معوّقات التنمية المستدامة في العالم الإسلامي

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

تُعتبر التنمية الشُغل الشاغِل للعالم العربي والإسلامي، فعلى الرغم من احتضان الجغرافيا العربية لموارد قلّ نظيرها، وخيرات لا حصر لها، إلّا أنّ التنمية الحقيقية والتنمية المُستدامة لم تطرق أبوابنا بعد، والأسباب كثيرة منها غياب التخطيط وعدم الاعتماد على الخبراء العرب والمسلمين وسياسة الارتجال، والفساد، والنزاعات الأمنية، والاضطرابات السياسية، والصراعات العرقية والأديولوجيات المختلفة في المنطقة العربية. وكذلك الإرهاب الأعمى والتبعية المُطلقة للغرب ومخطّطاته الماكِرة، وقد فشلت المجتمعات العربية في استثمار الإمكانات والطاقات البشرية الهائلة الموجودة في الدول العربية في كافة المستويات والأصعدة. لقد تدحرجت التنمية في العالم العربي وشكّل ذلك مؤشراً خطيراً حيث انتقلنا من الدول النامية إلى الدول الفاشلة، وخصوصاً بعد الفشل السياسي والأمني والعسكري في أكثر من جغرافيا. ويجب أن تصبح التنمية مشروعاً ضرورياً للحكومات والشعوب، فمن دونها ستنهار الدول والمجتمعات، ولن نصبح رقماً في المشهد الدولي. والتنمية المُستدامة هي التي تلبّي احتياجات الحاضر من دون الإخلال بقدرات الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها واستغلال رشيد للموارد وتوجيه الاستثمارات وتكييف التنمية بالتقنية والعكس، والتطوير المؤسّسي بتناسق يُعزّز الإمكانات الحاضرة والمستقبلية في تلبية احتياجات البشر وتطلّعاتهم.

وقد سجَّل العالم العربي في السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات الفقر، وتزايد عدد الجائعين العرب وذلك نتيجة الصراعات والنزاعات والمُعضلات الأمنية وتفاقُم المشكلات الاقتصادية وتراجع معدلات التنمية المُستدامة في كثير من البلاد العربية. كما أنّ التنمية المُستدامة هي عبارة عن عملية تطويرية للمدن والأعمال التجارية والأراضي، ويمارس هذا النوع من التنمية الجميع سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات، ويشترط في هذه التنمية أن تتماشى مع الحاضر من خلال تلبية احتياجاته ومُتطلّباته. والسؤال الذي طرحته النُخبة العربية والإسلامية في بداية القرن التاسع عشر والقرن العشرين لماذا لم يتقدَّم العرب والمسلمون؟ وما هي عوامل تخلّف العرب والمسلمين وعدم قدرتهم على التأسيس لدولة الرفاهية أو دولة الإنسان او دولة التفوّق النهضوي والتنمية؟ وللأسف  مازلنا نطرح هذا السؤال في الألفية الثالثة، ومازلنا نُجدِّد نفس الإشكالات القديمة لأنّ واقعنا مازال على حاله.

"معوقات التنمية المُستدامة في العالم العربي والإسلامي" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور الأكاديمي فارس مسدور صاحب الكثير من الطروحات الاقتصادية وأيضاً مُتخصِّص في الاقتصاد الإسلامي، ومن فلسطين الحبيبة المحتلة من غزَّة تحديداً الأستاذ محمد أبو جياب رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

 

"النظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي" هشام شرابي.

يقول شرابي إنّ المجتمع العربي يعيش أزمة وَعي وتخلّف حيث يعود هذا التخلّف بالأساس إلى نظامه الأبوي الذي هو بنية أساسية ثقافية مُعادية للحَداثة والنقيض الجذري لها. وتكرّس البنية الأبوية السلطوية للمجتمع في أشكالها المختلفة بدءاً بالسياسة ونظام الحُكم مروراً بالنظام الأُسَري والنظام التربوي والتعليمي وانتهاءً بسيادة منطق القبيلة والعشيرة على النظام الاجتماعي، الأمر الذي يُكرِّس علاقات غير مُتكافئة بين أفراد المجتمع سياسياً واجتماعياً.

يحيى أبو زكريا: دكتور فارس دعني أطرح إشكالاً قد يتبادر إلى الذِهن لدى كل المشاهدين، نحن في العالم العربي والإسلامي، أو في الكتلة العربية والإسلامية نمتلك من الخيرات ما لا يُحصى عدّه، والمولى عزّ وجلّ مكَّن هذه الكتلة من موارد لا يمكنني أن أعدّدها من فوسفات، وغاز، ويورانيوم، وحديد، وبوتاسيوم، وكل التفاصيل حتى الشمس مُنحازة للعالم العربي والإسلامي. إذاً مَن ذا الذي جعل هذه الجغرافيا عبئاً على صندوق النقد الدولي؟ عبئاً على الدول الغربية؟ نستورد قمحنا من الخارج، مَن تسبَّب في نكبتنا يا دكتور فارس؟

فارس مسدور: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الطاهرين.

أولًا أشكرك دكتور على هذه الاستضافة الطيّبة المُبارَكة.

يحيى أبو زكريا: حيَّاك الله.

