محمد عدنان الأفيوني شهيداً

ها هو الشيخ الفاضل المربي محمد عدنان الأفيوني مفتي مدينة دمشق وريفها وعضو المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف السورية يرتقي شهيداً بعبوة ناسفة, ما لهذا التكفير يقتل من يسعي لتكريس قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم..

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

قال الله تعالى في محكم التنزيل "ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزَقون فرحين بما أتاهم الله من فضله". 

ويستمر التكفير، ويستمر الإرهاب في استهداف الأرواح والنفوس، ويقتل العلماء الذين يعملون على تكريس المُصالحات، ونشر فُقه الحب وثقافة السلام، والتلاقي والوئام وسلامة الأوطان. ها هو الشيخ الفاضل المُربّي محمد عدنان الأفيوني مفتي مدينة دمشق وريفها، وعضو المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف السورية يرتقي شهيداً بعبوة ناسفة. ولا أدري سرّ اختيار الإرهابيين الليالي المباركة ليذبحوا فيها الصالحين، فالموعد الخميس وليلة الجمعة، والأيام ذكرى مولد الرحمة المُطلقة والنعمة المُهداة الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله. 

ما لهذا التكفير يقتل مَن يسعى لتكريس قوله تعالى "إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم"، ما لهذا التكفير يقتل كل مَن ينادي بحرمة القتل والقتال والتقاتُل والتباغُض والكراهية والاستئصال، وما لهذا التكفير يقتل كل القلوب العامِرة بالله ولله وفي سبيل الله.

الشيخ محمد عدنان الأفيوني رجل عِلم وذِكر عرفتها حلقات الذِكر والتضرّع والتقرّب إلى الله. ولطالما بكى شوقًا لمُلاقاة رسول الله والصالحين، وكان يردّد دوماً اشتقت إليك يا رسول الله.

لقد دفع عُلماء بلاد الشام ضريبة كبيرة من أجل تبيان صورة الإسلام الحقيقية القائمة على لقد جئتكم بالرحمة وليس بالرُعب والذبح. وفُقهاء الضلال والدولار والدنيا حرَّضوا عليهم، ودعوا لقتلهم على المباشر وغير المباشر بالصوت والصورة. وما يُخفّف الوطأة أنّ الأفيوني ارتقى شهيداً، وسوريا العربية تلحق الهزيمة تلو الهزيمة بالإرهاب. وسوف يستمرّ علماء بلاد الشام في خدمة المشروع الإسلامي الحضاري العالمي، وسيوصلونه إلى العالم أجمع، كما أوصلت سوريا حضارة الإنسان إلى الإنسانية قاطبة.

"محمّد عدنان الأفيوني شهيداً" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الأردن الدكتور محمّد هشام سلطان نائب رئيس اتحاد علماء بلاد الشام، ومن دمشق الدكتور سفير أحمد الجراد الباحث والأكاديمي والكاتب في قضايا التكفير والدراسات الإسلامية.

مشاهدينا عظّم الله أجوركم جميعاً.

 

فلاش عن الشيخ عدنان الأفيوني

استشهاد مفتي دمشق وريفها الشيخ عدنان الأفيوني، وتشييع جثمان الشهيد إلى مثواه الأخير، والجنازة انطلقت بمشاركة شعبية ورسمية من الجامع الأموي في دمشق. 

الشهيد الأفيوني استُشهد في تفجير إرهابي استهدف سيارته في بلدة قدسيا في ريف دمشق، والمفتي الشهيد من كبار علماء سوريا، وهو عضو في المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف، والمُشرِف العام على مركز الشام الدولي الإسلامي لمواجهة التطرّف.

وزير الأوقاف محمّد عبد الستارمُتحدّثاً عن دور الشيخ الراحل في مُكافحة التكفير والإرهاب: هذا الصديق، وهذا الأخ، وهذا العالِم الجليل الذي عشنا وإيّاه سنوات طويلة، ونحن نواجه الإرهاب. 

تصريح للشيخ الراحل: "بالرغم من أنّ سوريا اليوم تعاني من جراحاتها، لكنها لم تنسَ أنّ القدس هي الهدف وهي البوصلة".

 

يحيى أبو زكريا: لله ما أعطى ولله ما أخذ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والعزاء كل العزاء للشعب السوري، للقيادة السورية، لأولاد الشيخ رحمة الله عليه جميعاً.

دكتور سفير أحمد الجراد، الشيخ محمّد عدنان الأفيوني كان مُعادلة حقيقية في كثير من تفاصيل العِلم الشرعي، فقد خرَّج أجيالاً. بالإضافة إلى كونه كان من الذاكرين، من أحباب الله، تتلمذ على يد الشيخ رجب ديب رحمة الله عليه، وهو من أساطين العرفان في سوريا. ما الذي يمكن أن تقوله ولا يعرفه المشاهد العربي عموماً؟

 

سفير أحمد الجراد: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على جميع رُسل الله. أسأل الله أن يجعله في عليين، ومن هذا المنبر نعزّي الأمَّتين العربية والإسلامية والشعب السوري بهذا الفَقْد الجَلَل بهذا الفقيه. أستطيع أن أقول إنّ فضيلة الشيخ محمّد عدنان الأفيوني  يُعتَبر من الشخصيات التي جمعت بين الحال والقال، كان قوله وحاله يدلّ على الأنموذج الريادي لمفهوم الداعية، الشيخ عدنان الأفيوني لم يكن صاحب مؤلّفات، ولم يكن صاحب تصانيف، ولم تكن له مُدوّنات فُقهية أو تأصيلية، أو حديثية، بقدر ما كانت له مُدوّنات كثيرة توجيهية دَعَوية استطاع أن يستفيد منها الكثير من الشباب. الشيخ محمّد عدنان الأفيوني كانت له بصمات رائعة ريادية في انتقاء الخطاب المنبري، وكان يُعتَبَر بحق سيّد المنبر. محمّد عدنان الأفيوني للذي لا يعرفه كان إذا أراد أن يصعد المنبر يختار موضوعات مُعاصرة التي تفيد وتُغني وتُثري  الفكر الشبابي بشكلٍ كبير. كان لديه هم كبير جداً، وهو حال الأمّة، وواقع الأمّة، ومآل الأمّة، أي إلى أين صارت أوضاع هذه الأمّة؟ أستطيع أن أقول إنّ الشيخ محمّد عدنان الأفيوني يُضاف للرصيد المعرفي الذي يمتلكه من خلال المدرسة المشيخية التي ينتمي إليها والمدرسة العرفانية التي ينتمي إليها كما تحدّثت. الشيخ رجب ديبو، وبالتالي مدرسة الشيخ أحمد كفتارو رحمهم الله جميعاً، هذه مدرسة عُنيت عناية كاملة بصناعة الداعية، وبتخريج الدُعاة، وبتخريج الذين يحملون همّ الدعوة إلى الله.

محمّد عدنان الأفيوني استطاع أن يضيف رصيداً أكبر من أشياخه، وهو رصيد الولوج في معترك الفتن، ومعترك الأزمات. تصدّى بشكل كبير لمفهوم التكفير والإرهاب، والإلغاء والإقصاء.

أستطيع أن أقول إن الشيخ محمّد عدنان الأفيوني كانت لديه جرأة كبيرة جداً بأن يقتحم ميادين لم يقتحمها غيره من العُلماء أو الدُعاة، محمّد عدنان الأفيوني استطاع أيضاً أن يُنشىء مركزاً ريادياً للوسطية والاعتدال ومُحاربة التطرّف. فيُعتبر بسنّه وقامته وفي أزمته استطاع أن يسدّ ثغرات كبيرة جداً في الدعوة وثغرات كبيرة جداً في التصدّي لمفهوم التكفير والإلغاء.

محمّد عدنان الأفيوني خَبِرته وشاركتُ معه في أكثر من ندوة علمية وندوة حوارية في قضايا التطرّف، في قضايا التكفير، في قضايا حقيقة واقع الجماعات الإسلامية المُعاصرة. أستطيع أن أقول إنّ عدنان الأفيوني كان يجمع في شخصه مُتناقضات كبيرة جداً، فهو إلى جانب العرفانية وإلى جانب الحال والمآل الذي تميَّز به كان يحثّ بشكلٍ كامل على الولوج في قضايا العقل المُعقَّدة جداً، السياسية والأمنية. وأخذ منهج المُصالحة مع الجماعات التكفيرية، وأخذ منهج المُصالحة مع الجماعات الإقصائية. أستطيع أن أقول إنّ عدنان الأفيوني كان يسدّ ثغرات كبيرة في رَصْدِ أبرز أفكار هؤلاء الذين كفَّروا المجتمعات الإسلامية، والذين استطاعوا أن يوجدوا حالاً من الفوضى، وحالاً من الإرباك في النصّ الفقهي. وقبل أن أختم كلمتي منذ أسبوعين إثنين كنت أنا وهو في حفل تخرّج طلبة عِلم شرعي، وأنا أعيد سلسلة الكلمات الذي تحدَّث بها الشيخ محمّد عدنان الأفيوني وهو يحثُّ طلبة العِلم الشرعي على التصدّي بشكل كامل لقضايا التكفير وقضايا الإلغاء، وكانت له جُمَل ريادية كبيرة جداً، وكنت أتناقش معه في أحد الكتب التي ظهرت معاصرة وهو قتل النفوس وذبح النصوص، وقلت له هذا كتاب قد دوِّن في الغرب، وقال لي أرجوك هذا الكتاب يجب أن يُدرَّس لدينا في مركز الشام الدولي للتصدّي لقضايا التطرّف والإرهاب.إذاً، كانت لديه عناية حقيقية في وقف نزيف الدماء، ووقف نزيف الإلغاء والإقصاء بشكل كامل. 

خسارة الشيخ محمّد عدنان الأفيوني  خسارة كبيرة ليس لشخصه فقط، بل لقيمته الفكرية الدَعَوية.

يحيى أبو زكريا: أحسنت دكتور محمّد، أشار الدكتور سفير إلى أدوار كبيرة له في بلاد الشام وأنت عرفته وكنتما سوية تحت مظلَّة علماء بلاد الشام. ما هي الأدوار التي أدّاها ويمكن أن تحدّثنا عنها في مجال مُكافحة الإرهاب، وفي مجال تكريس الوسطية والاعتدال، وفوق هذا وذاك لماذا قُتِل؟ هل قَدَر العلماء الوسطيين، التنوريين، أن يُنحَروا من الوريد إلى الوريد؟

 

محمّد هشام سلطان: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد.

 

يحيى أبو زكريا: صلّى الله عليه وآله.

 

محمّد هشام سلطان: في البداية أتقدّم بالعزاء إلى أسرة الشيخ عدنان وإلى جميع العلماء في سوريا الحبيبة، ونتقدَّم أيضاً بالعزاء إلى سيادة الرئيس بشّار الأسد الذي يحمل شُعلة النضال والجهاد.

الحقيقة أنّ قَتْل هذا الرجل العالِم نحن مررنا في الفترة الماضية بالاعتداء على الشيخ البوطي وقتله واغتياله بصورة بشعة، والآن نرى هذا الاعتداء الثاني وهو بصورة بشعة هذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أنّ هناك مؤامرة كبيرة جداً على  الشام وعلى بلاد الشام وعلى علماء الشام وعلى جميع العلماء الأحرار.

طبعاً اتحاد علماء بلاد الشام يستنكر كل هذه الأعمال الإرهابية، هذه الأعمال التي لا تليق على الإطلاق بمسلم أو بإنسان له علاقة بالإنسانية، والذي أراه في هذا الأمر أنّ في قَتْل هذا الرجل العظيم والعالِم الكبير الذي له الصوت أنّه ما قُتِل وما دُبِّر لقتله إلا لعَظَمَته، وهذا يدلّ على عَظَمة هذا الشيخ وعلى عَظَمة الدكتور عدنان، ولأنّه يحمل مشعلاً من مشاعل الإسلام. وهذا يشير لنا إلى أنّ الموساد الإسرائيلي، وأنّ الصهيونية العالمية، وأنّ الصهيونية الإسلامية أيضاً لا تريد أن تستمع إلى صوت عالِم يقول كلمة الحق، وبخاصة في ظلّ ما يجري الآن على الساحة الإسلامية أنّ هناك تطبيعاً عربياً ما بين العرب كحُكّام وما بين إسرائيل، ولا يريدون من العُلماء أن يتحدّثوا في هذا الأمر لأنّ هذا الأمر أمر هام جداً، وعلى اعتبار أنّ العُلماء هم رُعاة الجهاد في سبيل الله، ودُعاة الجهاد في سبيل الله. الآن وقف هذا الهجوم الصهيوني على الأمّة العربية والأمّة الإسلامية، والحقيقة التي تجري الآن أنّ الهجوم على الإسلام هجوم كبير جداً، خاصة على الإسلام المُعتدل، الإسلام الذي يدعو إلى الاعتدال من زاوية، وعُلماء الإسلام الذين يدعون الآن إلى تحرير البلاد العربية والإسلامية من الوجود الصهيوني ومن الوجود الاستعماري. وكأننا نعود الآن إلى الفترات القديمة إلى 1914 إلى الحرب العالمية الأولى، وإلى التقسيم مرة ثانية الذي يريد أن يقسِّم هذه البلاد العربية، وقد كان العُلماء في الماضي كما كان الشيخ عدنان الآن حاضراً في مواجهة هذا الوجود الغربي، هذا الوجود الصهيوني وأتذكَّر سنة 1914 عندما عُقِد مؤتمر في الكاظمية، وجمع العلماء ليكون العلماء في مقدّمة المُجاهدين، وطلب من العلماء أن يذهبوا مع المجاهدين في قتال بريطانيا التي جاءت إلى العراق.

الشيخ عدنان وغيره من عُلماء الشام باعتبارهم بالذات هم المقصودون لأنّه لم يبقَ الآن على الساحة العربية والإسلامية إلا عُلماء الشام الذين يُنادون بتحرير الأمَّة العربية والأرض العربية، وبتحرير فلسطين وبقطع العلاقات أصلاً مع إسرائيل لأنّه باعتبار أنّها دولة غازية في هذه المنطقة. وقد كان العُلماء وبعض عُلماء الأزهر أمثال الشيخ شلتوت وغيره كانوا يطلبون تحريم التعامُل مع إسرائيل ومع أميركا، ومع مَن يتعامل مع إسرائيل تحريماً مُطلقاً. الآن وصلنا إلى أنّ العالم العربي والإسلامي  يعتبر أنّ فلسطين ليست فلسطين، وإنما يعتبر أنّ فلسطين الآن هي إسرائيل، هذه الدعوة الموجودة الآن في الجزيرة العربية وإقبال الجزيرة العربية، وهذا ممّا يدّل على أنّ هذه ليست خيانة الآن، هذه باعتبار تدبير صهيوني من سادة الصهيونية ومن عملائها العرب الذين يعيشون في الجزيرة العربية، وأنا أتصوَّر أنّ معظمهم من أصولٍ يهوديةٍ. ومَن لم يكن من أصلٍ يهودي فهو صهيوني الفكر، مسلم صهيوني لأنّ الذي يريد أن يعترف أنّ فلسطين أرض إسرائيلية، فإنّ عُلماء الشام يرفضون هذا. 

الشيخ عدنان كان من الرافضين رفضاً تاماً لكلّ هذه المقولات، وكل هذه الأمور التي ينظرون لها. لذلك هذه سلسلة قتل العلماء المجاهدين الذين يجاهدون بكلمتهم، والذين يجاهدون بكل ما يقولون ويمتلكون من أجل تجميع العلماء مرة ثانية، وتجميع الشعوب العربية والإسلامية من أجل العودة وإلى الصحوة الحقيقية على الساحة الموجودة الآن.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد من فضلك دعنا نستكمل الفكرة مع الدكتور سفير أيضاً. دكتور سفير منذ بداية الأزمة في سوريا كان عُلماء بلاد الشام في دائرة الاستهداف أزيَد من 70 عالماً جليلًا قُتلوا ونُحروا، ومنهم مَن قُطعت آذانه وفُقئت عيونه، ومنهم مَن تعرّضوا لمحاولة اغتيال وقُتَل أبناؤهم كمفتي سوريا الدكتور أحمد بدر الدين حسون الذي قُتَل ولده في حلب وغير ذلك. لماذا هذه البرمجة الدقيقة لاستهداف علماء الشام؟ هم يقتلون علماء الشام، ثمّ يتّهمون المخابرات السورية بأنّها وراء هذه الفِعال، عِلماً أنّ الأمن السوري يعتقل القَتَلة ويدلون باعترافات كاملة، ما الهدف من استهداف عُلماء بلاد الشام؟

 

سفير أحمد الجراد: يجب أن أتحدّث بتجرّد قليلاً حتى لا ننساق، محور الحلقة محور دقيق جداً لماذا قُتِل الشيخ محمّد عدنان الأفيوني؟ لماذا قُتِل علماء الشام؟ ما هي الغاية من قتل علماء الشام؟

أنا أودّ أن أتحدّث بدقّة عن العالم الإسلامي الآن، حتى لا أنساق لمُصطلحات وإن كنت أتحفّظ عليها. المُصطلح الذي تحدّث عنه ضيفك الكريم الصهيونية الإسلامية، لا يوجد شيء إسمه الصهيونية صهيوني إسلامي، لكن هناك صهيونية تستغلّ غلوّ الحركات الإسلامية، وهناك صهيونية تغذّي التكفير والإلغاء. نعم، لكن هذا مُصطلح فيه كوارث كبيرة فكرية، حقيقةً لن أعلّق عليها، لسنا الآن بمرحلة الحديث عن فلسطين وقضية فلسطين والتطبيع مع الكيان الغاصِب، وإن كانت هي جوهر الصراع العربي المُعاصر لأنّ الحلقة لا تتحمَّل أكثر من محور.

لكن أستطيع أن أقول دكتور أبو زكريا أنّ هناك إشكالية كبيرة جدًا، نحن يجب ألا ننسى التاريخ، وما حدث في سوريا لا شكّ هو كارثة كونية على هذه البلاد، وما حدث للعلماء والدُعاة والخطباء ومدراء الأوقاف وما شابَه ذلك أيضاً كارثة في القتل والتنكيل والتمثيل بأجسادهم، لكن يجب أن نقول إن هناك أيضاً مثيلاً لهذا الفعل، حقيقة ما حدث من كارثة كبرى في الجزائر على يد جبهة الإنقاذ وعلى يد مؤسّسيها علي بالحاج وعباس مدني كان هناك أكثر من مئتي عالم قد قُتلوا بذات الطريقة. وحدث ذات الأمر في السودان حيث قتلوا ما ينوف عن مئة عالم شرعي.

 

يحيى أبو زكريا: وأيضاً في مصر.

 

سيف أحمد الجراد: في مصر بشكل كبير جداً، فإذاً سوريا ليست بعيدة عن هذه الدول، نعم قُتِل العلماء، وقُتِل الدعاة، وقُتِل الأئمّة بشكل كبير. هناك إشكالية يجب ان نعيها تماماً، التطرّف هناك تطرّف اعتقادي، وهناك تطرّف سلوكي. في بداية الأزمات عندما يتحوّل التطرّف من اعتقادي تدويني كُتبي مناظرات محاورات إلى تطرّف سلوكي، فهنا الإشكالية الكبيرة. ونحن بعد عشر سنوات كارثية في هذا البلد في سوريا أمر  طبيعي، وترتيب منطق الأمور أن يتحوَّل التطرّف الاعتقادي إلى تطرّف سلوكي، هذا التطرّف السلوكي من أبرز نتائجه هو رَصْد العلماء الذين لهم تأثير جماهيري، والعلماء الذين لهم تأثير قِيَمي. 

الآن عندما نتكلّم عن علاَّمة الأمّة الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي ومدوّناته العلمية والفقهية والعقدية ومحاضراته وتأصيلاته في مُحاربة التطرّف والإرهاب، أنت تتكلَّم عن مرجعية للأمَّة وليست مرجعية فقط لسوريا، وكذلك الشيخ محمّد عدنان الأفيوني وقبله الكثير من العلماء، فأنت في مرحلة تطوّر حقيقية من التطرّف الاعتقادي إلى التطرّف السلوكي. الإشكالية هنا، نحن لا نمتلك حقيقة رَصْد لحقيقة توجّه التطرّف السلوكي لأنّ التطرّف السلوكي هو تطرّف قولي بفتوى، عندما يخرج رئيس جماعة "داعش" مثلاً في موقعه في مرج دابق عندما يقولون علماء سوريا كلهم كَفَرة لأنّهم والوا مَن لم يوالِ الله عزّ وجلّ، فهؤلاء كَفَرة. فبالتالي هذه فتوى قولية تتحوّل إلى تطبيق سلوكي من خلال الخلايا النائمة والخلايا المُتحفّزة للنَيْل من هؤلاء وما شابه ذلك.

نحن  آفة ما لدينا أنّنا عندما نرصد التكفير نرصده لفظاً، وعندما نرصد التكفير نرصده قولاً. أمّا الأصل فينا أن نرصده فعلاً وسلوكاً يجب أن نعترف أنّ "داعش" و"جبهة النصرة" في سوريا قد بقيت خمس سنوات بشكل كامل وحكمت محافظات كثيرة وبزعمها أنّها تحكم بكتاب الله وسنّة رسول الله. وبالتالي هنالك أطفال كُثُر رُبّوا على هذا الفكر، رُبّوا على هذا التوجّه، رُبّوا على النَيْل من الآخرين، رُبّوا على إلغاء الآخر، رُبّوا على تكفير الآخر. فبالتالي، الإشكالية بالإضافة إلى النجاحات العسكرية يجب أن تكون هناك نجاحات فكرية، والنجاحات الفكرية يجب أن يتصدّى لها علماء ذوو خبرة فقهية تأصيلية عقدية متينة للردّ على هؤلاء، وللنَيْل ممَّن أراد من هؤلاء.

محمّد عدنان الأفيوني هو سلسلة تُضاف إلى سلاسل كبيرة جداً من الضحايا التي قدّمت في هذا البلد، ومن الضحايا التي قدّمت في الجزائر وفي السودان، وفي مصر، وأيضاً في المغرب. ويجب ألا ننسى جبهة البوليساريو وكذلك في باقي البلاد الإسلامية. فإذاً هناك اشكاليات كبيرة جداً يجب ان نعترف بها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور سفير هي كارثة عبر التاريخ، والذي أؤمِن به، وتؤمِن به قطعاً أنّ هذا التكفير يجب أن يتوقّف، يجب أن يتوقّف، يجب أن يتوقّف.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ أعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

إعادة الفلاش الذي ورد في بداية الحلقة

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا نحن نعالج موضوع شهادة الشيخ محمّد عدنان الأفيوني مفتي دمشق وريفها.

وهو يتحدّث في التقرير الذي مرّ تذكَّرت يوم القيامة، واستحضرت عدداً كبيراً مئات الآلاف من العلماء والمفكّرين الذين يبعثون مذبوحين، ويقولون للمولى عزّ وجلّ يا ربنا هذا سفك دمنا، وأخذ روحنا، ويتَّم زوجاتنا، ويتَّم أولادنا إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

دكتور محمّد ما يؤلمك، وما يحرقك، وما يبدّدك، وما يستفزّك، أّنّ علماء أفتوا بقتل علماء، وأّن فقهاء أفتوا بقتل فقهاء. رأينا مَن أصدر فتوى قتل الشهيد العملاق البوطي رحمة الله عليه الذي بلغ الثمانين، وكان يحاضر في المسجد عن الإيمان، الإيمان بالله ورُسله وملائكته وكُتبه ومع ذلك فجَّروه تفجيراً. هؤلاء العلماء ألا يتّقون الله عندما يبيحون روح إنسان وإزهاق روح إنسان؟ عِلماً أنّ الإسلام ما احتاط في شيء مثلما احتاط في الدماء.

 

محمّد هشام سلطان: نعم، الحقيقة أنّ الأمر مؤلم جداً، وللغاية. ومهما تصوّرنا هذا الألم ألم كبير جداً. عندما نتصوَّر الآن أنّ العلماء في العالم الإسلامي وهؤلاء العلماء في العالم الإسلامي الآن يؤيّدون الإرهاب، وللأسف الأكثر الذي نراه أنّهم لا يدعون إلى الجهاد في سبيل الله ضدّ إسرائيل، والمفروض أنّ العلماء جميعاً يجب أن يتحوَّلوا للجهاد ضدّ إسرائيل، والمفروض أنّ العلماء جميعاً أن يتحوَّلوا ضد التطبيع. لم يبقَ الآن على الساحة إلا سوريا، ونقول سوريا ومَن معها والمقاومة الموجودة هي الوحيدة الآن على الساحة.

وللأسف الشديد من أيام الإمام علي كأنّ الحق يُقْتَل والباطِل هو الذي يظهر الآن ظهور الباطل على الساحة العربية والإسلامية أمر مؤسف جداً، عندما نرى مثلاً مصر وعلماء مصر، أين هم علماء مصر الآن؟ ليتحدَّثوا عمّا يجري على الساحة وعن حُرمة الدماء وعن حُرمة دماء المسلمين، وعلى حُرمة دماء العلماء هذا غير موجود الآن. وبالنسبة للجزيرة العربية كلّها الآن داخلة في الفكر الإرهابي، داخلة في الفكر الصهيوني، أصبحنا لا نعوِّل عليها على الإطلاق، ولذلك ما يجري على الساحة أمر مؤلم جداً، وهذا الذي يجري الآن كأنّه إرهاب للعلماء، أيّها العلماء لا تتحدّثوا عن الدفاع عن المُقدّسات الإسلامية لا تتحدّثوا عن فلسطين، لا تتحدّثوا عن القدس، لا تتحدّثوا عن الأرض العربية، والاستعمار الجديد الذي دخل الأرض العربية، أو الاحتلال الجديد إن كان احتلالاً اقتصادياً، أو سياسياً، أو ثقافياً جميع أنواع الاحتلال، لا أحد يتحدّث بذلك على الإطلاق، ومَن يتحدّث كأنّهم يقولون له سيكون مصيره هو مصير الشيخ عدنان، مصير الشيخ البوطي، مصير العلماء الذين قُتلوا قبل ذلك. 

ولكن هذا يجعلنا نفكّر كثيراً، ونفكّر ملياً أنّ على علماء المقاومة وعلى علماء بلاد الشام يقع حِمل كبير جداً لأنّهم أمام مؤامرة علمية كبرى أمام قضية تزوير إسلامي يجري على الساحة تزوير للفتوى، تزوير لكلّ ما يجري لأنّ مَن يريد أن يعتبر أنّ هناك تطبيعاً مع إسرائيل، ويعتبر أنّه ليس هناك أرض فلسطينية، وليس هناك أقصى وليست هناك مُقدّسات. إذاً معنى ذلك كأنّهم يُهيّئون الأمر لإسرائيل والموساد الإسرائيلي يريد العلماء الذين يسيرون في صف تأييد وجودهم، هم كيف خرج بعض العلماء في الجزيرة العربية في السعودية مثلاً، وقالوا باعتبار أنّ هذه أرض فلسطين، هذه أرض إسرائيلية، وليست أرض فلسطينية.

هذا الذي يجري أمر مؤسِف، نحن نحتاج الآن إلى العلماء أصحاب الأقلام الحرَّة أمثال الشيخ عدنان رحمه الله والشيخ البوطي رحمه الله وجميع مشايخ بلاد الشام، والحقيقة أنّ علماء الشام فيما ما عشت معهم، وأنا اعتبر نفسي خادماً لهم كلّهم الآن على فكرة المقاومة المقاومة الفكرية، المقاومة المقاومة الثقافية، المقاومة بل الدخول في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. ولذلك نحن الآن نرى أنّ هناك مؤامرة، وهذه المؤامرة تسير، ونعم كما ذكرت يريدون أن يتّهموا النظام السوري كما تقول العرب رمتني بدائها وانسلّت هؤلاء الآن هم الذين يفعلون كلّ الآثام ويريدون أن يحمّلونها على الآخرين، لكن إن شاء الله هذه كأنّها دعوة إلى الصحوة الإسلامية. وأنا أفكّر بألم كيف يتحرّك علماء الإسلام على الساحة العربية والإسلامية لمقاومة الوجود الإسرائيلي، والتطبيع الإسرائيلي وانزلاق كل الأمّة الآن، والحُكّام تحت أقدام إسرائيل، وهذا ما لم يكن يتصوّره أحد من العلماء.

لم يتصوّر علماء الإسلام لا في القريب ولا في البعيد أن يحدث مثل هذا الأمر، ولذلك هذا ما أدّى بهم إلى قتل الشهيد المجاهد الشيخ عدنان الذي استشهد، وهو يحمل قلمه ولسانه وفكره ويناضل في سبيل الأمَّة العربية والأمَّة الإسلامية.

الأمَّة الآن تمرّ في مرحلة صعبة جداً، وكما هو معروف الآن عندما يقال صفقة القرن كأنّ صفقة القرن هي الاعتراف بأنّ الأرض الفلسطينية والأرض العربية والمُقدّسات الإسلامية هي أرض إسرائيلية، وهذا الآن يُمرَّر على الساحة العربية، وعلى الساحة الإسلامية عن طريق الحُكّام خاصة حُكّام الجزيرة العربية والخليج، للأسف الشديد ونتمنّى أن تكون هناك شعوب مثل شعب البحرين الذي يتحدَّى والذي يقوم والذي يقاوِم كلّ ما تفعله الآن، الحكومة هناك من تطبيع مع إسرائيل للأسف نتمنّى أن تصحو الشعوب إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: إن شاء الله بحول الله وقوَّته إن شاء الله.

دكتور سفير التاريخ العربي والتاريخ العالمي سيكتب قريباً عبارة قائمة على جناحين سيقول هذا التاريخ إن سوريا العربية انتصرت بفضل جيشها العربي السوري، وبفضل جيش العلماء الربّانيين فيها. لا شك أنّ جيش العلماء في بلاد الشام لعبوا أدواراً كبيرة في تفكيك الإرهاب والعنف، وسحب الشرعية من "داعش" و"النصرة" و"القاعدة" و"جيش الإسلام" و"لواء الرحمن"، و"لواء الفرقان"، وكل الألوية التي ظهرت في بلاد الشام. لكن هل استهداف الأفيوني اليوم الغرض منه البحث عن انتصار وَهْمي ما دامت سوريا استرجعت 90 بالمئة من أراضيها.

 

سفير أحمد الجراد: لا شكّ هذا سؤال كبير جداً، ويتحمّل أكثر من محور أستطيع أن أقول إنّ ميزة ما يتميّز به الشعب السوري بشكل خاص أنّ لديه التفاف حقيقي حول علمائه. الشعب السوري لديه حقيقة التفاف لديه ثقة، لديه وَعي بأقوال ومُفردات الخطاب الديني الذي يتحدّث به علماؤنا الكبار يجب أن ننطلق أيضاً من منطلق آخر أنّ علماءنا الكبار علماء ليسوا فقط مرحليين قُطريين، إنّما هم أممّيين أنت الآن عندما تتحدّث عن الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي فهو على مستوى الأمَّة، وعندما تتحدّث عن الدكتور رواهبة الزحيلي فهو على مستوى الأمَّة. عندما تتحدّث عن الحبنكة فهم على مستوى الأمَّة، عندما تتحدّث عن المدارس الدينية عندما تتحدّث عن مجمع الفتح الإسلامي والعلماء الذين فيه تتحدّث على مستوى أمَّة. هؤلاء كلهم استطاعوا أن يشكّلوا منظومة ريادية مفادها التفاف الشعب حول هؤلاء العلماء، فترتيب منطق الأمور أن يكونوا هؤلاء العلماء بصدارة رفض الخطاب الديني، رفض خطاب الكراهية، رفض خطاب التحريض، رفض خطاب التكفير، رفض خطاب القتل والذبح وما شابه ذلك.

يجب أن نعلم أيضاً أنّ الخطابة المنبرية التي تميّزت فيها دمشق وضواحيها، وعموم سوريا هي خطابة مسؤولة استطاعت أن تقف أمام مفردات التكفير الذي ظهر من قِبَل "داعش"، ومن قِبَل "جبهة النصرة"، فبالتالي ترتيب منطق الأمور أنّ هؤلاء العلماء كان على عاتقهم إلى جانب الانتصارات العسكرية والأمنية أن يكون هناك انتصار عقدي، انتصار سلوكي، انتصار ديني، واستطاعوا أن ينجحوا بشكل كبير، والدكتور البوطي أسَّس بنياناً كبيراً فلا أن يتهاوى أضاف له رصيد الكثير من العلماء آخرهم أيضاً الشيخ عدنان الأفيوني.

إذاً في المجمل ما يُميّز علماء بلاد الشام أنّهم يحملون قيمة علمية مركزة قيمة فُقهية استدلالية مُعاصِرة مركزة قيمة ذات دلالات كبيرة تأتي في نفوس الشعب. أستطيع أن أقول إنّ هؤلاء العلماء لسبب أو لآخر رأى المُبغضون الالتفاف الشعبي والجماهيري حولهم فعزّعليهم هذا الالتفاف، وعزّ عليهم انتصار هذا الخطاب فآلت الأمور إلى ما آلت إليه، من قَتْل لهذا العالم أو ذاك وما شابه ذلك  كما أنّ هناك أيضاُ مظلّة ريادية علماء الشام يحكمهم مجلس شرعي كبير هو المجلس الفُقهي أو المجلس العلمي أو المجلس الدَعَوي هؤلاء يجتمع فيه كبار علماء بلاد الشام، ويؤسِّسون أيضاً للخطاب الديني المُعاصر وللخطاب الديني الأفاقي الذي يجب أن يكون طبعاً، هذا ليس بالكافية ويجب أن نعترف أيضاً أنّه حتى في خطابنا، هناك تقصير كبير جداً حتى في طروحاتنا، هناك تقصير كبير جداً يجب ألا نلغي هذا الأمر، لكن ما نعوّل عليه الآن الأدوات البسيطة التي يمتلكها هؤلاء العلماء استطاعت أن تكفي إلى حدٍ ما الغرض. لكن أقول إنّ جولة مهمة لضيفك الكريم الذي اتهم العلماء بالسكوت على التطبيع، أستطيع أن أبشّر وأطمئن هذا العالم الكبير الذي استضفته أنّ علماء مثلاَ دول الخليج يرفضون، بل يلفظون ما آلت إليه دولهم بقضايا التطبيع.

وعلماء العالم الإسلامي هناك مرجعيات كبرى في العالم الإسلامي يلتفّ حولها الخطاب الديني المُعتدل يلتفّ حولها الخطاب الديني الأفاقي المستقبلي الذي نريد علماء الأمَّة في جميع أمصار الأمَّة فيهم الخير وفيهم الريادة، وفيهم القيادة، وفيهم الفعل، وفيهم الإدراك. وبالتالي دائماً نتّهمهم هذا فيه إشكالية كبيرة جداً، إنّما هناك جهد فردي نعم لا يوجد جهد مؤسّساتي نعم المرحلة تتطلّب جهوداً أكبر من هذا نعم، لكن كلّهم على خير الشعوب العربية قاطبة ترفض التخاذُل الذي يخرج من هذا الحاكم أو ذاك. التخاذل اتجاه قضايانا ومُقدّساتنا، أو حتى اتجاه نصوصنا الدينية أنا أعتقد وعلى اطّلاع دقيق من خلال الاختصاص الذي أنا فيه أنّ هناك كثيراً من العلماء في دول الخليج الذين يرفضون ليس فقط التطبيع، إنّما يرفضون التفلّت الأخلاقي الذي بدأ يظهر ويرفضون ويرفضون ويرفضون. والدليل على ذلك أن كتاباتهم ومدوّناتهم وتغريداتهم هي أشهر من أن تُذكَر، فإذًا الأمّة على خير وعلماؤها على خير، لكن الجهود فردية، نعم لا توجد جهود مؤسّساتية تجمع هذا الشتات نعم، لكن الأمَّة فيها خير وعلماؤها على خير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور سفير صدقت صدقت فينا الكثير من أوراق القوَّة المفروض أن ننظّمها، وننسّقها أوصيكم بنظم أمركم نظم الأمور يؤدّي إلى نتائج إيجابية.

دكتور سفير لعب الشيخ الشهيد رحمة الله عليه الذي دُفِنَ اليوم في صالحية دمشق دوراً كبيراً في المُصالحة، وكان يقنع المسلّحين بالعودة إلى أحضان الشعب، أحضان الوطن ماذا عن هذا الدور الجليل في الإصلاح بين السوريين أنفسهم؟

سفير أحمد الجراد: الشيخ محمّد عدنان الأفيوني كما قلت في بداية الحلقة كان لديه سابقة أو تميّز عن أقرانه بأنّ لديه حضور لدى جميع الأطراف استطاع الجانب العسكري والجانب الأمني أن يوصيه بمهمّات ريادية في هذا الشأن، ملف المُصالحة ملف شائك وخطير، ففي سوريا لأنّه مُتشعّب، ومُتعدِّد الأفكار أولاً، ومُتعدِّد الغايات ثانياً، ومُتعدِّد التمويل ثالثاً، فبالتالي الشيخ عدنان الأفيوني كان يسير على حقل من الألغام حقل من الألغام لإيجاد آليات التوافق المعرفي والتوافق السياسي، فبالتالي استطاع أن ينجح نجاحات كبيرة، هذه النجاحات الكبيرة استطاعت أن تؤثّر على كثير، والعديد من الشباب الذي انتمى إلى هذه الجماعات الإسلامية، أو تلك من الجماعات التكفيرية، واستطاع أن يقنعهم برهانية المرحلة وضرورة العودة إلى نَبْذِ الكراهية، وضرورة العودة إلى أحضان البلاد وضرورة العودة إلى مفهوم الشباب القِيَمي الذي نحن بحاجته في هذه البلاد، وكان لديه خطاب كما قلت لك في بداية الحلقة كان يجمع بين الحال والقال، فخطابه التأثيري الدعوي العرفاني خطاب ملموس لا ينكره أحد وخطابه أيضاً التأثيري في الجانب السياسي في الجانب الأمني كان أيضاً مشهوداً له به.

فإذاً، هو من العلماء القلائل جداً الذين نحا منحى المصالحة، ومنحى التوافق ما بين السياسيين والأمنيين، وما بين الأجهزة الأمنية والمصالحات الشبابية، واستطاع أن يؤثّر وبحرفيّة عالية، أن يمسك خيوط ملفات دقيقة جداً في هذا الوقت العصيب المرحلة كانت فيها قضايا كارثية كبيرة استطاع أن يشكّل منظومة مفهوم المُصالحة تُحْسَب له، وهي في ميزان حسناته.

 

يحيى أبو زكريا: وأتذكّر دكتور سفير في ليلة شامية جمعتني بالشهيد رحمة الله عليه، وسهرنا إلى ما شاء الله وكان يسألني عن ظروف نجاح المُصالحة الوطنية في الجزائر التي وضعت حداً للفتنة العمياء في وطني الجزائر. وأتذكَّر قلت له يا شيخ عدنان أدعُ لي يرحمك الله قال لي والله سأصلّي صلاة الليل وأدعو لك. أمّا الآن فقد صار شهيداً رصيدك عند الله صار أكبر فادعو لي واشفع لي عند الله تعالى.

دكتور محمّد هذا النمط من العلماء يبقون في الذاكرة، يبقون في المؤثّرات التاريخية في مقولات الرجال هو صحيح لم يكن يؤلّف كتباً، كان مشغولاً بتأليف الرجال وله طلاب كثر في العالم العربي والإسلامي من الجزائر، من تونس، من موريتانيا، من المغرب، وكذلك من بقيّة الأمصار فكان مشغولاً بتأليف الرجال. كيف نُحيي سِيَر هؤلاء المُصالحين هؤلاء المُحبّين لله علماً هو لحبه لرسول الله سمّى إبنيه محمّد وأحمد حفظهما الله، بالإضافة إلى أولاده الثلاثة الآخرين.

 

محمّد هشام سلطان: هذا الأمر هام للغاية وقبل أن أتحدَّث عن هذا الموضوع أحبّ أن أشير إلى ما أشار إليه الدكتور سفير باعتبار أنّ هناك علماء على الساحة العربية والإسلامية يعارضون لا شكّ ترفض التطبيع وترفض كلّما يجري، لكن هذا الأمر كبير جداً هذا ليس أمراً عادياً المفروض أن غالبية العلماء مفروض أنّهم جميعاً يرفضون ما يجري على الساحة العربية والإسلامية الآن، هذا الأمر أنا لا أتصوّر كيف يقبل المسلم العادي فضلاً عن العالِم الآن، كيف يقبل أن تصبح فلسطين هي أرض إسرائيل؟ وكيف يقبل الإنسان العادي أيضاً في نفس الوقت اغتيال العلماء الأحرار؟ طبعاً نحن نربط الأمرين مع بعضهما البعض، الأمر الأول أنّه باعتبار القبول بأنّ هذه أرض إسرائيلية، هذا أمر لا أتصوَّر أن يقبله إنسان، أو أن يسكت عليه لا يكفي الآن أنّ هناك علماء ساكتون يجب أن يرتفع صوت العلماء في هذا الأمر لأنّه هذه هي المحنة التي هي على الساحة.

بالنسبة إلى الشيخ عدنان وإحياء ذكرى هؤلاء الناس وأمثالهم هذا أمر ضروري جداً والمفروض الكتابة عن الشيخ وأعماله وما قام به الشيخ تصوير حياة الشيخ، وذِكريات حياة الشيخ لتكون عبرة لجميع الناس الذين أيضاً في نهاية المطاف يطلبون الشهادة في سبيل الله ملياً بجسمه باعتبار على الأقل أن يجاهد بعقله بقلمه بلسانه بكل ما يمتلك، هذا أمر ضروري جداً والتاريخ نفسه سيُسطّر كما سطّر الآن التاريخ سِيَر العلماء الذين قُتِلوا في التاريخ الإسلامي والأولياء الذين قُتِلوا في التاريخ الإسلامي وأسباب قتلهم وأيضاً التاريخ الحديث سيُسجّل اغتيال هذا الرجل، وقَتْل هذا الرجل واستشهاد هذا الرجل العالِم سيُسجّله التاريخ، ويبقى ذكرى للأجيال، وهذا واجبنا نحن واجب الأهل واجب القريبين منه والذين لهم به صلة أو بأبنائه صلة أو بالناحية العلمية أنّ هؤلاء الناس الآن عليهم أن يُحيوا تاريخ هذا الرجل المجاهد ليكون عبرة أيضاً لمستقبل الأجيال خاصة إنّنا نحن نُقبل على سلسلة، ربما تكون من الاغتيالات للعلماء الأحرار أصحاب الكلمة الحرَّة ربما ليست هذه الحادثة النهائية الأخيرة، وإنّما أتصوَّر أنّه مع اشتداد الحملة اليهودية والإسرائيلية والصهيونية على الأمَّة العربية أن يزداد اغتيال العلماء الأحرار والإعلاميين الأحرار، وكل الناس الذين يحملون مشاعل النور، هذا أمر ربما يكون أمراً سيسري على الساحة، ولكن نسأل الله أن يحفظ هذه الأمَّة، ويحفظ علماءها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد هشام خيانة لله ولرسوله وللصالحين في هذه الأمَّة أن يتخلَّى الشُرفاء عن القِيَم والمبادئ التي كرّست في الواقع العربي بالدماء والتضحيات والله لإن قطّعونا إرباً إرباً لما تخلينا عن هذه القِيَم، عن هذه المبادئ حتى نلقى المولى عزّ وجلّ وتبيّض وجوهنا عنده.

الدكتور محمّد هشام سلطان من الأردن الحبيب شكراً جزيلاً لك، دكتور سفير أحمد الجراد من سوريا المُنتصرة شكراً جزيلاً لك، وعظّم الله أجوركم جميعاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل