الإعلام اللبناني... وتركيبته

تركيبة الإعلام اللبناني وبحث في مقاربة الإعلام للكوارث والأزمات الوطنية وعلاقته بأجندات خارجية ومسألة التمويل. وإطلالة على علاقة الإعلام بالمواطن، وبالدولة ومسألة وزارة الإعلام... إضاءة على مفهوم الحريات في الإعلام اللبناني، ومسألة المجلس الوطني للإعلام..

المحور الأول:

غسان الشامي:أحيّيكم، صحيحٌ أن لبنان بلدٌ عريق في الصحافة التي توسّلها التنويريّون في عصر النهضة، لكن هذه المهنة تراجعت قليلاً في عصر المسموع ثم "تبهدلت" في عصر المرئي على ما يبدو، حيث تراجع تلفزيون الدولة التلفزيون الرسمي إلى عصر رعمسيس الثاني، وتقدّمت تلفزيونات الأحزاب والميليشيات والعائلات متواطئةً مع الساسة واهتراء القِيَم والتشارُك مع الخليج الذي أنتج أكثر وسائل الإعلام بؤساً معرفياً. في الأزمات يكون للإعلام الدور الكبير، فالتلفزة في كل بيت والكارثة في الخارج، وهنا يمكن كشف نسبة القُيح أو الورد أو البلسم في كلّ محطة وكشف الرسالة التي تحملها. ما أفصحت عنه الكارثة في مرفأ بيروت إعلامياً وقبلها هيجان الشارع وتسليط الكاميرات على الناس وتسليط مَن في الشارع على البيوت استدعى أن نحاور بهدوء زملاء لنا في المهنة لهم تجربتهم كلٌّ في مكانه، من دون ألقاب أرحّب بهلا الحداد، محمد قازان، رندلى جبّور، بيسان طي شاكراً حضورهم في أجراس المشرق، سنفتتح الحوار ولكن بعد تقريرٍ عن الإعلام في لبنان.

تقرير:

تُعدّ صحيفة حديقة الأخبار التي أصدرها خليل الخوري في بيروت عام 1858 أمّ الصحف وأول دورية سياسية غير رسمية عربية، أما ثاني جريدة فهي "نفير سوريا" التي أسّسها المعلّم بطرس البستاني عام 1860.

تطوَّرت الصحافة اللبنانية في الخمسينيات والستينات من القرن الماضي وبدأت تظهر جلياً ارتباطات أصحابها السياسية وعلاقاتهم الخارجية، وقد رُصِد وجود 29 وسيلة إعلامية سياسية من أصل 37 تعود ملكيّـتها إلى الدولة وسياسيين وعائلاتٍ تمثّل الأخيرة نحو 30% من نسبة هذه الوسائل.

رأى العرب قبل سنواتٍ أن لبنان موطنٌ مُفضّل للصناعات الإعلامية من جرّاء التطوّر التقني وتيسُّر الإنتاج بما فيه الإعلام الرَقمي قبل أن ينتقلوا إلى الخليج ويأخذوا معهم الخبرات اللبنانية.

ويضمّ قطاع الإعلام أكثر من 450 شركة تتوزَّع على البثّ التلفزيوني: الإعلان، الإنتاج وما بعد الإنتاج، الإعلام الرَقمي، النشر والموسيقى.

وفي لبنان ستّ جامعات للتخصّص في الفنون السمعية والبصرية وإنتاج الأفلام تُخرِّج كل عامٍ نحو 250 طالباً بشهادةٍ في الفنون السمعية والبَصرية، ويُعدّ الإعلام اللبناني الأكثر حرية في الشرق مع الحدّ الأدنى من القيود على أنشطة البثّ والنشر، وصُنّف لبنان واحداً من ثلاث دولٍ شرق أوسطية حرّة جزئياً ويحتلّ المرتبة الثانية في مؤشّر حرية الصحافة، لكنّ نوعاً من الانفلات يحكم المؤسَّسات الإعلامية ومن عدم الشفافية في مصادر التمويل.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أرحّب بكم زملائي الأعزّاء ضيوفاً أعزّاء في البرنامج، سأبدأ من عندكِ هلا، أولاً حمداً لله على سلامتكِ، أريد أن أقول للسادة المشاهدين إن زميلتنا هلا حداد قد أُصيبت وتضرَّرت كثيراً في كارثة بيروت وتحمّلت ولكن لها تجربة خاصة ستتكلّم عنها هي في أمكنة أخرى، الآن سيّدتي ما هي تركيبة الإعلام اللبناني؟

هلا الحداد: هي تركيبة هجينة، لا توجد تركيبة في الأصل، هناك شيء بالصدفة، نريد أن نربح كل شيء، نربح مُشاهِداً، نربح إعلاماً، نربح سياسة ولا نريد أن نربح موقفاً ورأياً. 

غسان الشامي: ألا نريد أن نربح المال؟ 

هلا حداد: كل هذا يُكسب المال، نريد أن نربح كل شيء من أجل المال ولا نريد أن نربح رأياً عاماً، لا نريد أن نربح رؤية ولا ثقافة، الثقافة ليست بالكتب والقراءة إلى آخره، هناك ثقافة الإنسانية، ثقافة الوجدان، ثقافة الأخلاق، هذه للأسف غير موجودة اليوم في الإعلام اللبناني. 

