الخليج

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن منطقة الخليج. ننتظر حافلةً لوقتِ طويل ومن ثمّ تصل ثلاث حافلات في الوقت نفسه، يبدو أنّ الأمر نفسه يحصل مع الاعتراف بـ (إسرائيل) من قِبَلِ بلد عربيّ تلو الآخر. أولاً بدأ الأمر طبعاً مع (الإمارات العربيّة المتحدة) ومن ثمّ تلتها (البحرين)، وحين ستشاهدون هذه الحلقة مَن يدري أيّ بلدٍ سيكون انضمّ إليهما. "ما هو الموضوع؟" هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه اليوم. تكلّمت قبل عشر سنوات تقريباً في اجتماعٍ في (البحرين) كان من أنجح الاجتماعات الداعمة لـ (فلسطين) التي شاركت فيها في العالم العربي، وفي المناسبة كان المجتمعون من الداعمين لحكومتهم البحرينية ولكن حماستهم للقضيّة الفلسطينية كانت كبيرة جداً. عملت كثيراً مع (الإمارات العربيّة المتحدة) خلال حُكم الراحل الكبير الشيخ "زايد" ولكن مَن كان ليتصوّر أنّ أرض الشيخ "زايد" ستقود هذه الموجة على الأقل من تطبيع العلاقات مع دولة (إسرائيل) التي ستستمرّ في احتلال الأراضي الفلسطينية وتدنيسها ومُحاصرتها إضافةً إلى فرض عقوبات على عدد كبير من الفلسطينيين وقتلهم في شكلٍ مُنتظم؟ أجهل بالطبع ما كان يُمكن أن يكون رأي الشيخ "زايد" ولديّ شكوكي الخاصّة لكنّي لن أتطرّق إليها هنا. مَن سينضمّ إلى تلك البلدان، وما معنى هذا كلّه؟ في النهاية هذه البلدان كلّها موغِلة في تبعيّتها للإمبراطوريّة الأميركية وهي مجرّد بيادق حتى في السياسة الإقليمية ناهيك عن السياسات الدوليّة. هل هذا كلّه تغطية لإعداد حملة إعادة انتخاب "دونالد ترامب"؟ هل سيدوم ذلك بعد شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، أي بعد انتصار الرئيس "دونالد ترامب" أو هزيمته؟ مَن يدري؟ ينضمّ إليّ جمهور من ثلاثة أشخاص بسبب جائِحة "كورونا" بالطبع لكنّهم خبراء مميّزون وسنستمع إلى مُداخلاتهم خلال الساعة المقبلة. "سيّد محسن عبّاس"، أنت صحافي ومُحلِّل سياسي وناشِط، لنبدأ معك. ما هو رأيك في تطبيع العلاقات بين تلك الدول الخليجية و(إسرائيل)؟

سيّد محسن عبّاس: كما أشرت بوضوح يا "جورج"، الأمر هو مُجرّد خروجٍ إلى العلن في الحقيقة. في الواقع كانت العلاقات قائِمة بين (إسرائيل) و(الإمارات العربيّة المتّحدة) إضافةً إلى علاقات عسكريّة وأمنيّة قائِمة منذ بعض الوقت، إذاً الأمر الآن ببساطة يمنح هذه العلاقة الجانب الرسمي والعلنيّ 

جورج غالاواي: إعلان الزواج بدلاً من العيش في الخطيئة 

سيّد محسن عبّاس: في شكلٍ أساسي أجل هذا هو المفتاح، وكانوا بالطبع قد تردّدوا في القيام بذلك خلال العقود الماضية لأنّ الرأي العام العربي كان داعماً جداً للقضيّة الفلسطينية كما أشرت. كان الدعم فعلياً وصادقاً تجاه (فلسطين) لكن في رأيي هناك عنصر أقوى ضمن العالم العربي يريد على الأرجح أن يستمرّ في حياته الخاصّة إن صحّ التعبير من دون تعريض أنفسهم لأيّ خطر من أجل الفلسطينيين

جورج غالاواي: لكنّهم لم يُعرِّضوا أنفسهم لأيّ خطر! نحن لا نتحدّث عن دول جبهة أماميّة قد يفتقدها الفلسطينيّون

سيّد محسن عبّاس: سبق أن حصَلَ تطبيع للعلاقات بين (الأُردن) و(إسرائيل)، و(مصر) طبّعت أيضاً، وحتى (تركيا) تقيم علاقات 

جورج غالاواي: مع العِلم أنّهم أدانوا قرارات (البحرين) و(الإمارات العربيّة المتّحدة) 

سيّد محسن عبّاس: هذا صحيح، النفاق والخداع هما سيّدا الموقف، لكن الواقع الحالي هو أننا في لعبة جديدة لأنّ الموقف الإسرائيلي والموقف الأميركي في الشرق الأوسط لم يعودا قويّين كما في السابق. انبثاق (الصين) ومبادرتها "حزام واحد طريق واحد" والدعم المالي البديل الذي يظهر في المنطقة لـ (إيران) و(العراق) وحتى (سوريا) و(تركيا) يترك وَقْعه على الهيمنة الأميركية في هذه المنطقة، وبلدان مثل (الإمارات العربيّة المتّحدة) و(الكويت) و(البحرين) هي بلدان داعمة للأميركيين بالتأكيد لكن المطلوب الآن هو أن تُظهِر علناً أنّها مع الجانب الأميركي 

جورج غالاواي: لكن قد يُفاجئني أن تسير (الكويت) على خُطاهما 

سيّد محسن عبّاس: بالتأكيد لم يُشيروا إلى ذلك وقالوا إنّهم لن يفعلوا ذلك لأنّ (الكويت) على الأرجح من الناحية الجيوسياسية تقع على الجبهة أكثر من غيرها ومع اندلاع أيّة حرب ستكون (الكويت) وجبة سهلة، ولقد رأينا ذلك مع (صدّام) 

جورج غالاواي: هذه نُقطة مثيرة للاهتمام فعلاً. ردّ (إيران) على هذا التطبيع الذي كان يحمل نزعة حربيّة أوضح أنّ (الإمارات العربيّة المتّحدة) ستُعتبرُ مُشارِكةً في الحرب في حال حصول أيّ اعتداء إسرائيلي ضدّ (إيران). هذا تهديد خطير جداً 

