الإسلام في أبعاده الحضارية والإنسانية

درجت المركزية الغربية و قادتها على التهجم المتواصل على الإسلام دينا و حضارة فكرا و ثقافة ,...ألاف التصريحات لقادة الغرب الأطلسي الذين بدأوا يرفعون أصواتهم تنديدا بالإسلام الذي شكل الهوية الحضارية للأمة العربية و الإسلامية.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

درجت بعض المركزية الغربية وقادتها على التهجّم المتواصل على الإسلام دينًا، وحضارةً، وفكرًا، وثقافة. من غلادستون رئيس الحكومة البريطانية السابق الذي قال ما دام هذا القرآن موجودًا في أيادي المسلمين، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، إلى ما قاله الرئيس الفرنسي إيمنويل ماكرون أنّ الإسلام دين يعيش أزمة اليوم في جميع أنحاء العالم، وآلاف التصريحات لقادة الغرب الأطلسي الذين بدأوا يرفعون أصواتهم تنديدًا بالإسلام الذي شكّل الهوية الحضارية للأمّة العربية والإسلامية. هذه التصريحات التي أثارت الأزهر الشريف الذي ردّ على ماكرون من خلال شيخه الدكتور أحمد الطيب الذي اعتبر تصريحات ماكرون عنصرية لا تمثّل الحقيقة.

والإسلام في مراحل نموّه وامتداده ارتبط بالتحضّر والفكر والثقافة والسلام والتسامُح. وفي الثُلث الأخير من القرن الماضي وبدايات القرن الحالي أُريد ربطه بالقتل والإرهاب والاعتداء والاختطاف، وتمّ تجريده من كل القِيَم الحضارية التي كرَّسها هو في الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية. وإنسانية الإسلام وحضارته أقرّ بها كلّ عُلماء العرب والمسلمين، وحتى علماء الغرب حيث أصبح الإسلام وحضارته موضوعاً رئيسياً لمراكز الأبحاث والدراسات، ورجال الفكر والثقافة، والتنظير في الغرب. ولا يمضي يوم إلاّ وتعرض دور النشر الغربية عناوين عن الإسلام وتفاصيل واقعه السياسي والاجتماعي والثقافي والجغرافي والتاريخي. وهذه الحيوية التي يعتبر الإسلام عنواناً لها جعلت الكثير من الغربيين من المستويات العليا يتحوّلون إلى الإسلام كما فعل الفيلسوف السويدي هوغال لارشون الذي أعلن عن إسلامه في السويد. ويقول المؤرّخ أرنولد تويمبي إنّ الإسلام قد أعاد تأكيد وحدانية الله في مقابل تخلّي المسيحية الواضح عن هذه الحقيقة. والإسلام تجسّدت قوّته في ذلك المبدأ الذي حمله الرسول، وهو إسلام النفس لله وحده، وأنّه لم ينتشر بفعل القوّة المادية، إنّما بفعل خصائصه الذاتية. فلماذا يتحامل بعض القادة الغربيين على الإسلام، ويسعون لتجريده من أبعاده الحضارية والإنسانية؟ وهو الذي ما فتئ علماؤه ومفكّروه يؤكّدون أنّ الإرهاب فعل مخالف للفطرة والأنسنة والدينية، والإسلام دين سلام.

"الإسلام في أبعاده الحضارية والإنسانية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من سلطنة عُمان الشيخ الأستاذ بدر بن سالم بن حمدان العبري كاتب وباحث في الشؤون الإسلامية، وهو أيضًا عُماني مهتّم بالجانب الثقافي والإنساني. ومن مصر الشيخ الدكتور منصور مندور من علماء الأزهر الشريف. ومن الجزائر الدكتور نور الدين باكيس الأستاذ في عِلم الاجتماع في جامعة الجزائر.

مشاهدينا أهلاً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور لماذا ثار الأزهر على تصريحات الرئيس الفرنسي؟ وربما هي المرّة الأولى التي ينتفض فيها شيخ الأزهر ضد تصريحات ماكرون ضد الإسلام، أقول ضد الإسلام، وليس المسلمين، وليس الفعل الإرهابي في العالم العربي والإسلامي.

 

منصور مندور: الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد.

بدايةّ أؤكّد أنّ الأزهر دائمًا يقظٌ على حراسة هذا الدين عقيدة، وشريعة، وأخلاقًا. الأزهر من أول تأسيسه، أي منذ أكثر من 1060 عاماً، والأزهر حريص على حماية هذا الدين، وحماية المسلمين، وأتباع هذا الدين في كل مكان طالما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. لكن دعني بداية أقول لك إنّ السر وراء هذه الحملة الشعواء على الإسلام وعلى المسلمين هي معروفة والقرآن المجيد قد سطّرها في أربع آيات آيتين مكرّرتين في سورة التوبة، وفي سورة الصف، يقول سبحانه وتعالى: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون". نفس الآيتين تكرّرتا في سورة الصف، لكن بصغية مختلفة: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون"، ثم ذكر الآية الثانية التي جاءت في سورة التوبة.

هذا للتأكيد على أمرين: الأمر الأول، هو المحاولات العديدة والعابثة والفاشلة لهؤلاء الذين هم أعداء  الإنسانية وأعداء الدين محاولين في كل تصريحاتهم وفي كل أقوالهم وفي كل تدبيراتهم وفي كل مكرهم أن يزيلوا هذا الدين، وكما ذكرت في المقدّمة أنّ هذا الدين لم ينتشر بالقوّة، ولم ينتشر بالسيف كما يزعمون، وإنّما انتشر بقِيَمه وأخلاقه ومبادئه وقواعده وأصوله، ولأنه دين الفطرة الدين الذي ارتضاه الله عزّ وجلّ لخلقه، ولعباده، وللناس جميعًا. فكون الناس قد انحرفت فطرتهم، أو زاغت بصيرتهم عن طريق الحق، هذا يعود عليهم أنّهم لم يفهموا هذا الدين ولم يعرفوا حقيقته.

النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يؤكّد أنّ هذا الدين سينتشر حتى حذّر، إسمع لهذا الحديث العجيب تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أومن قلّة نحن يا رسول الله، قال لا بل أنتم يوم إذن كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من قلوب عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوَهن.

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور إذاً هذا الموقف العام، وانطلقت من القرآن الكريم لتوصيف حال الذين حملوا ويحملون على الإسلام. دعنا نفهم من الدكتور نور الدين باكيس خلفية هذا التصريح ولماذا الآن؟

دكتور نور الدين أنتم الجزائريون أدرى الناس بالفرنسيين، وقد حاربتموهم، وجاهدتموهم لمدة 132 سنة، ما هي خلفية تصريح الرئيس الفرنسي؟ ومن بعد عِلم الاجتماع لماذا الآن؟ عِلمًا أنّ فرنسا فيها سبعة ملايين مسلم يحملون الجنسية الفرنسية، وهم من أصول مغاربية وعربية إسلامية.

 

نور الدين باكيس: أولاً تحية لكم ولقناتكم، ولكل مشاهديكم. أعتقد أنّ التصريح الآن قد يحمل عدّة خلفيات. الخلفية الرئيسية هي الحملة الانتخابية وهي لمحاولة جلب أكبر قدر ممكن من الوعاء الانتخابي اليميني أو الأقرب إلى اليميني، لكن هناك خلفيات أخرى أعتقد أنّه من الممكن أن نقول أنّ هناك خلفيات مجتمعية، وخلفيات حضارية لأنّ فرنسا تعاني مُعاناة شديدة من خلال التحوّلات الحاصلة داخل المجتمع، ولأنّه أحببنا أمْ كرهنا هناك نوع من خطابين، هناك خطاب نتحدَّث به من منطلق فكري ونناقش المسألة فكرياً، لكن على مستوى واقعي أعتقد أنّ هناك معادلة تصبّ في صالح المنظومة الغربية، الآخر الذي تفوّق تفوّقاً شديداً لدرجة أنّه أصبح يجلب غالبيّة الشباب العربي إلى بيئته ليتعايشوا هناك لأنّهم يعتقدون جازمين بأنّ هناك حياة أفضل، وهناك ترقية أفضل. لكن هؤلاء المسلمين عندما ينتقلون إلى المجتمعات الغربية لا ينتجون نفس النموذج السابق، نموذج المهاجر البسيط الذي لا يفكّر، والمهاجر الذي يُهاجِر لوحده، ثمّ يفكّر فقط في إرسال أموال لعائلته. نوعية المهاجر اليوم تغيّرت، أصبح مهاجراً يقرأ، ويريد ترقية اجتماعية داخل البلد الذي هاجر إليه، وأصبح يناقش القوانين، وأصبح يحمل نوعاً من المشروع. 

بالتالي، تغيّر نموط المهاجر، ونوعية المهاجر أصبحت تشكّل نوعاً من الجاليات التي قد تشكّل عند هؤلاء نوعًا من الخطورة على أساس إذا أخذنا مثالاً عن فرنسا، فقط فرنسا السنة الماضية من مجموع 700000 مولود هناك 60 بالمئة 420000 مولود بطريقة خارج عقود الزواج، ليست هناك علاقات زواج رسمية ولا قانونية، وبالتالي عندما تجد مجتمعاً ينهار أخلاقياً، صحيح أنّه متفوّق ماديًا، ومتفوّق إداريًا لأنّ الغرب استيقن أنّ تفوّقه المضمون في حدّه الأدنى أن يحارب الفساد الإداري، وأن يحارب الفساد المالي. لكن لا يمتلك القدرة على محاربة الفساد الأخلاقي الذي يؤدّي إلى تفكّك المجتمع، وعندما تتزايد أعداد الجاليات من البلاد الإسلامية هرباً من الفقر، وهرباً من الظلم، ومن الاستبداد، ومن الموت. لكنّها تتحوّل بعد فترة البحث عن الحياة، تتحوّل إلى فترة البحث عن المشروع، وعن إنتاج ذاتها داخل تلك المجتمعات. هنا يحدث الخطر الحقيقي على المجتمعات لأنّ المجتمعات الغربية ليست لديها الحصانة الكافية كي تحافظ على مشروعها المجتمعي، وتجد نفسها تتدحرج نسبيًا أمام مشروع آخر، مشروع غريب، مشروع آخر، لكنّه يتقدّم كل الإحصائيات، تتحدّث عن أنّ عدد المسلمين يتزايد حتى طبيعة التديّن الإسلامي مقارنة بالمسيحية وغيرها هو أقرب للالتزام. نحن ليس لدينا مثلاً في ثقافتنا المتديّن المسلم، غير الملتزم قليل جدًا. ما يحدث هذا، لكنّنا نجد مسيحياً لا يُطبّق المسيحية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نور الدين، وكأنّك تؤكّد ما قاله روجي غارودي رحمة الله عليه "وعود الإسلام" عندما قال إنّ أوروبا على موعد مع الإسلام. دعني أنتقل إلى مسقط، إلى سلطنة عُمان لأسأل الشيخ بدر. شيخ بدر كثيرًا ما ندَّد علماء الإسلام بالإرهاب، ولم يعتبروا الإرهاب من الإسلام في شيء، بل إنّ المسلم لا يمكن أن يؤذي الحيوان والجماد، ناهيك عن الإنسان. لماذا في كل مرّة يُستحضر الإرهاب ويُلصق بالإسلام؟ لماذا درج الغرب على لصق الإرهاب بالإسلام في كل مرة؟ هل هنالك تحامل على الإسلام في بُعده الإنساني والحضاري؟

 

بدر العبري: أشكرك دكتور يحيى أبو زكريا على هذه الاستضافة في هذا البرنامج القيّم، ولضيوفك الكرام.