غسان الشامي: أستاذ محمد السؤال نفسه، من تجربتك كيف ترى تركيبة الإعلام اللبناني؟

محمد قازان: مساء الخير للجميع ولك أستاذ غسان وللزملاء وحمداً لله على سلامتكِ سيّدتي. عادةً في عِلم الإعلام والاتصال يُصنَّف الإعلام ما بين إعلام يتوخّى المنفعة العامة وإعلام تجاري، ما بين إعلام تابع لأحزابٍ وبين إعلام رسمي، في لبنان يوجد جميع الأنواع، تحوّل إلى سلاح في ظلّ الجبهات المُصطفّة بوجه بعضها البعض سواء داخلياً أو الممتدة إلى المحاور الإقليمية أو حتّى الدولية. في الفترة الأخيرة برز على المستوى المرئي والمسموع وخاصة المرئي كما تحدَّثتَ في مقدِّمتك أن هناك نوعين من التلفزيونات، التلفزيونات الحزبية التي أنا أحد الصحافيين فيها في قناة المنار، وهناك التلفزيونات التجارية التي يُديرها رجال أعمال وأيضاً تصطفّ في السياسة مع محاور ضد محاور أخرى، هنا تصبح المسؤولية الاجتماعية وإعلام المسؤولية الاجتماعية يتغيَّر لمصلحة الأجندات التي توضع والاستراتيجيات التي تفرض السياسات وعلى أساسها يتمّ إخراج البثّ، من هنا نجد الإعلام المُقاتِل، الإعلام هو سلاح يتوخّى تحقيق الهدف كيفما كان، أحياناً لا يكون البحث عن الحقيقة هو هدف الإعلام بينما يكون الكذب هو أحد أدوات الوصول إلى الهدف. أنا أفهم حصول حَدَث مثل انفجار أو عملية ما أو تظاهرة ويتمّ استخدامها لصالح هذا الفريق وتوجيهها في هذا الإطار ضمن نظرية التأطير الإعلامي التي أصبحت سائدة حالياً، ولكن أن يتمّ اختلاق وقائع أو تحريفها أو الكذب بشأن وقائع وتوجيه الرأي العام باتجاهها هنا تكمُن الخطورة، المرفأ مثال، المرفأ منذ اللحظة الأولى قيل إن هناك صواريخ لجهةٍ ما هي التي انفجرت فهلمّوا يا أهالي هذه المنطقة واذهبوا إلى القاتِل الذي قتلكم وهو فلان.

غسان الشامي: للسادة المشاهدين الصوت الذي تسمعونه هو مروحية للجيش اللبناني، تفضّل وباختصار إذا سمحت.

محمد قازان: اذهبوا إلى هذا القاتِل هو الذي قتلكم، حتى اللحظة ونحن في هذا التصوير لم يُعلَن عن نتائج التحقيق الذي أجراه الجيش اللبناني وال FBI والمخابرات الفرنسية بل سُرِّبت للصحف بأنه كانت هناك مخازن للأمونيوم نتيجة الفساد والتقصير انفجرت، لم يتمّ نسف الرواية، وعندما جاء الرأي الآخر ليُعطي روايته، خطاب سماحة السيّد، أحجمت التلفزيونات التي ساقت الاتهام عن نقل الخطاب.

غسان الشامي: سيّدة رندلى بتعليق حول هذا الموضوع، هل من تعليق؟ 

رندلى جبور: أولاً أريد أن أقول إن الإعلام في لبنان هو سلاح الميليشيات، هو السلاح والمتراس الذي كانت تستعمله الميليشيات في السابق لأن مَن أسّس التلفزيونات والإذاعات اللبنانية هم مَن تقاتلوا في الحرب وتقسَّمت إلى ستّة وستّة مكرّر. أحياناً تسقط المتاريس من الميدان ولكنها تبقى على شكل شاشة أو صوت أو أثير مُعيّن، هي تترجم التقاتُل الداخلي الذي يهدأ أحياناً وأحياناً يفور، وأصبح الإعلاميون بالتالي لا ينتمون إلى مهنة الإعلام وإنما ينتمون إلى هذا الحزب أو هذا الفكر أو هذه الميليشيا أو رجل الأعمال هذا لأنه أحياناً يتّفق السياسي مع رجل الأعمال من أجل صناعة قصة وهمية ربّما من خلال هذه الوسيلة الإعلامية. للأسف قليلاً ما تؤدِّي الوسيلة الإعلامية في لبنان على اختلافها المكتوبة والمرئية والمسموعة واليوم الإلكترونية والسوشيال ميديا، قليلاً ما تؤدِّي دور مهنة الإعلام إنما تؤدِّي دور سلاح بيد فريق مُعيّن يرفعه أحياناً بوجه الفريق الآخر وأحياناً يضعه جانباً. 

غسان الشامي: سيّدة بيسان هل من تعليق على هذه القراءة لأن القراءات الثلاث السابقة صورتها غائمة جداً.

بيسان طي: أنا أرى أن الإعلام مأزوم، هو يعكس أزمة المجتمع اللبناني والعربي لأن الصحافة اللبنانية لم تكن يوماً صحافة لبنان فقط لا غير، وكما قلتَ في المُقدِّمة إن الصحافتين اللبنانية والمصرية هما أبناء مرحلة ما نُسمّيه النهضة أو النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، وفي لبنان كانت هناك مساحة من الحرية ونحن نعلم أن الجرائد التي كان يقرأها جمال عبد الناصر صباحاً هي الجرائد اللبنانية. لننظر اليوم إلى مجتمعنا ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، أين هو لبنانياً وعربياً، تحوّلنا من صحافةٍ هي نِتاج عصر النهضة أو مرحلة النهضة إلى إعلامٍ مأزومٍ حتى أصبح كالولد الذي لا ينتبه إليه أحد ووُلِدَ أخٌ له فيشاغِب كي يلفت النظر، هذا ليس أداءً إعلامياً. 

غسان الشامي: التوصيف جميل لكنّه لطيف جداً.

بيسان طي: حين تكون لدينا صحافة لا تبحث عن مصدر الخبر، حين تكون لدينا صحافة لا تقرأ، هناك صحافيون يكتبون أنتِ بحرف الياء، الأزمة وصلت إلى هنا، بالطبع هناك أناس مجتهدون ولكن ليس هناك حاضنة تبيِّن هذ الاجتهاد. حينما أعود إلى أرشيف جريدة النهار في الستينات حتى وإن كنتُ ضدّ ما يُقال ولكنني أستمتع بما أقرأه، الناس يغرقون في البحر ولا أحد يعلم أنه يجري تهريبهم، هناك مافيات تعمل ليس فقط على المستوى السياسي بل على المستوى الاجتماعي أيضاً، هناك مسعىً للاستعراض الجذّاب كما هي حال الطفل الصغير الذي يريد لفت النظر وليس الذي يقوم بعمل حقيقي، لا مشكلة لديّ في التوجيه. الأميركيون حين يصنعون فيلماً يُمرِّرون السمّ في العسل، يجعلونك تقتنع بما يقولونه ضدّك ولكن بحِرفيّة، نحن لدينا أزمة حِرفيّة.