سيّد محسن عبّاس: بالفعل، هذا تهديد هائل بالطبع، لقد شنّ الإيرانيون هجمات على قاعدتين عسكريّتين أميركيّتين بعد اغتيال الجنرال "سليماني" على أيدي القوات الأميركية لذا هم سينفِّذون أية تهديدات يُطلقونها. (إيران) تجد نفسها في حصار قويّ جداً، ففي (الإمارات العربيّة المتحدة) هنالك ثلاث قواعِد عسكريّة أميركية وفي (الفجيرة) هناك قاعدة بحريّة وللأميركيين سفُن في مرافئ (الولايات العربيّة المتحدة) أكثر من أيّ مكان آخر في العالم والتجارة الأميركية هناك قويّة جداً إضافةً إلى قيام قاعدتين عسكريّتين ضمن أراضي (الإمارات العربيّة المتّحدة). بالتالي من الواضح أن العلاقة مع (الإمارات العربيّة المتّحدة) مهمّة جداً في المنطقة و(إسرائيل) قد تستخدم تلك القواعِد وقد تُقيم قواعِد جديدة حتى، وأظنّ أنّ (الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة) ستنظُر إلى هذه الأمور كلّها بجديّة فائقة، وفي رأيي ستكون (الإمارات العربيّة المُتّحدة) على الخطوط الأمامية أكثر. دعنا لا ننسى أنّ (الإمارات العربيّة المتّحدة) كانت تذهب أبعد حتى، فلا يُمكننا أن نتجاهل مصالِحها في الحرب الأهليّة في (ليبيا) التي تصبّ ضدّ مصلحة (تركيا) في الواقع وبُغضها لـ "الإصلاح" و"الإخوان المُسلمين"، الذين هم واقع مهم في أرجاء الشرق الأوسط، وهناك تدخّلها في الحرب المُستمرّة في (اليمن) من خلال "المجلِس الانتقالي الجنوبي" ولديها تأثيرها الكبير جداً على جنوب (اليمن)، وهي في الواقع على خلاف حتى مع شركائها السعوديين في تلك المنطقة. لقد كانت (الإمارات العربيّة المتّحدة) تُحاول تأمين المرافئ عبر (الصومال) و(أثيوبيا) و(اليمن) وحتى في البحر الأبيض المتوسِّط وربما هي تعتبر نفسها ضليعة في الشؤون التجاريّة وتريد مرافئ مماثِلة، والأميركيون الذين تقيم معهم علاقة تجاريّة بفائض تجاري قيمته أربعة عشر مليار دولار هم على اتفاق مع (الإمارات)، لذا هذه شراكة اقتصادية وعسكريّة في المنطقة في رأيي 

جورج غالاواي: "فاطمة حلو"، أنتِ كاتبة فلسطينية إضافةً إلى كونكِ مُخرِجة أفلام. إنه لأمر أن تعرفي أنّ شريككِ يقيم علاقة عاطفيّة وأمر آخر أن تشاهديه عبر التلفاز وهو يمشي متباهياً على الطريق بعد أن تزوّج مُجدّداً. ما هو شعور أيّ فلسطيني بعد رؤية أبناء الشيخ "زايد" يُسافرون إلى (إسرائيل) ليرقصوا هناك؟

فاطمة حلو: أتت الإجابة على هذا السؤال بعد أن رأينا الفلسطينيين متّحدين في السفارة الفلسطينية في (بيروت) وفي (رام الله) حيث رأينا ذلك في الاجتماع العام بين كل الأحزاب اليمينية واليسارية الفلسطينية للتحدّث والتفاوض في شأن ما ينبغي فعله لأجل الفلسطينيين بعد رفضهم اتفاقيّة "أبراهام" بين (الإمارات العربيّة المتّحدة) و(إسرائيل) لسبب بسيط جداً وهو أنهم لا يمثّلون الهيئة الفلسطينية الرسمية أي "منظمة التحرير الفلسطينية" التي يجري تغييبها عن أيّة اتفاقية بين العرب وأطراف أُخرى، كما أنّ "جامعة الدول العربية" أيضاً لا تُدين اتفاقية "أبراهام" بين (إسرائيل) و(الإمارات العربية المتحدة). إن عُدنا إلى الماضي وبالتحديد إلى الاتفاقيّة بين "منظمة التحرير الفلسطينية" و(إسرائيل) في (أوسلو) تحديداً في عام 1993، الإتفاقية تنصّ على إعادة الأراضي سلمياً استناداً إلى قراري منظمة الأُمم المتّحدة 338 و242. كما نصّت اتفاقيّة (أوسلو) على احترام كامل لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره كنتيجة لاعتراف (إسرائيل) بـ "منظمة التحرير الفلسطينية". هذا أمر لا تعترف به اليوم (الإمارات العربيّة المتّحدة) أو أيّ بلد عربي آخر يُطبِّع علاقاته مع (إسرائيل)، هم يستبدلون الفلسطينيين ويقولون أنّهم سيوقفون عمليّة الضمّ وهذا غير صحيح، إنهم لا يوقفون عملية الضمّ. "نتنياهو" قال بوضوح إنّهم سيؤجِّلون الضمّ لكنّهم لن يوقفونه، ما يعني أنّ عمليّة ضمّ الأراضي ستتمّ في أيّ وقتٍ لاحق. هذا هو الخوف وهذه هي مسألة ضمّ الأراضي، لقد تجاهلوا الفلسطينيين واستبدلوهم وهذا أمر خاطئ لأنه لا يُمكنك أن تذهب وتُفاوض نيابةً عنّي، لا يُمكنك أن تفعل تلك الأمور نيابةً عنّا، هذا خطأ. سبق ودفعنا هذا الثمن خلال حرب المُخيّمات في (لبنان) وحاولت بلدان عربيّة كثيرة التدخُّل لتمثيل الطرف الفلسطيني وقاتلنا لأجل ذلك وتمكنّا من وقف الأمر. الآن نرى بلداناً عربيّة أُخرى تُحاول القيام بالأمر نفسه وهو أمر سبق ورفضناه 

جورج غالاواي: ما رأيكِ في التصريح الذي أدلى به رئيس "الموساد" السابق وهو أنّ العرب سئِموا من الفلسطينيين؟ هل هذا التطوُّر الجديد على الساحة يعكس ذلك؟ 

فاطمة حلو: قال "نتنياهو" إنّه لا يحُق للفلسطينيين منع العرب من تطبيع العلاقات مع (إسرائيل)، هم أصحاب القرار وإن كان ذلك يُسعِدهم فهذا شأنهم. لكن لدينا الحق في أن نُقرّر ما نُريده فيما لا يحقّ لهم ذلك، يُمكنه أن يقول ما يشاء

جورج غالاواي: إذا بالنسبة إليكِ هذا لا يُغيِّر أيّ شيء

فاطمة حلو: هذا لا يُغيِّر أي شيء بالفعل، لدينا الحق في اتخاذ أيّ قرار في المُستقبل. نحن أصحاب القرار في تقرير مستقبلنا كفلسطينيين وليس هُم 

جورج غالاواي: "باتريك أوريغان" هو صحافي أيضاً ورئيس تحرير سابق في صحيفة "نيوز لاين". من المنطلق الغربي أو البريطاني ما هو موقفك؟ 

باتريك أوريغان: أظن أنّ الدول العربية التي باتت تعترف بـ (إسرائيل) تُحاول فعلاً أن تُنقِذ (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل) من وضعٍ حَرجٍ جداً. أظن أن "جامعة الدول العربيّة" ترفُض إدانة (الإمارات العربيّة المتحدة) لأنّها اعترفت 