فارس مسدور: وعلى اختيارك لهذا الموضوع الهامّ، والذي لا يمكن أن نقول عنه إلا أنّه الشُغل الشاغِل للأكاديميين المسلمين والعرب المُهتمّين بمواضيع التنمية والتنمية المُستدامة خاصة لأن مفهوم التنمية انتقل من هدف رَفْع متوسّط دخل الفرد في المجتمع إلى ضمان حقوق الأجيال القادمة من خلال عدم تدمير البيئة، ومن خلال الاعتماد على الموارد الطبيعية النظيفة، ومن خلال الحديث عن التنمية التي فيها بيئة نظيفة تستغلّ فيها الطاقات المُتجدّدة. حديثك عن العالم العربي والإسلامي بشكل عام دليل على أنّ هذا العالم لم يعرف شيئاً إسمه التنمية، ولا حتى التنمية المُستدامة. اللّهم إلّا بعض الجهود في عددٍ محدودٍ من الدول التي تشاركت مع علماء وخبراء من العالم العربي والإسلامي، وأيضاً من العالم الغربي استعانوا بهم لتنمية بلادهم، ولكن ظنّوا بأنّ التنمية هي عبارة عن ناطحات السحاب الزجاجية، وعبارة عن المُنتجات. وهذا خطأ فادِح، التنمية تبدأ من الإنسان وتنتهي في الإنسان، ولكن بتسخير تلك الموارد الطبيعية من دون أن يتمّ تدميرها تدميراً يجعل منها ليست تنمية وإنّما حرباً على المحيط الذي نعيش فيه.

لذا أخي العزيز إنّ أبرز سبب الذي جعل التنمية في بلادنا العربية والإسلامية مُتخلّفة جداً هم أولئك الذين تولّوا برامج التنمية، وتولّوا تطبيق برامج التنمية. الإنسان هو سبب خراب العالم العربي والإسلامي في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولذلك أنا قلت في البداية إنّ التنمية تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان لأنّ هدفها "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض واستعمركم فيها"، والاستعمار في القرآن كلمة محمودة لأنّه يقصد بها التنمية والتعمير وليس التدمير.

إنّ الوطن العربي حباه الله عزّ وجلّ بموارد طبيعية كثيرة جداً، وأبرز هذه الموارد النفط، النفط العربي لم يكن سبباً من أسباب تنمية الأمّة العربية، بل كان سبباً من أسباب خرابها وتناطُحها ونزاعاتها والحروب التي وجدت من قبل وتوجد الآن ويخطّط لحروبٍ قادمة. والظاهرة الإرهابية سببها هذه الموارد التي لم تكن نعمة، بل كانت نقمة على العالم العربي والإسلامي. ولذلك أخي الدكتور الحديث عن التنمية هو حديث واسع جداً، والأدقّ أن نتحدَّث كما قلت عن التنمية المُستدامة التي تحمل بُعداً استراتيجياً، وبُعداً مستقبلياً يحافظ على حقوق الأجيال المستقبلية من دون أن يتمّ نهبها وتدميرها والاستغلال غير العقلاني واللارشيد من طرف هذه الحكومات العربية.

يحيى أبو زكريا: يقيناً سوف نتطرَّق إلى التنمية المُستدامة وشروطها وأبعادها وتفاصيلها بُعيد الانتقال إلى فلسطين الحبيبة إلى غزَّة الصامِدة.

أستاذ محمد، أشار الدكتور فارس إلى أنّ الإشكالية في الوطن العربي مبدئياً في الإنسان، والسؤال ألّا نمتلك إنساناً حضارياً، ألّا نمتلك إنساناً ذا قابلية لصناعة النهضة. ثانياً الذين كانوا مُشرفين على البرامج الاقتصادية، ويقيناً هم صُنّاع القرار في العالم العربي، وبيدهم الأمر. هم الذين يوعِزون إلى تشكيل هيئات اقتصادية، ووزارات اقتصاد، صانِع القرار الأول في العالم العربي كيف كان يرسم الخطّة الاقتصادية في نظرك؟

محمد أبو جياب: دكتور الحقيقة إنّ بناء السياسات الاقتصادية والخطط الاقتصادية في العالم العربي لم يكن يقوم على مكوّنات الإنسان، ولم يضع إطلاق الإنسان في محل الاهتمام والتقدير وإعطائه المكان الحقيقي الذي يشكّل عموداً مركزياً في عملية التنمية، بل كان يراهن على وجود الموارد. واسمح لي أن أقول بأنّ وجود الموارد في الجغرافيا العربية والإسلامية هو واحد من مُسبّبات هذا الأمر الذي تشكّل من خلال أنّه تحوَّل إلى نقمة على صنَّاع القرار وأصحاب القول في القضايا الاقتصادية والتنمية المُستدامة. نحن نتحدَّث عن دول ومنظومات وأصحاب قرار اعتمدوا أنّ لدينا نفط، ولدينا غاز، ولدينا ثروات، ولدينا أموال ويمكن أن نوفّر هذه الأموال في أيّ وقت وبكميات ضخمة، وبالتالي الحديث في كل الموازنات العربية والإسلامية، ولك أن تذهب إلى كثير من موازنات الدول، الإنفاق يرتكز على ما يرد من إيرادات لها علاقة بالموارد الطبيعية. ولا حديث عن تطوير وتنويع هذه الموارد وعندما تغيب رؤى التنويع للموارد في أية دولة من الدول، لك أن تتخيَّل أن تتوقَّف عمليات إنتاج النفط في دول الخليج مثلاً، لك أن تتخيَّل أن تتوقّف عمليات إنتاج الغاز في بعض الدول. والحديث عن خفض أسعار النفط أدّى إلى عجزٍ في موازنات دول خليجية كُبرى، عجز في موازنات دول إسلامية كُبرى. فبالتالي البناء السياساتي لهذه الموازنات وللرؤية الاقتصادية لم يقم إطلاقاً على تقدير مكانة الإنسان، وأنا أختلف مع مَن يربط عملية التنمية بتوفّر الموارد لأنّ لدينا تجارب كونية عظيمة بنيت على الإنسان من دون وجود الموارد، وتمّ الاستثمار في الإنسان بوصفه المورد الأساسي والمركزي في عمليات التنمية وإيجاد البدائل والحلول لكل ما يغيب عنها. لك أن تتخيَّل أن التجربة اليابانية أنتجت دولة كوكب مستقل بذاته بكل مكوّناته من دون الوجود والاعتماد على الموارد الطبيعية، بل استثمرت في الإنسان علمياً وتقنياً وتقديراً واحتراماً وولاءً، وهنا نتحدَّث عن رؤية ومنهجية وولاء واستراتيجية الدولة بوصفها كينونة تجمع النظام السياسي والمجتمع بوصفه أحد أهم وأبرز أدوات البناء لسياسات الدولة. ولك أن تتخيَّل أن هذه الرؤية وهذه الكينونة وهذا الولاء يغيب عن غالبيّة الدول العربية والإسلامية التي تنتقص من ذاتها من خلال تغييب الطموح بالوجود، الطموح بالمُشاركة في التعمير الكوني الطموح بالحفاظ على الموارد الكونية والبشرية. والاستراتيجية المُتّبعة هي استراتيجية الاستنزاف من دون أي نظر إلى عملية الترشيد، فالنفط سينضب وينتهي، والغاز سينضب وينتهي. مَن سيبقى؟ صاحب القول الفصل على العملية الاقتصادية والإنتاجية الكونية هو صاحب العقل وصاحب التقنية وصاحب الإبداع في أن ينتج أكثر قَدْر ممكن من المُنتجات في أقل وقت وفي أقل تكلفة وبأقل استخدام واستهلاك للأرض والهواء وغياب التلويث.

