العمارة التراثية في بيروت

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، تستحقّ بيروت وقفاتٍ معها، وقفات غير الشعر والنوستالجيا والغناء على أهميّتها، فالمدينة نُكبِت كثيراً منذ أن شبّت عن أسوارها لتصبح مدينةً بهيّةً على شرق المتوسّط، مدينةٌ تكبر كل أسبوع حتى باتت على تخوم الاختناق، مدينةٌ بطرازاتٍ كثيرة جارت عليها حروب غريبة وحروب الأهل وصولاً إلى تفجير مرفئها الذي أطاح أكثر من ثلثها القديم. المهندسة المعمارية منى الحلاق تنشط وتعمل وتسعى منذ عشرين عاماً للحفاظ على تراث بيروت وبيوتها الأثرية، تعمل على أنّ هذا الأمر قضية كبرى، وهي تُلمّ بتفاصيل المدينة وبالانتهاكات التي طالت حجارتها وتعمل على وقفها، سنحاورها عن المدينة التي أحبّت ونحبّ، وعمّا حصل فيها، وعن الدمار الذي طال بهاء الكثير من بيوتها في العمارة والروح، وكيف يُعاد ألَقها ولكن بعد تقريرٍ عن بيوت بيروت. 

تقرير:

بيروت مدينة غنيّةٌ بإرثها المعماري المرتبط بتاريخها وبالتحوّلات الاجتماعية فيها وتحديداً خلال القرنين التاسع عشر والعشرين اللذيْن أثّرا في تصميم بيروت المدينة وهندستها. 

قبيل القرن التاسع عشر كانت بيوت بيروت داخل سور المدينة تقليدية، قديمة، مُربّعة الشكل، جدرانها صمّاء حفاظاً على الخصوصية، والطبقة الأرضية قبوٌ يُستَخدم مربِطاً للخيل أو دكاكين ومخازن، والفناء الداخلي فسحةٌ مفتوحةٌ على السماء في وسطها بركة ماء وحُجرات مُتفاوتة الاستخدامات من دون شرفات ونوافذ.

في أربعينات القرن التاسع عشر ظهر نموذجٌ سُمّي بالدار تمثّل بقفل الفناء الداخلي السماوي وسقفه بالقرميد، وظهرت النوافذ والأباجورات، وصارت للبيوت واجهاتٌ من ثلاث قناطر تتضمّن زخارف من الخشب المخروط بأشكال نباتية وزجاج ملّون وأعمدةٍ رخامية، وبلغ عدد طبقات المباني ثلاثاً وأربعاً، كما ظهرت القصور الفخمة مُتأثرةً بالعمارة الباروكية، وانتشر الأثاث الأوروبي الكلاسيكي والتحف النادرة وبدأ استخدام العمارة الكلاسيكية.

مطلع القرن العشرين لم يتجاوز عدد طبقات أبنية بيروت الأربع طبقات أغلبها وسط المدينة، ولم تظهر الأبنية المرتفعة إلا في مطلع الأربعينات حيث أرست حُقبة الانتداب الفرنسي قاعدة العمارة الحديثة المرتفعة والخالية من الشرفات والمُخصّصة للأنشطة الاقتصادية ومنها بناية سرسق والعسيلي، ثم بدأت الأبنية الإسمنتية ذات الارتفاع العامودي بالانتشار في كل الاتجاهات، وازدادت العمارة بُعيد انتهاء الحرب الأهلية، وفُقدت مواقع تاريخية مع بقاء عددٍ من المباني التراثية يظهر فيها الطراز المعماري التقليدي. 

غسان الشامي: تحيّةً لكم، شكراً أستاذة منى على مشاركتنا، سأبدأ حتى آخذ كل الوقت معكِ لأن الأمر فعلاً بعد ما حصل في المدينة مؤلم، أولاً ما هي شروط تصنيف هذه العمارة تراثية أو غير تراثية؟ 

منى الحلاق: أيّ مبنى يحمل تاريخ المدينة في أيّ منحى من نواحيه، ليس بالضرورة أن يكون معمارياً بل من ناحية اجتماعية، اقتصادية، كان هناك مكان مُعيّن، كان هناك شخص مُعيّن يعيش فيه، كانت هناك مناسبة مُعيّنة استُعمل هذا المبنى من أجله، الناس تُخطئ حين تقول إن التراث هو مبنى جميل فيه عناصر تراثية لأن التراث ذو معنى أشمل، معناه إنساني، معناه روح المدينة بكل معانيها والخطأ الأكبر الذي نقع فيه جميعنا هو أن نفكّر بأن التراث هو عمارة جميلة، وهذا الأمر غير صحيح. 

غسان الشامي: منذ متى بدأ تضرُّر العمارة التراثية البيروتية برأيك؟

منى الحلاق: منذ أن أصبح المال أهم من الذاكرة ومن الهوية، وهذا الأمر لم يتغيّر، برأيي أنه منذ ما قبل الحرب اللبنانية، هو ليس وليد الحرب إنما وليد العقلية اللبنانية المُبدعة بتفرّدها. 

غسان الشامي: كيف؟ 

منى الحلاق: نحن نحبّ أن نُبدع كأفراد وليس كمجتمع، نحبّ أن نحلّق كأفراد وليس كمجتمع، حين نتخطّى المصلحة الفردية، حين لا نتطلّع إلى مصلحة الجميع، مصلحة العامّة، ونتطلّع إلى مصلحتنا الشخصية لذا فالأمر مستحيل، التراث هو ذو منفعة عامة، هو جزء من كيان المدينة للجميع، لبنان لم يكن أبداً جماعة منذ ما قبل الاستقلال وبعده وحتّى اليوم، نحن لم نكن أبداً مجموعة، ونحن نتغنّى بطوائفنا وبمذاهبنا وباختلافنا ولكن اختلافنا حقيقي، نحن مختلفون لدرجة التفرّد. 

