كيف نقدّم الدين للناس؟

 

المحور الأول:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

يكون الإسلام عظيماً عندما يكون في عهدة العلماء الربّانيين، والعُرفاء بالله، والمُدركين لمقاصد الشريعة الإسلامية. ويصبح خطيراً مُدمّراً وقاسِماً لعُرى الدول والمجتمعات عندما يكون في عهدة علماء الشيطان الذين يعبدون هواهم، ويُجيّرون الإسلام ونصوصه للغُرف السوداء، ودوائر المُكر العالمي والإقليمي.

لم ننجح في عولمة الإسلام وجعله رسالة كوكبية لأنّنا قطعناه إرباً إرباً، ومزّقناه مزقاً، وجعلناه فِرَقاً وشِيَعاً. الله أراده واحداً للإنسانية، ونحن أردناه مذهبياً للطائفة، ثم نتساءل، لماذا لا يعرفنا العالم؟ لا يعرفنا لأنّنا كثيرون متفرّقون، وإن طالت لحانا. والأساس والقاعدة أنّ إسلامنا، وحضاراتنا، وهويّتنا، وثقافتنا، ورؤيتنا، وإسلامنا للحياة والآخرة، للثقافة والسياسة، للاقتصاد والاجتماع، للوحدة والإخاء والمحبة، ودرء الفِتَن في زمن الشُبهات، وفي عصر الفتنة الكبرى اليوم وفي عالم الأفكار يجب أن نعتمد الإبهار والاختصار، ونحوّل فكرنا  إلى مُعادلات واقعية للحياة، والذي حدث أنّنا دفنّا الإسلام في المساجد، وهم نقلوا أفكارهم في كل الفضاءات والوسائل، وأنّ أمَّة لم تنجح في الأنترنت ستبقى على الهامش. نحن نفكّر في مئة شخص في مسجد، وهم يفكّرون في سبع مليارات نسمة وأزيد، ويوصلون لها أفكارهم.

منذ أن دخلت أمّتنا الإسلامية مرحلة السبات في الصُعد كافة تمّ وضع مئات الدراسات عن عِلَل التراجُع، وأسباب التقدّم، ولعلّ هذا الإشكال يصادف المُفكّر المسلم أينما حلّ وارتحل في ربوع طنجة جاكرتا. ولا شكّ أنّ إعادة صوغ استراتيجية النهوض على قاعدة الإسلام الحضاري وتوحيد الرؤية بين صانعي الاستراتيجيات والرأي العام في العالم العربي والإسلامي هو خطوة ضرورية لإنتاج فعل الميلاد الحضاري المُرتقب لأمّتنا. ومن أولويات الصوغ، الاجتهاد حول كيفية تقديم الإسلام للناس في كل جغرافيا الإسلام، وجغرافيا الإنسان. فالله عندما أراد أن يعرّف بنفسه اختار العقل، وهو الأكمل ليُرشد إليه، واختار الأنبياء والأوصياء وهم الكاملون خلقاً وخُلقاً وفصاحة وبلاغة وعلماً. وكان الناس، كل الناس يفهمون الأنبياء والرسل وعوا رسالته، بل كانوا يقدّمون إشكالات من وحي مضمون شرائع الأنبياء، ويعترف اليوم الكثير من الشباب في العالم العربي والإسلامي بأنّ طريقة تقديم الإسلام والأساليب المُتبّعة في الدعوة هي التي جعلتهم يفرّون من الدين الذي يفترض أن يكون للحياة والشباب بشكل خاص، ناهيك عن التركيز على الماضي وحكايته من دون الولوج في الواقع وابتلاءات الواقع.

"كيف نقدّم الدين للناس؟" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش الشيخ الدكتور أكرم بركات الأستاذ الجامعي والحوزوي والباحث الأكاديمي وصاحب المؤلّفات الكثيرة في فكر الإسلام وإسلام الفكر.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

شيخ أكرم حيّاك الله، وبيّاك. سعيد أنا بوجودك معنا في الميادين.

 

أكرم بركات: حيّاكم الله تحية لكم وللمشاهدين وللمشاهدات، تحية الإسلام السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

 

يحيى أبو زكريا: أبدأ نقاشي معك بعنوان لمُحاضرة لك، لدينا مشكلة في فَهْم الله. هل نحن بالفعل لدينا مشكلة في خط طنجة جاكرتا في فَهْم الله؟ وقد نرقى ونقول في فَهْم رسوله، وقد نرقى ونقول في فَهْم الرسالة الإسلامية؟

 

أكرم بركات: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا فعلًا أعتقد أنّ جَذْر المشكلة الفكرية التي تنعكس اجتماعياً تكمُن في فًهْمنا لله سبحانه وتعالى.

 

يحيى أبو زكريا: جلّ في عُلاه.

 

أكرم بركات: لأنّنا قدّمنا الله سبحانه وتعالى في كثير من مجالسنا ومُنتدياتنا ومساجدنا، قدّمناه بصورة قد تكون في كثير من الأحيان مُنفّرة عند الناس. بالتعبير العام في مجتمعنا نسمع أنّه في تربية الصغار أنّ الله يخنقك، الله يعذّبك.

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

أكرم بركات: الله يحرقك، حتى مرة كنت أصلّي في المسجد جاء رجل ومعه طفل، أنا كنت لا أعرفه فقال له أمامي إذا عدت وفعلت نفس الأمر، الشيخ سوف يضربك. نظرت إليه قلت له أنت مُكْرٍهه بالله، تأتي لتُكْرِهه بي.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

 

أكرم بركات: بعدما صوَّر له الله سبحانه وتعالى أنّه يعذّب ويحرق بالنار، التصوير لله تصوير جلالي سلبي بحيث لا يعيش الإنسان جمال الله وحب الله ومحبة الله، والإنسان بحاجة لمعنويات، وبحاجة لتحريك هذا القلب، هذه من ناحية التربية. لكن هناك ناحية فكرية قلبها أنّ الله سبحانه وتعالى في عقيدتنا، والكل يقول ما يتحدّث به الشيخ صحيح إنّ الله تعالى غني وحكيم. هو من خلال نظرته للإنسان، ومن خلال تشريعاته، هو لا يريد شيئاً لنفسه، وهو حكيم يعني يضع الأمور في مواضعها المناسبة.

 

يحيى أبو زكريا: صح.