هلا الحداد: زميلتنا رندلى قالت إن الإعلامي يريد أن يُرضي صاحب المحطة، كلا عليه أن يُرضي الجمهور لأن الأهم هو مَن يُصّفق له أكثر ومَن يجلب له متابعة أكثر، وحين يخوض اشتباكاً فهو يُرضي أناه بالحضور أكثر. أستاذ محمد تحدَّثتَ عن الفريق الذي كان يُصفّي حساباته في انفجار المرفأ، هناك فريق آخر أيضاً يُصفّي حساباته ويقول إنه كان هناك طيران إسرائيلي لم يؤتَ على ذِكره. أنا عشت هذه اللحظات وحتى الآن لا أشاهد التلفاز ولا أعلم ماذا يحصل، جميعنا سمعنا صوت الطيران، لماذا هناك مَن ينكر ذلك؟ 

غسان الشامي: سأسألكِ سؤالاً ومن ثم يكمل الأستاذ محمد لأنني سوف أسأله في نفس الموضوع، كيف رأيتِ مُقاربة الإعلام بشكلٍ عامٍ للأزمات الوطنية؟ لبنان بلد مأزوم، يجب أن نعترف بذلك.

هلا الحداد: لا توجد مُقاربات بل وليدة الساعة، سأعطيك مثالاً على 17 تشرين كي نكون واقعيين، 17 تشرين ولَّد أناساً غاضبين نزلوا إلى الشارع كانوا حاضرين أو مُحضّرين لا أعلم، أعلم أن الإعلام هو الذي لحق بهم وليس العكس، والأزمة الأكبر هي أن الإعلام لم يكن حاضراً وكان هناك ثلاثة أيام من الضياع، وربّما لاحقاً كانت هناك كلمة سرّ أعطت الإشارة للإعلام لكي يمشي مع الناس أو أن الناس أخذوا الإعلام إلى أماكن خطيرة. في موضوع الأزمة الاقتصادية نحن بحاجة إلى خبراء موحّدي الرأي، نعرف أن هناك مدارس اقتصادية، لا يوجد لدينا مرجع وطني يوصِّف لنا الأزمة الاقتصادية. على الرغم من كثرة المدارس إلا أنه لا توجد مقاربة تقرِّب لنا وجهات النظر لنعرف أين نحن، هناك تراشق سياسي وتحميل مسؤوليات سياسية، لا توجد رؤية اقتصادية موحَّدة وهناك أزمة حكومية، الحكومة لم تستطع فعل أي شيء. مُقاربات أخرى أيضاً مثل موضوع الجيش اللبناني في الكثير من المحطات، كفتون مثلاً، كل وسيلة إعلامية تستثمر في الحَدَث اللبناني ما تريده، هذه هي مشكلتنا الحقيقية.

غسان الشامي: أستاذ محمد إذا أردتَّ أن تعلّق فهذا حقّك ولكن أنت غطّيت حروباً ومعارك، ما هي شروط أن تعطي الهواء لأيّ كان في لحظة فيصل بوضع وطني؟

محمد قازان: صحيح، أريد أن أوضح ما قالته السيّدة هلا، نحن في مرحلة من المراحل كنّا محكومين للإعلام التقليدي، مثلاً انفجار 14 شباط باغتيال الرئيس رفيق الحريري، بقيت لجان التحقيق لسنوات تبني على نظريات فوق الأرض أو تحتها نتيجة انعدام وجود السوشيال ميديا أو الهواتف. 

غسان الشامي: هناك صحافي فتح برنامجاً عن الصرف الصحي.

محمد قازان: مثلاً بينما حالياً جميعنا شاهدنا الفيديوهات التي تنقل عبر الهواتف كيف كانت شرارات المُفرقعات تنفجر داخل الحاويات في مرفأ بيروت، صاعق التفجير لم يكن عبارة عن إطلاق من مدفعية أو صاروخ أو طائرة، الرأي العام أصبح مُهيأً إعلامياً ليواكب وفق تطوُّر السوشيال ميديا القائم، لذلك أنا وضّحت هذه النقطة لأن الرأي العام لم يعد يؤخَذ بالتعمية كما كانت الحال سابقاً، من هنا كانت الأزمة، وأيضاً صيغت نكات حول تجدُّد الحريق في المرفأ، وبات الرأي العام يتساءل كيف أن هذه الوسيلة الإعلامية ستحمِّل هذه الجهة مسؤولية الحريق.  

غسان الشامي: هناك مَن يقوم بالتلحيم دائماً.

محمد قازان: بالعودة إلى سؤالك أستاذنا، كيفية إدارة الأزمات ومتى يُعطى الهواء للرأي العام أو للمتواجدين على الأرض، هناك ضابط اتصال في أيّ عمل إعلامي، هناك توجيه بطبيعة الحال، لذلك قلت قبل قليل إن اختلاق الحقيقة أو الوقائع هو أصعب من تجيير الحقيقة لمصلحتك، مثلاً عند صدور قرار المحكمة الدولية ذهبت مراسلة إحدى المحطات إلى الطريق الجديدة في لحظة انقسامٍ عاطفي، مذهبي،عامودي في البلد، ذهبت لتسأل جمهوراً من مذهبٍ مُعيّن عن رأيهم بما قالته المحكمة بأن هناك تورُّطاً لأشخاصٍ من حزبٍ يتبعون لمذهبٍ آخر، هذا صاعق تفجير، هذا أخطر من يورانيوم المرفأ في هذه اللحظة، الناس كانوا واعين في الطريق الجديدة وأفشلوا هذا المُخطّط.

هلا الحداد: كانوا واعين أم مصدومين؟ 

محمد قازان: كانوا مصدومين لأنه بُنيت دعاية أو أسطورة طيلة 15 عاماً تَبيّن لاحقاً أنها انتهت بفشلٍ كما فشلت مع الضباط الأربعة ومع سوريا، لذلك كانت الصدمة. بالعودة إلى الحروب أستاذنا هناك ضابط الاتصال، في المعارك دائماً هناك ما يُعلن وما لا يُعلن، وهناك فارق كبير بين أن تخلق دعاية تجاه العدو وبين أن تغطّي حروباً داخل الأوطان، معارك سوريا تختلف عن معارك ضد العدو الإسرائيلي. 

غسان الشامي: باختصار لأنني أريد أن أنتقل إلى رندلى.

محمد قازان: من هنا كانت الحساسية كبيرة في التغطية تفرضها ويضع أجندتها بشكل كبير ضابط الاتصال.

غسان الشامي: أنا لا أحبّ الضباط في الإعلام.

محمد قازان: ضابط الاتصال هو مفهوم لعلوم الإعلام والاتصال، أحياناً يكون الشخص مدنياً وليس بالضرورة عسكرياً.

