة العربيّة لتحقيق مصالِح أطلسيّة وغيره. هل تعتقد فعلاً بأنّ هذا الرجُل يلعب دوراً هناك وأنّ مُجرَّد عرض وسائِل إعلام روسية صورته في (بيلا روسيا) ضمن الاحتجاجات فهذا يعني إننا يُمكن أن ننسب ما يحصل هناك لثورات مُلوّنة أو لثورات "ربيع عربي" كان هو عرّابها أو عرّاب الدور الغربي فيها؟

إيهاب عُمَر: في واقع الأمر حينما نرى مُفردات المشهد حالياً في (بيلا روسيا)، كأننا أمام دَبْلَجة روسية للمشهد في (سوريا). التظاهرات قامت برفع العَلم القديم لـ (بيلا روسيا) وأطلق الإعلام الغربي على هذا العَلم "عَلَم الاستقلال البيلاروسي" ورأينا أيضاً مُحاولة من الغرب لصناعة مُعارضة لأنّ المُرشَّحة التي فرّت إلى خارِج البلاد في واقع الأمر ليس لها أيّ تاريخ سياسي داخل (بيلا روسيا) لكن هي ترشَّحت لمُجرَّد أنّها زوجة مُدوِّن ورجل أعمال قَيْد الاحتجاز. نحن أيضاً نرى أنّ التظاهرات بدأت في الرابع والعشرين من مايو/ أيار ثمّ تصاعدت في التاسع من أُغسطس/ آب، في هذه الفترة كانت هناك تحرّكات كثيرة على الأرض. على سبيل المثال، المُعارضة في (بيلا روسيا) طالبت بمجلِس حُكم انتقالي، كأننا نتحدَّث عن مُفردات ما سُمّيَ بـ "الربيع العربي"

كمال خلف: نعم 

إيهاب عُمَر: أيضاً دول الجوار بدأت تتدخّل وتُحاول أن تُساعِد ما يجري على الأرض. الثورات الملوّنة هي أكبر سلاح 

كمال خلف: يعني هنا أُستاذ "إيهاب" أنت تتحدَّث عن سيناريو (سوريا) يُطبّق في (بيلا روسيا) الآن بحذافيره 

إيهاب عُمَر: صحيح 

كمال خلف: وسيناريو (ليبيا) كذلك

إيهاب عُمَر: صحيح. النقطة في الأمر إنّ الثورات الملوّنة كانت من أهمّ الأسلِحة التي استخدمها الغرب في تفكيك "الاتحاد السوفياتي" و(أوروبا) الشرقية وانهيار جدار (برلين)، ومن ثمّ تفكيك (يوغوسلافيا) في التسعينات كان أيضاً على يدّ الثورات المُلوّنة. فبالتالي دائِماً وأبداً حينما نرصُد هذه التحرّكات أصبح لدينا مفهوم كتالوغ الثورات الملوّنة ومن ضمنه هذا المُفكِّر الفرنسي الذي كان موجوداً أيضاً ليس فقط في فترة انهيار "الاتحاد السوفياتي" ولكن أيضاً في (يوغوسلافيا) وفي "الربيع العربي" وفي (كردستان) وفي (ليبيا)، وظهر في (ليبيا) في الفترة الأخيرة حينما كان يُحاول "إردوغان" أن يُمدِّد نفوذه هناك، فبالتالي هذا الرجل هو من ضمن أدوات وأعيُن الاستطلاع للغرب في المناطق التي يجري فيها تنظيم الثورات المُلوّنة. عندنا، كما حضرتك تفضّلت، (أوكرانيا) و(جورجيا) وأيضاً كان هناك (قيرغيزستان)، ثلاث دول في سنوات حُكم "بوش الإبن" كانت الموجة الجديدة من الثورات الملوّنة في دول الجوار الروسي، وكان لدينا في عام 2014 ما يُسمَّى بـ "الثورة الأوكرانيّة الثانية"  

كمال خلف: هذا التقارُب أُستاذ "إيهاب" الذي أشرت إليه أو نسخ ما جرى في (سوريا) الآن يجري في (بيلا روسيا)، نسخ المكان

إيهاب عُمَر: صحيح

كمال خلف: مسألة العَلَم ومسألة التدخّلات ودور دول الجوار تقريباً ذاته. لكن هل تعتقد أُستاذ "إيهاب" بأنه صحيح أن هذا استنساخ أيضا لما جرى في (سوريا) في عام 2011 لكن قد يكون أيضاً مُقدِّمة لما سيجري في (سوريا) بعد ذلك؟ يعني ممكن أن يتكرَّر هذا السيناريو مرّة أُخرى الآن في (سوريا) خاصةً وأننا نرى اليوم في (سوريا) نوعاً من الضغط الاقتصادي ومن التجويع، وكأنّ هناك مُحاولة أو مُقدِّمات لفعل ذلك مرة أُخرى. بمعنى، هل السيناريو مُستَنْسَخ عن (سوريا) وسيُستَنْسَخ في (سوريا) أيضاً مرّة أُخرى؟ أم لا، خلص، فات الأوان؟