 

أكرم بركات: له هدف يتناسب مع الحكمة. إذا كان الله سبحانه وتعالى هكذا، ما هو مشروعه؟ مشروعه هو الإنسان، عندما نتحدّث عن الإنسان نقول إنّ غاية ما يريده الله سبحانه وتعالى من الإنسان العبادة "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون"، ولكن ما معنى العبادة بالفكر؟ عندنا مرات كأنه مطلوب العبادة الطقوسية بمعنى أنّ العبادة الخاصة التي نعرفها هي الغاية، هنا ما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون، إذا أخذنا مثلاً مفهوم العبادة، نحن بالبلديات عندما تكون الطريق وَعِرة، ثمّ ترصّ وتُرْصَف أصبحت الطريق مُعبّدة سهلة يعني مُذلّلة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح جائز.

 

أكرم بركات: مُذلّلة، ما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون، إلّا ليسيرون سيراً سهلاً نحو الله، سيراً مُيسّراً، سيراً سمحاً، هذا الطريق هو طريق كمال الإنسان إذا كان مشروع الله سبحانه وتعالى هو الإنسان، إذا كان المحور هو الإنسان في ثقافتنا الدينية، في عبارة لطيفة جداً للشهيد السيّد محمّد باقر الصدر رحمة الله تعالى عليه. وحتى لا تفهم الكلمة خطأ ولا نتحدّث عن اللفظ القرآني نتحدّث عن المعنى أنه في سبيل الله، إذا أبدلنا كلمة الله وقلنا الناس في سبيل الناس، لما تغيّر المعنى لأن سبيل الله هو سبيل الناس.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: لاحِظ القرآن الكريم عندما يتحدّث عن البيت، البيت العتيق هذا البيت العتيق لم يسكنه أحد مع أنّه لم يسكنه أحد من البشر، عندما يعبر الله سبحانه وتعالى عنه ماذا يقول وضع لله أو وضع للناس.

 

يحيى أبو زكريا: للناس.

 

أكرم بركات: يقول وضع الناس، لأنّ المشروع هو مشروع الإنسان، هنا أنا أشكرك على هذا السؤال.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

أكرم بركات: فاجأتني به، لكن أشكرك عليه أنّ الحوار بين الله سبحانه وتعالى والملائكة، أنا أعتبره هو يقع في قمّة المنظومة المعرفية الدينية التي تؤثّر على الخطاب الديني، "وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة"، الملائكة كان سؤالها سؤال إشكالي، كان ينطلق من فارِق بينها وبين الإنسان لأنّه يتحدّث عن مشروع جديد، مشروع الإنسان. الفارِق الأساسي هو الحرية لأنّ الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، هم مجبرون مُسيّرون مضطرون في عبادتهم، هم لاحظوا أنّ هذا الإنسان فيه جنبة التخيير، فيه جنبة حرية من خلال الحرية. فمن طبيعة الحال سينقسم المجتمع الإنساني إلى قسمين: قسم مع الرحمن، وقسم مع الشيطان، قسم مع الخير، وقسم مع الشر، وهؤلاء عندما يكونون في مكان واحد لا بدّ من أن يتصادموا، وحين يتصادمون، سيقع هناك فساد في الأرض. لذلك حينما سألوا سؤالًا بصيغة الإشكال حتى نكون مؤدّبين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، إشكالهم أو سؤالهم كان ينطلق من استشرافهم للتسافُل الفردي فقط، أو التسافُل الفردي والاجتماعي، ومن الواضح أنّ مَن يفسد فيها يسفك الدماء، كانوا هم يلاحظون الجانب الاجتماعي أنّ الإنسان سيتسافل اجتماعياً. والله سبحانه وتعالى يقول إنّي أعلم ما لا تعلمون، وعلّم آدم الأسماء. لا بد من أن تكون الأسماء تتناسب مع السؤال، ولا بدّ من أن تكون الأسماء هي الصفوة، هي صفوة البشر الذين حينما تعرفهم الملائكة ستعرف الجانب المُضيء من مستقبل البشرية. هنا الله سبحانه وتعالى لم يقل للملائكة أنتم مخطئون، الآن أنا وأنت دكتور بعد الحوار الملائكة تتحدّث صحّ أم لا؟ كأنها تتحدّث صح الإنسان أفسد في الأرض، وسفك الدماء.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: لكن الله سبحانه وتعالى لم يقل للملائكة إنّكم مخطئون، لا هو كان يريد أن يقول لهم  إنكم لم تقرأوا كل كتاب البشرية، ولم تشاهدوا كل لوحة الإنسانية، قرأتم قسماً من الكتاب، وشاهدتم جزءاً من اللوحة، آدم علّمهم الأسماء، أتحدّث بالمضمون. ولمّا علّمهم الأسماء ليقرأوا كل اللوحة، هذه النقاط السوداء التي رأتها الملائكة باستشرافها هذه النقاط السوداء موجودة، ولكن اللوحة بجمالها العام هي التي تعطي النتيجة المستقبلية التي سيحقّقها المجتمع الإنساني.

 

يحيى أبو زكريا: ولعلّ من كلمات الله التامات التي أدركها في ما بعد الملائكة انبلجت حقيقة النور. هنا سؤال لماذا كان الأنبياء والرسل واضحين في دعوتهم فُصحاء؟ تجد المشرك في أيام نوح، أو إبراهيم، أو موسى كانوا يعرفون ما معنى التوحيد، واستوعبوا، وأدركوا دعوة الأنبياء، لماذا إذا قارّنا بين خطابنا الإسلامي اليوم الذي قاد أحيانًا إلى الهاوية في بعض الجغرافيا الإسلامية لم يكُ في مستوى دعوات الأنبياء الواضحة في أهدافها، وفي مضامينها، وفي فكرتها القوية أيضاً؟

 