غسان الشامي: سيّدة رندلى برأيك كيف يُموَّل الإعلام في لبنان؟ من أين يأتي بالمال؟ هل في لبنان إمكانية لأن تكون كل هذه المحطات موجودة على الأرض؟ 

رندلى جبور: لديّ تعليقان بسيطان، بالنسبة للأنا التي تحدّثت عنها هلا هي موجودة وأصبحت مُضخّمة في هذا العصر لأن الإعلاميين باتوا صيّادي "لايكات" ولكن هذه الأنا ضمن الوسيلة الإعلامية توضع ضمن إطار مُعيّن، إذا خرجوا عن هذا الإطار يتمّ إخراج الإعلامي من هذه الوسيلة الإعلامية، وبالتالي نعم هناك سياسة عامة على الأقل وهذا طبيعي جداً فتُرسم. وتعليقاً على الولد الذي تحدّثت عنه بيسان بما أنه تعبير سَلِس أنا سأرفع العيار قليلاً وأقول إنه ليس الولد الذي وُلد له أخٌ وبحاجة إلى الاهتمام، إنه الولد الذي يفتقد إلى التربية لأن التربية هي التي تضع القيَم والمبادئ بينما نحن نرى أن الإعلاميين باتوا مُتحرّرين من كل القِيَم والمبادئ ويقولون ما يريدون من دون سقف، فهذا إما ولد يفتقد إلى التربية أو كما يقال باللهجة اللبنانية ولد "مهروء" زيادةً عن اللزوم ويعتقد أنه يحقّ له أن يفعل ما يريد ويجب أن تعطيه ما يريد. بالنسبة للسؤال عن التمويل نحن نعرف أن ما قبل 17 تشرين كانت الوسائل الإعلامية تعاني من أزمة مالية كبيرة وصلت إلى درجة أن تتواصل هذه الوسائل الإعلامية وخاصة التلفزيونات لأنها الأكثر كلفة للبحث في ما إذا كانت هذه الوسيلة هي التي تغطّي مباشرةً اليوم وتوزّع على البقيّة ومن ثم غداً يكون دور الوسيلة الأخرى. رأينا أنصاف رواتب للموظفين وأحياناً طرد موظفين من وسائل الإعلام تحت العنوان المادي، وفجأةً في 17 تشرين رأينا فتح الهواء 24 ساعة متواصلة وجميعنا نعرف كلفة البثّ المباشر والهواء المفتوح، بتنا نرى إعلاميين جُدُداّ في هذه الوسائل الإعلامية، من حقّنا أن نسأل من أين، أنت كنت تصرخ وتبكي وتشكو عدم قدرتك على الاستمرار، كيف تمكّنت ليس فقط من الاستمرار إنما كيف أخذت هذا القسط الكبير من الأوكسيجين وفتحتَ الهواء 24 ساعة متواصلة بهذه الأريحيّة؟ هنا نضع علامات الاستفهام، ومعروف أن الكثير من الوسائل الإعلامية اللبنانية مرتبطة بالخارج وخاصة ببعض دول الخليج، نعرف أن هناك مطبخاً في إحدى الدول العربية تمرّ عبره الأموال من أجل تنفيذ مخطّطات مُعيّنة أو توجيه مُعيّن.

غسان الشامي: مطبخ سوشي أم كبسة؟ 

رندلى جبور: هذا نسمّيه المطبخ الأسود الذي يُعدِّ طبخات السّم الذي يُعطى للبنانيين في هذه الأطباق، وبتنا نرى أيضاً أن هناك نوعاً من التماهي بين الوسائل الإعلامية وخاصة المرئية، فلنا حقّ القول نعم هناك مُموّل وعلى الأرجح المُموّل خارجي لأنه تزامن بين مُخطّط سياسي وإعلامي واكب هذا المُخطّط السياسي، فلعلّ المُموّل واحد لكل هذه المشهدية.  

غسان الشامي: بيسان بتجربتك كيف يقرأ الإعلام اللبناني الحرية؟ ما هي الحرية التي يقدّمها؟

بيسان طي: لا يقرأ، دعني أقول شيئاً، حين نتحدَّث عن الإعلام كما قال محمد الإعلام هو مروحة واسعة، هناك المكتوب والمرئي والمسموع و"النيو ميديا" وإلى آخره. 

غسان الشامي: المكتوب حالياً عظّم الله أجركم، وضعه صعب جداً.

بيسان طي: إلا عبر مواقع جديدة تحاول، كي تكون حراً يجب أن تكون حراً اقتصادياً، الحرية مرتبطة أيضاً بلقمة العيش، الإعلام مأزوم وهو سواء كان راضياً أو مُضطراً يبحث عن وسائل تمويل. نحن جميعنا نعرف وأعتقد أنها قيلت على شاشة الميادين منذ سنتين أو ثلاث حين قال المُرشّح للانتخابات النيابية في الجنوب على ما أعتقد أشكركم على استضافتكم لأنكم التلفزيون الوحيد الذي لم يطلب المال الذي يطلبه الآخرون. وسائل التمويل تتنوَّع من الخارج وهذا ليس بجديد، شارل الحلو قال لرؤساء الصحف "أهلاً بكم في بلدكم الثاني لبنان".

غسان الشامي: هل تتذكّرين ما يُسمّى بالكتاب الأسود حينما كان الصحافيون يذهبون إلى عبد الحميد السرّاج وغيره لأخذ الأموال.

بيسان طي: لم أكن قد وُلِدت بعد.

غسان الشامي: يجب أن نقرأ تاريخ الصحافة اللبنانية.

بيسان طي: ولكن كانت هناك مهنيّة عالية، كان هناك احتضان للأقلام الجيّدة وللمواهب الجميلة على التلفزيون، أنا لا أقول إنه يجب أن تكون التلفزيونات فاسدة ولكن المشكلة أنه حتى تقنياً في المهنة ينحدر مع وجود أناس مُميّزين ولكّنهم لم يُعطوا المنصّة، هذه المؤسَّسات كيف ستكون حرَّة إذا لم تكن حرَّة مالياً؟ إذا كانت مرتبطة مالياً بإرادتها أو بغير إرادتها.

غسان الشامي: سنكمل من عندك بعد الفاصل أعدُك، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار، موضوعنا الإعلام، لدينا زملاء أعزّاء كلٌّ له تجربته في هذا المجال، انتظرونا.