جورج غالاواي: هل للعرب جامعة؟ 

باتريك أوريغان: بالفعل، لكنّها تُراقب وتنتظر ما قد يكون العرض المُقدَّم إليها. أظن بالتالي أن ما يحصل هو أن "كوشنير" أتى إلى (فلسطين) حاملاً "اتفاقية القرن" وأعلنوا أنّ (القدس) هي عاصمة (إسرائيل) الجديدة وحاولوا شراء (فلسطين) ولكنّ الفلسطينيين رفضوا بيعها ما أدّى إلى أزمة كبيرة في الحكومة الإسرائيلية، فالحكومة الإسرائيلية تُعاني من أزمة كبيرة جداً ويقودها مجرم فاسِد تُحاول نصف الدولة التخلُّص منه وتجري تظاهرات حاشدة أمام منزله كل ليلة من الأُسبوع، (إسرائيل) كلّها في وضعٍ يائس لأنها ضعيفة ومنقسمة، لكن ماذا يحصل؟ تأتي دول عربيّة لنجدته! اعتراف هذه الدول بـ (إسرائيل) يُسهِم في إنقاذه وبالتالي أصبح في إمكان الإسرائيليين الآن القول: "سننسى أمر ضمّ الأراضي حالياً ولكن سنعود إلى المسألة لاحقاً". في عبارة أُخرى، ما يحصل هنا هو أنّ الشعب الفلسطيني يتعرّض لخيانة كاملة والدول العربية تُحاول معرِفة ما يُمكنها الحصول عليه من (الولايات المتّحدة) وهي على استعداد لبيع (فلسطين) مقابل صفقات مع (إسرائيل) لأجل الحصول على أحدث الآليّات الأميركية، لاسيّما الطائِرات الحربيّة الأميركية التي تريدها (الإمارات العربيّة المتّحدة) 

جورج غالاواي: 35- F

باتريك أوريغان: بالفعل، ولا ترغب (إسرائيل) في أن يحصلوا عليها لكنّهم سيحصلون على مُرادهم لأنهم يتوقون إلى تسوية المسـألة الفلسطينية على حساب الفلسطينيين بهدف مواجهة (إيران)، أعتقد أن هذا ما يحاولون القيام به وهو مُحاولة بناء جبهة مُعادية لـ (إيران)، وفي رأيي القسم الأكبر من الشعوب العربيّة سيشعُر بغضبٍ شديد وأعتقد أنه يحق لهم أن يغضبوا وينزلوا إلى الشوارِع لإسقاط تلك الأنظمة المتواطِئة التي باعت الفلسطينيين وحتى باعت شعوبها. إنه وضعٌ مُزعزعٌ هائل وهناك أزمة كبيرة جداً. ما يُقلِق (إسرائيل) هو أنّ (سوريا) عادت إلى الساحة و(سوريا) قدّمت في الأُسبوع الماضي مطالبتها باسترجاع مرتفعات (الجولان). كما تعلم (سوريا) برئيسها "الأسد" والنظام السوري والحكومة السوريّة نجت من العاصفة وهي تُقاتل الآن بدعمٍ من (إيران) و"حزب الله" 

جورج غالاواي: ولا تنسى (روسيا) 

باتريك أوريغان: أجل، فهناك القواعد البحرية والجوية ما يولِّدُ وضعاً حرِجاً، ولا أظن أنّ الشعوب العربية ستقبل ذلك بل أعتقد أنها ستثور. إن أخذنا (بيروت) على سبيل المثال، حيت وقع انفجاران كبيران وهناك سوء معاملة للشعب فيما يُحاول الفرنسيون العودة من خلال "ماكرون" وغيره، الشعب اللبناني سئِم الوضع الراهن. أعتقد أنّ المطلوب في تلك البلاد هو عمل حكومة، فالبلاد تعرّضت للنهب على أيدي المصرفيين الذين دمّروا البلاد بالكامل والمطلوب هو عمل حكومة يُغيِّب المصارِف ويجلب الاشتراكية. بالتالي، أظن أنّ الوضع سيّئ جداً ولا أظن أنّ الشعب الفلسطيني سيوافق على تلقّي مُعاملة سيّئة، في رأيي ستثور الشعوب العربية على الحُكّام الذين يريدون أن يكونوا دمى في أيدي (إسرائيل) و(أميركا). أعتقد أنّ هذا الأمر قد بدأ للتوّ وهو وضع مختلف اختلافاً تامّاً. لماذا؟ لأنّ القوى الامبريالية الأساسية تواجه أزمة كبيرة. إن نظرنا إلى (بريطانيا)، مع حلول نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني قد يصِل عدد العاطلين عن العمل إلى تسعة ملايين وحكومة المُحافظين بدأت تتساءل عمّا يمكن أن تفعله لأنّه ليس في إمكانها طبع العملة إلى الأبد، وسيكون هناك الملايين من الأشخاص والعُمال غير المسرورين في (بريطانيا). في (الولايات المتحدة) يقول "ترامب" إنّه لو خسر في الانتخابات سيكون السبب هو التزوير والغشّ في التصويت وبالتالي سيرفضه ومن نواحٍ عديدة هذه ستكون أفضل نتيجة لأنه لو حاول البقاء رغماً عن إرادة الناس فسيحصل إضراب عام وسيتمّ طرده. إذاً لقد ولّى عهد قوّة الإمبريالية المُطلقة، فالخطّ البريطاني ضعيف الآن ونحن نواجه عجزاً كاملاً، هو خط عاجز عن القيام بأيّ تحرّك فعّال ولدينا وضع قائم الآن في "حلف شمال الأطلسي" حيث يُدافع الأتراك عن الحلف وهم على استعداد لخوض حرب مع (اليونان) و(فرنسا) اللتان تسعيان خلف النفط في البحر الأبيض المتوسِّط. إذاً هناك انقسامات كبيرة جداً ولم يعُد العالم الرأسمالي قويّاً كما في الماضي، بالتالي يحق للشعوب العربية أن تثور في أماكن عديدة مثل (لبنان) وأن تصرّ على عمل الحكومة والتخلُّص من المصرفيين. فالمصرفيون نهبوا (لبنان) على مرّ السنين، والانفجاران اللذان وقعا مؤخراً هما مجرّد تعبير مُزمن عن ذلك، لقد سئِم الناس هذا الوضع. كما سئم الناس من تعرُّض (فلسطين) للخيانة. الشعب الفلسطيني حارب ببسالة ولا يستطيع أحد إخضاعه، هو شعب لم يضعف مهما كان يتلقّى ولقد صمد وهو شعب يستحق 

جورج غالاواي: يستحق ما هو أفضل. لنستمع إلى صوت اسكوتلندي آخر غير صوتي، "ميك نابير" من (إدنبرة) رئيس "حملة التضامن الاسكوتلندية الفلسطينية". "ميك"، كيف وصلنا إلى مرحلة حيثُ يقوم بلد عربي مثل (الإمارات العربيّة المتّحدة)، كنت سأقول بدأ علاقة لكنّه بالأحرى كشف علناً عن علاقته مع (إسرائيل)؟ 