أكرم بركات: أنا أريد أن أنطلق في مقام الإجابة عن هذا السؤال من تكملة الفكرة السابقة بأنّ الله تعالى في القرآن الكريم في الآيات التي قرأتها الله يضمن لنا المستقبل الحسن للبشرية، المستقبل الذي يتكامل فيه المجتمع البشري، لكن من خلال اختيار الناس، معنى ذلك وهذه نقطة أساسية جداً.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: المجتمع الإنساني باختياره سوف يحقّق التكامل الاجتماعي. هذا ماذا سيؤّدي؟ نقطة أمل عند النبي عند الرسول، عند الداعية، عند المُبلّغ، نقطة أمل أنّ الله تعالى بوضوح القرآن الكريم، وقبله العقل لأنّني أنا عندما أفكّر أنّ الله سبحانه وتعالى صنع هذا المشروع، أكيد سينجح.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: لأنّ الله تعالى بعلمه يعلم بنتائج الأمور، فإذًا أنا أعلم بالعقل والنصّ أنّ هذا المشروع سينجح، وأنّ عمدة هذا المشروع هو الناس. إذا كان عمدة هذا المشروع هو الناس، يعني أنا أعلم رسولًا أو نبيًا أو مبلغًا وداعيًا أنّ الناس باختيارهم سوف يحقّقون النتيجة التي يريدها الله سبحانه وتعالى. هنا أنا أصبح أعوّل على الإنسان، وأعوّل على المجتمع، هنا أصبح أثق بالمجتمع، يعني أحب المجتمع. هنا مسألة أساسية مرة بمنطقة جغرافية من دون أن أحدّدها خارج لبنان كنت أناقش بعض العلماء بالنسبة للتبليغ، هناك بعض العلماء الذين كانوا في تلك الجلسة تحدّثوا عن المجتمع بشكل سلبي أنّ هؤلاء يفعلون كذا وكذا وكذا وكذا الخ. قلت لهم إذا لم تحبّوا الناس، لن تنجحوا في تبليغهم.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

أكرم بركات: قاعدة التبليغ الناجح والوصول إلى الهدف الإلهي أن نحبّ الناس، لأنّ الناس هؤلاء هم الذين بإيماننا سوف يصنعون التغيير، لا بدّ من أن نحبهم، وأنا أعتقد أنّ نجاح ثورة الإمام الخميني قدّس سرّه، الثورة الإسلامية المباركة نجاحها كان يكمن في نقطة أساسية أنّ الإمام الخميني كان يحب الناس، وكان يثق بهم. وفي مُراسلاته مع الشاه كان يقول أنا أحاربك بالذين يلعبون في أزقّة الشوارع، في بطون أمّهاتهم، أنا أطلب من الناس أن يدفع كل واحد منهم تومان وأطردك من إيران. وسبب نجاح الإمام السيّد موسى الصدر في لبنان هو محبته للناس وثقته بالناس برغم أنّه إذا عاد أحد للخلف ورأى المشهد قد يقول إنّ هؤلاء الناس كيف نثق بهم، لأنّه تعرف نحن بالتاريخ خاصة مجتمعنا من دون مؤاخذة باللبناني مجتمعنا كان مظلومًا، مجتمعنا في الجو العربي الذي ينتسب إلى أهل البيت عليهم السلام، كان لا يستطيع أن يتنفّس الصُعداء. الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين تصوّر أنّه بالربع الأول من القرن العشرين يخطب في صور مدينة جبل عامل، يقول لا جامع لدينا ولا جمعة ولا آذان، لم يكن هناك مسجد في مدينة صور. حتى الجو العلمي كان جواً صعباً، قرأت لأحد النواب اللبنانيين من آل الزين يقول سنة 1926 في لبنان من هذا المجتمع 95 بالمئة كانوا أمّيين 95 بالمئة.

 

يحيى أبو زكريا: ولعلّ المسألة كانت مقصودة حتى لا ينهض هذا الجيل من المُنتمين إلى مدرسة أهل البيت؟

 

أكرم بركات: طبعاً حتى للأسف في تاريخ لبنان حينما فتحت المدارس الرسمية، اقرأ في التاريخ حصل اعتراض كيف تفتحون المدارس الرسمية لهؤلاء الفقراء؟ سوف يتعلّمون، وسوف يحدث تغيير في المستقبل وحصل اعتراض رسمي.

 

يحيى أبو زكريا: لكن شاء الله أنّ هؤلاء الفقراء هم مَن صان لبنان، هم مَن حرّر لبنان من الكيان العبري، وهم الذين مازالوا يصنعون العزّة للعرب والمسلمين جميعاً.

دكتور أكرم حب الناس، حب الإنسان، لكأنّ موضوع القرآن هو الإنسان. أليس لكل علم موضوع النحو، موضوع الكلمة، المنطق، العقل، موضوع علم القرآن أو القرآن  الإنسان. إذًا كل خطاب يكرّس أنسنة الإنسان ويدعو إلى خدمته هو خطاب قرآني، وكل خطاب حتى لو قال أنا قرآني ومُضاد للإنسان ليس من الله في شيء. هذا ما تودّ قوله؟

 

أكرم بركات: صحيح حتى أنتم عندما كنتم تعرفونني كنتم  تقولون، وتقارنون بين إسلام الفكر وفكر الإسلام، أنا عندي مقولة أؤمن بها أنّه عندما نتحدّث عن العلوم الإنسانية في مقولة اليوم تردّد كثيرًا كيف نؤسِلم العلوم الإنسانية.

 

يحيى أبو زكريا: جميل.

 

أكرم بركات: أنا أقول لهم لا، دعونا نقول كيف نعشّب العلوم لتكون إنسانية، وحينما تكون إنسانية تكون إسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: قطعًا.

 

أكرم بركات: لأنّ الإنسانية بمعناها الحقيقي هي المشروع الإلهي، هي ما يريده الله سبحانه وتعالى.

 

يحيى أبو زكريا: ذكّرتني بمقولة لمحمّد باقر الصدر رضوان الله عليه يقول كل فكر إنساني يخدم الإنسان هو إسلامي تلقائيًا هو إسلامي؟

 

أكرم بركات: صحيح مئة بالمئة. للأسف نحن المشكلة لدينا نحن في التاريخ في الدائرة الفكرية حصلت أمور أنا أدعو من هذه القناة المحترمة والتي نفتخر بها ومن خلال هذا البرنامج المميّز، أنا أدعو إلى إعادة النظر في العقل، وأعتقد أنّ الأساس في مرجعية قراءة النصّ الديني، في كثير من المرات النصّ الديني يُقرأ من دون مرجعيات، فيحصل هذا التفكّك والتشدّد الذي نراه في الساحات المختلفة. أنا أقول أنّه ربما إحدى تميّزاتي أنا المنتمي إلى هذا الفكر، أنّني أؤمن بالعقل العملي الذي يدرك حُسن العدل وقُبح الظلم، يعني أنا عقلي يُدرك العدالة الاجتماعية، ويُدرك العدل الإنساني، وهو العدل الإلهي. فأنا حينما أقرأ النصّ الديني إذا تعارض مع العدالة الاجتماعية، أنا لا آخذ هذا النصّ بظاهره، أنا أنا أقوم بتأويله، فإن لم أستطع، فأنا أرفضه، فتكون لديّ مرجعية في العقل حتى تميّز ومن خلال هذا العقل أنا أكون عالميًا لأن العقل يريد العدالة الاجتماعية المشروع العام.