أنا أقول وبكل وضوح إنّ هذه المنظومة العربية الإسلامية غائبة، ولن يكون لها مكان على الخريطة العالمية إلا إذا توجّهت الاستراتيجيات باتجاه الإنسان تطويراً على المستوى العلمي والتقني وإعطاء الثقة والولاء لهذا المواطن بوصفه واحداً من أهمّ أدوات التنمية والتطوير في الدول العربية والإسلامية.

يحيى أبو زكريا: طبعاً أشرت إلى اليابان أذكر أنّه عقب الحرب الكونية الثانية خرجت اليابان مُدَكْدَكة، مُنْهَكة من صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية وفي نفس الحقبة العالم الإسلامي كان قد بدأ يتحرَّر على الأقل في المشرق العربي ثم المغرب العربي. واليابان صعد كالصاروخ والعرب تراجعوا كالناقة. دكتور فارس.

محمد أبو جياب: للأسف.

يحيى أبو زكريا: طبعاً عندما نتحدَّث عن التنمية المُستدامة هذا المُصطلح راج كثيراً وبدأت الأمم المتّحدة تستخدمه في مؤتمراتها، في ندواتها، في زواياها الدراسية، وراج أيضاً في العالم العربي. وقدرنا للأسف الشديد استنساخ المُصطلحات كما هي هي. التنمية المُستدامة، ما هي شروطها عربياً وإسلامياً؟ وما هو تعريفها الواضح والبسيط؟

فارس مسدور: التنمية المُستدامة تختلف عن التنمية بالمفهوم الكلاسيكي، وأضيف لها البُعد البيئي، والبُعد الاجتماعي، والبُعد الثقافي. العديد من النظريات الحديثة تتحدَّث عن البُعد الثقافي للتنمية، وبالتالي في العالم العربي نهتمّ بكل ما هو مادة، ونعتقد بأنّ المادة هي التي تصنع التنمية، وهذا خطأ فادح. الأستاذ من غزَّة ضرب مثال اليابان، أنا سأضرب لك مثالاً آخر هو سنغافورا، سنغافورا مساحتها 722 كيلومتراً مربعاً تكاد تكون أصغر من ولاية من ولايات الجزائر، نحن لدينا ولاية تامن رازد مساحتها أكبر من مساحة فرنسا 668000 كيلو متر مربع.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

فارس مسدور: سنغافورا صنعت النموذج التنموي السنغافوري الذي يهتمّ بالإنسان، ولكن عندما تقرأ التاريخ تكتشف بأن سنغافورا كانت في توأمة مع ماليزيا، وانفصلت عن ماليزيا في الستينات إلى درجة أن لين كوان يو بكى أمام الكاميرات آنذاك، ولكن بعد عشر سنوات أصبحت سنغافورا في نفس مستوى ماليزيا. وسنغافورا لا تمتلك 50 في المئة من مياهها العذبة، بل إنّ مياهها تأتيها من ماليزيا، ولكنهم صنعوا نموذجاً اقتصادياً راقياً، وسنوياً ناتج الدخل الخام يتجاوز 300 مليار دولار. ولذلك أقول بأنّ الأمر لا يتعلّق بالموارد الطبيعية، بل يتعلّق بالاهتمام بالإنسان بالدرجة الأولى. واليابان بعد الضربة القاسِمة في هيروشيما ونكازاكي أول ما بدأوا يفكّرون في بنائه ليس المستشفيات عِلماً بأن الضربة كانت ضربة نووية، وكانت هنالك إشكالية صحيّة كبيرة. بدأوا ببناء المدارس لأنّهم أدركوا بأنّ التنمية تبدأ بالعِلم وتنتهي بالعِلم، ولذلك العالم العربي ظنّ بأنّ التنمية تبدأ بالباطون، وهذا خطأ فادح الباطون والباطون لا يصنع التنمية، الذي يصنع التنمية هو الاستثمار في الإنسان.