ميك نابير: في رأيي كل شخص تفاجأ لم يكن مُنتبهاً إلى أنّ (إسرائيل) و(الإمارات العربية المتحدة) والسعوديين كانوا في تعاونٍ واضح منذ وقتٍ طويل ولكن في الخفاء وتحت الطاولة. هناك مثل واضح سأُقدِّمه لأُظهِر كم كانت هذه العلاقة وطيدة، هناك رجل إسمه "أبراهام غولان" وهو يرأس عملية تُدعى "سبير Spear" وهو فريق مرتزقة، هو إسرائيلي مقيم في (الولايات المتّحدة) ويتباهى أمام الإعلام الأميركي قائلاً إنّه كان مأجوراً لدى (الإمارات العربيّة المتّحدة) لتنفيذ برنامج اغتيالات في (اليمن) ضدّ أفراد في حزب "الإصلاح" المُعارِض لسياسة (الإمارات) هناك. إذا هذا مجرّد مثال على هذه العلاقة الوطيدة، بالتالي الأمر ليس مفاجئاً، صادماً لكنّه ليس مفاجئاً. دعونا لا ننسى خلفيّة (الولايات المتّحدة) التي سحبت صواريخها وجنودها من (السعودية) وهناك تراجع طويل الأمد لمصالِح (الولايات المتحدة) في المنطقة، هذا قاد (الإمارات) إلى الظنّ بأنّ الباب الدائِم للدخول إلى (واشنطن) هو من خلال (تل أبيب) وهذا سبب تقرّبها من (إسرائيل) إضافةً إلى أسباب أُخرى مثل التجارة والمال إلى آخره، لكني أعتقد أنّ هذه كلّها دوافع استراتيجية لإعلان العلاقة التي لطالما كانت قائِمة. أعني حين أرسلت (إسرائيل) فرقة لاغتيال زعيم فلسطيني في المقاومة في غُرفة في أحد فنادق (دبي)، أرسلت (دبي) معلومات إلى الشُرطة الدوليّة وكان يُفتَرض أن تجري سلسلة من عمليّات التوقيف ولكنّي لا أظن أنّ القَتَلة و(إسرائيل) شعروا بأيّ دافع للخوف لأنّ ذلك كلّه أتى إرضاءً للمظاهر وأساسه ليس واقعياً

جورج غالاواي: هلّ هذه العلاقة مع (إسرائيل) مُستدامة على المدى الطويل؟  

ميك نابير: الأمر قائم منذ وقت طويل، فالحصار الإسرائيلي – المصري على (غزّة) قائِم منذ فازت "حماس" في الانتخابات، واتفاق السلام البارد بين النظامين مستمرّ منذ عام 1979 عِلماً أنه اتفاق غير شعبيّ لدى نسبة كبيرة من المصريين. في المناسبة تجري أحداث غريبة فعلاً مؤخّراً، جرى استفتاء شعبي حصل في (السعودية) وفي أرجاء العالم العربي وهو استفتاء أظهر أنّ غالبيّة العرب بنسبة تفوق الثمانين في المئة وتصل إلى تسعين في المئة يعتبرون أنّ القضيّة الفلسطينية هي قضية عربية وتعنيهم، وهذا يُشير إلى المشاعر القوية. رأينا ذلك أحياناً في شوارِع (الجزائِر) العاصمة مؤخراً حيثُ سارت تظاهرات حاشدة حُمِلَت فيها الأعلام الفلسطينية، وكان النظام هو هدف هذه التظاهرات التي حاولت تعزيز القضيّة الفلسطينية في الوقت نفسه. في رأيي، هذه العلاقة لن تكون مُستدامة على المدى الطويل ولكن بالنسبة إلى الفلسطينيين الله أعلم ما هو ذلك المدى الطويل، فهُم يعانون ويعيشون جرائِم مريعة جرّاء ذلك 

جورج غالاواي: سؤال أخير "ميك"، لماذا يجهل كثيرون في البلدان الغربية الوضع الراهن بين (إسرائيل) و(فلسطين)؟ 

ميك نابير: المؤسف في الأمر الآن هو أنّه مع هزيمة "كوربن" وعند أعلى المُستويات في السياسة البريطانية، خيار القوّة الداعمة للقضيّة الفلسطينية التي تنتقد النظام الصهيوني هو خيار اختفى أيضاً عن جدول الأعمال في الوقت الراهن، لكن الرأي العام في (المملكة المتّحدة) لا يختلف كثيراً عن الرأي العام في (الاتحاد الأوروبي) ومُعظم أنحاء العالم وهو معادٍ جداً لـ (إسرائيل). دعني أُذكِّرك بأنه عام 2004 أو عام 2005 أعتقد أجرى (الاتحاد الأوروبي) استفتاءً للرأي حول أيّ بلدِ يُمثِّل خطراُ على السلام في العالم فاحتلّت (إسرائيل) المرتبة الأولى في كل بلدٍ من بلدان (الاتحاد الأوروبي)، و"فرنكو فراتيني" وزير الخارجية في الاتحاد الأوروبي اعتذر من الإسرائيليين بسبب آراء الأوروبيين ووعد (إسرائيل) بأنّ هذا الاستفتاء لن يؤثِّر في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاهها. هذا لم يُصبِح في خبر كان لأنّ كل استفتاء للرأي يؤكِّد أنّ (إسرائيل) هي محطّ شكوك وازدراءٍ لدى الشعوب بغضّ النظر عن التصريحات العلنيّة. إذاً الوضع هو نفسه بل هي العلاقات الأساسية نفسها في العالم العربي التي تؤدّي إلى شعوب مُعادية وإلى أنظمة متعاوِنة 

جورج غالاواي: تابعوا المزيد من هذا بعد الفاصل، ابقوا معنا     

المحور الثاني

جورج غالاواي: أهلاً بكم مُجدّداً في "كلِمة حرّة". نحن نناقش سباق الاعتراف بـ (إسرائيل) كما يمكن أن يكون حين تشاهدون هذا البرنامج وتطبيع العلاقات بين دول عربية في الخليج و(تل أبيب) أو ربما (القدس) إن كانوا فعلاً يأبهون للفرق بينهما في أية حال. "سيّد محسن"، الجائزة الكُبرى هي (المملكة العربية السعودية) التي ستتخذ القرار الذي لا مفرّ منه. هل (السعوديّة) تسير في المسار نفسه؟ هناك تقارير تُفيد بأنّ وليّ العهد السعودي كان سيُقابل سرّاً قادة إسرائيليين في (واشنطن) وعندها سينشِر "ترامب" تلك الصورة بعد الحدث، ولكن في النهاية لم يذهب وليّ العهد ربّما بسبب قضيّة "خاشقجي"، الصحافي في "واشنطن بوست" الذي قطّعه قَتَلة سعوديّون إرباً، ولكن (السعودية) رفضت التحرُّك الإماراتي والبحريني، أتظن أنها ستتبعهما قريباً؟