بالنسبة لمُصطلح الإرهاب، هو كسائر المُصطلحات مُصطلح ظرفي بطبيعة الحال قد استخدم إيجاباً في القرآن الكريم بمعنى القوّة العلمية والصحية والعسكرية، بينما القرآن استخدم مُصطلحات أخرى سلبية كالفساد، والحرابة، والبغي، فهناك في الحقيقة توجد إشكالية في المصطلح، وتوجد أيضًا إشكالية في مَن يحدّد المُصطلح. فإذا قلنا أنّ المُصطلح ظرفي بطبيعة الحال سيتغيّر من المفهوم أو من الدلالة الإيجابية إلى الدلالة السلبية التي هي موجودة، أو تُستخدم بصورة اليوم. وبطبيعة الحال إنّ جميع الأديان لا علاقة لها بالإرهاب في أصل نصوصها، بأصلها الأديان عندما اشترعت أو جاءت من قِبَل الله سبحانه وتعالى لأنّها في الحقيقة مرتبطة بخدمة الماهية الإنسانية. لا يمكن لهذه الأديان أن تكون سبباً في هلاك، وفي فساد، وفي دمار هذا الجانب الإنساني. ولكن الإشكالية الأخرى التي استخدمت فيها مُصطلح الإرهاب هنا، هو الجانب السياسي بطبيعة الحال استخدمه الساسة الغربيون عندما كان هناك ما يُسمّى بالمدّ الاشتراكي، والمدّ اليساري والقومي وغير ذلك. وتمّ استخدام الصحوة الإسلامية بداية من ما يُسمّى بالإلحاد ضدّ هذه الجهات، ثمّ بعد ذلك أيضاً تطرّق الأمر إلى الجهاد الإسلامي، واستخدم ذلك ضدّ الاتحاد السوفياتي، وعندما سقط هذا الاتحاد للقضاء على هذه القوّة أو الصحوة الناعمة، تمّ استخدام الإرهاب، وتمّ إلصاقه بالإسلام. 

وبطبيعة الحال لم يكن يستخدم فقط هؤلاء الساسة الغربيون، بل تمّ تصديره إلى المجتمع الإسلامي، وقد سمّى العديد من الحكومات الاستبدادية العربية للأسف أيضًا تستخدم نفس المُصطلح في قمع أيضًا التيارات الموجودة في العديد من البلدان العربية والبلدان الإسلامية، وإلا الإسلام كغيره من الأديان لا علاقة لهم بالإرهاب بهذا المفهوم السلبي لأنّ جميع هذه الأديان جاءت لإحياء الإسلام وللحفاظ على هذا الإنسان، ولتحقيق ما يتعلّق بالكرامة الإنسانية، والتي نصّ عليها الله سبحانه وتعالى في كتابه، ونصّت عليها جميع الأديان. وباستخدام هذا الأمر وإلصاقه بالإسلام هو استخدام سياسي بلا شكّ، وقد تمّ تفعيل واستغلال بعض السلوكيات السلبية الموجودة طبعًا عند بعض التيارات الإسلامية، وإلصاقها بالإسلام، وهنا نأتي إلى إشكالية أخرى مهمة، وهي ضرورة التفريق ما بين أصل الدين وما بين التديّن. الدين شيء، والتديّن في الحقيقة شيء آخر لأنّ التديّن هناك يفضي إلى عوامل أخرى سلبية عند المسلمين، أو عند المسيحيين، أو عند اليهود، أو غير ذلك. ولكن الأديان بأصل نصوصها براء منها، وبراء ممّا يُسمّى بالإرهاب عمومًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور، لكن قبل هذا التصريح كان هناك لقاء بين الدكتور أحمد الطيب والبابا فرانسيس، وتمّ تدشين خطوة حوار الحضارات واحترام الديانات، ولكن يبدو أنّ المؤسّسات السياسية في الغرب لا تحترم المؤسّسات الدينية نهائيًا، فراحت تُطلق تصريحات بدءًا بماكرون وحتى الرئيس الأميركي الذي تحدَّث عن إرهاب الإسلام في حدّ ذاته. ما الذي يجب علينا أن نفعله؟ حتى أقلاً لا نقول نعيد للإسلام ألقه لأنّ الإسلام مُتألّق برغم ضعف المسلمين. لكن ما الذي يجب علينا أن نفعله لتصحيح هذه المفاهيم ولعدم تكريسها في المشهد الدولي؟

 