وهنا هذا المكمن قل لي مثلاً الحركات المُتشدّدة إسلاميًا، إحدى مشكلاتها الفكرية الأساسية ولا أودّ الحديث الآن عن أجهزة المخابرات، بل أودّ الحديث عن المستوى الفكري. هناك أمر داخلي وليس كلّه خارجي على مستوى القراءة قراءة النصّ، نلاحظ أنّ الكثير منها يقرأ النص بشكل موضعي متفرّق من دون أن يدخل في المنظومة الدينية، المنظومة الدينية وأتحدّث معك بشكل واضح ومن دون أية خلفيات، أليس مشروع الإسلام عالمي؟

 

يحيى أبو زكريا: يقينًا.

 

أكرم بركات: الآن كنت تتحدّث عن الحدود الإسلامية، نحن الحدود الإسلامية مفروض أن تكون الحدود الإنسانية التي تشمل كل العالم، هذا المشروع كلٌ بحسب اعتقادنا سوف يتحقّق باختيار المجتمع، وليس بالقهر، ومَن يقول بالقهر لا يفقه الموضوع جيدًا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح تصبح قناعة عالمية.

 

أكرم بركات: قناعة سيكون، وكل المسلمين يعتقدون بالإمام المهدي بغضّ النظر أنّه ولِد أو لا، ولكن هو سيصنع الدولة العالمية الإنسانية العادلة وليس المؤمنة بكاملها، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وليس إيمانًا قد تكون هناك اتجاهات فكرية لا مشكلة، ولكن على مستوى العدالة تتحقّق بشكل مطبق وشامل. هذه الأطروحة إذا كان المجتمع سيحقّقها باختياره باختياره ألا يجب أن تكون المنظومة جاذبة؟

 

يحيى أبو زكريا: يقينًا.

 

أكرم بركات: فإذا كانت منفّرة، كيف تودّ هذه الأطروحة أن تصنع ذلك المجتمع؟

 

يحيى أبو زكريا: أنت وصلت إلى صُلب الإشكال الآن الذي أودّ أن أناقشه مع جنابك.

 

أكرم بركات: أودّ ذكر مسألة، مرةً كنت في مؤتمر كنت أقول بشكل واضح وعادة أنا شفّاف بكلامي لأنّه كان موجوداً من المسلمين ومن المسيحيين، ومن مختلف أقطار العالم في المؤتمر، كنت أقول إن النص الذي لا ينسجم مع جاذبية الإنسان مفروض أن نضع ملاحظة عليه أو أن نرفضه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: جئت بنص كان وقتها حركة داعش تعمل "العمايل" كما يقال جئتكم بالذبح جئتكم بالذبح نصّ ورد في بعض الكتب المحترمة عند المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: في صحيح البخاري؟

 

أكرم بركات: ورد في مسند أحمد بن حنبل جئتكم بالذبح، قلت أنّه جئتكم بالذبح، هذا النصّ وارد عن النبي صلّى الله عليه وآله بغضّ النظر، ولا أودّ أن أقرأه قراءة سندية، هذا ينسجم مع جاذبية الإنسان للإسلام؟ أنا الآن أدعو إلى إسلام محمّد صلّى الله عليه وآله، أقول لهم النبي محمّد صلّى الله عليه وآله جاءكم بالذبح، هل هذا يكون منطلقاً لدعوة الناس إلى الإسلام؟ أكيد لا. فقلت إنّ هذا الحديث المنظومة الدينية المعرفية ترفضه من دون قراءة في السند، أحد الدكاترة الذين أحترم من تونس قال لي إنّه بحسب الرواية الموجودة هم أغاظوا النبي، وأغاظوه وأغاظوه، فقال لهم جئتكم بالذبح، قلت له بشكل واضح قلت يا دكتورنا العزيز يا شيخنا الكريم أنّه لا نربح الآن، قال لي هو وارد في مسند أحمد بن حنبل، قلت له لا نربح مسند أحمد بن حنبل ونخسر النبي. آخر شيء لدينا عَظَمة النبي الذي يُستهدَف الآن ومنذ فترة عادوا في فرنسا لاستهداف النبي صلّى الله عليه وآله في صورته المُقدّسة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح وفي الدنمارك، وفي السويد، وبالمناسبة هذا الحديث يتعارض جملة وتفصيلًا مع قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

الدكتور أكرم نواصل بُعيد الفاصل من فضلك.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع كيفيّة آلية تقديم الدين للناس وفق منظومة الأنبياء والأوصياء مع الدكتور أكرم بركات. وأذكر في هذا السياق أنّ الدُعاة، والذين عملوا في مجال التبليغ ألّفوا بعض الكتب من وحي تجاربهم من وحي قضايا الناس فتحي يكن رحمة الله عليه كتب كيف ندعو إلى الإسلام، والشيخ محمّد الغزالي كتب"هموم داعية"، ووائل لطفي كتب ولا أقولها بالأجنبية دعاة المحلات، اقرأوها أنتم.

أستاذي العزيز تحدّثت عن خطاب التكفير، وهنا أيضًا عمدة الإشكال، عالمنا العربي والإسلامي من السبعينات تستطيع أن تقول شهد ظاهرة ميلاد فكر العنف وعنف الفكر، فصار الإنسان يقتل باسم الله، وباسم رسوله الشرطي يقتل، الدركي يقتل، كل مَن ينتمي إلى دين مخالف يقتل، حسينية تفجّر، كنيسة تفجّر. هل هذا أيضًا يعود إلى المنظومة الفكرية التي أشرت إليها؟

 

أكرم بركات: بالتأكيد الآن إذا أردنا أن نقرأ ما جرى، وقد جرى مثله في التاريخ. أريد أن أبتعد عن الخلفيات السياسية والأمنية إلخ... نتحدّث بأمر داخلي لأنّه بكثير من الأحيان قد يكون صحيحًا، قد يكون هناك تحريك خارجي اليوم وأمس وأول من أمس.