غسان الشامي: جماعات غير مجموعات، معنى ذلك أننا أمام طُرُز كثيرة، بيت بمنازل كثيرة كما قال كمال صليبي.

منى الحلاق: صحيح، العمارة هي تعبير عن المجتمع بكامل جوانبه، تعبير عن كيف تعيش وماذا تأكل وما هي المواد المُحيطة بك، وكيف هو الطقس، أين تشرق الشمس وأين تغرب، والنباتات التي تنمو لأن جزءاً من العمارة هو الحديقة أمام المنزل والعصفور الذي يزقزق على الشجرة والناس المقيمين في هذا البيت. 

غسان الشامي: لقد قتلواهذا العصفور.

منى الحلاق: تماماً، لذلك نحن لا نتحدَّث عن مبانٍ تراثية وإنما عن تجمّعات تراثية، البيت وحده هو بيت متحفي تحافظ عليه كمتحف أو كشيء جميل تضعه في خزانتك، ولكن حين تريد أن تحافظ على التراث فأنت تحافظ على تجمّعٍ تراثي لأن البيت وحده لا يتكلّم، البيت يتحدّث مع جاره ومع حديقته ومع الشارع الذي هو فيه ومع تراجعه عن الشارع ومع الباب المفتوح أو المقفل في سوره الحجري، ومع الناس الذين يعيشون فيه، الرجل وزوجته اللذان يحتسيان القهوة على الشرفة، الأمر الذي بات من المستحيل أن تراه بل على العكس يُغلقون الشرفات بالزجاج. 

غسان الشامي: يحيطونه بالستائر ويحجبون عنه الهواء والشمس.

منى الحلاق:العمارة التي تحترم نفسها هي التي تحترم محيطها وطقسها وناسها وليست التي تأتي بأيٍّ كان إلى المدينة.

غسان الشامي: سيّدتي بهذا العمل كيف يمكن توصيف العمارة في بيروت تراثياً؟ أيّ طُرُزٍ موجودة فيها؟ 

منى الحلاق: سأختصر كثيراً، العمارة بدأت في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً حين ازدهر مرفأ بيروت وبدأت بيروت تصبح مدينة معروفةً بمعنى أنها أصبحت مفتوحة على التجارة، وبدأ ما يُسمّى بالبيت اللبناني المُكوّن من طابقين في أسفله غالباً عقد وفوقه ثلاث قناطر وفوقه قرميد، هناك طُرُز كثيرة ومواد جاءت من الخارج، رخام هذه البيوت كان من إيطاليا، القرميد من مرسيليا، خشب القطران الذي يُصنع منه القرميد من تركيا، فكلّ حياتنا هي محطّ للآخر الذي نستوعبه ويصبح لنا، فهذا البيت الذي سُمّي البيت اللبناني هو موجود أصلاً في فلسطين، في الأردن، وأهم ما فيه هو كيفيّة تقسيمه لأنه يعتمد على طريقة الحياة المشرقية التي هي العائلة الممتدة أو الموسّعة، نحن نموذج أبوي، هناك بهوٌ وسطي، دائماً تفتح الباب على الدار أو البهو الوسطي ومنه توزّع إلى باقي الغرف، لا يوجد موزّع، وهذا الأمر شرقي، وقبل ذلك كانت هناك الساحة الوسطية التي نراها كثيراً في الشام التي تُفتح على بقيّة الغرف.

غسان الشامي: يُسمّونها "أرض الديار".

منى الحلاق: صحيح وتتوسّطها نافورة وأشجار، نحن تطوّرنا وأخذنا هذا النمط بكثرة حتّى أصبح يُسمّى بالبيت اللبناني.

غسان الشامي: إسمحي لي بأمر، كتب المستشرق جيز الذي كان هنا في العام 1840، كانت بيروت مدينة صغيرة داخل الأسوار، يصفها ويصف عاداتها وتقاليدها ولكنّه يصفها وكأنها مدينة مُنكفئة على نفسها، لا أحد يعلم ما بداخل هذه البيوت، هل كان هذا طرازاً لبنانياً أو مشرقياً؟  

منى الحلاق: مشرقي بالطبع، حينما تذهب إلى فلسطين وسوريا والأردن وتركيا ستجد أن كل البيوت هي عبارة عن أرض الديار وحين تفتح الباب لا تعرف ماذا يوجد خلفه، جزء من حياتنا حيث للسيّدات حرمة الحرملك، ألا يُرين، هناك أيضاً العناصر المعمارية مثل المندلونات التي بإمكان السيّدات أن ينظرن من خلالها إلى الخارج من دون أن يراهنّ أحد، فهذا جزء من عمارتنا المشرقية بامتياز، نحن أجرينا عليها نوعاً من العولمة لأننا اخذنا قليلاً من إيطاليا، من تركيا ومن المدن الأخرى وخلقنا هذا النموذج الذي هو البيت اللبناني والذي بقي سارياً حتى أوائل العشرينات إلى حين دخول الإسمنت المُسلّح إلى العمارة.

غسان الشامي: دعيني أسألكِ هنا إذا استطعنا التحقيب، هل العمارة في نهاية الفترة العثمانية كان لها شكل معيّن؟

منى الحلاق: سقف البيت اللبناني كان سابقاً بلا قرميد حتى في المدن، حين بدأ البرجوازيون ببناء بيوتهم خارج الأسوار بدأنا نرى هذه البيوت خارج أسوار المدينة أو ما يُعرّف بوسط بيروت اليوم، بدأت هذه البيوت العريقة مثل بسترس، اليافي.

غسان الشامي: قصر الداعوق.