إيهاب عُمَر: صحيح. نحن نرى سيناريوهات تبادليّة، يعني ما جرى في (سوريا) يتمّ نقله إلى (ليبيا) ثمّ حينما يتطوّر في (ليبيا) يحاولون أن يُطبّقوه في (سوريا) مرّة أُخرى، وكل من المشهدين في (سوريا) و(ليبيا) يُعاد تصديرهما إلى (بيلا روسيا) لأنّ في نهاية الأمر الثورات الملوّنة التي سُميّت "الربيع العربي" كان الغرض منها تصدير هذه الفوضى إلى داخل (إيران) وداخل (روسيا) وداخل (الصين) 

كمال خلف: نعم

إيهاب عُمَر: فبالتالي، التبادُلات التي نراها بين هذه السيناريوهات أمر طبيعي وهذه خامس مُحاولة لصناعة ثورة ملوّنة في (بيلا روسيا). كانت هناك أربع جولات ثورية فاشلة من قبل وفي كلّ مرة كان الأمن في (بيلا روسيا) يرصد التدخّلات الأوروبيّة والتدخّلات الأميركية والتلاعُب الذي يتمّ من خلال دول الجوار خصوصاً الدول السوفياتيّة السابقة التي ظنّت عَبَثاً أنه يُمكن للغرب أن يتقبّلها فعلاً ثقافياً وحتى دينياً. واقع الأمر أنّ الغرب يستغلّ هذه الدول وطموحات هذه الشعوب التي ضُحِكَ عليها في الإعلام بأنه يُمكن للحلم الأميركي الذي فشل في (الولايات المتحدة) نفسها أن يوفِّر لهم الحياة الرغيدة التي يطمعون بها 

كمال خلف: سيّد "قسطنطين" حيّاك الله بدايةً. عندما نتحدَّث عمّا يجري في (بيلا روسيا) لا بدّ من الإشارة إلى تصريحٍ هامٍ للغاية أطلقه "ألكسندر لوكاشينكو". يقول الرئيس البيلاروسي لـ "ريا نفوستي" في مقابلة أجراها مؤخّراً، يقول لهم: أتعرِفون ما توصّلنا إليه مع الإدارة والسلطات الروسية؟ توصّلنا إلى نتيجة بأنه إذا سقطت (بيلا روسيا) ستكون (روسيا) هي التالية. هل هذا هو الاستنتاج الذي توصّل إليه صانِع القرار في (روسيا) و(بيلا روسيا) أيضاً؟ هل هذا ما سوف يحدُث في حال سقط النظام في (بيلا روسيا) وسقط الرئيس؟ 

قسطنطين سيفكوف: الرئيس "لوكاشينكو" معه حقّ مئة في المئة، الضربة القاصِمة التالية في حال أصابت (بيلا روسيا) ستُصيب أيضاً (روسيا). الغرب تمكّن فقط من محاولة الضغط على (روسيا) عبر خاصرتها الأوكرانيّة وفي حال تمكّن من الاستيلاء على (بيلا روسيا) ووضعَها تحت السيطرة الغربيّة، في هذا الوضع سيتمكَّن الغرب من تمكين سيطرته أيضاً على (روسيا) 

كمال خلف: هنا فقط سيّد "قسطنطين". يبدو أنّ الترجمة العربيّة تسمعها لذلك تتوقّف حتى ينتهي المُترجِم ثم تعود لاستكمال مداخلتك مرة أُخرى، هذا يحتاج إلى مُعالجة تقنيّة، لا أعرِف، يجب ألا يسمع ضيفنا في (موسكو) الترجمة العربية ويواصل حديثه. حسناً، ريثما يتمّ حلّ هذه المُشكلة، دكتور "جمال" 

قسطنطين سيفكوف: نعم، سمعت كل شيء وأجبت على الأسئِلة الموجّهة لي 

كمال خلف: نعم. دكتور "جمال"، في ما يتعلّق بهذه التقديرات، في أنّ المسألة مصيرية بالنسبة لـ (روسيا). هناك خشية اليوم في (موسكو) من أن تمتدّ الاحتجاجات إذا ما تصاعدت إلى (روسيا) أيضاً. بمعنى أن يُشجِّع هذا شريحة واسعة قد تكون مدعومة أيضاً من (الولايات المتحدة) والغرب على الاحتجاج داخل (روسيا)، وبالتالي هل فعلاً (روسيا) اليوم تشعُر بخطرٍ مصيري مما يجري في (بيلا روسيا)؟                   