 

يحيى أبو زكريا: استثمار استثمار.

 

أكرم بركات: بريطانيا تعرف مجتمعنا أكثر من أميركا بشكل جيد جدًا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح صحيح.

 

أكرم بركات: وتعرف كيف تستثمر هذه الأمور وكيف تخلق بعض الأجواء، ولكن من التراث هنا في ربط بالتراث، المشكلة بالفكر التكفيري، المشكلة فيه تكمن بشكل أساسي أنّه قرأ الإسلام قراءة غير إنسانية، قرأه وقرأ الله قراءة أخرى. العمدة الأساسية أنّ الله الآن نلاحظ مثلًا ببعض الأديان حتى لا نتهمّ بأنّنا ضد السامية بعض الأديان نلاحظ أنهم غير أصحاب هذا الدين هم غوييم هم ليسوا ناسًا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح حشرات بلا أرواح.

 

أكرم بركات: هؤلاء خلقهم الله على شكل الإنسان، ولكنّهم ليسوا بناس. هذا الفكر الذي يرى الآخر ليس إنسانًا، هذا طبيعي أن يقتل الأطفال في فلسطين، وأن يقتل النساء والشيوخ، ويفعل ما فعل، ومازال، هذا ينطلق من العمق الفكري، وإن كان جيّره بالطموحات السياسية. المشكلة في بعض الطروحات التي تنتمي إلى الإسلام أنّهم حينما نظروا إلى الله، قيّدوا الله. هذه مشكلة عامة، لكن كل واحد يقيّد بحسبه للأسف للأسف مرة أكون فرضًا مسيحي وأكون أنا مسلم بداخل المذاهب أكون أنا مثلًا كاثوليكي، أو أرثوذوكسي، أو مثلاً من مذهب آخر أو أكون سنّي، أشعري، أو ماتوريدي، أو شيعي إمامي الخ. كل واحد يصير يفكّر أنّ الله سبحانه وتعالى كأنّه والعياذ بالله ينتمي إلى مذهبه، أنا المسيحي عندي الله مسيحي، وأنا المسلم عندي الله مسلم، وأنا السنّي عندي الله سنّي، وأنا شيعي عندي الله شيعي. في بعض الناس يفكّرون أن الله سبحانه وتعالى يقيّدونه بقيودهم.

 

يحيى أبو زكريا: هذه مشكلة كبيرة جدًا جدًا.

 

أكرم بركات: طبعًا طبعًا، ويصبح الآخر كأنّه هو مع غير الله. إذا عدنا نحن إلى القرآن الكريم وقبل الخوض في الأحاديث، شخص رسول الله صلّى الله عليه وآله نلاحظ، كيف عرضه القرآن الكريم، القرآن الكريم لا تذهب نفسك عليهم حسرات، على مَن عليهم الكافرين لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. كلمة بالمؤمنين رؤوف رحيم تعني أنّ ما قبلها لا يخصّ المؤمنين لأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، يعني لقد جاءكم الخطاب ليس للمؤمنين فقط الخطاب يشمل الكافرين. لقد جاءكم أيّها الكافرون رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم حريص عليكم أيها الكافرون، تصوّر أنّ النبي صلّى الله عليه وآله نبيّنا الذي يشاهد جنازة اليهودي فيحزن، يقول له أحد أصحابه، أتحزن على يهودي يؤخذ إلى قبره، فالنبي ينظر إليه أنّها نفس، أنها نفس إنسان.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أكرم هي مدرسة السموّ والرفعة والرقيّ مالك الأشتر عندما آذاه ذلك وتبعه فوجده دخل إلى المسجد ليدعو له ويستغفر له. الحسين وهو يذبح من الوريد إلى الوريد يبكي على قوم يسألونه لِمَ تبكي؟ يقول أنا أبكي عليكم لأنّكم بسببي ستدخلون النار.

 

أكرم بركات: مئة بالمئة، بالله عليك دكتور إذا أردنا الحديث عن التكفير أكثر ما كان يدعو إلى التكفير في التاريخ هو كربلاء هو عاشوراء، ومع ذلك هذه المدرسة لم يصدر منها تكفير مع أنّه قتل الإمام في تلك الصورة مع أهل بيته وأصحابه، ونحن بالعكس كربلاء عالمية، السلام عليك يا ثأر الله.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: ليس هو يا ثأر فئة خاصة، وإنّما ثأر الله، هو ثأر الإنسان، ثأر الإنسانية. نحن نعتقد أنّ الإمام المهدي عليه السلام الذي هو ثار الله كيف يأخذ بثأر الإمام الحسين في كربلاء بتحقيق العدالة الإنسانية لأنّه كان يواجه ذلك الظلم.

 

يحيى أبو زكريا: طبعًا أنا لديّ فكرة هي برسمك الآن، أنا عندما أتابع أحرار اليوم في العصر المعاصر أسمع عن تشي غيفارا، نيلسون مانديلا، جميلة بحيريد، شخصيات كبيرة ألا يحقّ لنا أن نجعل من الحسين بن علي رمزًا عالميًا، رمزًا للإنسانية، وهو لا أحد يفوقه في التضحية والشهادة باعتراف مفكّري أوروبا، ومفكّري البوذية، ومفكّري الاسلام. نتمنّى أن نجعل من هذا الرمز عنوانًا عالميًا ليكون له يوم، ليكون له رمز معين تمحور حوله البشرية. لكن أعود إلى خطاب التكفير دكتور أكرم لأنّه اليوم للأسف من الآثار وإفرازات التكفير انسلاخ الناس عن الدين، مثل حركة الإلحاد في مصر اليوم، وهي قوية، السبب التكفير، خروج الناس من الدين في العراق سببه ما فعلته داعش في نسوة الموصل وغير ذلك. فكلما تتكلّم مع الشباب، وأنت صديق الشباب يتحدّثون عن التكفير أين بديلنا؟ أين إسلامنا الجميل؟ وكيف نقدّمه إذًا؟

 