منى الحلاق: طبعاً، كل هذه القصور لأصحاب العائلات العريقة التي ذهبت خارج الأسوار لأنها مُقتدرة ولا تريد أن تبقى في ضجّة المدينة وأسواق المدينة التي بدأت تستقطب من هبّ ودبّ إلى بيروت. بعد تطوُّر الأساليب المعمارية ومجيء الانتداب الفرنسي بدأت الحقبة الجديدة التي تصادفت مع الإسمنت المُسلّح الذي سمح بأن يكون البناء مؤلّفاً من أربعة طوابق متراكمة فوق بعضها.  

غسان الشامي: يعني في فترة الانتداب الفرنسي جاءنا الباطون المُسلّح؟ 

منى الحلاق: منذ منتصف العشرينات بدأ استعمال الباطون المُسلّح فاسُتعمل ولكن بقي توزيع البهو الوسطي نفسه وكأنهم أبقوا على بيت القرميد ووضعوه فوق بعضه ووضعوا درجاً من الباطون بينهما، ولأننا مشرقيون ونحبّ الشمس والجلوس خارج المنزل، في بيوت القرميد لم يكن من السهل إنشاء الشُرفات الكبيرة لأن الشرفة كانت عبارة عن قطعة رخام من متر وعشرين سنتيمتراً. 

غسان الشامي: بالتعبير الفرنسي "بلكونات". 

منى الحلاق: نعم ولكنها صغيرة بالعمق لأنه لا مجال للامتداد بها عمرانياً نحو الخارج، ولكن عندما أصبح هناك باطون ووضعنا الأعمدة هناك مَن أضاف إلى بيته القرميد ما نسمّيه "فرندا" التي هي عبارة عن هذا "البلكون" المُربّع الكبير الذي يقوم على أعمدة تساوي نصف مساحة الدار لأن الحياة خارج المنزل تمتدّ إلى تسعة أو عشرة أشهر من الشمس، فالعمارة هي انطلاقاً من هذا. بدأ بعد ذلك ما يُسمّى بالمباني الصفراء التي هي مباني الانتداب ولونها أصفر، هناك بعض المباني التي جرى تلوينها بالأحمر مثل موريس بيريز في البطركية حيث هناك سلسلة من المباني ذات اللون الأحمر، مثل شارع مي زيادة ولكن العلّو كان أربعة طوابق.

غسان الشامي: ولكن هذا كان قراراً أيضاً. 

منى الحلاق: لا يجب أن يتجاوز الواحد والعشرين متراً، وبسبب توافر الإسمنت المُسلّح أصبح هناك تطوّر في العمارة ولم يعد هناك ضرورة لحفر الحجارة يدوياً ولم يعد من الضروري أن تكون الدرابزين الحديدية مصنوعة يدوياً، صرنا نصبّ الدرابزين بالباطون، ولم تعد العناصر الزخرفية مصنوعة من أحجار منحوتة يدوياً بل أصبحت توضع في قوالب وتُصبّ بالباطون، لذلك ال "آرتديكو" المستورَد من أوروبا أصبح موجوداً بكثرة في واجهات الأبنية. 

غسان الشامي: وفي الفَرش، وأصبح هناك أكثر من مشغل مهمّ في بيروت لل"آرتديكو". 

منى الحلاق: طبعاً ولأنه لدينا هذه الكوزموبوليتانية كان لدينا هذا التطعيم في جميع الأمور التي استطعنا إدخالها في عمارتنا إلى حين الوصول إلى الحداثة حين بدأ البيت يتغيّر من الداخل. 

غسان الشامي: هذا بعد الاستقلال مثلاً؟

منى الحلاق: كلا قبل ذلك، من الثلاثينات إلى الأربعينات كان بالتوازي هناك بيوت لا تزال تلحق البهو الوسطي وبدأت فكرة إلغائه والتوجّه نحو حياة أكثر حداثة، فبدأنا ندخل إلى موزّع يوزّع على ثلاث مناطق: منطقة الاستقبال، منطقة النوم، ومنطقة الخدمة، بدأ التفكير غير الاجتماعي، أريد حريّتي في النوم، ورويداً رويداً حتى منتصف الأربعينات حيث أصبح هو النمط السائد، وأصبح من المُستغرب أن تجد بهواً وسطياً.

غسان الشامي: البعض يقول إن هذا الباطون المُسلّح وحش.

منى الحلاق: بالعكس الباطون المُسلّح هو مادة نبيلة مثلها مثل الحجر.

غسان الشامي: أنا قلت ما يقوله البعض إن هذه غابات من الباطون المُسلّح، ما علاقتها بالمكان والسكان؟ الآن في مدينة مثل بيروت عمارات مرتفعة، برج المرّ مثلاً ما علاقته بالمكان والسكان؟ 

منى الحلاق: الباطون أو الإسمنت المُسلّح هو مادة بإمكانك أن تسيء أو تُحسن استعمالها مثل برج المرّ، كانت هناك فكرة أبراج التجارة العالمية كما هي الحال في دبي، أول برج للتجارة العالمية في دبي يشبه برج المرّ وأصغر بقليل، كانوا سعداء بإمكانية الارتفاع بالعمارة التي خسرت حميميّتها، هذه الثورة الصناعية وأننا بإمكاننا أن نكون مُتقدّمين باستعمال المادة ولكن الباطون هو مادة نبيلة مثلها مثل الحجر، وهي دليل على وقتها، يستحيل في القرن العشرين أن تستعمل الحجر كما كنتَ تستعمله في القرن التاسع عشر، كما استُعمل الحجر في القرن التاسع عشر في بناء هذه البيوت أصبح هناك مادة جديدة تمكّنك من الارتفاع أكثر والإطلال على البحر حتى ولو كنتَ في منطقة بعيدة عن البحر، تمكّنك من أن تتنفّس وتُنير بيتك بشكل أكبر لأن البيوت المُنخفضة العلوّ تحجب النور عن بعضها. 

غسان الشامي: لو تسمحي أن تشرحي لنا المكمن التراثي للباطون المُسلّح أستاذة حلاق. 