جمال دملج: في الحقيقة، وفقاً لمصادِر روسية وعربيّة مُقيمة في (موسكو)، الخشية الروسية تتركّز في الوقت الراهِن على الحاضنة الأوكرانية لقوى المُعارضَة التي يتدخّل بها أيضاً الغرب الأميركي والأوروبي من أجل الانطلاق صوب (روسيا) وزعزعة استقرارها. ما رأيناه خلال أزمة "أليكسي نافالني" على سبيل المثال وعمليّة التركيز على أنّه تعرَّض للتسميم من قِبَل أجهزة عسكرية أو أمنية روسية قبل الموافقة على نقله إلى (ألمانيا)، هذه العمليّة تُشبِه إلى حدٍّ كبير الضجّة الإعلاميّة الغربيّة أوروبياً وأميركياً التي حدثت أثناء عمليّة تسميم العميل المزدوج "سيرجي سكريبال" وابنته "يوليا" في (بريطانيا). عمليات الاستهداف لـ (روسيا) الاتّحادية في الحقيقة لم تتوقّف منذ وصول الرئيس "فلاديمير بوتين" إلى قصر (الكرملين) في اليوم الأول من أيّام القرن الحالي، القرن الحادي والعشرين. نحن نتحدّث هنا عن عشرين عاماً، والمُحاولات اكتسبت الكثير من مُحاولات تركيز الاستهداف سواء عن طريق مباشر أو عن طريق الثورات الملوّنة. عندما تحدّثت قبل قليل عن "ليفي" ووجوده في (بيلا روسيا)، هذا الأمر يُذكِّر بنفس السيناريوهات المُتّبعة أميركياً وأوروبياً عندما ذهبَت مُساعِدة وزيرة الخارجية الأميركية في زمن "هيلاري كلينتون" "فيكتوريا نولاند" إلى ميدان الاستقلال في (كييف)، العاصمة الأوكرانية، وقامت بالتحدّث مع المُعتصمين هناك ما أجَّجهم أكثر فأكثر وشكّل الحاضنة الأوكرانيّة على الخاصرة الروسية من أجل استهداف (روسيا) 

كمال خلف: هنا أُريد أن أعود إلى السيّد "قسطنطين". سيّد "قسطنطين" نتائِج نجاح الحراك الشعبي كما يُقال اليوم أو هناك تقديرات تتحدّث عن ذلك. في حال نجح الحراك الشعبي بدعمٍ من الغرب في (بيلا روسيا) فذلك سوف يتسبَّب في التأثير على المزاج الاحتجاجي في (روسيا)، وبالتالي هذا سوف يُشجِّع المزيد من الروس للخروج إلى الشارع، بمعنى انتقال عدوى (بيلا روسيا) إلى داخل (روسيا). هل تعتقد أنّ هذا أحد الحسابات الآن لدى الرئيس "فلاديمير بوتين" في تعاطيه مع الأزمة؟ 

قسطنطين سيفكوف: في حال حصلَ في (روسيا) ما يُشبه ما قد يحصل في (بيلا روسيا) سيتم تنحية كل شخص يُشارِك ويدعم التغيير والتأثير على النظام. هؤلاء الأشخاص الذين يعملون في (بيلا روسيا) يُحاولون أن يفعلوا الشيء نفسه في (روسيا) لكنّهم مُخطئون. في (واشنطن) وفي (أميركا) هناك ثورات ملوّنة وهناك انفجارات عِرقيّة في (الولايات المتحدة)، ليس في (روسيا) و(بيلا روسيا) بل في (الولايات المتّحدة) ستكون هذه الثورات الملوّنة والعِرقيّة 

كمال خلف: سيّد "قسطنطين" هنا نسأل، إلى أيّة حدود سوف يذهب الدعم الروسي للرئيس "لوكاشينكو"؟ هل نتصوّر بأن يكون هناك تكرار لسيناريو (جورجيا) على سبيل المثال؟ (أوكرانيا)؟ (سوريا)؟ في (سوريا) أيضاً جرى تدخّل عسكري مُباشِر، هل ستصل الأمور إلى تدخُّل روسي عسكري مُباشِر لوضع حدٍّ لما يجري في (بيلا روسيا)؟ 

قسطنطين سيفكوف: (روسيا) لا تبدأ في التدخّل العسكري في العلاقات الداخليّة التي تخصّ الشعوب، لكن في الطُرُق والأساليب القانونية هي مُجبَرة كصديقة لـ (بيلا روسيا) على دعمها استشارياً وأيضاً تحضير القوى الداخلية وتحضير القوى الأمنية ودعمها. لن يكون هناك تدخُّل مُباشَر في (بيلا روسيا) إلا عبر استشارات وعبر طلب من (بيلا روسيا) 