منصور مندور: الحقيقة ذكّرتني بقول الشيخ الغزالي رحمه الله عندما قال إنّ الإسلام قضية ناجحة، لكنها وقعت في يد محامٍ فاشل. الحقيقة أنّ المسلمين لا يقومون بدورهم كما ينبغي للدفاع عن هذا الدين، وعلماء الدين يبنون، والساسة كما هو بطبيعة الحال على مرّ التاريخ يهدمون. إن كان الدين في صفّهم ومع سياستهم رفعوا من شأنه، وإن عارضهم الدين كما هي العادة يحاولون إخفاءه، ناهيك عن قضية أخرى وهي قضية الدفاع عن القِيَم العلمانية، فبدلًا من أن يقوم ماكرون بدوره كرئيس للجمهورية الفرنسية، ويحافظ عليها، ترك كلّ هذا وذاك والتفت إلى الدين الإسلامي عندما رأى هذا الدين ينتشر بقوّة ويسطع نوره على الجمهورية الفرنسية التي كانت في يومٍ من الأيام تحارب الإسلام في عقر داره بالسلاح وبالقنابل وبالدبابات، وبكل الطُرق والوسائل. اليوم الإسلام يغزو بلادهم بقوّة، والأطفال هناك يحفظون القرآن، ويتكلّمون اللغة العربية، وينشرون المظهر الإسلامي بأدب واحترام. بعض الحاقدين الماكرين أخذتهم العزّة بالإثم، فبدلاً من أن يدرسوا هذا الدين ويفهموه ويعرفوا أهدافه ومراميه، قاموا بحربه. أنا أستحضر الآن ماكرون الذي ولِد في العام 77 في شهر ديسمبر في نهاية 77 الدكتور مصطفى محمود رحمه الله الأديب والفيلسوف والطبيب المصري هو الذي يردّ عليه سبحان الله، لنرى الفارق الدكتور مصطفى محمود الذي ولد في العام 1921 وتخرّج سنة 53 قبل أن يولد ماكرون يقول ليس في طبيعة الإسلام الخوف ولا العزلة، ولا الإنزواء، وإنّما على العكس طبيعته الخروج والتصدّي والالتحام بالعصر، والإفادة من مخترعاته ومعارفه، والأخذ بجانب الخير والنفع فيه. الدكتور مصطفى محمود يقول هذا الكلام قبل أن يولَد ماكرون، ومع ذلك لم يقرأه، ولم يسمعه ولم يدرسه.

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور، وطبعاً لو أردت أن أعدّد  كتابات ومؤلّفات الغربيين عن الإسلام المُنصفة للحضارة الإسلامية لاحتجت فعلياً إلى ألف حلقة، ولكن أذكّر بكتاب الدكتورة سكريت هونيك شمس العرب تسطع على الغرب، دائمًا كان الإسلام شمسًا وحضارة. وبعض الخريف الذي أثّر على عالمنا الإسلامي لا يعني أنّ الإسلام انتهى، بل إنّ الإسلام سوف ينبعث ببُعده الإنساني والحضاري.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

"الرسول في عيون غربية مُنصفة" الحسيني الحسيني معدة.

الكتاب مجموعة شهادات وأقوال لبعض العلماء والمفكّرين والأدباء والفلاسفة والكتّاب والحكماء في الغرب الذين أعجبوا بالدين الإسلامي، وقالوا كلمة حقّ سطّرها التاريخ على ألسنتهم، وفي كتبهم وتراثهم بعدما درسوا الإسلام على حقيقته التي تمثّل النّور والخير في رسالته الأخلاقية السامية ودعوته الإنسانية العالمية. وفي هذا السياق يؤكّد الباحث على مدى أهمية إنصاف العشرات من أعلام الثقافة الغربية الإسلام ونبيّه عليه الصلاة والسلام بعد أن تعرّفوا على عَظَمَته ومكانته بين الأديان السماوية الأخرى. وينبغي أن يستفيد المسلمون من هذه الشهادات المُنصفة في الرد على خصوم الإسلام بطريقة علمية وعملية وموضوعية على الحملات المُشوّهة لصورة الإسلام والمسلمين في الغرب.

 

المحور الثاني:

 

"حضارة العرب" غوستاف لوبون.

لم يكن الأوروبيون يعرفون شيئاً عن حقيقة تعاليم الإسلام وشرائعه الفُقهية التي تتناول ما ورد في القرآن من نظم للفكر والممارسة على الرغم من انقضاء نحو ألف سنة من المُجابهة مع أتباعه، بينما كان لدى المسلمين اطلاع واسع على عقائد المسيحيين واليهود الذين يعيشون بينهم. كان هناك رفض مُطلق للإسلام كدين مع أنّه عظيم الإجلال للمسيح كنبّي ولأمِّه مريم. نقرأ ذلك مثلاً في كتابات باسكال 1623 – 1662  أو شاتو بريون 1768 – 1848، حتى أنّ وليام وستن خليفة نيوتون في جامعة كامبردج طُرد من الجامعة عام 1709 لإشادته بالإسلام. وعلى الرغم من ذلك فإنّ بعض المؤلّفات العلمية والفلسفية العربية المُترْجمة إلى اللاتينية، ولاسيّما كتب إبن سينا والرازي الطبية ظلّت تدرَّس في كليات الطب الأوروبية حتى القرن الثامن عشر. كما أنّ كتب إبن رشد الفلسفية كان لها تأثير كبير في نشر التيار العقلاني وحريته في الفكر الأوروبي الحديث. وكذلك مقدّمة إبن خلدون التي كان لها أثر ضخم في الدراسات التاريخية والاجتماعية.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الإسلام في أبعاده الحضارية والإنسانية.

دكتور نور الدين، لكن موقف الرئيس الفرنسي الأخير ليس الأول من نوعه، فالتصريحات الغربية الرسمية منذ بداية الحركة الاستعمارية لبلادنا تترى لو أحصيناها أيضاً لاكتشفنا عجبًا. هل المركزية الغربية أو بعض المركزية الغربية تحمل موقفاً سيّئاً من الإسلام؟

 

نور الدين باكيس: أعتقد أنّ الإسلام مُستهدّف كمشروع، خذ مثلًا عندما انتشرت جائحة كورونا اتّجهت الأنظار إلى الصين، الصين كقوّة اقتصادية عُظمى استطاعت أن تتحكّم إلى حد كبير في الوباء، وبدأت المقارنة بين الصين الشرقية مع الغرب الذي وجد صعوبة كبيرة آنذاك أصبح الفارِق مَن هو النموذج الجذذاب بالنسبة للبشر. بالنسبة للأفراد لم يكن مُتاحًا أن يصبح النموذج الصيني نموذجاً جاذباً برغم أنّه استطاع أن يحقّق نقلة نوعية في معالجة جائحة كورونا. وبالتالي المشكل المطروح منذ فترة طويلة هو مشكل المشروع لماذا المشروع الغربي رغم كل ما يحمله من رفاهية رغم أنه جذّاب في جانبه المادي لماذا لا يتحوّل إلى مشروع جذّاب في جانبه الأخلاقي؟ لأنّ هناك سقطة أخلاقية كبيرة جداً، هذا الذي يجعل حتى الوافدين المهاجرين يأتون بمشروعهم الخاص لأنّ المشروع الغربي كان يستهدف عبر شبكات التواصُل أو القنوات التلفزيونية أو مشاريع دول استبدادية تحويل الإنسان العربي المسلم أو المسلم إطلاقًا إلى إنسان إنسان فقط، وينزع تلك النزعة الدينية لأنّها قد تشكّل تهديدًا، وقد تشكّل حصانة أمام هذا المشروع الغربي. 

نحن كلنا يعلم أنّ الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والدول الغربية تعاني مُعاناة شديدة أخلاقية، وهي تجد صعوبة كبيرة في التكاثُر لأنّه في الخمسينات مثلًا كانت نسبة الخصوبة 4 فاصل 6 بالمئة، لكن اليوم أصبحت 2 فاصل 4 وهناك دول وصلت إلى 1 فاصل 7، مَن يعوِّض هذه الحاجة البشرية؟ بالضرورة سوف تعوَّض من الدول العربية الأفريقية والشرقية. بالتالي هناك معادلة ذلك العدو المستقبلي لأنّ العقل الغربي لا يفكّر بمنطق الأحداث، يفكّر بمنطق المستقبل، مَن هو العدو الذي يمتلك قدرة على أن يكون خطرًا مستقبليًا لأنّه دائم البناء الاجتماعي والأخلاقي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نور الين من فضلك، لكن الإسلام لم يزح أيّ دين من المشهد، الإسلام عندما أرسل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وجد المسيحية، وجد اليهودية في جزيرة العرب، وأبقى عليهما، الإسلام لا يُحارب الأديان. فلماذا هذا الخوف من أنّ الإسلام سيزيح الآخرين؟

 

نور الدين باكيس: لأنّ المنظومة العالمية عمومًا هي منظومة في الأصل اقتصادية تريد أن تصنع المواطن المُستهلك، ويحتاجون من أجل ذلك إلى استبعاد أو رَفْع القيود الأخلاقية التي تعطّل هذه الظاهرة. اليوم العالم الإسلامي هو  ربما من البيئات القليلة جداً برغم مُعاناتنا من كل أشكال الاستبداد هي التي تقاوِم نسبياً، وهي التي تراجع أو تفكّر أو تناقش ما هو مُستهلك، برغم السقوط في فخّ الاستهلاك. وبالتالي قد يشكّل ذلك تعطيلاً للمشروع العالمي، مشروع الاستهلاك الكبير الذي يدرّ أرباحًا، ويضمن فكرة السيطرة، وبالتالي اليوم المُستهدف، مَن المُستهدف؟ هو مَن يراجع، ومَن يناقش، وليس مَن يستهلك. وبالتالي كل ديانة لا تحدّ لأنّنا لا نتحدّث عن الديانة بأصلها، وإنّما نتحدّث عمّا هو موجود بالموازاة في الوضع الحالي لأنّ الإسلام شيء، لكنّ  ممارسات المسلمين تؤثّر في وَسْم الإسلام، في نهاية المطاف الكلّ يحكم من خلال الممارسات. والممارسات الحالية هي الوحيدة للمسلمين بالدرجة الأولى التي تعترض وتناقش بجديّة، وتحاول أن تطرح مشروعاً آخر برغم التضييق الداخلي للفئات الداخلية.

فتصوّر لو كان هناك تحرّر حقيقي داخل الأوطان العربية والإسلامية، ماذا يمكن أن يخرج من هذه القدرة أو هذه الشخصية الجماعية التي تريد ان تُعيد إحياء المشروع؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نور الدين، دعني أنقل هذا الإشكال إلى الأستاذ بدر.

أستاذ بدر طبعاً القاعدة التي ينطلق منها الغربيون في وَسْم الإسلام بالإرهاب أنّ الإرهاب ملأ العالم العربي والإسلامي، وقد رأينا في العشرية الماضية حركة التكفير كيف جزّت الرقاب، وقطعت الأكباد، وباعت النساء في الموصل وغيرها. لكن ألم يعترف دهاقنة سياسة الغرب أنّهم مَن أوجدوا الإرهاب؟ ألم تقل هيلاري كلينتون نحن أوجدناهم؟ ألم يقل مدير المخابرات الأميركية الأسبق إنّنا أوجدنا الجهاديين في أفغانستان لضرب الجيش الأحمر؟ حتى هذا الإرهاب هم الذين ساهموا في صناعته.

 

بدر العبري: أستاذي العزيز، بالنسبة للإرهاب بطبيعة الحال هو ليس له ديناً، وليس له مذهب. وكذلك أيضاً لا يرتبط لا بغينس ولا بأمّة، فاستخدامهم لهذه الأغراض هو استخدام في الحقيقة سياسي بشكل كبير جدًا، فعلينا من البداية أن نفصل ما بين الأديان وما بين هذه التبايُنات، أو ما بين هذه المظاهر السلبية لأنّه لو حدث هناك إرهاب من قِبَل عصابات صهيونية لا يمكن في هذه الحال أن أتهم جميع اليهود بذلك، كذلك بالنسبة للمسيحيين، وبالنسبة للهندوس. وبالنسبة للمسلمين أيضاً، لماذا الإسلام يتّهم بالإرهاب ولا يتّهم غيرهم؟ هناك جماعات مُتطرّفة تنتسب إلى أديان، أو إلى ما شابه ذلك، فالمشكلة في الحقيقة ترجع إلى العقل الديني، وأيضاً ترجع إلى العقل الثقافي. فنحن بحاجة أن نولّد تظاهرة قوية جداً في عالم الشرق، تقترب من الجيل الجديد في مناقشة مثل هذه الأمور، ليس كردّة فعل. لماذا يحدث الآن في الإعلام أو دائماً نكون ردّات فعل لما يحدث في العالم؟ يتحدَّث رئيس هنا ويقول هناك شخص آخر بحاجة نحن إلى صنع منظومة ثقافية مستقلّة من البداية تخرج من داخل المجتمع الإسلامي نفسه، لا تقوم على ردّات الفعل، وإنّما تقوم على ردّات المعرفة.

مثلاً داعش التي تحرّكت في الفترة الأخيرة تمّ إلصاقها بالدين، بينما أنت ستجد أنّ جميع المسلمين يتبرّأون من هذه التصرّفات أو مثل هذه الأفعال، ولكن السؤال هنا ماذا بعد داعش؟ ماذا بعد هذه الحركات المُتطرّفة؟ الجيل الجديد أصبح في هذه الحال يتلقّى تغذية، ويتلقّى أفكاراً، أو يتلقّى معلومات تصنع لها من الخارج، وتستورد له من الخارج. نحن في البيت الإسلامي غير قادرين بأنفسنا ليس مجرّد تصنيع الفكرة، وإنّما أن نجلس مع بعض، وأن نتحاور مع بعض. نحاول قَدْر الإمكان أن نقترب من هذا العقل سواء كان عقل الأجيال، أو العقل الجَمْعي بطبيعة الحال.

فقضية الإرهاب في الحقيقة وما يحدث الكل يقول إنّها ليست لها علاقة لا بدين مُعيّن، ولا بتوجه مُعيّن، ولا بفكر مُعيّن. ولكن النتيجة عندما تلتصق بالإسلام، أحيانًا نحن بتصرّفاتنا السلبية، وأحيانًا نحن أيضاً بأفكارنا من الداخل، نحن مَن نظهر هذا الأمر فمثلاً حتى في الحديث الآن عن الرئيس الفرنسي عندما نجد السبّ والشتم والإساءة وغير ذلك، هذه لاعلاقة لها بدين الإسلام، نحن لا نناقش الفكرة في الحقيقة عندما أنا أقرأ هذا الأمر، أقرأه من وسائل التواصُل الاجتماعي ردّات الفعل المُناهضة بالصورة  الشديدة والعاطفة الجيّاشة، ينبغي قليلًا أن نتجاوزها إلى صناعة فكر إلى صناعة عقل إلى صناعة إنسان إلى صناعة حضارة بحيث يستطيع هذا الإنسان من الداخل أن يكون مسلّحاً للتعامل مع هذه الاتجاهات ومع هذه الأفكار.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً هذا هو المُنطلق شيخ بدر، إسلامنا إسلام أخلاق، ومبادئ وقِيَم. وعدم الردّ بالمثل، بل إنّ الله أمرنا أن لا نسبّ آلهة قريش حتى يبقى المسلمون عفيفي اللسان، والمسلم ليس لعّاناً ولا سبّاباً، ولا بذيئاً. وذلك موضوع آخر لعلّنا نتطرّق إليه يوماً عندما نشير إلى الفعالية الإسلامية للرقيّ بالإسلام.

دكتور منصور في المشهد الغربي ازدواجية في المعايير، وفي القِيَم الخطاب السياسي الغربي، أو بعض الخطاب السياسي الغربي يزدحم بالعنصرية ضد الإسلام، لكن الخطاب الثقافي الغربي فيه إشادات بالإسلام. إيمنويل ماكرون ينتمي إلى فرنسا، وفرنسا أنجبت غوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب، والذي يتغزّل فيه، ويتغنّى بالحضارة العربية إلى أقصى درجة، وهنالك مثقّفون مُبدعون في الغرب أشادوا بالإسلام. لماذا كانت الرؤية الثقافية بعيدة عن الرؤية السياسية في تقييم الإسلام في المشهد الغربي؟

 

منصور مندور: أولاً الدافع إلى هذا الأمر هو حسابات سياسية لماكرون. وفرنسا أنجبت علماء أجلّاء وباحثين أصحاب رؤية مستقلة، ومع ذلك الحسابات السياسية تختلف عن الحسابات الفكرية والإنسانية والاجتماعية الحسابات السياسية. ماكرون يتخيّل نفسه حارسًا على القِيَم العلمانية، فليتعلّم من التاريخ ماذا فعل أتاتورك عندما حارب الإسلام بلا هوادة، وأزال كلّ مظاهر الإسلام من تركيا، ومن بعض البلاد، ومع ذلك الإسلام يعود بقوّة. وأنا أستحضر الآية التي بدأت بها عندما يقول سبحانه وتعالى "هو الذي أرسل رسوله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون"، والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما يقول ليبلغنا هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار. 