منى الحلاق: التراث هو ما يعبّر عن المجتمع بوقته، أنا حزنتُ على مباني وادي أبو جميل كما حزنت على أوتيل الكارلتون الذي هُدم منذ فترة قصيرة لأن له لغة حديثة في واجهاته وفي تصميمه المعماري رغم أنه مصنوع من الباطون، هناك مواد أصبحت تحتوي على الموزاييك المُلوّن، وأحياناً تجد واجهات الأبنية المقفلة في الخمسينات والستينات كلّها من الموزاييك المُلّون، تجد لغةً معمارية مُجرّدة.

غسان الشامي: ولكن هذا نوع من الزُخرف، هو جزء من الإرث الماضي لنا.

منى الحلاق: كما أن هناك نحتاً بالحجر في بيوتنا التراثية هناك أيضاً نحت في طريقة تركيب الباطون، في طريقة تركيب حديد الدرابزين، في طريقة المُسطحّات وتداخُلها، أصبح هناك تجريد للعمارة ولم تعد الزخرفة ضرورية. إذا نظرتَ إلى بناية الشمس في الروشة هي مجموعة من المُسطّحات المُلوّنة بالأحمر والأصفر والأزرق ولكنها تركيبة حديثة وكأنها لوحة تُرجِمت إلى مبنى. لا يمكننا القول إن هذا ليس فناً، هذا فن معماري يتبع الفن المعماري الحديث.

غسان الشامي: دعيني أسألك في نهاية هذا المحور أستاذة ما الضَرَر الذي لحق بالعمارة البيروتية الصرف بعد انفجار مرفأ بيروت؟ 

منى الحلاق: الضرر الأول الذي لحق ببيروت هو الحرب وما تبعها من إعادة إعمار وسط بيروت وهذا يجب أن نقوله، وسط بيروت جرّد المدينة من هويّتها المعمارية التراثية رغم أنه رمّم شوارع بكاملها. 

غسان الشامي: يعني كل وسط المدينة "الداون تاون" إساءة للنسيج المعماري البيروتي؟ 

منى الحلاق: إساءة للنسيج التراثي البيروتي لأن التراث هو أن تُبقي الناس في أماكنها وليس أن تُخلي البيوت وترمّمها وتأتي بغرباء، الغرباء قد يكونوا لبنانيين ولكن غرباء عنها، هناك فَرْق بين أن يكون جدّ أحدهم لديه محل في سوق الطويلة وبين مَن استأجر حديثاً فيه. 

غسان الشامي: أو أيّ بيروتي يذهب لشراء الزجاج من سوق المعرض.

منى الحلاق: تماماً، هناك فرق شاسع في الاستعمال وفي روح هذا المكان. الضَرَر الثاني كان هو الرأسمالية وهجمة التطوير العقاري التي بدأت مع مشروع سوليدير واستمرّ لأن الناس وجدوا منفعتهم المادية في البناء حتى على حساب الأبنية التراثية، حيث يجري هدم كل أربع أو خمس أبنية ويتمّ إنشاء برج مكانها.   

غسان الشامي: يعني أصبح هناك عملية تهديم للإرث لبناء شيءٍ جديد لا علاقة له بالمدينة.

منى الحلاق: له علاقة بالمدينة ولكن لا يجب أن يكون على حساب الإرث القديم لأن المدينة فيها مكان لكل شيء، الفرق هو في التنظيم، المشكلة أنه ليس لدينا تنظيم مُدني حقيقي في مدينة بيروت وليس لدينا حتى اليوم قانون لحماية الأبنية التراثية في لبنان كلّه وليس فقط في بيروت، لا زلنا نطبّق القرار الصادر منذ عهد الانتداب الفرنسي الذي يحمي مباني ما قبل 1700 والتي هي آثار وليست تراثاً، ويسمح بإدخال مبانٍ على لائحة الجرد إذا ارتأى وزير الثقافة ويتضمّن شروطاً شبه تعجيزية لإدخال عدد كبير من المباني. سألتني عن انفجار مرفأ بيروت، نحن المحافظون على التراث بعد أن خسرنا وسط بيروت فكّرنا بالمرحلة الثانية وهي كيف نحمي المنطقة المحيطة بها، فجرّبنا أن نقترح تصنيف الإطار حول وسط بيروت لأربع مناطق هي: القنطاري عين المريسة، الباشورة زقاق البلاط، الأشرفية، وسرسق الجمّيزة، هذا الإطار كان متماسكاً بعد الحرب وحاولنا أن نحميه ولم نستطع، للأسف عين المريسة والقنطاري انتهتا ولم يتبقّ سوى بضعة بيوت لأن الهجمة العمرانية عليها كانت ضخمة لأنها مُطلّة على البحر. زقاق البلاط الباشورة هناك الكثير من المشاكل في مالكيها لأنها منطقة فقيرة ولم تستطع إظهار أهميّتها المعمارية، الانفجار طال التجمّعيْن الأهم والأكثر تماسكاً وهما الأشرفية، الجمّيزة، سرسق، مار مخايل. 

غسان الشامي: سيّدتي سنذهب إلى فاصل ونعود، انتظرونا، سنتكلّم عن بيروت الإرث الحضاري.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، أستاذة منى أنا أعلم أنك تحبّين العلاقة بين هذه العمارة والروح الإنسانية، لذلك سأسألكِ كيف تقرئين الجانب الروحي والاجتماعي في العمارة التراثية البيروتية؟ 

منى الحلاق: سأجيبك بما نراه اليوم على الأرض، حينما أدخل إلى بيت مهدّم كلياً لا توجد فيه أية نافذة أو باب أو بلاط أو قرميد أو "تكنة" وصاحبه لا يمتلك المال لوضع النايلون ليحمي نفسه في مار مخايل، ويقول لي بعد أن أصبتُ في الانفجار ذهبت إلى الصيدلية لأجلب ما أضمّد به جراحي، يأتيني أحدهم ويقول لي يا عمّ ماذا تريد من هذا البيت أنا مستعدّ أن أعطيك شقة صغيرة وبعد بضعة أسابيع نتناقش في كيفية شراء بيتك، هو يقول لي أنا وُلِدتُ في هذا البيت وربّيت أولادي فيه وأريد أن يتربّى أحفادي فيه هل بإمكانكِ أن تساعديني في ترميمه، أنا لا أريد أن أبيعه. 