كمال خلف: نعم. هنا سنعرِض خارطة لأنني سأتوجّه بالسؤال إلى أُستاذ "إيهاب عُمَر" حول دول الجوار. خارطة (بيلا روسيا) مُشاهدينا، هذه هي (بيلا روسيا) ودول الجوار (أستونيا) (لاتفيا) (ليتوانيا) (بولندا). طبعاً هذه الدول تُشكِّل غالبيّتها الصقور أو المساعِدين للمعارضة في (بيلا روسيا) بينما نُلاحظ أيضاً من خلال هذه الخارطة بأنّ (بيلا روسيا) هي الحديقة الأمامية أو القلعة الأمامية كما تُسمّى لـ (روسيا) ومنطقة مُحرًّمة في مقابل حلف شمال الأطلسي بسبب موقعها الجغرافي المهم استراتيجياً بين (روسيا) والغرب بعد توسّعه شرقاً نحو بلدان (البلطيق) الأربعة التي نراها على الخارطة (أستونيا) و(لاتفيا) و(لتوانيا) و(بولندا). طبعاً مُشاهدينا تنطلق (روسيا) من أنّ فقدان (بيلا روسيا) يُضعِف صلتها بجَيْب (كالينغراد) على شاطئ بحر (البلطيق) كما يجعل (موسكو) و(سانت بطرسبرغ) ومُعظم مناطق غرب (روسيا) بحُكم الساقطة استراتيجياً. هذه هي الخارطة مُشاهدينا، طبعاً على الخارطة منظومات التجسّس، منظومات الدرع الصاروخي كما تبدو في (بولندا) و(تشيكيا) التي تُشكل تهديداً كبيراً وكان هناك أزمة كبيرة حول نشر مثل هذه المنظومات الصاروخية في هذه الدول. أُستاذ "إيهاب" في المواقف عندما نعرِض هذه الخارطة، هناك نوعان من المواقف الآن في (أوروبا). هناك موقف يبدو حمائمياً أو حوارياً دعنا نقول تتبنّاه (فرنسا) و(ألمانيا) في الحوار مع (روسيا) لحلّ الأزمة، بينما هناك مواقف صقوريّة نراها من دول الجوار، تحديداً من (بولندا) تجاه ما يجري في (بيلا روسيا). هذا يُمكن تسميته تبايناً في (أوروبا) في التعاطي مع الأزمة أمْ هو تبادل أدوار؟ أيهما تُرجِّح؟          

إيهاب عُمَر: هو نوع من تبادُل الأدوار لأنّ هذه خامس محاولة من الغرب لصناعة ثورة ملوّنة داخل (بيلا روسيا). كانت هناك أربع مُحاولات من قبل وبالتالي جميع العناصر الدوليّة والإقليمية حدَّدت سلفاً موقفها سواء أكنّا نتحدَّث عن (روسيا) ومدى التدخُل من عدمه والدور الدبلوماسي ثمّ الدور العسكري، أو كنّا نتحدَّث عن (أوروبا) ومجموعة (البلطيق) ومجموعة (أوروبا) الشرقية و(بولندا). في تقديري، الغرب يُحاول أن يصنع نموذج (أوكرانيا) 2014، ودعنا نتحدَّث في هذا النموذج لأنه لم يكن مُجرَّد ثورة عنيفة أدَّت إلى تدخّل عسكري روسي، ولكن في واقع الأمر يجب أن نتذكَّر أنّ الغرب سمح لليمين المُتطرّف أو القوميين البيض والنازيين الجُدُد في (أوكرانيا) بالنزول إلى ميادين ما يُسمّى بالثورة وسحق جهاز الشرطة ومواجهة الجيش ما أدّى إلى التدخّل الروسي، فالتدخّل الروسي كان أيضاً بطلبٍ من برلمانات موجودة في شرق (أوكرانيا). بالتالي تقديري أنّ هناك عناصر مُسلّحة جاهزة ومُدرَّبة من حلف (الناتو) كما رأينا في (سوريا) وكما رأينا في (ليبيا) وكما رأينا في (أوكرانيا) 2014 وكما شكَّكنا كثيراً في العناصر التي تعاملت بعض الوقت في (سيناء) في (مصر). في تقديري هناك فِرَق مُجهَّزة للتدثُّر بالعباءة الثورية ودخول الأراضي البيلاروسية متى وصلَ مستوى الفوضى إلى درجة مُعيّنة تعجز فيه الأجهزة البلاروسية عن مواجهتها

كمال خلف: نعم

إيهاب عُمَر: في تقديري أيضاً، التدخّل الروسي آتٍ آتٍ لأنّ (بيلا روسيا) مهمّة لـ (موسكو) أكثر من (أوكرانيا). يعنى كما تفضلت حضرتك، الغرب الروسي جيو- استراتيجياً سوف يُصبِح عارياً ومُفكَّكاً للغاية أمام الغرب إذا ما وضع جندي غربي واحد قدمه في (بيلا روسيا). أيضاً الطعنة البولنديّة الموجّهة إلى (موسكو) شرسة للغاية، يعني كان يُفضَّل للقادة في (بولندا) (وارسو) أن يُدركوا استراتيجياً أنه مهما قدّم الغرب لـ (بولندا) ستظلّ (روسيا) هي الخاصرة والحامية والقوَّة الدوليّة القادرة على لَجْم أية أخطار يمكن أن تتعرّض لها (بولندا) وليس العكس 

كمال خلف: مشاهدينا سوف نتوقّف مع فاصل قصير نُكمل بعده أيضاً في المواقف والأدوار والمخاطر والمحاذير، والأهم هو أيضاً المآلات لما يجري في (يبلا روسيا) وكيف ستنتهي هذه الأزمة هناك حسب توقّع الخبراء. فاصل ونعود 

المحور الثاني: 

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم" نتحدَّث فيها عن أزمة في (بيلا روسيا) وأدوار اللاعبين الإقليميين في تلك المنطقة وأيضاً على المستوى الدولي. سيّد "قسطنطين"، الاحتجاجات في (بيلا روسيا) لم ترفع شعارات مُعادية لـ (روسيا) حتى هذه اللحظة ولا للرئيس "بوتين". هذا يُمكن أن يُقرأ على أنّ الأزمة داخليّة ويريدون تغيير الرئيس والنظام وموضوع الانتخابات والاتهامات بالتزوير من دون أن يكون لها هذا البُعد الذي تحدّثنا عنه في القسم الأول، يعني بُعد ترتيب الدول الغربيّة أو مُحاولة الدول الغربيّة تحجيم دور (روسيا) 