دكتور يحيى النماذج العربية أبدأ بها من النموذج الجزائري وصولاً إلى النموذج الخليجي. كلّهم فكّروا تفكيراَ مادياً، النموذج الجزائري بعد الاستقلال توجّه توجّهاً اشتراكياً، وكان هنالك نوع من السَحق للمبادرة الفردية في العالم العربي. أيضاً في دول الخليج أعتقد بأنّ التنمية هي عبارة عن ناطحات سحاب، وهذه الشكليات وفي النهاية ليس لدينا في العالم العربي ولا الإسلامي بشكل عام، اللهمّ إلا بعض الدول نموذج تنموي يصلح لأن نُسمّيه تنمية مُستدامة، بل تدمير للإنسان وتدمير للبيئة، كان هناك مَن يُنادي باستغلال الغاز الصخري، وهم يدركون تماماً بأنّ الغاز الصخري مُدمِّر للبيئة، ولا يوجد تكنولوجيا آمنة تسمح لنا بأن نستغلّه لولا أنّ أصواتاً من النزهاء ثاروا ضد هذه الفكرة، وقالوا إنّ احتياطات المياه الجوفية الجزائرية التي تكفي العالم أربعة قرون لا يجوز لنا أن نُدمّرها باستغلالنا لموارد ناضبة مُدمِّرة للبيئة. في بلادنا العربية والإسلامية ليست لدينا جامعات راقية جداً، بل اللهمّ إلا ماليزيا التي لديها جامعات تُصنَّف ضمن المئة الأولى جامعة في العالم، لكن أنظر العالم العربي والإسلامي وجامعاته أنّ تصنّف في التصنيف العالمي. لذلك أنا أقول، وأؤكّد أنّ التنمية في العالم العربي والإسلامي لم تصل إلى ذلك الحدّ الذي نُسمّيه تنمية مُستدامة، بل إنّنا نسير في شيء يشبه التنمية.

يحيى أبو زكريا: طبعاً دكتور فارس الخطّة الماكِرة لدوائر الاستكبار العالمي أنّهم دَكْدَكوا التعليم في الوطن العربي، واستوردوا الجامعات عينها توجد الساربون في العالم العربي، توجد كامبردج توجد جامعات غربية، ولها الأولوية حتى المواطن العربي يقترض يبيعه بيته أرضه ينضمّ إلى جامعة غربية فرع في الدول العربية ويترك الجامعات الوطنية التي أهملها أيضاً النظام الرسمي العربي. ولنا عودة إلى تجارب بعض الدول العربية، بُعيد الفاصل دكتور فارس.

مشاهدينا نواصل حلقتنا بُعيد الفاصل، فلا تذهبوا بعيداً.

"مَن المسؤول عن تخلّف المسلمين" محمّد سعيد رمضان البوطي.

ورد في المُقدِّمة أنّه قرأت مقالاً في مجلة سيّارة يُحلّل فيه كاتبه أسباب التخلّف عند المسلمين ويتناول فيه أهم المعوقات التي أخّرتهم في سباق الإنتاج عن اللحاق بغيرهم، كان من أهم أسباب ذلك بنظر كاتب المقال تلك الآثار الباقية من الدين وغيبياته عندهم، وتلك العقيدة التي تنسب كل شيء إلى الخالق. والحقيقة إنّ ربط التخلّف بالدين غدا عند طائفة من الكتَّاب العرب حركة آلية في سَيْر تفكيرهم تكاد لا تختلف عن آلية تصوّر ارتباط الطعام بقرع الجرس في التجربة التي أجراها بافلوف لإثبات نظريته المشهورة عن رد الفعل الشرطي. فمهما انحصر سُلطان الدين وهو الإسلام في هذا المقام عن مجتمعاتنا العربية اليوم، ومهما شرد الناس عن سبيله وقيوده، ومهما ابتعد سُلطان هذا الدين عنهم وعاد محصوراً في مخزن التاريخ منزوياً في مغربه الحَضَري فإنّ هؤلاء الكتَّاب يظلّون يلصقون به جريرة تخلّفهم كلّما سُئِل عن أسبابه، أو كلّما تظاهروا بالنهوض لمُعالجته والتغلّب عليه. والتخلّف كلمة تشمل كل مظاهر الضعف أو الجهل أو الفقر في حياة الأمّة، فهي إذاً تنحطّ على تفرّق المسلمين وتدابرهم، وعلى استيلاب اليهود وغيرهم أراضيهم وعلى جمود الحركة العلمية في حياتهم، وعلى قعودهم عن تسخير ما في الأرض لمعاشهم فيزعم هؤلاء الباحثون إذاً أنّ من أهم ما يمنع وحدة العرب اليوم ويصدّهم عن طرد اليهود وردعهم ويُعرقِل أمامهم الانطلاقة نحو آفاق العِلم والمعرفة ويقعدهم عن السبق الاقتصادي وتوفير الإنتاج هذه البقية من سُلطان الإسلام وعقيدته في نفوس المسلمين.

المحور الثاني:

"التخلّف الاجتماعي مدخل إلى سايكولوجية الإنسان المقهور" مصطفى حجازي.

إنّ تجاهل كون التخلّف على المستوى الإنساني نمط وجود مُميّز له ديناميّته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية. أوقع دارسو التخلّف وعُلماء التنمية ومن ورائهم القادة السياسيين الذين يقرّرون عمليات التغيير الاجتماعي في مأزق أدّى إلى هَدْرِ كثيرٍ من الجهد والوقت والإمكانات المادية بشكلٍ اتخذ طابع التبذير الذي لا يمكن للمجتمع المُتخلّف بالأعباء الثقيلة أن يسمح لنفسه به. انطلق هؤلاء جميعاً في مشاريع تنموية طنّانة ذات بريق، ووجاهة قائمة على دراسة ومُخطّطات جزئية لم تتجاوز الصفحة في معظم الأحيان كي تنفذ إلى دينامية البنية المُتخلّفة من ناحية، أو إلى التكوين النفسي والذِهني للإنسان المُتخلّف الذي أريد تطويره من ناحيةٍ ثانية. لقد وضعت خطّة مُستورَدة عن نماذج طبّقت ونجحت في بلدان صناعية، لكن مسيرة هذه الخطط لم تخطو بعيداً حيث أخفقت التجارب المُستورَدة والمشاريع المُلصَقة من الخارج. كما فشلت المشاريع ذات الطابع الدعائي الاستعراضي في تحريك بنية المجتمع ككل، وفي الارتقاء بإنسان ذلك المجتمع لأنّ إنسان هذه المجتمعات لم ينظر إليه أنّه عنصر أساسي ومحوري في أيّة خطة تنموية.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، عُدنا والعود أحمد، ومَن أدرك حلقتنا نحن نناقش معوقات التنمية المُستدامة في العالم الإسلامي. وأذكر أن هنالك كتباً كثيرة كتبت في هذا السياق منها ما لامسَ الموضوع مباشرة، ومنها ما عالج موضوع الإنسان كما فعل المُفكِّر الجزائري العملاق مالك بن نبي في كتابه "من أجل التغيير"، وهنا أدعو الجزائر، وأدعو العالم العربي إلى الاهتمام مُجدّداً بمالك بن نبي لأنّه أُهمِل جزائرياً وعربياً وإسلامياً. وإبراهيم البليهي كتب"حصون التخلّف"، والدكتور زغلول النجار كتب "قضية التخلّف العِلمي والتقني في العالم الإسلامي خُرافة التقدّم"، و"التخلّف" للأستاذ جلال أمين، والشهيد السعيد البوطي كتب كتاب "مَن المسؤول عن تخلّف المسلمين"، وأيضاً الدكتور فؤاد البنا كتب "العالم الإسلامي بين التخلّف الحضاري ورياح العَوْلَمة"، وكذلك "النظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي" للدكتور هشام شرابي، وأيضاً الدكتور مصطفى حجازي كتب "التخلّف الاجتماعي مدخل إلى سايكلوجية الإنسان المقهور". وأنتم تعلمون أنّ الإنسان العربي مقهور بالكامل، وكيف يمكن للمقهور أن يبني حضارة!!