غسان الشامي: هل بإمكانكم مساعدة هؤلاء؟ 

منى الحلاق: بالطبع نحن نساعدهم، وهم مَن نساعدهم أولاً لأن هذا هو روح العمارة، لا قيمة للمبنى من دون هذا الشخص، وجود هذا الشخص هو كالحجر في البيت، حين أخلي المبنى وأحوّله إلى مطعم أكون قد حافظت على قشرته، عندما يكلّمني هكذا شخص فأسبذل كلّ ما بوسعي لأعيده إلى منزله. لا أعرف إذا كانت هذه الإجابة على سؤالك، روح العمارة هي في ناسها وذكرياتهم التي صنعت المدينة عن طريق حياتهم في هذه البيوت.

غسان الشامي: ولكن سيّدتي أنتِ تعلمين أن العمارة من دون العلائق الاجتماعية هي هيكل، هل فقدنا العلائق الاجتماعية في لبنان حتى أهملنا كل هذه العمارة؟ 

منى الحلاق: نحن نفقدها لأن العمارة أيضاً تساعد إما في بناء العلائق الاجتماعية وإما في هدمها، ما يعمّر يخلق لك المكان الذي تعمل وتعيش وتتطوّر فيه، إذا كانت عمارتك تحثّك على الانعزال فستصبح انعزالياً، وإذا كانت تحثّك على الاختلاط فستصبح إنساناً يحبّ الاختلاط. إذا صمّمتُ عمارتي بطريقة تجعل الناس تتلاقى وهذا جزء مما نتعلّمه في كيفيّة التصميم، إذا أردتَ أن تصمّم كي يتخالط الناس فسيتخالطون، أما إذا صمّمتَ مبنىً شرفته لا تطلّ على الناس وإنما على مكانٍ مفتوح، العمارة القديمة لم تكن هكذا وإنما كانت مبنية على مُخالطة الناس لبعضهم البعض، فمن واجبنا كمعماريين أن نعيد هذا الأمر حتى ولو بنينا أبراجاً، البرج لا يعني أنك لا تستطيع بناء أبراج في المدينة تخلق علاقات على الأقل على المستوى الأرضي، هناك فرق بين أن تبني برجاً مفتوحاً للناس وبين أن تحيطه بسورٍ وكاميرات وتضع له حارساً، المشكلة ليست في المادة أو العلوّ وإنما في المعاملة المعمارية، وهذا هو الفرق بين معماريين عالميين يبنون أبنية فيها روح وتداخُل وبين معماريين يعملون فقط لأجل إنهاء مشروعهم أو لإرضاء مالك أو لإرضاء عقليّة معيّنة في المدينة.

غسان الشامي: أنتِ كنتِ صريحة عندما ذكرتِ ما حصل في سوليدير، في وسط هذه المدينة، كيف أصبحت جافة وباردة وإلى حدّ كبير متصحّرة بمعنى من المعاني، العمارة الحديثة الآن وعلاقتها بالمجتمع اللبناني أين تكمُن هذه العلاقة الاجتماعية؟ هل هذه الأماكن بُنيت للبناني الآن في بيروت؟ هل بيروت للمواطن اللبناني بطريقةٍ أو بأخرى؟ 

منى الحلاق: إذا كنتَ تتحدّث عن وسط بيروت بالتأكيد لا والدليل أنه لم يُسمح للقلّة القليلة ممّن كانوا يرغبون باسترجاع أبنيتهم بذلك، ووُضعت شروطٌ تعجيزية لاسترجاع الناس لأبنيتهم في الوقت الذي كانوا قد خرجوا فيه من الحرب ولا يمتلكون الإمكانية أو القدرة على إعادة ترميم مبانيهم بالمستوى العالي الذي وضعته سوليدير. سوليدير بالنسبة لي في تخطيطها هي مشروع مدينة بامتياز، مَن استعمل ما يُسمّى بنقل عامل الاستثمار أي أنه حافظ على جزء من المدينة بالمقياس الجميل الذي هو مقايس الانتداب الموجود حتّى في وادي أبو جميل بمقياس الأبنية التراثية ذات الكثافة المنخفضة، ونقَل هذا الاستثمار إلى الأماكن التي وضع فيها هذه الأبراج. ما يُسمّى بنقل عامل الاستثمار هو أملنا الوحيد والمطروح في القانون الذي قدّمه طارق متري في العام 2007 ولاحقاً مع الأستاذ روني عريجي في العام 2017، نحن نريد قانوناً يعطي مالك الأبنية التراثية جزءاً من التعويض المادي ليتمكّن من المحافظة على هذا المبنى المكوّن من طابقين والذي يمكن بناء عشر طبقات مكانه. في هذا الإطار كانت سوليدير تجربة تبرهن هذا الانتقال ولكن الجانب الاجتماعي الروحي فُقِد تماماً، حينما تمشي في وسط بيروت هل تجد رجلاً مُسنّاً؟ أتمنّى أن أرى مُعمّراً في هذا المكان، لا يوجد، روح المكان خُلعت، أعطي مثالاً عن بركة العنتبلي أعيد إعمارها كما هي في سوق الطويلة، وسُمّيت الساحة بساحة العنتبلي، عندما جاء حفيد العنتبلي نفسه وأراد أن يستأجر في هذا المكان طلبوا منه مبلغاً مخيفاً، فقال لهم لا يمكنني ولكن هذه ساحتي، هذه نافورتي، قال له إذا لم يكن بإمكانك ان تدفع فلن تستأجر، استأجر ستّة محلات في الأسفل وتمّ تأجير الساحة لمطعم فرنسي إسمه باليما على ما أعتقد، بركة العنتبلي كان يأكل حولها الناس طعاماً فرنسياً لأنه لديهم القدرة على الدفع، بينما لو كنت أنا مديرةً لسوليديركنت سأعيد الناس التي تعطي الروح لهذه المدينة، وكنت قد طلبتُ من العنتبلي أن يعود مجاناً إلى مكانه ليعيد لي فكرة ارتباط الماضي بالحاضر، بيعوا كل المحلات ما عدا العنتبلي، ال "غراند تياتر" لماذا لم يصبح مسرح بيروت؟ بناية الأوبرا الوحيدة التي بقيت صامدة بعد هدم الريفولي ومبنى البوليس العثماني، مبنى الأوبرا الذي هو مثال عظيم على العمارة الحديثة لماذا لم يتقدّم ليكون مركز السينما اللبنانية؟ لماذا تمّ تأجيره إلى "فيرجن ميجاستور" ووُضعت عليه فراشة حمراء في افتتاحه لمدة عشرين عاماً. أنا أتحدّث عن خمسة مشاريع كان من الممكن أن تعيد للمدينة اعتبارها المعنوي والروحي، وبيعوا كل ما تبقّى واجنوا الأموال ولكن اتركوا ما يُثبت أنكم احترمتم هويّة هذه المدينة بالقليل، أنا لا أقول نوستالجيا، لا أقول أعيدوا المدينة كما كانت.  