المحور الثاني:  

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، بيسان سأبقى معك في موضوع الحرية، الحرية لا ترتبط فقط بالاقتصاد، الحرية مرتبطة بالقِيَم، مرتبطة بالانتماء أيضاً، ماذا يُفكّر المواطن في إعلامنا؟ وكيف نصل إلى إعلامٍ مُعاصِر ووطني في نفس الوقت؟  

بيسان طي: الحرية في النهاية مرتبطة بالقِيَم، المؤسَّسة أو الشخص يجب أن تكون لديه قِيَمٌ يدافع عنها حتى يدافع عن حريته وحرية رأيه إلى آخره، ولكن هذا الإعلام وخاصة المرئي مع أنني ضدّ جَلْده بالمُطلق ولكنّه إبن قانون 1997، رُكّب القانون ليصبح الإعلام هكذا، هناك محطات تلفزيونية أُقفلت ليس لأنها لا تستوفي الشروط وهناك محطات سُمِح لها بالبقاء ليس لأنها تستوفي الشروط الإعلامية وإنما لأنها تستوفي الشروط السياسية الطائفية، وأنا أرى أن الإعلام لن يصحّ إلا إذا أفرز المجتمع نُخباً، كلمة نُخَب بشعة.

غسان الشامي: لا إنها كلمة جميلة ولكنهّا ليست فعّالة.

بيسان طي: إلا إذا أنتجت مجموعات حيّة من المجتمع اللبناني وربّما لبنان أصغر من أن يُنتج، أنتجت مشروعاً حقيقياً وتجرّ البلاد معها، إعلامنا وقطاعات أخرى تعبير عن أزمتنا. 

محمد قازان: في ما يخصّ التمويل هناك نقطة أشارت إليها الأستاذة، هذا النفاق الذي يُقدّم في إطار المعركة الاقتصادية والاجتماعية التي خيضت خلال الأشهر الماضية مَن خاضها؟ خاضها ما سُمّي بحزب الإعلام في المرحلة الماضية، وكما ذكرتْ في 2018 جميعنا نتذكّر أنه كانت هناك تسعيرة للمُرشّح على كل المحطات التلفزيونية، هذا قانون أعوج.

غسان الشامي: أعتقد أن اللبنانيين يعرفون الكثير من هذه الأمور. 

محمّد قازان: وحتى حين وصلنا إلى رَفْع الصوت اجتماعياً كان عنوان النشرة يبدأ بتظاهرة في ساحة الشهداء وفي نهاية العناوين يمرّ إعلان للمصرف الذي يموّل القناة.

هلا الحداد: أستاذ غسان في موضوع الحرية، تتحدَّث عن القِيَم، نلاحظ اليوم تحت سقف الحريات أين يأخذنا خطاب الكراهية، التحريض، العنف الكلامي الذي يأخذنا إلى عنف في الشارع تحت إسم الحرية، أيّة حرية هذه؟ حرية الفوضى أم الحرية المسؤولة؟

غسان الشامي: دعوني أسألكم جميعاً وسأبدأ برندلى، أنتم ترون الناس وتطّلعوا وكلٌّ منكم له تجربته وحضوره ورأيه، كيف ينظر المواطن اللبناني إلى إعلامه وكيف يمكن لهذا الإعلام أن يتطوّر؟ يمكننا أن نتحدَّث حتى الصباح عن الاهتراء الكبير في إعلامنا ولكن كيف يرى اللبناني الإعلام؟ 

رندلى جبور:أعتقد أن الإعلامي أصبح تابعاً جزئياً للوسائل الإعلامية كما يتبع لحزب أو لطائفة ربّما أو لمذهب.

غسان الشامي: والمواطن نفس الأمر؟ 

رندلى جبور:أعتقد أن هناك جمهوراً يشاهد هذه الشاشة يرفض أن يشاهد باقي الشاشات على اعتبار أنها شاشات خصمة وهو يريد أن يتابع هذه الشاشة بالذات، يصدّق هذه الشاشة ولو كذبت، يدافع عنها ولو خرجت عن القِيَم، يذهب حتى النهاية وكأنّ هذه الشاشة أصبحت جزءاً منه ومن بيته، المواطن لا ينظر بعين الناقد إنما بعين المُتلقّي أو على الأقل الأغلبية ولكن جزءاً كبيراً من المواطنين كما يتبع لحزبٍ أو لطائفة يتبع لوسيلة إعلامية، يُشيْطن الوسائل الإعلامية الأخرى، يُشيْطن مَن يتابعها ويركع ويصلّي أمام هذه الشاشة أو يلاحق مؤثّرين مُعيّنين على وسائل التواصُل الاجتماعي ويصدّقهم ولو كذبوا، يلحق بهم "عالعمياني".  

غسان الشامي: بيسان كانت تريد أن تقول شيئاً.

بيسان طي: هناك علاقة حب وكراهية.

غسان الشامي: يعني غرام وانتقام؟ 

بيسان طي: تقريباً.

غسان الشامي: ولكن هذا من العصور الوسطى.

بيسان طي: نحن لم نبنِ مشروعاً حداثوياً أو ما بعد حداثوي كي ننتج أو كنّا نبني ولكننا انكسرنا، النقاش طويل، ولكن المواطن يتابع وسيلة ما ويتبنّى رأيها ولكن لديه تعليقات اجتماعية على سلوك الإعلاميين. أعتقد أن الناس مؤطّرة جداً ولكنها في نفس الوقت تشعر أن ما قُدِّم لها غير مهني، لا تصلها لغة راقية، لا يوجد جدال حقيقي، سأعطي مثالاً من تجربتي، جوزيف سماحة رحمه الله كان يسألنا الأسئلة التي تحفّز وعينا وتدفعنا للبحث، هذه الشخصيات، هذا النمط من التفكير لإعلامي مُتنوِّر جداً ليبني تجربة مُتنوِّرة تخرج عن الإطار العام والأسئلة الدارجة لم يعد مُحْتضَناً في الإعلام اللبناني، لم يعد له مكان.