أستاذ محمّد طبعاً أشار الدكتور فارس إلى تجارب ناجحة ذكر سنغافورة، ونذكر أنّ مؤسِّس سنغافورة أولى التعليم أهمية خاصة، بل حوَّل المعابد إلى جامعات بدل أن تنشأ له من يضع فقه التكفير. لماذا في العالم العربي كنّا دوماً نعتمد على المُستشارين الغربيين؟ نريد النهوض فأجلب وفداً فرنسياً، نريد النهوض نجلب وفداً أميركياً، نريد النهوض نجلب وفداً بريطانياً، وأشار إلى تجربة بومدين، بومدين رحمة الله عليه بدأ بالصناعات الثقيلة، وكان هناك إهمال للزراعة في النهاية، وفقدنا الصناعة والزراعة معاً. لماذا دائماً نعتمد على النُخَب المُخطّطة الاقتصادية الغربية؟ نحن لا نؤمن بأنفسنا، لا نثق بذواتنا، يا أخي لا توجد عندنا عقول في العالم العربي والإسلامي؟!

محمّد أبو جياب: دكتور هذا الموضوع هو الأكثر حساسية ومركزية في هذه القضية، الحديث لا يتوقّف فقط عند استقطاب المُستشارين الأجانب الذي قد يُفيد في بعض الأحيان، لكن أنا أتحدَّث عن استقطاب الخطط كما هي دكتور من العالم. نحن نتحدَّث عن وزراء وحكومات ومؤسَّسات داخل هذه الدول تستقطب الخطط كما هي من دون أن تسقطها على معايير ومقوّمات وإمكانية دولها داخل مجتمعاتها الحديثة، وعن استنساخ التجارب من العالم، أستنسخ التجارب من بعضه البعض في سياقات المواءمة وما يتناسب. نحن استنسخنا التجارب من مُنطلق التطبيق لهذه التجارب من دون النظر إلى حيثيّات مدى مواءمتها ومدى تلبيتها للاحتياجات، أو حتى مدى صدقيّة تحقيقها في بلادنا العربية والإسلامية. لك أن تتخيّل منطقياً أنّ الدولة الماليزية اتّخذت قدوة في عملية التنمية والتطوير، وهي  اليابان وبالتالي استنسخت التجربة اليابانية بالاهتمام في تقنيات التعليم والإنسان، وبدأت ماليزيا تسجّل مكاناً مهماً على مستوى التعليم في العالم، ومنها انسدلت مجموعة من التطوّرات والإمكانيات الاقتصادية لماليزيا كقوَّةٍ اقتصاديةٍ صاعدة. اليوم الحديث عن تقنيات التصنيع في الميكانيك بمعنى ماليزيا تنشأ مصانع لصناعة ماكينات الإنتاج ولا تستورد ماكينات الإنتاج. اليوم لك أن تتخيّل مصنع المراعي المُخصَّص لإنتاج الألبان في السعودية، كل مَن يُدير هذه المنظومة من فرنسا، الحديث عن تأسيس الثقة كما قلنا والوعي والرؤية والاستراتيجية في نفس كل مواطن والولاء للدولة من مُنطلَق المساهمة الحقيقية في عملية هو غير موجود. وبالتالي المسؤول لا يستعين بالمواطن سواء في الدول العربية أو في دول إسلامية عديدة، ليس من منطلق أنّه لا يريد المواطن، لكنه هو نما كمسؤول على أنه لا يستطيع، وعلى أنّه لا يفهم، هو نما كمسؤول على أنّه لا يمكن له أن يُحقّق على المستوى العِلمي والتقني والإنتاجي قُدرة بشرية يمكن أن تساهم في عملية البناء. وبالتالي التربية السياسية والأكاديمية لكثيرٍ من المسؤولين، ولك أن تتخيَّل أنّ الأمراء والوزراء والمسؤولين وأبناء الرؤساء والمسؤولين يتعلَّمون في كُبريات الجامعات العالمية، فيبدأون بنقل التجارب العالمية بوصفها مُلهِمة لا يمكن تطبيقها في بلادهم، وبالتالي إذا ما جاؤوا على شكل مسؤولين مُتنفّذين في دولهم، يبدأون بالنظر إلى الخارج بوصفه مُنقذاً وليس إلى الداخل بوصفه أداة حقيقية من أجل التغيير، ولذلك نشأت لدينا مسألة الاستعانة بشركات الاستشارات العالمية أو بالمُستشارين الذين قد يتقاضون من الأموال ما يفوق حجم التمويل الداخلي داخل هذه الدول على بعض المشاريع.