أكرم بركات: هنا بعدما تحدّثت عن تقديم الله لأنّه هذه النقطة المركزية الأساسية بالنسبة للانطلاق لمخاطبة الجيل الجديد والمجتمع بشكل عام لأنّه حينما نقدّم الله سبحانه وتعالى سيعرفون أنّ هذه الحركات هي منحرفة لأنّها انحرفت عن معرفة الله، فكيف بالسلوك. ولكن أيضًا أريد هنا أن أشدّد، وأؤكّد على مسألة أساسية أنّنا نحن إذا كنّا نؤمن، ونحن نؤمن بأنّ المشروع الإلهي قطعًا سينجح. والمشروع الإلهي هو مشروع العدالة الإنسانية العامة التي تملأ الأرض، وأنّ هذا المشروع سيحقّقه المهدي بحسب نظرة المسلمين. أنا هنا لا بدّ من أن يعتمد خطابي في منظومتي الفكرية على تربية الشباب، وعلى تربية المجتمع ليكونوا قادة في صناعة مجتمع التكامل الإنساني القادم في الصناعة، نلاحظ نحن في دعاء نقرأه لاسيّما في شهر رمضان، اللّهم إنّنا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدُعاة إلى سبيلك، والقادة دُعاة، والقادة تجعلنا فيها من القادة يعني كل واحد منّا. أنا أقول للشباب، كل شاب عليه أن يعدّ نفسه ليكون قائدًا لأنّ هذه المجموعة ربما على مستوى العدد تكون ليست هي الأكبر في العالم، ولكن هذه المجموعة المؤمنة بذلك المشروع، عليها أن تكون مُتقدّمة في جذب غيرها إلى ذلك المشروع، لأنّ ذلك المشروع المعركة التي يتحدّثون فيها بعصر الظهور عصر ظهور المهدي عليه السلام معركة قصيرة جدًا وصغيرة ومساحتها جدًا ضيّقة، وإنّما الجذب الجذب.

 

يحيى أبو زكريا: ستنجز بسرعة إن شاء الله.

 

أكرم بركات: سيكون هناك انجذاب عام للناس حينما يرون ذلك الكمال الأصل عندنا نحن بالناس أنّه عندما نقرأ مثلًا أنّ الإنسان يولَد على الفطرة يعني الإنسان الأصل فيه الخير. أنا صراحة أؤكّد على النظر الإيجابية، وأنا لست مع النظرة عندما أقول للشباب إنّنا نحن عاجزون، نحن لسنا متقدّمين، نحن لا نستطيع أن نفعل لا لا.

 

يحيى أبو زكريا: أعجبتني محاضرة لك ذات يوم عندما تحدّثت عن أهل معصية الله، كيف أنّ الله تعالى يعطيهم مجالات للعودة، وأنّهم إذا عادوا إلى ربهم سيحبّهم الله، والتائب حبيب الله.

 

أكرم بركات: طبعًا.

يحيى أبو زكريا: وبهذا اللحاظ أنت لا تستغني عن أحد، الكل ضرورة في مشروع النهضة العالمية.

 

أكرم بركات: مرة شاب جاءني، وقال لي أنا أصبحت أكره أن أصلّي، وأن أقرأ القرآن، وأن أدخل المسجد قلت له باختصار، هذا أمر يحصل إن كان الشخصي لديه معاصي يعتقد أن الله يبغضه، لكن الله تعالى يقول إن الله يحب التوّابين يحب كثيري التوبة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: سبحان الله أنا وقتها فهمت الآية أكثر فهمتها من العمق، لم يقل إنّ الله يغفر للتوّابين، قال يحبّهم لأنّ الإنسان قد يظنّ أنّه بمعصيته المتكرّرة. الله أصبح يبغضه الله، يطمأنه أنت حبيبي إذا كان الله سبحانه وتعالى يشكّل هذا الجمال وهذا الحب، يعني علينا نحن أن نحب بعضنا، علينا أن نحبّ بعضنا، لكن هنا أودّ أن أؤكّد بناء على السؤال السابق، أنا هنا بإشكالي أنّه حصل إلحاد هنا، وبعد عن الدين هنا المفروض أن يكون خطابي الديني أن يكون متقدمًا لا أن يكون دفاعيًا عن هذا القادم أن يكون متقدّما أنتم أيها الجيل تصنعون التاريخ. الإمام المهدي حركته تصنع من قبلكم، الإمام المهدي ينتظركم لأنه آخر أمر حتى بقراءتنا لعلامات الظهور، وسأتحدّث هنا وهناك كثير من الروايات التي تتحدّث عن علامات الظهور أنّه هناك خرساني، وهناك يماني، وهناك جندي بمصر.

 

يحيى أبو زكريا: والسفياني.

 

أكرم بركات: وهناك السفياني، وهناك أمن بجبل عامل بمنطقتنا أنّ هذه العلامات، هل وجدت لكي تقرأ أنّ سيناريو سيحدث، ونحن كنّا نشاهد فيلماً مثلًا، هذه العلامات إنّما وجدت في كثير منها لكي نصنعها نحن الخرساني، إن هذه البيئة مهيّئة اصنعوا الخرساني، اليماني هذه البيئة المهيئة، اصنعوا اليماني مصر هذه البيئة مهيئة فيها قائد مصري سيأتي. وجبل عامل آمن يعني اصنعوا أمنه، يعني كونوا أقوياء، كونوا مسلحين، كونوا مهابين. إذا كان الأمر هو أنّه المطلوب منّا أن نصنع المستقبل في النهاية، أنا لا أريد جيلًا دفاعيًا، أنا أبنيه جيلًا يصنع المستقبل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: هذه الأمور وأنا أنظر إلى الآخر الذي ذهب إلى الإلحاد، أو إلى مناحٍ أخرى بعيدة عن الدين هذا بسبب عدم فَهْمه للدين.

 

يحيى أبو زكريا: ثمّ هذا يقرّب لنا النظرة القرآنية إنّ إبراهيم كان أمة الشخص عندما يرتقي، ويصل إلى مستوى الإسلام طبعًا لا ينزل الإسلام إلى مستواه، هو يرقى إلى مستوى الإسلام ليرتقي ونحن عندما ارتقينا إلى مستوى الإسلام فتحنا العالم. وعندما نزلنا الإسلام إلى مستوانا اجتاحنا العالم؟

 

أكرم بركات: صحيح بخطاب دكتور، مرة كنت في الجامعة الأميركية في بيروت كنت أعرض الله الله والعقل في أحد الإخوة الطلاب المسيحيين، كان يحضر وتعرف الجامعة الأميركية مختلطة فحينما انتهيت من المحاضرة التي كانت مع أسئلة حوالى ساعتين نزلت، فتقدّم إليّ قال لي إني دخلت إلى هذه القاعة ملحدًا، والآن أصبحت مؤمنًا بالله.