محمد قازان: أستاذ غسان علاقة الإعلام بالمواطن وُلِدت منذ لحظة وضع نظريات التأثير الإعلامي من الحرب العالمية الثانية مع لاسويل، الدعاية البيضاء والسوداء، كان الخط أفقياً، هو توجيه فقط من المرسل إلى المُرْسَل إليه وبعدها أصبح دائرياً، كان هناك تأثير مُتبادَل إلى أن جاءت وسائل التواصُل الاجتماعي وأصبح هناك تبادل ونوع من المشاركة من الجمهور. في التجربة اللبنانية في الأشهر الماضية خاصة عند حدوث الانتفاضة الاجتماعية أصبح للإعلام المرئي دور أعلى من الإعلام التقليدي، أصبح هو الذي يوجّه ولكنّه يتأثّر أيضاً بالتعليقات الاجتماعية التي تحدَّثت عنها الأستاذة لأن المواطن هو المقياس أو الخلفيّة أو الاختبار الذي يُجرى لمدى تقبّله لهذه المادة الإعلامية من عدمه. نظرة الناس إلى الإعلامي أحياناً تكون نظرة مُسْبَقة، حتى نظرة الإعلامي إلى الناس كذلك، أنا لديّ تجربة شخصية في هذا الإطار مع الكثير من المُغرّدين على وسائل التواصُل الاجتماعي في الحراك الأخير، نظرنا للوهلة الأولى إلى الموضوع وكأنّه بإمكانك أن تستمرّ في المرحلة الماضية من الإرسال والتلقّي بينما هي عملية تبادُلية، هي حوار، واكتشفتُ لاحقاً أنني كإعلامي إذا كنت ملتزماً بالخط التحريري للمؤسّسة الحزبية التي أنتمي إليها عن قناعة ومن دون أيّ حَرَج فعلى وسائل التواصُل الاجتماعي أن ينظروا إليّ بنفس هذا المستوى، ليس مسموحاً أن أتفوّه بكلمة خارج السياق الذي يُعبّر عن هذه المؤسَّسة وقِيَمِها وتقاليدها، لذلك كنا أحياناً ننفعل ومن ثم نصلح، نكون أصدقاءً مع بعض الناس لأننا عمَّمنا نظرتنا إليهم وهم أيضاً كانت لهم نظرة مُسبقة عنا واكتشفوا لاحقاً إننا لسنا جميعاً أحزاب السلطة ولسنا جميعاً بنفس النسبة وبنفس المستوى، فهي عملية تبادلية، أخذ وعطاء لنصل إلى نتيجة فعلية.

هلا الحداد: هناك نوعان من المتابعين ومن المُستعين أو المشاهدين، النوع الأول مَن هم دون الثلاثين وهم شركاء لك، أنت تعطي رأيك وهم يزايدون عليك وينتقدونك ويحجّمونك أو يعظّمونك، وهناك الجيل الأكبر قليلاً الذي لا يتعاطى كثيراً بمواقع التواصل الاجتماعي وهو لا يزال يحترمك كإعلامي، يصدّقك في أماكن مُعيّنة ويقتنع بكلامك. الجيل الشاب يستحيل أن تقنعه، هو شريك لك ويفهم أكثر منك وتجربته أكبر من تجربتك.

غسان الشامي: ولكن هذا يعني وكأنّ ثلث المجتمع أصبح إعلامياً.

هلا الحداد: ألفاظه أحياناً لا تتقدّم عليك فقط وإنما تُخجلك لأنك ما زلت مهذّباً.

محمد قازان: الدراسات الحديثة أستاذ غسان حالياً في المعاهد والكليات اللبنانية والعربية والعالمية هي حول صحافة المواطن، أصبح مَن يمتلك هاتفاً ذكياً هو صحافي، هو بحدّ ذاته مؤسَّسة إعلامية.

غسان الشامي: بيسان أعود إليك، دعينا نرسم أفقاً من تجاربنا كيف نستطيع أن نصل إلى إعلام يجد مقبوليّة وطنية، فكرية، إنسانية، رؤيوية، صحيح أن الأمر صعب ولكن علينا أن نبدأ من مكانٍ ما.

بيسان طي: يجب أن نرى ما يواجهه مجتمعنا، مجتمعنا في الأصل يواجه أسئلة مصيرية تتبدّل، متى كان التطبيع مع إسرائيل مقبولاً.

غسان الشامي: نعم سبقتِني.

بيسان طي: حتّى الأحزاب اليمينية لم تكن تجرؤ على الوصول إلى هذا الحدّ في خطابها. نحن الآن في مرحلة مصيرية يتبدّل فيها الكثير من المعايير، لم نعد نعرف مَن هو العدو، في الخطاب العام العدو غير معروف، الأزمة الاقتصادية في بلدنا غير معروفة، ليس هناك مَن يحاور فيها بشكل جدّي، لا أحد يتحدّث عن الأزمة العالمية وينسون أننا لسنا في جزيرة معزولة، جو بايدن يقول إنه يجب علينا أن نعيد النظر في النيوليبرالية الاقتصادية، هذا الخطاب ربّما لا قيمة له ولكن جو بايدن يقترح الأمر ويناقش فيه وذُكر الموضوع في واشنطن بوست بينما الأمر لم يُطرح عندنا. نحن في مرحلة لا تُنتج أي شيء، نحن في مرحلة "لخبطة" سنصطدم بالحائط كما حصل خلال توقيع اتفاقية أوسلو ووادي عربة، كنا نقول إن هذا لا يؤدّي إلا إلى المزيد من الانهيار ولم يسمعنا أحد، نحن الآن في مرحلة لا تؤدّي إلا إلى المزيد من الانهيار، نتّجه نحو الهاوية ولكن يجب أن نجهّز أجوبتنا حين نصطدم بالحائط.

غسان الشامي: يعني سوف نرتطم بالقاع، لم نرتطم بعد.

بيسان طي: ليس له قرار.