نحن نتحدَّث عن قُدرات يجب أن تُنمّى على المستوى البشري والإنساني، وأن تُبنى الثقة، وأن تُبنى القدوة في عمليات البناء والتطوير على المستوى التنموي بعيداً عن استنساخ التجارب كما هي، أو الاستعانة بالآخرين، وهذا الأمر مهم يمكن أن يقودنا في بعض الحالات. لكنّه يكون مُضرّاً إذا ما استسلمنا إلى هؤلاء المُستشارين بمعنى أنّنا نجلب هؤلاء بوصفنا لا نمتلك القُدرات حتى على مناقشتهم، وبالتالي على مستوى المناقشة، وبالتالي ما يقولونه سواء كان مُضرّاً أو نافعاً للدولة يُطبّق وكأنّه قرآن. هذه المعادلة الحقيقية التي أفسدت المنظومات السياسية والمنظومات الاقتصادية وبنت وعياً مشوّهاً لدى المجتمع الإسلامي والعربي بأنّ المُنقِذ من الخارج، وليس من الداخل وبدأ التشكيك في أية تجربة دكتور حتى من مستوى الداخل في أية دولة من الدول إذا ما خرج كاتب أو مُثقّف أو رجل أعمال أو صاحب رؤية ليقول إن لدينا إمكانية لدينا قدرة، يكون محل استهزاء من الداخل على المستوى الإعلامي وعلى المستوى السياسي وقد يتمّ اغتياله معنوياً وإعلامياً.

يحيى أبو زكريا: طبعاً وهنالك الكثير من الشهادات المُصيبة أنّ الغربي يقول لك هدفي أن أدمِّرك، وهدفي أن أنشر الفتنة في واقعك، وهدفي أن أجعلك تابعاً مُفلساً. صاحب الكتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم أشار إلى دور الهيئات والمؤسَّسات في التدمير الذاتي، لكن نحن للأسف الشديد عندنا داء هَبنقة، داء الحماقة، وأنت تعرف الشاعر العربي يقول لكل داء دواء يُستطاب به إلا الحماقة أعيت مَن يداويها. 

دكتور فارس عندما نتحدَّث عن النظرية الإسلامية الجميلة المُزَركشة، وأنت تعلم إسلامنا جميل ورائع وربّك ما أساء إليه إلا المسلمون لو ارتقوا إلى مستوى إسلامهم لحكموا العالم عندما يشير الإسلام إلى العمل يُقدّس هذه المُفردة، ويعتبر العاملين من أهل الله من المجاهدين من الكادحين. أنت لو تتأمّل مَن ينظّف شوارعنا، ومَن يساهم في تنظيف البيئة العربية والإسلامية أغلبهم من الخارج، لا يوجد جزائري يعمل في التنظيفات، لا يوجد فلسطيني يعمل في التنظيفات، لا يوجد خليجي يعمل في التنظيفات، كلّهم من الهند، باكستان، سيريلنكا وما إلى ذلك. فإذاً أليس المنطلق أن نصنع الإنسان العامِل دكتور فارس؟

فارس مسدور: والله هذا عين الصواب، ويقول ربّ العزَّة تبارك وتعالى "وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون". وربّ العزَّة تبارك وتعالى يقول "لإن شكرتم لأزيدّنكم، ولإن كفرتم إنّ عذابي لشديد"، وقال "ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مُطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله"، ماذا حصل لها؟ "فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون". 

عندما نتكلَّم عن الجوع نتكلَّم عن المنظومة الاقتصادية وعندما نتكلَّم عن الخوف نتكلَّم عن المنظومة الأمنية "فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف"، اقتصاد وأمن حينما تغيب المنظومة الاقتصادية التي تحترم المعايير المعروفة في التنمية المُستدامة إعلم عِلم اليقين بأنّ هذه المنظومة الاقتصادية ستكون دماراً وخراباً على الأمم التي ستطبّقها سواء كانت أمماً غربية شرقية، أم غيرها. ولذلك عندما ندرس التجارب العالمية نكتشف بأنّ من أبرز التجارب الإسلامية التي اعتمدت على الفكر الإنساني الراقي نجد مهاتير محمّد يقول في مذكّراته لقد ارتكزت في منظومة التنمية الاقتصادية الماليزية على رجلٍ عظيمٍ جزائري إسمه مالك بن نبي، مالك بن نبي يستفيد منه الآخر ويُهْمَل في بلاده.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

فارس مسدور: مالك بن نبي يستفيد من نظرياته الغرب، ويُهْمَل في بلاده. نظريات مالك بن نبي كتاب شروط النهضة يُدرَّس في جامعات الكيان الصهيوني، وتُحرَم على إخواننا الفلسطينيين أن يدرسوها، ولذلك أقول حينما نرتكز على منظومة فكرية راقية لا نقول أن تكون إسلامية، وإنّما أن تكون راقية بكل ما تحمل من معنى الراقي أو مُصطلح الراقي من معنى. حين ذلك سننتج منظومة تهتم ّبالإنسان، تهتمّ بالبيئة، تهتمّ بكل ما يتعلّق بالجوانب الحاضرية والثقافية والسياسية، أنظر إلى وضعنا السياسي يُعطيك إجابة عن الوضع الاقتصادي لا توجد حقيقة سياسية تتكلّم عن الديمقراطية الحقيقية عن الديمقراطية التشارُكية. لا يوجد في العالم العربي والإسلامي الإنسان في العالم العربي مقموع مقبور تُقْبَر أفكاره ويُقْبَر و بحد ذاته إذا خرج عن المجال الذي تُغرِّد فيه حكوماته، ولذلك تجد بأنّنا تحدَّثنا فيه عن الجزائر عن الثروات الموجودة في بلادنا، وقلنا بأنّ الجزائر فيها ثروات طبيعية غير النفط وغير الغاز.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