غسان الشامي: لماذا لم يفعلوا هذا برأيك؟

منى الحلاق: لأنه ليس لديهم اعتبار سوى للمادة وأنا مسؤولة عن كلامي. 

غسان الشامي: أم لأنهم غير مرتبطين ببيروت بطريقة أو بأخرى؟

منى الحلاق: ارتباطهم هو بالمادة، هل يُعقل أن تُهدم سينما ريفولي لفتح ساحة الشهداء على البحر؟ هي لم تعد ساحة بالأصل، الساحة يجب أن يكون لها أربعة جوانب، أزالوا مبنى الريفولي بالديناميت ثلاث مرات لأنه لم يكن يعاني من أية مشكلة في بنائه وكان مَعلماً، كيف يُقال ساحة الشهداء من دون أنن تذكّر مبنى الريفولي، لماذا فتحناها على البحر؟ لماذا لم نتركها ساحة لنا؟ اليوم هي موقف سيارات، ساحة الشهداء هي أهم مكان في الجمهورية اللبنانية يضمّ أهم تمثال لمَن ضحّوا كي نستقلّ، شُنقوا وضحّوا بحياتهم من أجلنا، هذا المكان ينبت فيه الشوك خلال الصيف لأنه تحوّل إلى موقف للسيارات بدلاً من أن يكون قلب المدينة، هو خط التماس. 

غسان الشامي: وإلى جانبه ساحة الزهور أيضاً.

منى الحلاق: تماماً ساحة الدبّاس، له رمزيّته، هو الخط الذي فصل المدينة عن بعضها لمدة 15 سنة، إذا كنتُ مديرة مشروع وسط بيروت فأوّل ما سأفعله هو أن أزرع ساحة الشهداء بالأشجار وأضع المقاعد وأدعو الناس للتلاقي والحوار.

غسان الشامي: لقد أجبتني على ما كنت أودّ أن أسالكِ عنه في هذا الحوار المُمتع والشيّق والمؤلِم والمؤذي نفسياً. 

منى الحلاق: في العام 1993 درستُ الماجستير في إيطاليا وهي السنة الوحيدة التي تركت لبنان فيها، أنا عشت الحرب وما بعدها والحروب الأخرى، في العام 1993 حاولنا أن نحارب سوليديرمع عاصم سلام وجاد تابت وجورج قرم ولم نفلح لأننا كنّا قلّة قليلة والناس كانت تريد أن تتخلّص من النفايات ومن الكلاب الضالّة ولم يأخذوا في حسبانهم أبعاد هذا المشروع للمستقبل. فشلنا بلا شك، حين سافرتُ لدراسة الماجستير أرسلوا لي صوَر الدمار، رأيت المدينة وهي تتهدّم، في أيلول سبتمبر 1994 عدتُ وأوّل ما فعلته هو أنني نزلت إلى ساحة الشهداء التي كانت قد انتهت، حتى التمثال كان قد أزيل بغرض ترميمه، كان هناك مبنى الأوبرا ومبنى التأمين ذو القبّة الخضراء وكنتَ ترى البحر مدىً مفتوحاً، صحراء، مسطّح رملي لا متناه حتى مبنى بول الذي هو حالياً مبنى الجمّيزة. أنا مهندسة معمارية يعني لديّ الكثير من الإحساس بالمكان، فقدتُّ إحساسي، بدأت أفكّر أين كانت ساحة الشهداء، كل شيء ضاع، كان هناك إثنان من البلدوزر والصورة موجودة في أرشيف النهار يمشيان يميناً ويساراً يمهّدان الأرض. 

غسان الشامي: "عم يكزدروا".

منى الحلاق: بالفعل مثل "الليغو" و"الماتش بوكس"، ذهبتُ وقلتُ لمَن يقودا البلدوزر ماذا تفعلان لم يعد هنالك شيء، لا رمل ولا حجارة، فقالا لي نحن نحضّر لاحتفالية إعادة الإعمار للسيّدة فيروز، كنتُ قد نويت ألا أحضرها ولكنني حضرت لأن فيروز أيقونتنا تُستعمل لإعادة إعمار الدمار، الأمر كان مُخيفاً، فقرّرت أن أمشي على الخط الأخضر وكانت الأشجار لا تزال تسكن الأبنية والمهجّرون كانوا يحتلّون هذه الأبنية، كان الدمار لا يزال موجوداً ورائحة الحرب لم تكن قد زالت في العام 1994، في ذلك اليوم اكتشفت بيت بركات وأصرّيت أن انتقامي للمدينة هو من بيت بركات. 