قسطنطين سيفكوف: كما قلت هذا تدخّل استخباراتي من الغرب، وقبل أن أتحدَّث عن أزمة داخليّة سأُكرِّر جوابي بخصوص تدخّل عسكري أجنبي غربي والدخول إلى أراضي (بيلا روسيا). هناك اتفاقيات عسكريّة بين (روسيا) و(بيلا روسيا)، وأيّ تهديد وهجوم على (بيلا روسيا) يُعتَبَر تهديداً لـ (روسيا)، أيّ تدخّل وتجاوُز لحدود (بيلا روسيا) يُعتبَر تدخّلاً وهجوماً على (روسيا). الدول الغربيّة لن تُفكِّر في أيّة عمليّة عسكريّة في الهجوم على (بيلا روسيا)، إنّهم يُحاولون من الداخل تفجير الوضع الداخلي عبر عمليّات استخباراتيّة وعبر ثورات مُقنّعة

كمال خلف: هنا سيّد "قسطنطين" نُقطة أخيرة، ميزان القوى حتى هذه اللحظة بِيَد مَن؟ يعني لمصلحة مَن هذه المواجهة حتى الآن؟ 

قسطنطين سيفكوف: في هذا الوضع الحالي بخصوص توازن القوى وخصوص الدبابات والصواريخ ومنظومات الصواريخ، استقدمت (روسيا) صواريخ جديدة مُتطوِّرة تتجدَّد يوماً بيوم وهناك قوى بحريّة موجودة في (روسيا)، موجودة في البحار والمحيطات، مُستعدّة لأيّ تدخّل و(الولايات المتّحدة) تحسب حساب كل هذه القوى العسكريّة، وأيضاً (روسيا) تمتلُك الصواريخ النووية. فقط هناك قوّتان عسكريّتان تمتلكان القوة النووية، (الولايات المتحدة) و(روسيا)، وهذا يُمكن أن يؤدّي إلى محو كل الغرب لأنّ المنظومة النووية الروسيّة مُجهّزة ومُصوّبة نحو مُدن غربيّة ونحو كل شخص أو كل دولة تُفكِّر في استخدام قوّة عسكريّة. لذلك الغرب لن يُفكِّر في الاعتداء عسكرياً ضدّ (روسيا) وضدّ حلفاء (روسيا). كما قلت، (روسيا) لديها اتفاقات مع حلفائِها وهي مُستعدّة ودائِماً تُقدِّم كل الدعم العسكري لحلفائِها 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشكر العقيد "قسطنطين سيفكوف" كنتَ معنا مُباشرةً من (موسكو). دكتور "جمال"، الكثير من النقاط طرحها، يستحيل التدخّل العسكري الغربي المُباشِر في (بيلا روسيا)، (روسيا) ذاهبة بعيداً كما سمعنا من السيّد "قسطنطين" في مسألة المواجهة وكأنّ المسألة مصيريّة في (بيلا روسيا). إذاً نحن أمام (جورجيا) (أوكرانيا) و(سوريا) 

جمال دملج: بالتأكيد، وليس أكثر من ذلك. ولكن الأهم في الوقت الراهن هو أنّ الأيام القليلة المقبلة سوف تكون مسرحاً لاختبارات النوايا على صعيدين، الصعيد الأول: قوى ورموز المُعارضة الروسيّة الذين توزّعوا ما بين (لاتفيا) و(بولندا) و(أوكرانيا) ماذا سيفعلون وماذا سوف تُقدِّم لهم هذه الدول؟ الجانب الآخر من اختبارات حُسن النوايا سوف يكون بين الرئيسين "فلاديمير بوتين" و"ألكسندر لوكاشينكو" على وجه الخصوص لأننا إذا عدنا في الذاكِرة إلى نهايات العام الماضي عندما طالبَ الرئيس "بوتين" (بيلا روسيا) بتسديد المُستحقّات المُترتّبة عليها من النفط والغاز، حاول "لوكاشينكو" أن يلعب على الخطّ الأميركي. ورأينا في نهاية شهر كانون الثاني/ يناير هذا العام كيف جاء وزير الخارجيّة الأميركي "مايك بومبيو" إلى (مينسك) للمرّة الأولى منذ عشرين عاماً، وكيف حاول استمالة الرئيس "لوكاشينكو" لصالِح الولايات المتحدة الأميركية عن طريق إغرائه بالاعتماد على النفط الأميركي عوضاً عن النفط الروسي. ورأينا أيضاً في المُقابلة أنّ الرئيس البيلاروسي بالَغَ إلى حدٍّ كبير في مُغازلة الأميركيين داخل بلاده عندما قال إنّ العلاقات بين الجانبين الأميركي والبيلاروسي لا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية وإنّما هناك تنسيق أمني 