غسان الشامي: رندلى برأيك وأنتِ صاحبة تجربة في إعلامٍ تياري كيف ترين إمكانية إعطاء إعلام مُتقدّم يُخرج الجمهور من عقليّة الصندوق؟

رندلى جبور: برأيي أن هناك ورشة كبيرة يجب أن تجري على صعيد الإعلام في لبنان، أولاً على صعيد الفرد يجب العودة إلى الكثير من المواثيق والأخلاقيات والقوانين العالمية، أعتقد أنه يجب على الإعلامي اللبناني غير الملتزم بها أن يلتزم. يجب أن يكون هناك مورِد رزق، في الأزمة الاقتصادية الحالية الأمر صعب ولكن يجب أن نبحث عن مورِد رزق من الإعلانات، من المُتموّلين من غير أصحاب الغايات كي نحرِّر إعلامنا من الارتهان لمشاريع قد تدمِّر وطننا. يجب أن يكون البرنامج الحواري حوارياً وليس حلبة صراع، يجب أن نستضيف الخبير البيئي الحقيقي وليس مَن يدَّعي ذلك، والمحلل الاقتصادي الذي يتحدَّث اقتصادياً وليس سياسياً لأن المطلوب منه أن يُسقِط النظرية الاقتصادية وفق أهواء سياسية، المطلوب من جميع الوسائل الإعلامية أن تراجع نفسها وتُجري نقداً ذاتياً، أنا أين أُخطئ وأين أصيب، يجب على المواطن أيضاً ألا يكون مُتلقّياً فقط وإنما ناقِداً حتى للوسيلة الإعلامية التي يعتبرها الأقرب إليه والتي يتابعها. السياسة يجب أن تحرِّر الإعلام ولا تُمسك بخناقه، قوانين الإعلام في لبنان يجب أن تُجدَّد ونحن لا نزال في صراع داخل المجلس النيابي على موضوع القانون واقتراح القانون ولم ننجز حتى الآن قانوناً عصرياً يواكب العصر، تخيّل أن كل وسائل الإعلام الجديدة خارج القانون، يجب أن تكون هناك هيئة ناظِمة لموضوع الإعلام. 

غسان الشامي: ألا نحتاج إلى عقدٍ أخلاقي؟ 

بيسان طي: برأيي أن نقطة البداية إذا أردنا أن نكون عمليين هي أن ندافع عن استرداد تلفزيون لبنان كتلفزيون للدولة وملكنا، أن يستردّ دوره. 

غسان الشامي: ولكن في العالم لم يعد هناك تلفزيونات رسمية.

بيسان طي: ولكن هذا ليس تلفزيوناً رسمياً بل تلفزيوناً عاماً، هذا هو الفرق، نريده أن يكون تلفزيوناً للدولة اللبنانية، للمواطنين اللبنانيين، هذا تلفزيوننا جميعاً وليس تابعاً لطائفة مُعيّنة أو لحزب مُعيّن، وله تجربة في التسعينات.  

غسان الشامي: في التسعينات كان كلٌّ يعيش في مكانٍ. 

بيسان طي: في التسعينات أعادوا جمعهم، تلفزيون لبنان كان الثاني حضوراً ولم يكن ينتج ما تنتجه التلفزيونات الأخرى.

هلا الحداد: كان يعتمد على الدراما في حينها.

رندلى جبور: في موضوع تلفزيون لبنان أعتقد أنه من الأسهل أن نحلّ أزمة كل الإعلام الباقي قبل أن نحلّ أزمة تلفزيون لبنان لأنه صورة طبق الأصل عمّا يحصل في الدولة اللبنانية، المُحاصَصة، الطائفية، غياب الكفاءات.

غسان الشامي: رئيس مجلس الإدارة يجب أن يكون من طائفة مُعيّنة.

رندلى جبور: صحيح.

رندلى جبور: الإدارة السيّئة، كل الموبقات الموجودة في المجتمع اللبناني موجودة في تلفزيون لبنان للأسف الذي نريده أن يكون الأروَع.

غسان الشامي: كي لا نأخذ الحديث إلى تلفزيون لبنان.

بيسان طي: ولكن كان له تجربة في التسعينات، كان جيّداً وكانت لنا تجربة في المستشفى الحكومي، القطاع العام يمكنه أن يلعب دوراً، لماذا نفترض أن القطاع العام سيّىء، تجربة تلفزيون لبنان في التسعينات حين كانت لديه إدارة جيّدة أنجز عملاً جيّداً، ونستطيع أن نأخذ تجربة المستشفى الحكومي خلال أزمة كورونا بعد أن كان تحوم حوله الشائعات والفضائح استطاع أن يقوم بدور جيّد جداً.

غسان الشامي: أُشبع الموضوع، فليعيدوا التلفزيون جديداً ونظيفاً ونحن معهم. أستاذ محمد في لبنان هناك ما يُسمّى بالمجلس الوطني للإعلام والذي يجب أن تكون عينه على كل ما يحصل. 

محمد قازان: نحن دائماً حين نسأل المجلس الوطني للإعلام عن دوره يقولون بأنه لا صلاحيات تنفيذية له، الوزير وصيّ على المجلس الوطني للإعلام. الصبايا تكلّمن عن موضوع تلفزيون لبنان، هل تعلم أن المسؤول عنه كان وزير إعلام سابقاً كان بالأمس على إحدى المحطات التلفزيونية مع إحدى الزميلات يتفاخر بهاشتاغات تحريضية تطال رموزاً في البلد "غول الموت"، كان مسروراً بهذا الهاشتاغ، هذا الهاشتاغ يؤدّي إلى حربٍ أهلية، هذا كان وصيّاً على تلفزيون لبنان. أما عن دورالمجلس الوطني للإعلام والرقابة فحتّى اللحظة لم تخرج المحطات التلفزيونية اللبنانية من التموضع السياسي المحلي والإقليمي. أستاذنا أنت أشرت إلى نقطة مهمة جداً وهي القراءة التاريخية وأكملتْ معك السيّدة بيسان في هذا الموضوع حين تحدّثت عن أوسلو، لاحقنا رأينا الفضائيات الضخمة في الإقليم بعد مؤتمر مدريد وبعد احتلال العراق لتروِّج لمنطوق السلام وإسرائيل العُظمى التي أصبحت تتقدّم بالبضائع وليس في الرصاص كما كتب شمعون بيريز في العام 1996، لم تعد إسرائيل الكبرى التي تتقدّم بالسلاح وتقف عند وادي الحجير وعند نهر الليطاني من ثلّة مقاومة أو حتّى في حيّ الشجاعية من قِبَل المقاومة الفلسطينية في العام 2014. الهدف أصبح هو كيفيّة خوض الحرب الناعمة والاقتصادية والإعلام هو السلاح الاستراتيجي فيها. في المرحلة الماضية لا ننفي وجود الفساد والمحسوبية والنظام الطائفي والمُحاصَصة، وكيفيّة إدارة الأزمة في الداخل تحتاج إلى المراجعة ولكن حالياً نحن أمام مُفترَق وهو ما بعد التوقيع على التطبيع في واشنطن، هناك توأمة بين التلفزيونات اللبنانية والتلفزيونات الخليجية وتحديداً إماراتية.  