غسان الشامي: سآتي إلى بيت بركات، أنتِ عدّدتِ جزءاً من الأخطاء التي ارتُكبت بعد 1990، هل هذه الأخطاء يمكن إصلاحها بعد ما حصل في هذه المدينة يا سيّدتي؟  

منى الحلاق: أنا إنسانة مُتفائلة والدليل أنني منذ 30 عاماً لم أتخلّ عن تفاؤلي بإعادة الروح إلى المدينة، ولكن من دون قانون ومن دون وزراء ثقافة مسؤولين عن إعادة إحياء ثقافة هذا البلد لا نستطيع أن نفعل شيئاً، وسنظلّ مثل الكشافة، أبي رحمه الله كان يقول لي لا تقفزي مثل الكشافة كلّما رأيتِ مبنى يُهدَم، يمكننا أن نوقِف هدم مبنى أو إثنين ولكن لا يمكننا أن نوقِف هدم مدينة، ولكن ما حصل في انفجار بيروت بعد الحزن والصدمة قلت إنه ربّما يكون هذا أملنا الأخير لنرى كم دمّرنا هذه المدينة وربما يجمعنا لنعيد إعمارها لأنه خلال الخمسين عاماً التي عشتها بنظري كان هذا أسوأ ما مرّت به المدينة على مستوى الدمار التراثي الذي لا يُعوّض، وربّما ما نقوم به الآن مع المديرية العامة للآثار يدلّ على أن هناك أملاً، وربّما نستطيع أن نقول للناس إننا نستحق أن نعيش مجدّداً. ما من بلدٍ في العالم بعد سبعة أسابيع على انفجار بهذه الضخامة يستطيع أن يُلملم جراحاته وتُعيد محلاته فتح أبوابها من دون أيّ دعم مالي سواء من جهة رسمية لبنانية أو أجنبية، ليس هناك سوى وعود من الجهات المانحة بشرط تأليف الحكومة ليساعدونا، ولكننا وقفنا على أقدامنا، نحن شعب يستحقّ الحياة لأننا نفعل ما لا يفعله أحد، في نفس الوقت أشعر أن مقاومتنا وصمودنا قد يكونا سيفاً ذا حدّين لأننا كلّما وقعنا نقف مجدّداً ونكمل ونكون حاضرين للسقطة التالية. 

غسان الشامي: أنا أحترم هذا التفاؤل ولكنك مثلاً مررتِ على أنه يجب أن نأتي بوزير ثقافة، أنتِ تعلمين أنه من بعد العام 1990 حتى اليوم وربما قبل ذلك يأتون بوزراء ثقافة للقول إن على هذا الكرسي في مجلس الوزراء وزير للثقافة، على الرغم من أنه في بلدانٍ أخرى يأتون بوزراء ثقافة على مستوى عالٍ من الفَهْم والمعرفة، هل المشكلة فقط هي إدارة حكومية أم أن جزءاً من الشعب في لبنان لم يعد يهمّه هذا التراث أو هذا الإرث أو أنه غير متمسّك فيه؟ هل شعبنا متمسّك بهذا التراث؟ 

منى الحلاق: مرّ بضعة وزراء ثقافة يستحقّون هذا المنصب ولم يستطيعوا أن يعملوا كما يجب لأنهم مُكبّلون بأمورٍ أخرى، ولكن ما من بلد في العالم تُترك فيه الحرية لشعبه يُبقي على منزل من طبقتين إذا كان بإمكانه أن يبني عشر طبقات لأن هذه أنانية إنسانية. في باريس مثلاً لو لم يكن هناك قانون يحمي الأبنية التراثية في وسط باريس لكان حصل فيها ما حصل في لبنان، مثلها مثل قانون السير إذا لم تفرض الغرامة فإنه سيخالف لأن هذه غريزة بشرية، نريد البقاء للأقوى ونسعى خلف المال.

غسان الشامي: نريد أن نمدّ أيدينا على الحق العام.

منى الحلاق: لا يوجد حق عام، عندما لا يُحفَظ الحق العام فسيصبح غير موجود، الحق العام ليس فكرة أو تمنٍّ، الحق العام لا يضمنه إلا القوانين وعدم وجود القوانين وتسيّب القوانين الموجودة وعدم الالتزام بالقوانين غير المُتسيّبة، كل هذا يؤدّي إلى ألا يكون لدينا أي نوع من الاحترام للأماكن العامة. هناك حديقة في الكرنتينا بقيت مقفلة لثلاث سنوات بسبب الخوف من تداخل جنسيات أخرى أو الخوف من فتحها أمام العامة خشية تخريبها. حرش بيروت بقي مقفلاً طيلة عشرين عاماً خشيةً من إتلافه، إذا لم يكن لديك المجال لاستعمال مكانٍ عام فلن يكون لديك ثقافة المكان العام، افتحه وحين يخطئ أحدهم اضربه على يده واجبره على دفع الغرامة، إذا رمى أحدهم ورقة ودفع غرامة فإنه لن يعيدها مرة ثانية. بالطبع اللوم على الناس ولكنها لن تبادر من تلقاء نفسها، على سبيل المثال إذا لم تفرض على الشخص أن يفرز نفايات منزله فلن يفرز، هناك عشرة في المئة سيلتزمون بالأمر لأن لديهم حسٌّ مديني وبيئي ولكن حين يكون هناك قانون فسيُجبر الجميع على الفرز، الناس في أوروبا يفرزون بسبب وجود القانون، جميعهم يلتزمون بالحق العام بسبب وجود القانون.