كمال خلف: هذا ألا يطرح هنا دكتور "جمال" سيناريو أن تلجأ (موسكو) إلى الخيار الأقلّ كلفة وهو تنفيذ انقلاب أبيض على الرئيس "لوكاشينكو" وتهيئة مُعارضة أو تهيئة بديل حليف لـ (روسيا)؟ خاصةً أنّ العلاقة ليست بهذه المتانة كما تفضّلت 

جمال دملج: هذا احتمال وارِد تماماً ولهذا السبب قلت إنّ الأيام القليلة المُقبلة سوف تُشكِّل مسرحاً لاختبارات حُسن النوايا بين الطرفين. ووفقاً لمصادر خاصّة اتّصلتُ بها داخل العاصمة الروسيّة (موسكو)، هناك بعض قوى المُعارضة البيلاروسيّة موجودة حالياً في (روسيا) وهذا يؤكِّد ما تفضّلت به من تحليل، أنّه ممكن بعد الانتهاء من اختبارات حُسن النوايا 

كمال خلف: هنا أسأل أُستاذ "إيهاب" في هذه النقطة إذا كان هناك خيار ثالث غير المواجهة المُباشرة أو المُستمرّة، بأن يتمّ ترتيب الأوضاع داخلياً في (بيلا روسيا) بإشراف أو بقيادة روسية، خاصة وأنّه هناك معلومات خلال الأسبوع الماضي عن ضباط في الجيش يرفضون تنفيذ الأوامر من "لوكاشينكو" وهناك بعض الاستقالات في صفوف أيضاً الشُرطة احتجاجاً على قمع حركة الاحتجاج أو إلى آخره. بالتالي، تبدو السيطرة على الجيش محلّ تساؤل، وأنا هنا أسأل طبعاً إذا كان فعلاً هذا سوف يدفع (روسيا) إلى التحرّك سريعاً نحو سيناريو استبدال "لوكاشينكو" بحلفاء آخرين 

إيهاب عُمَر: هذا السيناريو عادةً هو سيناريو خطّ الدفاع الأول في أيّة ثورة ملوّنة تواجهها (روسيا) وقبل ذلك "الاتحاد السوفياتي"، ألا وهو محاولة خلق قيادة بديلة موالية لـ (موسكو). الخيار العسكري يكون الخيار الأخير لكن الخيار الأول هو خلق قيادة سياسية بديلة طالما أنّ القيادة الموجودة في الوقت الراهن قد احترقت وأصبحت ورقة محروقة يجب التخلّص منها وتُمثِّل عبئاً على (موسكو). يجب الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ المُغازَلة البيلاروسيّة لـ (الولايات المتحدة) أوائِل هذا العام لا نعتبرها سبباً كافياً لكي يتخلّص "بوتين" من رئيس (بيلا روسيا) إلا إذا كان قد احترقَ بالفعل. يعني لا يُمكن في حال من الأحوال أن شيئاً له ضلوع روسي في التظاهرات الجارية أو أنّ هناك تحرّكات روسية استبقت هذه الثورة الملوّنة، لكن الغضب الروسي كان محدوداً لأنّني أتذكّر أيضاً في عام 2004 أنّ الإعلام الغربي أيضاً حاول الإيحاء للمُحلّلين بأن الرئيس الروسي "بوتين" على خلاف مع "شيفرنادزة" رئيس (جورجيا) حينذاك وأنّ الرئيس الروسي هو الذي حرّك هذا الحراك، ثمّ تفاجأنا بعد ذلك بأنّ المعارضة الجورجية موالية بالكامل لـ (أميركا)، بل كان هناك وزراء سياديون في الحكومة الجورجية لديهم الجنسية الإسرائيلية أيضاً نظراً إلى القرب الجغرافي بين (جورجيا) و(إسرائيل)

كمال خلف: أُستاذ "إيهاب"، هناك مقال لك تحدّثت فيه عن هذه المسألة: تقول بأنّ (بيلا روسيا) أمام ثلاثة سيناريوهات، إمّا أن ينجو الرئيس "لوكاشينكو" بمعجزة سياسية أو يُكرّر "بوتين" سيناريو (أوكرانيا) الأول في عام 2004، هذا ما ورد في المقال الظاهر على الشاشة، أو الثاني في 2013. ففي الاحتجاجات الأوكرانية الأولى راهن "بوتين" على ضعف النُخبة السياسية وأنّها سوف تفشل وتعود إلى السلطة، إلى التيار الموالي لـ (روسيا)، وأسباب تكرار هذا السيناريو متوافِرة الآن في (بيلا روسيا) في ضوء معارضة ضعيفة غير مُتجانِسة بين اليمين المسيحي المُحافِظ والوسط الليبرالي والخضر واليسار الاشتراكي ونُشطاء العالم الافتراضي وعصابات البلاك بلوك. أمّا السيناريو الثالث فهو ما فعله "بوتين" حيال الاحتجاجات الأوكرانيّة الثانية عام 2013، في التدخّل عسكرياً في (بيلا روسيا) وإنهاء الاحتجاجات والتدخّل الأجنبي الغربي أو حتّى إنشاء جمهوريّة في شرق وشمال (بيلا روسيا) تُشكِّل عازلاً بين التمرّد في الغرب والجنوب من جهة وبين غرب (روسيا) من جهةٍ أُخرى. هنا أسألك في شكلٍ مباشر، أن ينجو "لوكاشينكو" تعتبر ذلك مُعجِزة سياسية وتحدّثت عن السيناريوهات