فارس مسدور: الجزائر تحوز على ما لا يقلّ عن عشرين في المئة من الأتربة النادِرة، ومَن أراد أن يعلم معنى الأتربة النادِرة فلينظر إلى تكنولوجية الصواريخ، ولينظر إلى تكنولجية النانو، ولينظر إلى التكنلوجيات الدقيقة، ويُدرِك أهميّة هذه الأتربة التي تُباع بالغرامات وليس بالأطنان. ولذلك أخي العزيز عندما ننظر إلى الثروات الطبيعية نجد وِفَرَة، ولكن عندما ننظر إلى الثروة الإنسانية  والثروة البشرية نجد بأنّها مُهمَّشة حتى وإن كانت متوافِرة، والدليل على ذلك أنّ العربي والمسلم حين يخرج من بلده ويذهب إلى بلاد الغرب تجده يتقلَّد المناصب العُليا من دون أن يجد عقدة في ذلك، ويعطونه الثقة لأنّهم يدركون تماماً بأن العقل العربي والعقل المسلم هو عقل مُنْتِج، وليس عقلاً مُخرّباً. إذا وجد المحيط الذي ينمّي أفكاره ويستغلّونها استغلالاً عقلياً ورشيداً في البلاد العربية والإسلامية، وأتحدَّث عن النموذج الجزائري الذي يُعتَبر من النماذج في مجال الثروات الطبيعية، ومن النماذج الراقية، وفي مجال الثروات البشرية أكثر من 70 بالمئة عبارة عن شباب بطاقة إنتاجية وفكرية هائلة، لو أنّنا نستغلّ هذه الطاقة الشبابية لأنتجنا نموذجاً راقياً.

يحيى أبو زكريا: دكتور فارس، ما يؤكِّد كلامك هو وجود آلاف الأطباء والمهندسين وبراءة اختراع سجِّلت بأسماء جزائريين في كندا. يا أخي حتى في كرة القدم قادوا الأندية الأوروبية إلى بطولات محلّية وقارية وعالمية، الجزائريون معروفون. هل توجد اليوم محاولة لتصحيح الوضع والاستفادة من هذه الطاقات التي غادرت الوطن؟

فارس مسدور: نحن قلنا لهم ليس شرطاً أن يرجع الجزائري  المُقيم في الخارج إلى بلده أو المُقيم العربي في بلاد الغرب إلى بلاده، أو في البلاد المُتطوِّرة، إنّما نجد قنوات للتواصُل معهم ونُعطيهم الفرصة لكي يبنوا بلادهم العربية والإسلامية، هذه الفرصة لم تعطَ للعربي والمسلم، ولا حتى للجزائري بشكل خاص. ما يوجد في فرنسا من أطباء أكثر من 14000 طبيب في فرنسا من كبار الأخصّائيين ومن كبار العُلماء هذا في مجال الطب، ناهيك عن مجال الاقتصاد وعِلم الاجتماع والعلوم الأخرى الدقيقة في تكنولجيات النانو وفي الناسا، إسأل عن الجزائريين الموجودين في الناسا، إسأل عن الجزائريين الموجودين في سنغافورة، إسأل عن الجزائريين الموجودين حالياً في ماليزيا، إسأل عن الجزائريين الموجودين حالياً في أوروبا وفي أميركا وفي القارّة الآسيوية، إسأل عن العراق الذي كان سبباً في تغيير النموذج الاقتصادي الصيني، عالِم عراقي كان سبباً في تغيير المنظومة الاقتصادية الصينية بما تراها الآن، هي نتيجة عالِم عربي. تخيَّلوا واحداً ينتج النموذج الصيني، نعم واحد. هذا ولكن أين كان؟ كان في دولة غربية كان في بريطانيا، واستُعين به من أجل أن يطوِّر منظومة الحُكم الاقتصادية والإدارية الصينية، لكن في عالمنا الآن في عالمنا العربي نتحدَّث عن نماذج التنمية صحّ توجد نيَّة صادقة في الجزائر الآن من أجل إحداث نموذج جديد اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، ولكن أولئك الذين يشدّوننا إلى الوراء مازالوا موجودين من الفاسدين من المنظومة الفاسدة التي كانت سبباً في تخلّفنا ونفس النموذج يتكرَّر في العالم العربي والإسلامي دول عربية وإسلامية مواردها السنوية تتجاوز مئة مليار دولار، ماذا أنتجت؟ وماذا أعطت؟ وأعطني نموذجاً عربياً واحداً في مجال العِلم يُسجَّل عالمياً، لكن هؤلاء لم يبق لهم الكثير من الوقت. آن الآوان أن تتغيَّر هذه العقلية المُتخلّفة الفردانية. عندما أقول الفردانية ليس بالنموذج الرأسمالي ولا الليبرالي إنّما الفردانية التي تعني الفساد، هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ نار كلّما أعطيتها طلبت المزيد.

يحيى أبو زكريا: لكن الله من ورائهم محيط دكتور فارس الذي يمتلك قراراً هذا العالم هو المولى عزّ وجلّ والله لا يحب المُفسدين، وما دام الله لا يحب المُفسدين فسوف يستدرجهم من حيث يعلمون أو من حيث لا يعلمون وسوف يُبقي المولى عزّ وجلّ الأطهار ليؤسِّسوا العالم وليصنعوا القرار إن شاء الله.