إذًا، القضية قضيتهم هي معركة، أو صراع بين الحق والباطل، هذا الأمر سيستمر إلى قيام الساعة. دكتور يحيى لا نخاف، ولا نخجل القضية قضية صراع بين الحق والباطل، القضية قضية أنّ المسلمين أنفسهم هم الذين أعطوا الفرصة لهؤلاء أن يتكلّموا، المسلمون عليهم دور كبير في إبراز القِيَم الإسلامية في المحافل الدولية، وفي الأعمال، وفي الإبداعات، وفي الابتكارات، وفي إخراج الجمال الإسلامي والروح الإسلامية. الحضارة المادية مهما بلغت لن تدوم، سوف تزول عاجلاً وآجلاً، ومازالت هناك خلفيات عند ماكرون وعند غيره ممّا فعل اليوم عندما يشاهدون الكنائس في أوروبا تحوّل إلى مساجد، والكنائس تهدم، والمساجد تبنى، وترفع عندما يجدون اللغة العربية تنتشر هناك عندما يجدون المظاهر الإسلامية تعمّ البلاد ألّا يأخذهم القلق والخوف والرعب.

الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما يقول نصرت بالرعب مسيرة شهر، هؤلاء يخافون يخافون من القِيَم الإسلامية أنّ تتغلّب بقوّتها وبطبيعتها وبروحيتها على القِيَم العلمانية، هؤلاء حرّاس دنيا لا يبتغون آخرة، ولا يبتغون قِيَماً دينية. هؤلاء شبّوا وتعلّموا وربّوا على ذلك، فهي بالنسبة إليهم معركة وصراع سوف يستمرّون على ذلك. الدين الإسلامي دين ينطلق بطبيعته لأنّه مناسب للفطرة لأنّه شرع إلهي، شرع سماوي ليس على وجه الأرض حقيقة يمكن أن نؤمن بها سوى كلمة الله عزّ وجلّ.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور دعني أنتقل أيضاً إلى الجزائر، إلى الدكتور نور الدين.

دكتور نور الدين قلت في مقاربتك أنّ الإسلام بات منافسًا للمنظومة الغربية، طبعاً الإسلام يحمل خصائص القوّة الدينماكية الذاتية، فهو بلا أنصار وينتصر، فماذا لو كان له أنصار أنصار استراتيجيون أقصد، ماذا لو ارتقى المسلمون إلى مستوى فعالية الإسلام وحضارية الإسلام، وديناميكية الإسلام، أما كانوا ليقودوا العالم، وهو ما تخشاه أوروبا أن تفقد السيطرة على القرار العالمي؟

 

نور الدين باكيس: أكيد هذا هو أصل المشكل لأنّ المسلمين في غالبيّتهم في الدول الاستبدادية، هم يعيشون اغتراب الشباب، يعيشون اغتراب الكبار، يعيشون اغتراباً، هم يريدون أن يعيشوا وفقًا لتعاليم دينية معينة. لكنّ الأنظمة الاستبدادية والبيئة الفاسدة هي تنتج منهم نماذج سيّئة لأنّه في آخر المطاف لماذا الشباب يذهبون عادة إلى تبنّي الجهاد كعملية؟ وكأن هناك عملية انتحارية جماعية من منطلق ماذا؟ من منطلق أنّ المواطن في العالم العربي عندما يحتجّ من أجل ظروف اجتماعية وتحسين أوضاعه عندما يجد نفسه مُهدّداً بالموت أمام أنظمة استبدادية، يحتاج إلى شيء مُقدّس يحتاج إلى غطاء إلى شرعية، تلك الشرعية الوحيدة الموجودة في العالم العربي أنّ المواطن يقبل أن يموت من أجل دينه، لكن ليس من السهل أن يقبل بأن يموت من أجل ديمقراطية، أو من أجل أجور، أو تحسين الأجور. لذلك وجدنا هذا أحيانًا توظيف الدين كغطاء شرعي من أجل رَفْع المظالم السيو اقتصادية، وهذا مهمّ جداً في المعادلة لأنّ هذا الاغتراب هو الذي يصنع  السلوكات السيّئة، لكن عادة المسلمون عندما ينتقلون إلى دول أخرى تتغيَّر يصبح الفضاء أكثر انفتاحاً يستطيعون أن يتعاملوا بصورة أكبر، يستطيعون أن يتحوّلوا إلى سفراء.

الآن من السهل جداً مثلًا إذا استطعت أن تبني أسرة جيّدة في أكبر العواصم الغربية، هذا إنجاز وتتحوّل إلى نموذج لأنّه أنت أمام مجتمع، لا يؤمن بالأسرة. الأسرة في تراجع كبيرجدًا، وبالتالي هناك معادلات لا يمكن حلّها من دون العودة إلى حلّ العقد التي تنتج العنف. البيئة التي تنتج السلوكيات السيّئة للمسلمين لأنّ المسلمين يعانون معاناة شديدة في أوطانهم جرّاء سوء تنظيم المجتمع جرّاء المحسوبية والتهميش، الإقصاء. ونحن نعلم جيداً، وكلّنا نعلم أنّ فرنسا عدوّ، وأنّ فرنسا مستعمر. لكن لماذا شبابنا اليوم يخاطرون بحياتهم من أجل الوصول إلى فرنسا طلباً للحياة وليس طلباً للمشروع؟ وليس طلباً للمشروع الغربي؟ وإنّما طلباً لظروف أحسن لو توفّرت الظروف الأحسن في الأوطان العربية والإسلامية لرأينا كل شيء لرأينا الصورة الحقيقة للإسلام التي قد تسوّق. أمّا أن تبقى هذه الأوضاع الكارثية تخلف، استدمار داخل أوطاننا، وتجهيل وتنظيم المجتمع بشكل سيّئ جداً، كيف يعقل أن تنتج هذه البيئة سلوكيات حضارية نستطيع بها أن نقنع الآخرين، نحن الآن في وضع سيّئ للغاية، ولا يجب أن نلوم الغرب بقدر أن نلوم بأنّنا لم نستطع أن نبدع الآليات الحقيقية من أجل تغيير أوضاعنا لأنّ أوضاعنا هي مسؤولياتنا نحن، وليست مسؤولية الآخر، الآخر يستثمر فيها وهذا طبيعي لأنّ كل الدول الآن لها مشاريعها الخاصة حتى في ما، بينها هي تحاول استثمار كل الأخطاء والنقائص الموجودة داخل الدول في ما بينها، وبالتالي المعادلة الحقيقية اليوم هي معادلة إصلاح الداخل داخل ديار المسلمين برفع الغُبن عن المسلمين كي يستطيعوا أن يفجّروا عن طاقاتهم، وعن قدراتهم وأن يبيّنوا الإسلام بسلوكياتهم.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور هذه رسالة منك ومني ومن أيّ حر في العالم العربي والإسلامي، دعوة لحكّامنا بالعدل وإرخاء العنان للكفاءات، وعدم التضييق على الأدمغة حتى لا يهاجروا إلى الغرب، ندعو الله تعالى أن يهديهم سُبل الرشاد، وأن لا يستمروا في استبدادهم وطغيانهم وتفضيلهم للأغبياء على الأكفياء. شيخ بدر صدقًا بعض المسلمين عندما يتوجّهون إلى الغرب لا يحملون معهم حضارية الإسلام البعض يعتدي، البعض يتهجّم، البعض يفجّر، البعض لا يقدّم مصداقاً صحيحاً عن إسلامه، وهو ما يولّد النظرة العدائية للإسلام. ما المطلوب من المسلمين أيضًا في الغرب أن يقوموا به؟