إيهاب عُمَر: أصبح هذا الخيار مُستبعداً الآن 

كمال خلف: أصبح مُستبعداً. أيٌّ من هذه السيناريوهات التي أشرت إليها هو الأقرب؟ 

إيهاب عُمَر: أنا أرى أنّ السيناريو الثاني الآن هو الذي يجري فعلياً على الأرض، استقبال (موسكو) للمعارضة البيلاروسية الصديقة لـ (روسيا) وليس للغرب، هذا يُعجِّل في وجود اتفاق سياسي ربّما يفضي إلى تنازل رئيس (بيلا روسيا) عن السلطة أو بعض صلاحيّاته لأننا لا ننسى أنّ الرئيس البيلاروسي وجّه رسائِل غير مسبوقة في الفترة الماضية بأنّه مُستعِدّ للتنازل عن السلطة بعد إبراء دستوري. صحيح تراجع عن التصريح وأيضاً قال إنّه مستعِدّ لأن يُسلِّم بعض الصلاحيات ثمّ تراجع. هذه الإشارات الذاهبة والعائِدة من وإلى (موسكو) توضِح بأنّ هناك حراكاً روسياً لحلحلة الموقف، في إنتاج كما قلنا نظام جديد في (بيلا روسيا) موالٍ لـ (موسكو) ولا يخلّ بالتوازنات الجيو – سياسية بين (روسيا) و(بيلا روسيا) لأنه كما تفضّلت حضرتك في مُقدّمة الحلقة، (روسيا) و(روسيا البيضاء) و(أوكرانيا) التي يُطلَق عليها (روسيا الصُغرى)، هذا المثلّث هو العالَم الروسي أو الإمبراطوريّة الروسيّة

كمال خلف: نعم. هنا دكتور "جمال" نسأل أيضاً في تأثير ما يجري في (بيلا روسيا) على منطقتنا. يعني هناك أيضاً ربما ما يحصل سيشغِل أو محاولة لإشغال (روسيا) عن ملفّات غرب (آسيا) التي تنشط فيها في شكلٍ كبير. يعني لاحظ الغرب نشاطاً روسياً على صعيد الأزمة في (سوريا)، في (ليبيا)، في أكثر من ملفّ، حتى في القضيّة الفلسطينية مؤخّراً

جمال دملج: مسألة تأثيرات الأزمة البلاروسية الحالية مُرتبطة في شكلٍ جوهري مع ما يجري في العالم بأكمله وليس في (آسيا) وحدها وحسب وإنما في حوض البحر الأبيض المتوسّط وتوتُّر الأجواء حالياً ما بين (تركيا) من جهةٍ وما بين (اليونان) من جهةٍ أُخرى. وهناك على ما يبدو انقسامات داخل صفوف الاتّحاد الأوروبي حولَ هذا التبايُن، وهناك حتى انقسامات داخل الصفّ الروسي حيال مُستقبل العلاقات ما بين (روسيا) من جهةٍ وما بين (تركيا) لاسيّما إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً أنّ (روسيا) و(تركيا) تتفقان بين الحين والآخر في (سوريا) لكنّهما تختلفان تماماً حتّى النُخاع في (ليبيا) مثلاً. مسألة ما يجري تحديداً في حوض البحر الأبيض المتوسّط في إطار الصراع التركي اليوناني على مصادر الطاقة والحديد الذي أدلى به الرئيس التركي "رجب طيّب إردوغان" عندما قال إنّ من رَسْم الحدود بين الدولتين العضوتين في حلف شمال الأطلسي، أي (اليونان) و(تركيا)، رسمها في طريقة مُجحِفة، كأنّه يعود لتبنّي مقالة سابقة كتبها الجنرال الأميركي المُتقاعِد عن المُحافظين الجُدُد "رالف بيترز" في "مجلّة القوات المُسلّحة الأميركية" عام 2006 تحت مُسمَّى "خطّة خارِطة حدود الدم" التي تحدَّث فيها عن الحدود المُجحِفة. فهذه العوامل كلّها ترتبط مع بعضها البعض 

كمال خلف: هل هناك احتماليّة مُقايضة تجري مع الروس بين حلحلة أو تحقيق مصالِح (روسيا) أو التخفيف من الأزمة في (بيلا روسيا) مُقابل أن تُعطي (روسيا) تنازلات في (سوريا) مثلاً؟ 