غسان الشامي: أستاذ محمد بإمكاني أن أقول لك إن هذا ليس بجديد، منذ ثلث قرن وقّعت مصر وقبلها الأردن، نحن وعينا على هذا الأمر. 

محمد قازان: ولكن التحدّي اليوم يفرض نفسه بأيّ معنى أستاذ غسان؟ حالياً بعدما تمّ التمهيد لشَيْطنة الفريق الذي لا يريد الصلح مع هذا الكيان وينصر القضية الفلسطينية ويدافع عن لبنان عند الحدود بعدما تمّت شَيْطنته إعلامياً الآن سيأتي الدور للترويج للتطبيع تحت عنوان أساسي وهو "طبّعوا لا تجوعوا"، "طبّعوا لا تفقروا"، "طبّعوا لا تنهاروا اقتصادياً"، "طبّعوا تعيشون في رفاهية"، "طبعّوا لا يهاجر أبناؤكم إلى الخارج".  

غسان الشامي: لديّ ثلاث دقائق سأستمع إلى آرائكم.  

محمد قازان: عفواً كي لا يُؤوَّل كلامي بشكل خاطئ، أنا لا أنفي وجود إدارة داخلية بالفساد والمُحاصَصة شرّعت الأبواب للخارج.

هلا الحداد: أستاذ غسان سألتَ عن الإعلام ودوره في بناء وطن، وكأننا نسأل مَن قبل مَن الدجاجة أم البيضة، برأيي قبل أن نتحدَّث عن دور الإعلام.

غسان الشامي: الديك أولاً.

هلا الحداد: الديك يُفترض أن يكون هو الأحزاب، النُخَب، المدرسة، العائلة ومن ثم نتكلّم عن الإعلام. 

غسان الشامي: كيف ترين مستقبل الإعلام اللبناني؟ 

هلا الحداد: كما هو لن يتغيَّر.

غسان الشامي: لماذا؟ 

هلا الحداد: لأنه محكوم بإرادة خارجية، بمال خارجي، محكوم برؤية تخطيطية لبناء مجتمع. أصحاب المحطات يقولون إن هناك موجات، يأتي تلفزيون الواقع، الدراما، المنوّعات. 

غسان الشامي: ألهذا الحدّ المواطن اللبناني مُستلَب ولا يمكنه الوصول؟ 

هلا الحداد: طبعاً. 

غسان الشامي: أستاذ محمد أيّ إعلام نريد نحن؟ 

محمد قازان: نحن نريد الإعلام الذي يحافظ على مُسلّمتين في لبنان وهما عدم انهيار الدولة وعدم الذهاب إلى الحرب الأهلية. إذا تنقّلتَ في جميع الأراضي اللبنانية من كل الطوائف ومن كل المذاهب ومن كل المناطق يقول لك لم يعد لدينا أمل في هذا البلد، ماذا يعني هذا؟ يعني أن الدولة بنظره تنهار. ثانياً يقول لك أنا أريد أن أُخرج أبنائي من هذا البلد لأنه ربما لا نتمكّن من التجوّل في الطرقات نتيجة الحرب الأهلية، إذا عملنا على هاتين المسألتين إعلامياً رغم كل الاختلاف وإدارة الخلاف تحت سقف عدم انهيار الدولة، وأنا لا أقول إن السلطة رائعة ويجب ألا تُحاسب كي لا يتمّ تفسير كلامي بشكل خاطئ، الدولة تحتاج إلى إعادة بناء وفق أسُس غير طائفية كما قال الشهيد السيّد عباس الموسوي في العام 1993 "دولة المواطنة والكفاءة" بعيداً عن المُحاصَصة المذهبية مع الحفاظ على هوية البلد.

غسان الشامي: بقيت لديّ دقيقتان سأعطيهما لرندلى وبيسان، رندلى.

رندلى جبور: لدينا ثلاث نقاط قوّة في الإعلام اللبناني يجب الحفاظ عليها هي الحرية، الكفاءة عند الإعلاميين اللبنانيين والتنوّع.

غسان الشامي: أيّة كفاءة؟ هم يذهبون إلى محطات من الدرجة العاشرة في دول الخليج.

رندلى جبور: يذهبون لأن الإعلام لا يحتضنهم ولا يستثمر مواهبهم كما يجب ولكن لدينا الكثير من الموبقات أوّلها خروج الإعلام اللبناني عن القِيَم والمبادئ وكأنه يأخذنا إلى مجتمع آخر لا يشبه مجتمعنا، لدينا ارتهان الوسائل الإعلامية وربط جيوبها بمشاريع خارجية مُدمّرة، وأيضاً الإعلام اللبناني يسمح لنفسه أن يجرّ البلد إلى الحرب على حساب بناء شهرة أو جني الأموال، يجب أن نتخلّص من هذه الأمور، نريد إعلاماً جيّداً وقوياً في لبنان. 

غسان الشامي: بيسان. 

بيسان طي: أنا أرى أن الإعلام القائم في لبنان هو كالشمعة.

غسان الشامي: أشعر أن نبرتك رقيقة كالمثل الذي ذكرتيه، ماذا يريد اللبناني من الإعلام؟

بيسان طي: أنا أرى أن الإعلام كما هو قائم هو كالشمعة التي تذوب وتنطفئ ولكن هناك مجموعات لبنانية من إعلاميين ومُفكّرين ورسَّامين وفلاحين تحاول إثبات تجارب أخرى، ليست لديها الإمكانات المالية أو الصوت المُرْتَفع ولكنها تقدّم شيئاً مميّزاً وهذه إما تفرض نفسها أو لا، ولكنني أرى المستقبل ليس للإعلام كما هو قائم بل لولادات أخرى جديدة. 

غسان الشامي: شكراً، كانوا يقولون إنها مهنة المتاعب لكنّها تحوّلت لدى الكثير من وسائل الإعلام إلى مهنة تعبئة الهواء بالهُراء والنفخ في رماد التكارُه والتباغُض كما قالت هلا والفِرقة، عسى أن يُوفَّق مَن لا يزال يؤمن بأن الإعلام رسالة جَمْعٍ وتنويرٍ وحقيقة. شكراً للأعزّاء هلا حداد، محمد قازان، رندلى جبّور، بيسان طي على مشاركتهم، شكري الدائم لزملائي الأحبّاء في البرنامج والميادين، أيامكم شاشاتٌ نظيفة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.