 

بدر العبري: طبعاً أنا أشيد بدايةً بكلام الدكتور نور الدين من الجزائر في الحقيقة نحن نعاني في مجتمعاتنا الإسلامية في الداخل قبل أن نعاني من الخارج، نحن بحاجة إلى إصلاح عملي في الداخل ليظهر الإسلام بصورته الحَسنة التي جاء للبناء، ولم يأتِ للهدم، وجاء للإصلاح ولم يأتِ للفساد، ثمّ كذلك أيضًا بنظري لا ينبغي أن نصنع هناك مواجهة بين الشرق والغرب وبين الأديان عمومًا، وكذلك أيضًا بين الغرب وبين الإسلام لأنّ الأديان بما فيها الإسلام هي حقيقة مرتبطة بالجانب اللاهوتي، أو مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، وهذا الارتباط بطبيعة الحال لا يحدّه شرق، وكذلك أيضًا لا يحدّه غرب، فلا ينبغي أن تكون هنالك مواجهة بن الشرق والمسيحية، أو هناك مواجهة بين الغرب والإسلام، وإنّما هناك في الحقيقة مواجهة بين الشرق والغرب، وبين التصرّفات السياسية الصبيانية، وبين الاستبداد، وبين الإساءة إلى الإنسان وإلى أديانه وحضاراته، سواء كان من الشرق أو من الغرب. ثمّ للإجابة عن سؤالك دكتورنا العزيز لا بدّ من أن نفرّق بين الدين كدين، وبين التديّن. التديّن لا يمكن للإنسان بطبيعة الحال أن يكون الجميع ممّن ينتسبون إلى شريعة، أو ممَّن ينتسبون إلى دين، أو ممَّن ينتسبون إلى توجّه، أو دين أن يكونوا جميعاً أصفياء، أو قدّيسين أو ملائكة أو ما شابه ذلك.

 

فهنالك العديد ممَّن ينحرف عن هذا الطريق وممَّن يُسيء إلى هذا الطريق إلا إنّ هذه الإساءة سواء جاءت من قِبَل مسلم، أو جاءت من قِبَل مسيحي، أو هندوسي، أو غير ذلك. لا ينبغي في العقل الجَمْعي عمومًا أن تُنسب إلى ذلك الدين، أو تُنسب إلى ذلك البلد، أو ذلك الجنس، وإنّما تُنسب.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ بدر اتضحت الفكرة.

دكتور منصور في كُليمة، وبإيجاز ذات يوم نابوليون الثالث وصل إلى الأزهر ودمّره وخرَّبه وحطَّم مآذنه، وكان الردّ بالبندقية والجهاد. اليوم طبعًا الردود يجب أن تكون فكرية، كيف نحمل لواء الفكر لتصحيح المفاهيم الخاطئة في الغرب بإيجاز.

 

منصور مندور: الحقيقة هو التطبيق الأمثل لهذا الدين بكل مناحيه، وبكل جوانبه نابليون وغيره، ومَن خلفه عندما جاؤوا إلى مصر أرادوا أن يحطّموا هذا الدين في نفوس أتباعه، فكان الردّ عندما قام كليبار بقتل أحد شيوخ الأزهر، وقام سليمان الحلبي وهو ليس من أصل مصري ومع ذلك أخذته الغيرة على دينه وعلى الأزهر، فقام بقتل كليبار. ماذا فعلت الحضارة الفرنسية في الردّ على القاتل أو الذي ينتقم لوطنه ودينه؟ بأن مثّلوا بجثته، ومثّلوا بقتله، وحرقوا ذراعه، وجعلوه فوق خازوق، وغير ذلك وضعوا جمجمته الآن في متحف الإنسان في باريس، وأطلقوا عليه المجرم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح دكتور منصور أشرت إلى سليمان الحلبي رحمة الله عليه الذي دافع عن الأزهر، وهكذا يجب أن نكون يجب أن  تضطلع الدول العربية والإسلامية برمّتها في الردّ على المفاهيم الخاطئة، ووحدة المسار في خط طنجة جاكرتا هو الذي سيعطي قوّة لإسلامنا.

دكتور منصور مندور من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

الدكتور الدين باكيس من الجزائر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

الشيخ بدر العبري من مسقط الحبيبة من سلطنة عُمان شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.