جمال دملج: هذه أمور كلّها رَهْن الدراسة في الوقت الراهن، ولهذا السبب 

كمال خلف: مفاوضات

جمال دملج: قلت إنّ الأيام القليلة المقبلة سوف تكون مسرحاً لاختبارات حُسن النوايا ما بين الرئيس "فلاديمير بوتين" وما بين الرئيس "ألكسندر لوكاشينكو"، وهذه تنطبق أيضاً على اختبارات سوف تتم خلال المرحلة المُقبلة ما بين الرئيس "بوتين" من جهةٍ وما بين الرئيس التركي "رجب طيّب إردوغان" من جهةٍ ثانية لأنّ هناك معلومات من مصادر موثوقة أيضاً في (موسكو) تشي بأنّ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لا تتناغم وتخشى تماماً هذا الكمّ من التماهي الروسي مع (تركيا) سواء في (سوريا) أو في (ليبيا) أو مع (اليونان) على وجه الخصوص 

كمال خلف: يعني أنت تُسمّيه أو تقول تماهياً مع (تركيا)، لكن هناك خلافات روسيّة تركية في (ليبيا) وفي (سوريا) 

جمال دملج: بالتأكيد 

كمال خلف: هناك ما يُشبه التعايُش الآن أو ترتيب وتنظيم الخلاف، لكن (روسيا) و(تركيا) متقابلتان الآن في شمال (سوريا)، وأيضاً في (ليبيا) يدعمان طرفين مُختلفين. التأثيرات المُحتَملة أُستاذ "إيهاب عُمَر" على منطقتنا التي بدأت أو عادت (روسيا) تنشط في ملفّاتها سواء أكان هذا سوف يؤثِّر في الدور الروسي في هذه المنطقة سلباً أم إيجاباً، تأثيراً أو تراجعاً 

إيهاب عُمَر: حاول البعض حتى من الشرق الأوسط ومن (أوروبا) أبان الأزمة الأوكرانية الثانية أن يُحدِث هذا النوع من التفاوض الذي حضرتك أشرت إليه، نوع من الصفقة في آخر ثلاث سنوات حُكم لـ "أوباما" ما بين الملفّ السوري وملفّ (أوكرانيا)، ولم يكن هناك قبول له لا من (روسيا) ولا حتى من (الولايات المتّحدة) للذهاب إلى صفقة مثل هذه رغم اشتعال الجبهة في (أوكرانيا) في شكلٍ أكثر بكثير مما يجري في (بيلا روسيا) اليوم، وبالتالي لا أظن أنّ هناك صفقة مُتكامِلة أو Package ما بين الغرب وشرق (روسيا) و(أميركا) و(أوروبا) في أيّ تبادل أو منفعة أو نفوذ أو تنازلات ما بين ملفّي (بيلا روسيا) و(روسيا) و(ليبيا). ولكن تقديري أنّ التأثير سوف يكون محاولة من الإعلام الغربي وأجهزته الاستخباراتيّة في إعادة تصدير فكرة الثورة الملوّنة مرة أُخرى وتصدير فكرة حشد الميادين مرة أُخرى إلى دول الشرق الأوسط. على سبيل المثال، هنا أتحدُّث من (القاهرة)، أنّ هناك لجاناً إلكترونية تابعة لتنظيم "الإخوان" تُدار من (قطر) و(تركيا) تستغلّ ما جرى في (بيلا روسيا) والحراك الذي جرى في (أميركا) و(أوروبا) بخصوص حقوق المواطنين من أصول أفريقية. فهناك نوع من أنواع التسخين والحشد للشعوب الشرقية على ضوء المشاهِد المُصطَنعة القادمة من (بيلا روسيا) و(أوكرانيا) وحتى المشاهِد الموجودة في (الولايات المتحدة الأميركية)، هما فريقان من الأرض يتعاركان وليست مُجرّد ثورة شعبية ولكن كما تفضّل الضيف الروسي هي أيضاً ثورات ملوّنة يقوم بها طرف أميركي ضدّ طرف أميركي آخر

كمال خلف: انتهى الوقت تماماً، لكن دكتور "جمال" في ثوانٍ، هذا ينطبق على (لبنان)؟ 

جمال دملج: الأمور مُتداخِلة في الشرق الأوسط 

كمال خلف: يعني شرق (لبنان) أيضاً مرتبط بما يجري في (بيلا روسيا) 

جمال دملج: بالتأكيد، هناك عمليات رَسْم لمستقبل المنطقة، إلى أيّ مدى عمليات الرسم يُمكن أن تكون مُحقّة أو مُجحِفة! من السابق للأوان الحديث عن هذه الأمور، ولكن (لبنان) بالتأكيد وما جرى في (لبنان) لا يختلف تماماً عمّا يجري في العالم بأكمله، من (الولايات المتحدة الأميركية) إلى (أوروبا) إلى (آسيا) 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشكر دكتور "جمال دملج" الكاتب المُتخصّص في الشؤون الروسية لحضورك هنا في الأستديو. أُستاذ "إيهاب عُمَر" الباحِث في "مركز الأهرام للدراسات" من (القاهرة) شكراً جزيلاً لك. شكراً لـ "بترا أبي نادر " و"زاهر أبو حمدة" أيضاً في هذا البرنامج، ونلقاكم الأُسبوع المقبل بمشيئة الله، إلى اللقاء  

 

 

 

البرنامج

إعداد
كمال خلف
تقديم
كمال خلف
المنتج
زاهر أبو حمدة
إخراج
بترا أبي نادر
الايميل