أستاذ محمّد والله شيء يُبكي والله الدكتور فارس يتكلَّم وأنا دمعي تكاد تخرج من مآقيها لأنّني أنا عايشت مُفكِّرين عرباً كثراً من الجزائر من كل الدول العربية والإسلامية في محطات المنافي من وطن إلى وطن بحثاً عن وطن. رأيت عقولاً جبّارة، عقولاً مُبْدِعة، وكلها تنتمي إلى العالم العربي والإسلامي، وكان بالإمكان أن تكون وقوداً حيوياً لصناعة النهضة والحضارة، هذا ظُلِم وهذا سُجِن وهذا أُخِذَ منه جواز سفره ومشكلات كثيرة. أما آن لنا في العالم العربي والإسلامي أولاً أن نتقّي الله وأن نصون الناس والإنسان وأن نحترم هذه العقول التي سوف تؤسِّس لنا نهضة تنتفع منها الأجيال المقبلة؟

محمّد أبو جياب: دكتور هذا هو مربط الفَرَس كما نقول وهذه هي الإنطلاقة الأولى التي يجب أن تكون عندما يُعطى الإنسان الكرامة والثقة سيُنْتِج وسينتمي وسيكون لديه الولاء. تفضّل الدكتور من الجزائر بأنّ العُلماء الجزائريين والعراقيين والعرب عموماً والمسلمين هم مَن يُدير الدفّة في الدول الغربية، وهم مَن يتصدَّرون المراتب العُليا في كل المجالات العلمية والاجتماعية والطبية وغيرها. نحن كأنظمة عربية ونُخَب حاكِمة اليوم نقتل ونقهر كل صاحب فكرة، ونقتل ونقهر كل صاحب عمل، نقتل ونقهر كل صاحب عِلم حتى يلوذ بالفرار إلى الغرب ليكون من هناك مُنطلقه للإبداع والإنتاج والعمل ليخدم هذه الدول. العودة إلى هذا المكان إلى دولته الأصلية أو إلى بلده الأصلي تتطلّب أن يكون لدينا سياسة حامية كريمة مُصانة لهذا المواطن ولهذا الخبير ولهذا العبقري ولهذا الباحِث ولهذا المُتعلِّم لنُعيد الثقة، وكما قلنا من البداية إنّ واحداً من أهمّ مقوّمات التنمية أن يعطي النظام السياسي الأمان والكرامة والثقة للمواطن، ثم يعمل معه على حدٍ سواء من أجل أن نصل إلى مرحلة البناء المشترك والجهود المشتركة لتحقيق التنمية في كل القطاعات، لك أن تتخيَّل أنّ النماذج التي استوردت من الخارج على مستوى الخبرات والاستشارات بدأت في الصناعات التي لا تلقى اهتمام المواطن ففشلت. بدأت في الاستثمارات التي لا تُلبّي تطلّعات المجتمعات المحلية، بل تلبّي احتياجات وتطلّعات أصحابها وأصحاب مُقترحيها في الدول الأخرى التي قد تنعكس هذه الاستثمارات سلباً إمّا على الإنسان أو على البيئة في مواطنهم الغربية وغيرها. للأسف الشديد نحن أمام منظومة سياسية واقتصادية هشَّة ومُدمّرة.

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمّد أشير إلى أن العقول الغربية التي تُعطينا خططًا هي تريد منّا أن نكون مُكمّلين لاقتصادها في الجزائر في السبعينات كانت بعض العقول التي استشيرت الفرنسية تحديداً أنّهم اقترحوا على الجزائر أن تترك زراعة القمح وتنتج الكروم لأن الكروم تُصْنَع منه الخمور والغربي في أمسّ الحاجة إلى خمور الجزائر طلبوا من السودان ترك زراعة القطن الذي هو مادة حيوية ليزرع شيئاً آخر وهكذا دواليك. العقول الغربية تريد من أراضينا مزارع لاحتياجاتهم الخاصة، وليس احتياجات المواطن العربي والمسلم.

محمّد أبو جياب: هنا يا دكتور نتحدَّث عن الانطلاق الأساسي لعملية التنمية في كل الدول في كل العالم لم تبدأ عمليات التنمية المُستدامة والتطوير الاقتصادي إلا بالبدء من القطاع الزراعي الذي يُشكّل ركيزة أساسية لانطلاق الصناعات التكميلية الأخرى على مستوى أولاً تلبية الاحتياجات. ودعني أقول هنا لا يمكن أن نتحدَّث عن تنمية مُستدامة وتطوير علمي وتقني وتكنولوجي إذا ما تحدَّثنا عن مواطن جائع أو حكومة لا تستطيع إطعام مواطنيها. المنطلق الأول أن تكون لدينا كفاية في الإنتاج على مستوى القمح وعلى مستوى المُنتجات الغذائية التي تلبِّي احتياجات المواطنين في هذه الدول. لك أن تتخيَّل أنّ العالم العربي والإسلامي صاحب أطول وأكبر أنهر في العالم، وصاحب أضخم مساحات زراعية صالحة، بل هي الأجوَد في العالم صاحب أكثر قُدرة على الإنتاج الزراعي. لكنه للأسف الشديد هو اليوم أكبر مُستهلِك للقمح الروسي وللقمح الأميركي، هو أكبر مُستهلِك للقطن الأميركي، وهو أكبر مُستهلِك للمُنتجات الزراعية الهولندية للألبان والأجبان من هولندا وسويسرا وبعض الدول هذه المنظومة التي عطّلت وأقصد المنظومة السياسية والاقتصادية التي عطّلت هذه القدرات لصالح تطبيق منظومة المصالح ما  بينها وبين الدول للحفاظ السياسي على مصالحها ومكانتها وحُكمها كمنظومات سياسية حاكمة في هذه الدول. وبالتالي حوَّلت الشعوب العربية والأسواق العربية والإسلامية إلى أسواقٍ استهلاكيةٍ للسِلَع الغربية على كل المستويات بدءاً من الزراعة وصولاً إلى التكنولوجيا.

يحيى أبو زكريا: استاذ محمّد ما دمنا في أجواء هذه الحلقة أشرنا إلى الأستاذ مالك بن نبي الذي خصَّصته بكتاب مطوّل فيلسوف مشكلات الحضارة يقول الإنسان إما أن يؤثّر أو يتأثّر ويبدو أن العرب والمسلمين اختاروا أن يكونوا مُتأثّرين.

الأستاذ محمّد أبو جياب من فلسطين الحبيبة، نَصَرَ الله فلسطين وحرَّرها بالكامل شكراً جزيلاً لك.

الدكتور فارس مستور من الجزائر الحبيبة المجاهدة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.