غسان الشامي: سيّدتي حصل هذا الدمار الذي قلتِ إنه لا مثيل له ولكن بهذا الدمارعندما كنت أتجوّل لم أرَ إلا الزجاج القاتل، أغلب الشهداء قضوا جرّاء الزجاج وأغلب الجرحى، الزجاج في الشارع وفي البيوت، ما علاقة بيروت بثقافة الزجاج هذا؟ 

منى الحلاق: نحن المعماريون لا نلقي بالتهمة على المادة، الزجاج هو أيضاً مادة نبيلة إذا أُحسِن استخدامه.

غسان الشامي: مدينة جميلة على البحر وإلى ما هنالك في ظل الحرّ.

منى الحلاق: تماماً ولكن إساءة استعماله، أنا عشت في دبي لفترة بسيطة، كيف يمكن لمدينة تغطيها الشمس أن تبني فيها أبنية زجاجية، هذا هدر لكل شيء وهو أمر غير إنساني أيضاً، الأمر نفسه في لبنان، بيروت مدينة مشمسة متوسّطية، عمارتنا التراثية تحتوي على فتحات وجدران وليست زجاجية بالكامل. بالطبع تدخُّل العمارة الغربية واستيرادها من دون وضعها في إطارها المحلي هو الذي يخلق هذه المشاكل. تعقيباً على حديثك أتخيّل أحياناً أنه لو حدث زلزال لا سمح الله في مبانينا وفي مدننا حين يهبط المبنى سيكون كومة من الزجاج والألمنيوم لا هوية لها، لا يمكنك أن تعيد تركيبها.

غسان الشامي: سابقاً كانت تُهدم الحجارة ومن الحجارة يُعاد الترميم.

منى الحلاق: نحن في البيوت التراثية نبحث عن نثرة الخشب والحجارة لأننا من المادة نعيد التركيب لأن فيها روح مَن بناها ومشغولة يدوياً ولها مقياس إنساني، نحن وإن كنا نريد ذلك لا نستطيع أن نمنع تطوّر العمارة الحديثة، ولكن برأيي أن هوية العمارة الحديثة المُدمّرة غير موجودة.  

غسان الشامي: أي أنه ليس بإمكانكِ من دمار العمارة الحديثة أن تُعيدي البناء.

منى الحلاق: لا يمكنك حتى أن تستشفّ ماذا كانت. لقد ساعدتُ في تجميع الردم من دمار بيروت، مدينة بيروت المُدمّرة اليوم هي عبارة عن جبلين من الزجاج والردم في أرض بالكرنتينا، جبل لا يقلّ علوّه عن تسعة أمتار بمساحة خمسة آلاف متر مربّع لا نعرف من أين أتى.  

غسان الشامي: لا يمكنني أن أنهي الحلقة من دون أن أسألكِ عن تجربة بناء بركات أو البيت الأصفر أو بيت بيروت، هذه التجربة كان هناك مَن دعمها ولقد تعبتم من أجل اقتناصها تضرّرت أيضاً في الانفجار الأخير، هذه التجربة كيف يمكن لها أن تذهب قُدماً عندما يُراد إحياء هذه المدينة؟

منى الحلاق: أهمية بناية بركات أنها تلخّص تاريخ المدينة ما قبل الحرب لأن هندستها طليعية، هذا الفراغ الوسطي فيها الذي يفتح المبنى على المدينة بطريقة لا مثيل لها في أي مبنى آخر في المدينة، مهندسها يوسف بيك أفتيموس وهو مهندس الغراند تياتر وساعة السراي وقصر الصنوبر، وهو من أوائل المهندسين الذين يجب أن نحتفي بتراثهم، تختصر تاريخ بيروت خلال الحرب لأن الأقدار شاءت أن يكون هذا المبنى على خطّ التماس وأن يُستعمل كموقع متقدّم للمليشيات التي كانت على أحد جوانبه مقابل مبنى في الجهة المقابلة، ولا تزال آثار مَن استعملوا هذا المبنى موجودة، المتاريس لا تزال موجودة بحرفيّتها والتي استغلّت شفافية العمارة، المهندس صمّمها بطريقة بحيث ترى المدينة من خلال غرفتها الأخيرة، المقاتل جلس في الغرفة الأخيرة واستعملها للقنص وإطلاق النار على المدينة، فكان هناك هذا التلاحُم بين عين مهندس أحبّ المدينة وعين مقاتل كره المدينة وحاول أن يقتلها، وأيضاً تلخّص صراعنا للإبقاء على الذاكرة وعلى الهوية. منذ 27 عاماً وحتى اليوم لم يتحوّل بيت بيروت إلى متحف، لم يصبح مبنىً عاماً، لا يزال يُفتح ويُقفل من دون رؤية ثقافية، بيت بيروت يصبح بيتاً لبيروت حين تتمكّن أنت كإنسان من حيثما جئتَ أن تتعرّف على مدينتك من خلاله كمتحف لذاكرة المدينة، والذاكرة ليست ذاكرة الماضي، نحن اليوم خلقنا ذاكرة انفجار 4 آب، ذاكرة المدينة التي نخلقها كل يوم والتي يجب أن تكون تفاعلية مع الناس وليست شيئاً جامداً، وإن شاء الله سنُكمل فيه.

غسان الشامي: أنا آمل معكِ أن يتدحرج هذا الأمل.

منى الحلاق: إن شاء الله.

غسان الشامي: أعزائي لا عراقة ولا تحضّر من دون ملامح تراثٍ وعمارةٍ توحي لك وللزائر بهويّةٍ ما، نحن أشطر الناس في ازدراء القديم وصولاً إلى تدميره ثم البكاء عليه، هل من صحوةٍ هوياتية حضارية؟ شكري للأستاذة منى الحلاق على إضافتها، شكري لزملائي في البرنامج على جهدهم، أيامكم حضارةٌ وبهاء، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم، شكراً.

منى الحلاق: شكراً لك..