سيّد محسن عبّاس: هذا مُحتمل جداً، والأمر الوحيد الذي كشفته المصادر هو أنّ "سُدَيس"، أحد أهمّ العلماء الوهّابيين في (السعودية)، بدأ يتحدّث علناُ عن الأُخوّة اليهودية العربية ويستشهد بآياتٍ قرآنيّة عن مُعاملة اليهود بطريقة حسنة، لكن كلّنا نعرف ذلك ونؤيّده والسؤال هو، هل ينبغي أن نؤيِّد الصهيونيّة الفاشيّة؟ هنا نحتاج إلى أجوبة. لكنّه بالتأكيد بدأ يُمهِّد الطريق أمام رواية دينيّة غير مُتطرِّفة للحكومة السعودية ولا أظنّ أنّ الأمر يُبعدنا عن واقع الشرق الأوسط الذي يحوي محاور مقاومة شئنا أم أبينا. هناك المحور السوري إضافةً إلى شرائِح كبيرة من الشعب العراقي والقوّات العسكريّة مثل "الحشد الشعبي" وهناك (إيران) وهناك صلة الوصل الفلسطينية، أعني حركة "حماس" ممثلة بـ "هنيّة" الذي التقى مباشرة السيّد "حسن نصر الله" هذا الأُسبوع وتمّ الإعلان بوضوح عن وجود شراكة صلبة وتعاون بين الطرفين. كانت (إسرائيل) تقصف الأراضي الفلسطينية لأيّام متتالية خلال هذا الشهر من دون توقُّف لكن بعد أن أعلنت (الإمارات) نيّتها حرفياً توقّف القصف، لذا نرى أنّ (إسرائيل) تُريد دوماً تسجيل موقف من خلال قصف القوى التي تعتبرها مصدر تهديد لها، وهذا التهديد هو بالطبع فعلي لأنّ (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) لم تخفِ واقعَ أنّها تدعم "الجهاد الإسلامي" في (فلسطين) وتدعم "حماس" وبالتأكيد تدعم "حزب الله" وهذا أمر تسبّبت به (إسرائيل) لنفسها لأنّها غزت باستمرار ولطالما حاولت تنفيذ خطّة "ينون" القائِمة في أذهانهم منذ عقود. حقيقة أن (الأُردن) و(مصر) و(البحرين) و(الإمارات) و(السعودية) كلّها دُمى تُحركها (أميركا) يعني أنها دُمى لدى (إسرائيل)، وبالتالي سبق أن نفّذت (إسرائيل) قسماً كبيراً من سياستها التوسعيّة لمشروع (إسرائيل) الكُبرى من دون القيام بذلك رسمياً، هذا نوع من الاستعمار لكنّه تمّ في شكلٍ غير واضح، وهذا نوع من الإمبرياليّة لكنها مجدّداً ليست واضحة تماماً. هذه الأنظمة الدُمى تخرُج الآن إلى العَلن، وبات واضحاً أمام الرأي العام أنه أمام خيارين، إما يكون لديهم احترام للذات وهم يريدون الاستقلال والسيادة ويريدون الانتقال إلى مستقبل ديمقراطي يتمتّعون فيه بالقوّة من دون أن يحكمهم الطغاة ولا تملي عليهم تحرّكاتهم وسياساتهم (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل)، أو يخضعون ويصبحون دُمى مثل هؤلاء القادة بالتحديد الذين، فلنكن صريحين، تمّ تعيينهم أثناء نقل قوة الاستعمار البريطاني إلى الامبرياليّة الأميركيّة أو بالأحرى الإمبريالية الأميركية –الصهيونية كما قد يقول البعض. إذاً هؤلاء القادة بلغوا مرحلة الإعلان عن ذلك أمام الرأي العام لكن المعركة ستحصل، هناك حرب قادمة لا يُمكن تجنّبها في رأيي لأنّ انقسامات الناخبين الإسرائيليين الذين يُصوّتون باستمرار للنظام الحاكم الصهيوني الفاشي في رأيي لا يسعون للتسوية والمساواة ولا إلى وضع (إسرائيل) ضمن مستقبل عادل ومتوازن، الأمر يتعلّق أكثر بهم وفي نفوذهم وسيطرتهم. ما دمت تفعل ذلك سيؤدّي الأمر إلى حشد الشعب أكثر، وواقع أنّ (الإمارات) و(البحرين) وغيرهما من الدول بدأت تضع ثقلها كلّه علناً في المُعسكر الإسرائيلي، هذا يعني أنّ الصوت الانتخابي العادي لن يبقى مخدوعاُ ولم يعُد مخدوعاً، وحين يقومون بهذا الخيار يكون الأمر واضحاً، إمّا يناضلون من أجل كرامتهم وشرفهم وتحكّمهم في مصيرهم ومُستقبلهم أو يقولون" "لا بأس، نحن عبيد ونخضع للعبوديّة، وهذا الاستعمار الإمبريالي يناسبنا". هذا خيار واضح وعلني جداً لدى العرب حالياً، و"محور المقاومة" يمنحهم البديل، أي الحريّة 

جورج غالاواي: هذا صحيح من دون شكّ يا "فاطمة" ويؤسفني قول ذلك، لقد كان هناك سبب طائفي لعدم اختيار الكثير من الجماهير العربية لمحور المُقاومة، والآن نجد أنفسنا في وضعٍ مُحدّد حيث الأنظمة التي كانت تقول لنا دائِماً إنّها متزمّتة دينياً وكانت تنتفد هرطقة الآخرين، هذه الأنظمة بالتحديد باتت على علاقة بـ (إسرائيل) 

فاطمة حلو: بالفعل

جورج غالاواي: أين موقف الجماهير من هذا كلّه؟ 

فاطمة حلو: صراحةً، ما حصل مع (الإمارات) بالتحديد ليس اتفاقاً قائِماً على القانون الدولي، الاتفاق يقوم على حاملي سندات ورجال أعمال اجتمعوا مع الإسرائيليين، الاتفاق لا يقوم على أي قانون دولي وهنا يكمن الاختلاف، هذه هي المسألة إن أردت التفاوض والدخول في أيّ اتفاق. الفلسطينيون يقاتلون منذ عام 1965 وجلسوا لاحقاً مع الإسرائيليين لكن استناداً إلى قوانين دوليّة. الفرق بين ما حصل حينها وما يحصل الآن مُختلِف تماماً لأنّ ما يجري لا يستند إلى أيّ قانون دولي يجري اتّباعه. هم يعترفون بـ (إسرائيل) وهي التي تحتل (فلسطين) 

جورج غالاواي: تحتل (القدس) والـ (المسجد الأقصى) 

فاطمة حلو: تماماً، بالفعل. الوضع الحرِج مع الفلسطينيين في شأن مُقاومة ضمّ الأراضي هو أمر اختبرناه قبل عام 1982 في (لبنان)، كان الفلسطينيون في (لينان) وحاربوا من هناك ومن (الأُردن) أيضاً. في سبعينات القرن العشرين هوجموا في كلٍّ من (الأُردن) و(لبنان) وطُلِبَ منهم المُغادرة في عام 1982، طُلِبَ من "ياسر عرفات" الله يرحمه مغادرة (بيروت) لأنهم أطلقوا على وجوده في كلا البلدين إسم "فتح لاند"، ومنظمة "فتح" هي أكبر تنظيم للفلسطينيين، ولم يرغبوا في بقائه هناك لأنها ليست بلاده، فغادر قائِلاً إنّه سيذهب إلى (فلسطين) وهذا ما فعله. بالتالي، يُدرِك الفلسطينيون هذا الوضع وهناك قرار في "منظّمة التحرير الفلسطينية" بعدم التدخُّل في أيّة شؤون داخليّة لأيّ بلد عربي بسبب ما حصلَ بالتحديد. إن أردنا أن نأخذ "حزب الله" في لبنان كمثال على المقاومة، هو حزب يقاوم الإسرائيليين وهو لبناني ولا يُمكنك أن تطلب منه مُغادرة (لبنان) وألا تسمح له بالقتال من (لبنان)، هم لبنانيون ولا يُمكنك أن تُخرجهم من بلدهم لكن هذه ليست الحال بالنسبة إلى الفلسطينيين. الفلسطينيون يقيمون في (لبنان) و(سوريا) كلاجئين كما يتواجدون في بلدان عربية أُخرى وفي الشتات ويُطالبون بحقّ العودة إلى (فلسطين) على الرغم من وجودهم في تلك البلدان. يقول البعض إنّ المقاومة ما زالت مستمرة ولكن ينبغي أن تكون من داخل (فلسطين) وكان هذا هدف "ياسر عرفات" حين أبرم اتفاقية (أوسلو) التي كانت كارثيّة، وقد توافقني الرأي أو لا توافقني، لكن الأمر الوحيد الذي حصل مع اتفاقية (أوسلو) هو أنّنا نجحنا في نقل مُشكلة (فلسطين) من الخارِج إلى داخل (فلسطين)، هذا كلّ ما في الأمر. يقول الكثيرون إنّ المقاومة قد تكون مدنيّة في (فلسطين)، وهذا ما يحصل حالياً في (الضفّة الغربية)، وقد تكون مجموعات مُقاومة إضافيّة كما في حال "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وكلّ تلك الأمور في (غزّة)، لكن المقاومة الفلسطينية لن تكون من خارِج (فلسطين) وفي الأخصّ ليس من (لبنان) 

جورج غالاواي: لنستمع إلى مُداخلة "مارك سليبودا" من (روسيا) وهو أميركي مُقيم في (روسيا) ومُحلّل أمني ومُحاضر في العلاقات الدولية. "مارك"، ما الذي حصل في رأيك لتغيير هذه السياسة التي تحصل حالياً في العالم العربي؟

مارك سليبودا: أشكرك على استضافتي، إنّه لشرف لي ومن دواعي سروري. هذه ليست اتفاقية سلام فعلاً لأنّ (الإمارات) و(إسرائيل) لم يكونا في حال حرب أبداً، لكنّ هذا تطوّر على صعيد العلاقات الدوليّة. هو ليس زلزالاً جيو- سياسياً كما اقترح تسميته بعض المُعلّقين مثل "توماس فريدمان" في صفحات الـ "نيويورك تايمز" لكنه أيضاً ليس مجرّد خبر عديم الأهمية لأنّ (الإمارات) و(إسرائيل) كانتا على علاقة شبه سريّة خلال قسمٍ كبيرٍ من العقدين الماضيين، وهذا لا يقتصر على التنسيق في مجاليّ الدفاع والاستخبارات بل شمِلَ أيضاً اتفاقيات عمل كبيرة فعلاً بين الطرفين كانت مربحة لكليهما. لكن هذا الاتفاق لا يقتصر فقط على الجانب السياسي بل يطال الجوانب الاقتصادية والأعمال، وهذه أمور أكثر أهمية لـ (الإمارات العربيّة المتّحدة) في المُفاوضات التي تجريها وما ستجنيه من هذا كلّه 

جورج غالاواي: لقد تطرّقت إلى المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها (الإمارات العربيّة المتّحدة) من هذا الاتفاق، لكنها أصلاً من أغنى البلدان على وجه الأرض، فما الذي قد تستفيد منه مالياً واقتصادياً؟ 

مارك سليبودا: إحد الأمور التي تجعل (إسرائيل) قوّة إقليمية في المنطقة هي تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الـ Cyber. بالتأكيد قامت تجارة سريعة لوقتٍ طويل بينهما ومن المتوقّع ازدياد ذلك، أضف إلى ذلك أن العلاقات الدبلوماسية العلنية مع (إسرائيل) تزيد في الحقيقة من احتمال قيام صفقات اقتصاديّة بالنسبة إلى (الإمارات) في قطاع الدفاع، وقد سبق ورأينا ذلك مع (الولايات المتّحدة). (الولايات المتّحدة) أوقفت بيع الأسلِحة الذكيّة في بلدين عربيين من خلال اتفاقيات مع (إسرائيل) بهدف الحفاظ على التقدُّم العسكري الإسرائيلي في هذه الأسلِحة مُقارنةً بجيرانها العرب. مع هذا التطبيع للعلاقات ومنح الجانب الرسمي للسلام باتت (الولايات المتّحدة) حرّة في بيع أسلِحة متطوِّرة مثل الأسلِحة الذكيّة لكن سيلحق بها آخرون قريباً ولقد بدأوا العمل بالفعل على هذه الصفقات وسيساعد ذلك على تعزيز القوّة العسكريّة لـ (الإمارات) تحديداً لاسيما أنها بدأت تُظهِر عضلاتها العسكرية والإقليمية في (ليبيا) ضدّ (تركيا) إضافةً إلى مناطق أُخرى. لقد انسحبت من النزاع اليمني في هذه المرحلة لكنّ (الإمارات) لم تنتهِ من بذل جهودها كقوة إقليمية 

جورج غالاواي: هل هذه التطوّرات ستجعل (الإمارات) و(البحرين) أكثر أمنا أم أقل أمناً؟

مارك سليبودا: لا أظنّ أنّ (الإمارات) كانت في وضعٍ أمنيّ حَرِج ولا أظنّ أنّ ما حصل سيزيد الأمن القومي داخل (الإمارات) ولن يُخفّف منه أيضاً، لكن النتيجة هي أنّ هذا الاتفاق سيُعزِّز الوضع الإماراتي داخل المُعسكر الجيو سياسي لـ (الولايات المتحدة) و(إسرائيل) و(السعودية) في الشرق الأوسط بينما كانت في السابق تُغازِل "إيران" أحياناً في علاقة حياديّة معها. هذا الاتفاق وضع (الإمارات) بقوّة في معسكر (إسرائيل) ولا أظنّ أنّ هذا سيزيد من ضعف (الإمارات العربيّة المتّحدة) تجاه (إيران) لكن هذا بالطبع يوسِّع المظلّة العسكريّة الأميركية لحماية (الإمارات العربية المتّحدة). لكن أُكرّر، لم تكن (الإمارات) تُعاني من أيّ تهديد يطال أمنها القومي فعلاً، فلا أرى في ذلك أيّة زيادة لحمايتها. هذا بالنسبة إلى (الإمارات) يشمل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية 

جورج غالاواي: وأخيراً، ما هو وَقعُ هذه الاتفاقيات بين بلدان الخليج العربي ودولة (إسرائيل) على ما زلنا نُسميه "عملية السلام"؟

مارك سليبودا: أظنّ أنّ جزءاً من "عملية السلام" بين (فلسطين) و(إسرائيل) انتهى منذ عقود للأسف. الاتفاقيات بالتأكيد لا تُقدِّم في سير عملية السلام بل هي مسمار إضافي في نعش هذه العملية لأنّ هذا الأمر كسَرَ التقليد القائِل أنّ دول الخليج العربي لن تُطبِّع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع (إسرائيل) قبل التوصّل إلى تسوية سلام واعتراف بدولتين إحداها فلسطينية، لكن هذا بات الآن خارج السياق بالكامل. لقد كان الأمر سريّاً لكنّه بات مُعلناً، وما تبقّى من (فلسطين) سيستمرّ في الاختفاء مع التطهير العرقي وأظنّ أنّ عمليّة ضمّ الأراضي ستحصل على الأرجح، وإنْ أُعيد انتخاب "دونالد ترامب" فقد يحصل ذلك خلال إدارته المقبلة، بالتالي هذا الأمر لا يزال مطروحاً 

جورج غالاواي: "باتريك أوريغان" أنت رجل متفائِل بطبيعتك وسياستك وأنا أعرِفك منذ وقتٍ طويل. على الرغم من أنّك تحدّثت عن الأزمة التي تواجهها (إسرائيل)، وبالطبع أنت مُحقّ إذ تقوم تظاهرات بالفعل ورئيس الوزراء قد يدخُل السجن، لكن هذا سيفتح المجال أمام رئيس وزراء لن يكون مختلفاً فعلاً إلا في الأُسلوب ربما مقارنةً مع "نتنياهو". أظن أنّ مُحلّلنا الروسي مُحقّ، هذه لعبة أساسيّة بالنسبة إلى (إسرائيل)، وإذا انضمّت بلدان عربيّة أُخرى إلى اللعبة فهذا سيُعزّز وضعها إلى حدٍّ كبير، وقد قال ذلك بوضوح، "مسمار في نعش عمليّة السلام"، عِلماً أنني لن أذهب إلى هذا الحدّ لكن قد نرى هذا من ناحية العلاقات الدولية، فهذا قد يكون مسماراً كبيراً في نعش الفلسطينيين 

باتريك أوريغان: أعتقد أنني متفائِل حيال الوضع لأنّ القوى الإمبريالية العُظمى في أزمة كبيرة، فـ (الولايات المتحدة الأميركية) في حال تفاوض مع "طالبان" وقد بذلت جهوداً كبيرة للتوصّل إلى اتفاق مع "طالبان " بعد مفاوضات بينهما ما يعني بالتأكيد أنّ "طالبان" ستحكُم (أفغانستان) قريباً فيما سينسحب الأميركيون ولن يتدخّلوا بعد الآن. اعتقد أنّ (الولايات المتّحدة) نفسها تعيش مُشكلات ومشقّات كثيرة ينبغي التركيز عليها، حين يقول الرئيس الأميركي إنّه قد لا يقبل بنتيجة الانتخابات 

جورج غالاواي: هذه أزمة 

باتريك أوريغان: نعم، هذا انقلاب، ولن يقبل العمال الأميركيون ذلك، هم لا يدعمون "بايدن" ولا يريدون "ترامب"، وإن قال "ترامب" أنه سيبقى مهما كان ستتفاقم المشكلة مع قيام اضطرابات، لاسيّما بعد بروز قوى مُختلفة. لنأخذ (بريطانيا) مثلاً، هاجموا "كوربين" باعتباره مجنوناً لأنّه طرحَ برنامج إنفاق بقيمة 500 مليون تقريباً لكنّهم أنفقوا عشرين ملياراً وبات مجموع الدين عشرين ترليون جنيه، ومع حلول الأوّل من نوفمبر/ تشرين الثاني تسعة ملايين عامل كانوا يتقاضون أُجورهم سيُطلب منهم إمّا التوقيع على عقدٍ جديد يتقاضون فيه نصف قيمة الأجر أو يُطردون. بالتالي سنجد أمامنا نزاعاً كبيراً 

جورج غالاواي: إذاً بالنسبة لك ستكون القوى الإمبريالية العُظمى في موقف ضعيف جداً 

باتريك أوريغان: هذا صحيح 

جورج غالاواي: ولكن هذا لا يجعل (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل) في حال هشّة 

باتريك أوريغان: لا، طبعاً لا. أذكُر حينما قابل "القذّافي" "بلير" وقال لـ "بلير": "لا تتخلّصوا منّي لأنكم إن فعلتم ذلك ستفتحون أبواب الجحيم والأمر لن يقتصر على بلادي بل سيشمل كلّ المنطقة"، لكنّهم تخلّصوا منه في حرب "حلف شمال الأطلسي". حينها قصف الفرنسيون والبريطانيون (ليبيا) وشارك البريطانيون في السيطرة على (طرابلس الغرب) وقصف الفرنسيون موكب "القذّافي" ثم ذبحه مُتطرّفون إسلاميّون. لاحقاً التقى "ساركوزي" و"كاميرون" في (بنغازي) وأدليا بخطاب شديد اللهجة تجاه (سوريا) ما ولّدَ حالاً غريبة وهي أنّ مئات الأطفال في (بريطانيا) من جذور عربيّة سُمِحَ لهم بالذهاب لمُحاربة "الأسد" 

جورج غالاواي: والعودة إلى هنا لقتل أطفالنا 

باتريك أوريغان: هذا صحيح لكنّهم ظنّوا أنّهم سيحقّقون النجاح، ظنّوا أنّهم سينجحون في إسقاط نظام "الأسد" ووضع اليد على الثروات النفطيّة إضافةً إلى التصرُّف على سجيّتهم وإلى ما هنالك، لكنّهم وجدوا أنفسهم في ورطة. في هذه الحال نحن نعلم أن الفلسطينيين هم شعب باسل جداً ولن يسمحوا حين ستقرّر (إسرائيل) أن الوقت انتهى وحان وقت ضمّ الأراضي ومن ثم تحويل الفلسطينيين إلى لاجئين، فهؤلاء سيقاتلون. "حزب الله" وهؤلاء أمضوا حياتهم في القتال، في (بيروت) لن تتحمّل الطبقة العاملة أيّ انفجار آخر بعدما حصل وسيتم اللجوء إلى حلول ثوريّة، وفي رأيي هذا سيحصل في كلّ أنحاء الشرق الأوسط والعالم. إذاً أعتقد أنّ (إسرائيل) هي جديّة للغاية في تحرّكاتها وهذه حال الأميركيين أيضاً، لكنّ الأميركيين سيلجأون إلى شعوب أُخرى لتُحارب عنهم هناك 

جورج غالاواي: "سيّد محسن عباس"، لنتطرّق إلى هذه النُقطة. صحيح أن الشرخ القائم ما بين بلدان حلف المُقاومة هو الآن منفصل تماماً عن سائِر البلدان العربيّة، لكن هذا لا يعني أنّ الشعوب العربية في بلدان التعاون الخليجي توافق بالضرورة على هذا الطرح، وهنا أوافق "ميك نايبر" رأيه، من المرجّح أنّ ثمانين في المئة من العرب ومن الشعب السعودي هم ضدّ أيّ استسلام لـ (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل). لكن حالياً لا يُمكنهم فعل أيّ شيء حيال ذلك، لا يُمكنهم إطاحة أنظمتهم 

باتريك أوريغان: ولكن أظن أنهم سيفعلون ذلك، سيسلكون هذا الاتجاه، سيتم دفعهم ليسلكوا هذا الاتجاه 

جورج غالاواي: أطلعني على رأيك 

باتريك أوريغان: هذا رأيي 

جورج غالاواي: هل السعوديون والإماراتيون، عِلماً أنّ عددهم ليس كبيراً لأنّ مُعظم السكّان في (الإمارات) هم من الأجانب وهذه حال مُعظم الناس في بلدان الخليج، من دون حقوق وما شابه. لنناقش وجهة نظر "باتريك" أولاً، هل الجماهير العربية في البلدان التي استسلمت ستتخذُ موقفاً؟ وما الذي في وسعهم فعله؟ 

سيّد محسن عبّاس: هناك حوال ثلاثين أو أربعين ألف سجين سياسي في السجون السعودية وهذا يُظهِر وجود مُعارضة، والسعوديون شرسون في قمع المُعارضة. نتكلّم هنا عن قادة دينيين أغلبهم من المدرسة السلفية التي يقول السعوديون إنّهم ينتمون إليها. أظنّ أنّ الخوف قائِم، ولنأخذ "الإخوان المُسلمين" على سبيل المثال، فالسعوديون بالتـأكيد ضدّ ذلك كما أن (الإمارات) شنّت حملة واسعة ضدّهم. هذه نُقطة مثيرة للاهتمام لأنني أظن أنّ تيّار "الإخوان المسلمين" هو تيار سنّي عقائِدي ولديه بُنية تحتيّة يحشد من خلالها، لكن تمّ قمع هذه الحركة في مُعظم تلك البلدان بشراسة لاسيّما في (مصر) و(الإمارات)، إذاً هذه البلدان تُبقي حركات المقاومة الداخلية مقموعة. لكن هناك أيضاً أشخاص عاديّون لا ينتمون إلى أيّة حركة وأغلب هؤلاء خائِفون سياسياً بكلّ بساطة، ففي (الإمارات) أنت مُراقَب. في الواقع وضعت (الولايات المتّحدة) كلّ ثقلها في أجهزة المراقبة هناك بحيث يراقبون كل شيء ولا يستطيع أحد التحرُّك 

جورج غالاواي: ستكون المراقبة أقوى الآن مع انتقال الآلية الأمنية الإسرائيلية إلى هناك 

سيّد محسن عبّاس: ما من شكّ في ذلك، مع وضع كاميرات إضافية عليهم استئجارها لمراقبة كل ما يحصل. في الحقيقة يُمكننا مقارنة الأمر بمراقبة استبدادية تجاه هذه الدول، ولكن إن تمّ دفع الناس إلى مرحلة يشعرون فيها أنّهم خسروا كرامتهم وأضف إلى ذلك إن شعروا أنهم في حصار مادّي، وهذا على الأرجح ما يُنقِذ السعوديين والإماراتيين، الأمر الوحيد الذي ينقذهم هو أنهم غارقون في المال. يمكنهم أن يحافظوا إذا أردت على أبسط الأمور الحياتية، نوع من السلّة الغذائية في أعلى مستوى للمواطن العادي، لذا تجد الناس 

جورج غالاواي: في (الإمارات) لكن ليس بالضرورة في (السعودية) التي تواجه مشكلات اقتصادية حقيقية 

سيّد محسن عبّاس: بالفعل، وأظن أنّهم بدأوا يحصلون على قروض لأول مرّة في تاريخهم منذ زمنٍ غير بعيد وهم داخلياً ليسوا متّحدين فعلاً كما يظنّ الناس. بالطبع "إبن سلمان" وصل إلى السلطة وداس على وحدة الملكية السعودية، لقد وضع عدداً كبيراً من أفراد العائِلة المالِكة في فندقٍ فخمٍ جداً كان في الواقع سجناً، ثم أخذ منهم كل ما في إمكانه أخذه من المال 

جورج غالاواي: علّقهم رأساً على عقب وأفرغ جيوبهم من المال 

سيّد محسن عبّاس: مبدئياً أقاموا في غرفٍ فخمة جداً بالفعل ولكنه أفرغ جيوبهم 

جورج غالاواي: هزّهم لإفراغ جيوبهم

سيّد محسن عبّاس: هذا صحيح، وأظن أن هذا هو وضع قائم هناك. هناك ميل إلى مقاومة أسلوب "إبن سلمان" الاستبدادي في الحُكم، وأعتقد أنّ هذا قد ينفجر في وجه السعوديين في رأيي. بالتأكيد، ستستثمر المعارضة في هذا النوع من الضعف، والإيرانيين وأيّ محور للمقاومة سيغتنمون أيّة فرصة لتغذية أيّ تمرُّد. لنأخذ على سبيل المثال (القُطيف) في شرق (المملكة السعودية)، وهي منطقة شيعية، التي تعرّضت لقمعٍ وحشيّ على يد "إبن سلمان" منذ وقتٍ قصير حيث تمّ إعدام الشيخ "نمر النمر". إذاً هناك مجموعات مقاومة موجودة. في رأيي هذا يتطلب تمويلاً وتنظيماً، وهنا يأتي السؤال، مَن قد يفعل ذلك؟ "الإخوان المُسلمين" أو "محور المقاومة" هم الوحيدون القادرون في رأيي على إطلاق شرارة مُقاومة، ولكن هل سيحصل ذلك؟ لننتظر ونرى 

فاطمة حلو: أو الأميركيون   

جورج غالاواي: سنناقش هذه المسألة إلى أن نبلغ الشيخوخة بالتأكيد عِلماً أن بعضنا بلغها. أشكركم جزيل الشكر على المُشاهدة. كنت معكم أنا "جورج غالاواي"، وهذا كان برنامج "كلمة حرة" على قناة "الميادين"