 

يحيى أبو زكريا: الله الله.

 

أكرم بركات: ما هو السبب؟ قال لي أنا لا أعرف، أن الله هيك وكثر من الناس أنا لديذ كثير من الحوارات مع الملحدين.

 

يحيى أبو زكريا: أنا طبعًا دعني هنا أشكرك، وأحيّيك على هذا التعاطي مع الشباب، وعندما أرى الشباب يحبّونك ويقدمون عليك وتقدّم لهم أملًا وفكرًا إسلاميًا صحيحًا أقول الأمّة فيها رجال، وفيها كل الخير. بالعودة إلى خطاب الله تأمّل معي دكتور أكرم الله عندما خلق الوردة خلق الصفراء والبنفسجية والبيضاء والحمراء، وخلق كونًا متعدّدًا هو ليرشدنا أنّ التنوّع ضرورة في الحياة. ليس بالضرورة أن تكون مثلي، لكن لنلتقي في الفكرة التكاملية الشاملة الحضارية.

 

أكرم بركات: أنا من هنا أؤكّد على أنّنا علينا أن نتربّى على ثقافة الاختلاف، نحن مثلًا الآن المسلمون من أهل السنّة هم قبلوا أنّ الأشعري من أهل السنّة والماتوردي من أهل السنّة بغضّ النظر عن نقاشهم حول السلفية كما حصل في مؤتمر غروزني. وأيضًا قبلوا أنّ المذاهب الأربعة كلّهم من المسلمين من أهل السنّة الشيعة، عندهم حركة اختلاف بين المراجع بغضّ النظر عن ضيقها، أو وسعها.

يحيى أبو زكريا: أو الأخباريين والأصوليين؟

 

أكرم بركات: المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية، ومع ذلك قبلوا أنّ هؤلاء كلّهم من المسلمين من الشيعة، وخاصة في مدرسة أهل البيت هناك مسألة يقولون إنّه توصف هذه المدرسة بالمخطئة، المجتهد قد يخطئ، ومع ذلك أنا أتعامل معه على أساس ما يصل إليه بظاهره بإيجابية. إذا كان الأمر كذلك نحن علينا أن نتقبّل بعضنا، أنا حتى في أمر بالخطاب ليس فقط بالإسلام القرآن الكريم طرح الدين الإسلامي وطرح الملّة ملّة إبراهيم التي تضمّ الأديان التوحيدية، وفي النهاية أنا عندي أهل الكتاب أميّزهم عن غيرهم بشكل واضح، وهذا يجب أن ينعكس بالتربية الاجتماعية. إذا كان كذلك أنا دائمًا أقول إنّه إذا الآن أتحدّث مع أب مسيحي أتحاور معه عليّ أن ألتفت أنّ من يسمعني أنا أشكّل عليه بشكل قاسٍ من دون أن أتفهّم، وأنطلق من ثقافة الاختلاف، وأتحدّث بشكل موزون على القواعد أنّه إذا كنت أثير بعض الإشكالات، وهو يثير بعض الإشكالات، ويرى الآخر هذا الحوار الصاخب، هذا قد يؤدّي للخروج عن المسيحية وعن الإسلام. وأنا كمسلم حينما أكون في حوار مع مسلم آخر من مذهب آخر، عليّ ان ألتفت أنّه إذا حواري إذا لم ينطلق من المشتركات، وأكون متحدّثاً بشكل موضوعي متقبّلًا للاختلاف هذا الآخر الذي يرى خلافي ليس اختلافي الذي يرى هذا الخلاف قد يخرج عن مذهبي وعن مذهبه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: علينا أن ننطلق من المشتركات حفاظًا على الناس، أنا عندما أنظر إلى هذا الشخص الآخر أنا أنظر إليه كإنسان، أنّي أحبه حتى لو كان الآخر مختلفًا معي، ولكن أنا أقول الله سبحانه وتعالى الواحد إذا أراد فَهْمه بشكل مُصغّر يفهمه من الأب والأمّ، أنا الآن إبني حتى لو صار منحرفًا على المستوى الفكري، أو على المستوى السلوكي يبقى إبني يمكن إذا أخطأت أنا، وقلت له اذهب من البيت عندما يخرج من البيت أتصل بصديقه أقول له دخيلك أرجوك خذه إلى بيتك، هذا إبني. الله سبحانه وتعالى حينما ينظر إلى الناس. النبي صلّى الله عليه وآله علّمنا الخلق، وليس الناس حتى الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله، يعني العائلة البشرية هي عائلة الله.

 

يحيى أبو زكريا: وتجد المولى عزّ وجلّ يرزق الكافِر الذي يسبّه، الذي يتهجّم عليه.

 

أكرم بركات: أنظر إيجابيات جمال دعاء رجب، يا مَن يعطي الكثير بالقليل يا مَن يعطي مَن سأله يا مَن يعطي مَن لم يسأله ومَن لم يعرفه تحنّنا منه ورحمة. آتي أنا ببخل نفسي أتعاطى مع الله كأنّه هو والعياذ بالله ليس بذلك الكرم.

 

يحيى أبو زكريا: مشكلة التكفيريين، الله تعالى واجد الوجود أوجد الإنسان وفي نفس اللحظة أعدمه هذا ما يريدون قوله. أيُعقل المولى عزّ وجلّ عندما خلق الإنسان تباهى تبارك الله أحسن الخالقين، أيعقل بعد هذا التبارك والتباهي بخلقه يأمر بقتله. وهنا دعني أعود إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام هنالك ضابط في مدرسة أهل البيت، وربما هذا ما عصمها من الدخول في فتنة التكفير اليوم. إنّ شرط الفقاهة التقوى العدالة، إذا الفقيه اقترف خطأ سلام على فقاهتك وتزعمك للمسلمين وعلى مرجعيتك، فهذه العدالة ضبطت ذهاب الفقيه إلى الدنيا وبيع الفتاوى للسلاطين. فمدرسة أهل البيت عملاقة وكبيرة جدًا، ولا يمكن الحديث عنها في ثوانٍ. 

لماذا أسيء تقديمها؟ نحن عندما نرى مَن يقدّم أو المتكلّم باسم أهل البيت في منابر عاشورائية، في منابر إسلامية أخرى، لم نرقَ إلى مستوى المشروع المتكامل لأهل البيت؟

 

أكرم بركات: أولًا بالنسبة للمشهد العام المشهد متنوّع، المشهد في بعض أو الكثير من المنابر الذين يقدّمون فكر أهل البيت عليهم السلام بشكل إيجابي لأنّه دعنا نرى الناحية الإيجابية إلى درجة أنّ الإمام الخميني قدّس سرّه، قال كل ما عندنا من مجالس عاشوراء، ليس من عاشوراء، هذه المجالس نحن نعرف حتى بالمقاومة في لبنان المقاومة أنتجت من خلال هذا المنبر المنبر الحسيني.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أكرم بركات: إذًا ننظر لتقديم هذه المدرسة في كثير من الجوانب فيه تقديم إيجابي لهذه المدرسة. نعم كما في كل مدرسة.

 

يحيى أبو زكريا: أنا أريد تقييمًا على صعيد العالم العربي والإسلامي؟

 

أكرم بركات: بشكل عام أقول أنا عادة لديّ نظرة أن نركّز قليلًا على الإيجابي قيل للذين اتقوا، ماذا أنزل ربّكم؟ قالوا خيرًا. ما رأيت إلا جميلًا، أنا أقول إنّنا إذا أردنا النهوض بجيل الشباب بالمجتمع نحو الأمام، علينا أن نضع فيه الأمل. أعجبتني جدًا مقدّمتكم عندما تحدّثتم عن التنمية الإسلامية، الحضارة الإسلامية التي سوف تتحقّق، وقطعًا سوف تتحقّق، هذا أمل مفروض أن نجعله في الشباب.

 

يحيى أبو زكريا: يقينًا.

 

أكرم بركات: أنا عادة أقول هل نحن مثلًا صفحة سوداء عليها نقاط بيضاء؟ أو صفحة بيضاء عليها نقاط سوداء؟ لا أنا أقول نحن صفحة بيضاء عليها نقاط سوداء، يمكن بالاستحقاق يلاحظ مثلًا عندنا نحن في مجتمعنا اللبناني يمكن أن يأتي شخص ويقول لك هذا المجتمع لديه سلبيات، ولأنّنا نحن تربّينا أنّ الله سبحانه وتعالى ليس جميلًا ومحبًا، ونضيقه أثّر علينا في نظرتنا السلبية للمجتمع، وأصبحنا أنظر نشرات الأخبار، أنا أتمنّى بنشرة الأخبار بكل محطاتنا أن يكون الخبر الأول أن يكون البروفيسور الفلاني نال جائزة كذا لأنّه قدّم هذا للبشرية هذا العمل يدفع الواحد ليكون لديه بعض الأمل. أيها هذا الشاكي وما بك داء، كيف تغدو إذا غدوت عليلًا، إنّ  شر النفوس نفس يؤوس يتمنّى قبل الرحيل الرحيلا، ويرى الشوك في الورود ويعمى أن يرى الندى فوقها إكليلا.

دعونا نرى الندى، هذه المجالس هذه المنابر فيها إيجابيات. نعم هناك مشكلة، لدينا أنّه صحيح المدرسة الإخبارية شبه انتهت على المستوى الفكري، ولكن كان لها رواسب مازالت إلى الآن في قراءة الدين.

الإمام الخميني الله قدّست روحه، السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر، الشهيد مطهري، السيّد بهشتي، حتى غيرهم السيّد موسى الصدر، السيّد شرف الدين السيّد محسن الأمين حتى غيرهم من العلماء الكبار، نلاحظ أنّهم أرادوا أن ينشروا منظومة الدين المنظومة، وأن ينشروا ما هي المعايير لقراءة النصّ الديني. كم أخذ مدى نحن عادة عندما نوصف المشهد ونحلّله أيضًا علينا أن نرى كيف نقدّم حلولًا له، الآن لدينا في الفترة الأخيرة وفي بعض مؤسّساتنا التبليغية في معاهد أسّست للمُبلّغين.

على مستوى تقديم المنظومة الدينية وحتى على مستوى الأسلوب لأنه حتى عندنا في مشكلة بهذا الجيل أنّ هذا الجيل الكثير منه، وربما أكثره جامعي وفي الجامعات يدرسون المناهج المشكلة أنّه في بعض الأحيان يقدّم الدين فتاوى. الآن الفتاوى يمكن أن يأخذ الكثير منها عبر غوغل، يستطيع  الواحد أن يستغني، لدينا نحن الآن في مؤسّساتنا الثقافية لدينا برامج فُقهية أنا أعطيك برنامجاً تسأله السؤال يشعّب لك الاحتمالات وتصل إلى الفتوى التي تريد ببرنامج برنامج كومبيوتري.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح الحاسوب صار مجتهدًا.

أكرم بركات: الحاسوب.

 

يحيى أبو زكريا: صار مُستنبطًا. 

أكرم بركات: ذاكرة مجتهد فيه، أو نتائج المجتهد فيه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، أنا في الدقيقة الأخيرة شيخ أكرم.

 

أكرم بركات: أودّ القول أنا أدعو نفسي، وأدعو المُبلّغين والدُعاة إلى التركيز على المنهج، وليس على تقديم الفتاوى بضيقها وإن كانت هناك حاجة للفتاوى، ولكن أن يقدّم منهج للشباب. الجيل اليوم بحاجة إلى المنهج والمنهج هو الذي يمنع التكفير.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح وطبعًا في هذه المدرسة الكثير من النماذج المُتألّقة وعلى رأسها الدكتور أحمد الوائلي رحمة الله عليه، وهنالك كثر وإنّ مدرسة أنتجت هذا الفكر لا يمكن إلا أن تقدّم رجالًا كبارًا أيضًا.

الدكتور أكرم بركات شكرًا جزيلًا لك، أمتعتنا، وفي حلقات مقبلة أخرى نتابع البحث إن شاء الله.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه..