مولد النور والرحمة

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

قال الله تعالى في محكم التنزيل: "وما أرسلناك إلّا رحمةً للعالمين"، وقال البصيري في بردته: "فاق النبيين في خَلق وفي خُلق ولم يدانوه في عِلم ولا كَرَمِ، وكلّهم من رسول الله مُلتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم.

عند الحديث عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ومولده تستحي البلاغة، ويتراجع الكلام، وتحمَّر الفصاحة خجلاً وتطرق لغة العرب برأسها فأنّى لكل لغات العالم أن تُحيط بقامة شامِخة باسِقة كالرسول الأعظم. تروي السيّدة آمنة بنت وَهب أمّ الحبيب والطبيب ما رأته ليلة ميلاد النبي، وهي القصة التي رواها إبن عباس رضي الله عنهما وذكرتها كُتب السيرة النبوية بحسب ما جاء في دلائل النبوَّة لأبي نعيم، والخصائص الكُبرى للسيوطي، والسيرة الحلبية والمواهب اللدنية للقصطلاني، والبداية والنهاية لإبن كثير، وبشائر الأخيار في مولِد المُختار لأبي العزائم. فقد روى إبن عباس رضي الله عنهما أنّ آمنة بنت وَهب قالت لمّا أخذني ما يأخذ النساء، ولم يعلم بي أحد لا ذَكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، وفي مجال آخر قالت لم أرَ وجعاً، لمّا حملت برسول الله، ولم أشعر بالحمل ولم يُصبني ما يُصيب النساء من ثقل الحمل، ورأيت في نومي كأن آتياً أتاني، وقال لي قد حملتي بخير الأنام. فلمّا حان وقت الولادة خفّ ذلك عليَّ حتى وضعته، وهو يتقّي الأرض بيديه، وسمعت قائلًا يقول وضعت خير البشر، فعوّذيه بالواحِد الصمد من شرّ كل باغٍ وحاسِد فولدت رسول الله عام الفيل.

ولِدَ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يتيماً حيث توفّى عبد الله إبن عبد المطلب والد النبي عند رجوعه من الشام في تجارة لأبيه عبد المطلب. فمرض وتوفّى من مرضه وزوجته آمنة حاملة بمحمّد ودُفِنَ جثمانه الطاهر في دار النابغة فيالمدينة المنوّرة. ويجمع المؤرِّخون وكتَّاب السِيَر والصحابة والتابعون وأهل البيت عليهم السلام أنّ الرسول عندما ولِدَ كان ينظر إلى السماء، وهو مَن أعاد ربط الأرض بالسماء. وقضى بالكامل على الوثنية والشرك وعبادة الأصنام، وقاد البشر إلى الله تعالى وإلى رحمانيّته ورحمته وكرَّس الرحمة والسلام والمودَّة والمحبَّة والتعاون والإيثار، وكفالة الأيتام ودعم الفقراء ومواساة الملهوفين. لقد كان الرسول عنواناً لكلّ القِيَم السامية والراقية، وقد مدحه ربّه جلّ في عُلاه قائلاً: "وإنّك لعلى خُلق عظيم". وأحسن منك لم ترَ قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مُبرَّأ من كل عيّب كأنّك قد خُلِقَتَ كما تشاء. 

"مولِد النور والرحمة" عنوان برنامج ا ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الشيخ أسامة السيّد مدير فرع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في البقاع، والمُنْشِد المُبْدِع الأستاذ الحاج محمّد رمال، ومساعده الأخ الفاضل مروان كوثراني.

مشاهدينا نبارك لكم مولِد النور والرحمة ومرحباً بكم أساتذتي الأعزّاء محمّد هلّا أمددت رسولنا بحبالك الصوتية الجميلة، وبك نبدأ.

 

محمّد رمال: صلّى الله عليه وآله.

نشيد حبيبي قد شرح صدري.

 

يحيى أبو زكريا: طيَّب الله أنفاسكم شيخنا عندما يذكر الإنسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقشعِّر بدنه، ويقشعِّر قلبه حديث لا يمكن أن يُحيط برسول الله. ماذا عن هذا الإنسان العظيم الذي مدحه ربّه جلَّ في عُلاه؟

 

أسامة السّيد: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، مَن ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير وأصلّي وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى إخوانه النبيّين والمُرسَلين وآل بيته الطيّبين وأصحابه الطاهرين، وأزواجه الطاهِرات أمَّهات المؤمنين وعلى مَن سار على هُداهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد لا شكّ أنّ ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام استثناء عظيم في حياة المسلمين في فرحتهم وبشاشتهم، وإقبالهم لذلك ومن مئات السنين جرى الناس على الاحتفال بميلاد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأقاموا الموائِد والطعام والشراب والصدقات، فلذلك هذا الأمر هو مجمع عليه في الأمّة أمر المولد النبوي الشريف لأن الله تعالى قال وأفعلوا الخير.

في هذا المولِد ماذا يحصل؟ مَدْح النبي عليه الصلاة والسلام، وتلاوة شيء من القرآن الكريم، موعِظة ودعاء وإطعام الطعام.

 

يحيى أبو زكريا: صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

أسامة السيّد: أليس هذا فيه الخير العظيم؟ وهنا نقول للذين يقولون عمل المولِد بِدعة بِدعة قبيحة، وبِدعة مُحرَّمة، وإلى ما هنالك من الكلام الذي شنّوه على هذه الأمور الشريفة الطاهرة، هذه المُنَقِّبة العظيمة التي سارت على مسارها الأمَّة في كل أنحاء العالم الإسلامي، نقول لهم الله تعالى قال في القرآن الكريم "وكلاً نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعِظة وذِكرى للمؤمنين".

أنظر إلى هذا الدليل العظيم على عمل المولِد الله تعالى قال إنّه يقصّ على النبي عليه الصلاة والسلام قصص الأنبياء الذين سبقوه قال ما نثبت به  فؤادك فيه هذا الأمر تثبيت لفؤاد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وجاءك في هذه الحق وموعِظة وذِكرى للمؤمنين إذا كان هذا في الأنبياء الذين سبقوه، فكيف بنبّينا محمّد عليه الصلاة والسلام إذا تذاكَرنا في صفاته وأعماله الطيّبة الطاهرة. فلذلك الأمَّة الإسلامية سارت على هذا المسار وليس لأحد أن يقول إنّما يحصل في بعض الموالد فيه فساد نحن لا نلغي المساجد إن حصل في بعض المساجد فساد، لا نلغي الطبّ إن غشّ بعض الأطباء ولا التجارة إن غشّ بعض التجّار إنّما نبيّن حال الفساد الذي حصل في تلكم الناحية.

 

يحيى أبو زكريا: ثمّ شيخنا كم تستفيد الأمَّة عندما تستحضر رسول الله، وعندما ترتقي الأمَّة إلى أخلاق رسول الله فإنّ العالم كلّه يرفع القبَّعة للمسلمين إذا التزموا بمسلكيّة الرسول وأخلاق الرسول، وطُهر الرسول، وإيثار الرسول، ورحمة الله.

 

أسامة السيّد: الالتزام بمحبّة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس مجرَّد كلام، قال الشاعر وكلٌ يدّعي حباً بليلى وليلى لا تقرّ له بذاك، إذا اشتبكت دموع في خدود سيعلم مَن بكى ممَّن تباكى، هذه المسألة هنا ليست هي مجرَّد قيل وقال، إنّما هي التزام "قُل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله"، لذلك نشب الآن خلاف كبير جداً بين الإفراط والتفريط، الإفراط غلوّ والتفريط غلوّ. والله تعالى أمرنا بألا نغلوا في ديننا سبحانه وتعالى، فلذلك النظر إلى الذين مثلاً أفرطوا إفراطاً شديداً بما يزعمونه حباً للنبي عليه الصلاة والسلام الذين هم جَهَلة المُتصوّفة، الصوفية الصادقة لا شكّ هم مصابيح الأمَّة، لا شكّ في ذلك. لكن نشأت بعض الحالات والعياذ بالله تعالى مثل الذين نسبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما لا يليق به. فمثلاً بعضهم يقول محمّد بشر، وليس كالبشر، بل هو ياقوتة، والناس كالحجر هذا كلام لا يليق أبداً، لذلك قال البصيري فمبلغ العِلم فيه أنّه بشر، وأنّه خير خلق الله كلهم. والله تعالى قال "قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ"، فلذلك هنا نقول أيضاً بعضهم والعياذ بالله تعالى نسبوا للنبي أنه يعلم الغيب كل الغيب، والله تعالى ردّ في آياتٍ كثيرةٍ في القرآن الكريم إنّ الغيب لا يعلمه إلا الله، هو نعم قد يُطلِع الله تعالى بعض عباده على بعض غيبه، وليس على كل الغيب، والآيات في ذلك كثيرة. ومن هنا نقول أيضاً من جملة المُبالغة والمُغالاة قولهم في كتاب يُسمَّى مولد العروس نسبوه لإبن الجوزي، وهو منه بريء يقولون وقبض الله قبضة من نور وجهه، وقال كوني محمّداً فصارت محمّداً. أعوذ بالله هذه عقيدة الحلول، وعقيدة الاتحاد أشدّ أنواع الضلال والإلحاد، والقول بالحلول والاتحاد أي جعلوا أنّ النبي صلَّى الله عليه وسلّم هو جزء من الله، وفي عقيدة الإيمان أن الله لا يحلّ في شيء، ولا ينحلّ من شيء.

 

يحيى أبو زكريا: شيخنا إذا تركنا كل ما قيل ويُقال، وإذا بقينا أمام الرسول العظيم المولى عزّ وجلّ قرن إسمه بإسم رسول الله، إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً. هذا الاقتران الغَرَض منه أن يتذكَّر المسلمون رسول الإسلام دائماً وأبداً، فالقول ببدعة الاحتفال بالرسول هو قول مردود، هذه المسألة صارت مطروحة ومرفوضة جملة وتفصيلاً. كيف نحتفل برسول الله هنا السؤال؟

 

أسامة السيّد: الاحتفال برسول الله صلَّى الله عليه وسلّم هو السير على منهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكل ما تعني الكلمة، يرى آثار النبي في سُنّته وفي مقالته وفي كل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هكذا يكون الاحتفال. لذلك الاحتفال به يكون على مدار السنة، وليس أننا نتربَّص يوماً في السنة نقيم فيه الاحتفالات، علينا أن نبتعد عن الغلوّ في الإفراط وفي التفريط، بعض الناس الآن على مواقع التواصُل الاجتماعي كتبوا مقالات أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يكن أميّاً، وقد ذُكِر ذلك في القرآن الكريم أنّه كان أمّياً، بل قالوا كان يعرف سبعين لغة، وكان يعرف القراءة، ويعرف الكتابة.

لذلك هؤلاء والله تعالى قال "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المُبطلون، وقال "الذين يتبعون الرسول الأمّي"، وفي البخاري ما أنا بقارئ. من هنا نقول ينبغي على مثل هؤلاء الناس أن يتّبعوا القرآن والسنّة حتى يكنّوا له الحب، "إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله"، لذلك من الذين غلوا أيضاً قالوا النبي عليه الصلاة والسلام نور، أخذوا بحديث موضوع مكذوب معروف بحديث جابر أول ما خلق الله نور نبيّك يا جابر، هذا حديث موضوع أشار إليه الحفّاظ أنّه موضوع، وقد أشار الحافظ الغماري المغربي كَتَبَ كتاب الإرشاد الحائر في وضع حديث جابر، يعني في وضعه أي أنّه هو مكذوب، وبعضهم يقولون عن النبي عليه الصلاة والسلام إنّه أول خلق الله تعالى والله تعالى قال وجعلنا من الماء كل شيء حيّ. هذه المسائل، وهذه المُغالاة، التي ينبغي أن  تخرج عن المسار النبوي الشريف.

 

يحيى أبو زكريا: مشكلة بعض المسلمين يا شيخنا أنهم تركوا الفيض الربّاني الذي هو رسول الله، بدل أن نخوض في القضايا الكلامية والقضايا العقائدية والسفسطائية، فلنتعلّم من رسول الله ولنتّخذه نهجاً وفيضاً لأنّ إحياء ذكرى رسول الله إحياء للنفوس، إحياء للأرواح، إحياء للقِيَم النبيلة التي بدأت تموت في عصر العَوْلَمة. ماذا تقول يا حاج محمّد؟

محمّد رمال: أولًا سلام عليكم ورحمة الله سماحة الشيخ وأستاذي يحيى، ولكل المشاهدين.

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله.

 

محمّد رمال: أنا هذا السؤال أعجبني جداً، وأحببت أن أعلّق عليه كيف نحتفل برسول الله صلَّى الله عليه وآله. أعتقد أنه يجب علينا أن نلتزم بأخلاق رسول الله وبسيرة رسول الله وبمنهج رسول الله، وبكتاب رسول الله، وبخط رسول الله وسيرته العَطِرة، هكذا نحتفل بهذا النبي العظيم.

 

يحيى أبو زكريا: رسول الله لم يكُ سبّاباً، لعّاناً، شتّاماً بذيء اللسان، وهكذا الانتصار للرسول الأعظم.

 

محمّد رمال: نعوذ بالله إنّي لم أُبْعَث لعّاناً، "إنما بُعِثْتُ رحمة للعالمين"، "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، والآية الثانية تقول "وما أرسلناك إلا شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسِراجاً منيراُ".

 

يحيى أبو زكريا: تصوَّر لو أنّ كل المسلمين ارتقوا إلى أخلاق رسول الله، ما كان العالم كله يرفع القبّعات لرسول الله وللإسلام؟

 

محمّد رمال: طبعاً.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً بحبالك الصوتية أهدنا شيئاً لرسول الله.

 

محمّد رمال: صلّى الله عليك يا رسول الله.

نشيد يا ذا المكيّة.

 

يحيى أبو زكريا: طيَّب الله  أنفاسكم مشاهدينا، نواصل بُعيد الفاصل، فلا تذهبوا بعيداً.

 

المحور الثاني:

 

نشيد: بحبك وبريدك.

 

يحيى أبو زكريا: آجركم الله أثرت لواعجنا وأشجاننا.

شيخ أسامة الرسول لم يُبْهِر العرب الذين نظّموا فيه شعراً، وكتبوا بلاغة، وقالوا فيه لا أقول مئات آلاف الأبيات، إنّما ملايين الأبيات وقد أشرت إلى البوصيري رحمة الله عليه وغيره الكثير. أيضاً أدهش مُفكّري أوروبا وعلماء أوروبا، ومُفكّري المركزية الغربية والحضارة الغربية الذين وقفوا مُحترمين أمام رسول الله صلّى الله عليه وآله.

 

أسامة السيّد: صلّى الله عليه وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: صلّى الله عليه وآله.

 

أسامة السيّد: أنا في بداية الحديث قلنا حبّ النبي بين الإفراط والتفريط، تحدَّثنا عن الإفراط، وأريد أن أتحدَّث عن التفريط حتى أصل إلى هذا الأمر.

 

يحيى أبو زكريا: أنا أتمنَّى لو تذهب مباشرة إلى هذا المحور لأنّ الوقت يُداهمنا، ونترك خلافات المسلمين إلى مركزية الإسلام وجماله، لأنّ الاستغراق في خلافات المسلمين يزعج قليلاً جماليّة الرسول.

 

أسامة السيّد: بعض الناس الذين دخلوا على الخط.

 

يحيى أبو زكريا: علًّمنا رسول الله ألا نتحدَّث على أحد، أدخل مباشرة في رسول الله.

أسامة السيّد: هو قال عليه الصلاة والسلام حتى متى تريعون عن ذِكر الفاجِر، أذكّره بما فيه حتى يحذّره الناس، والحقيقة أولئك بالنسبة لهذا الأمر، هذا أمر مهم جداً جداً حتى يعلم الناس هذه الحقيقة. أمّا بالنسبة للأمر الذي ذكرته.

 

يحيى أبو زكريا: مفكّرو أوروبا والرسول؟

 

أسامة السيّد: وما يحصل الآن في الغرب، وبالتحديد في فرنسا، وما يحصل فإنّنا نقول الخطأ لا يُعالَج بالخطأ ممّا كان، وحيثما كان فمقالة الرئيس الفرنسي ماكرون عن الإسلام والمسلمين مقالة بمُنتهى الخطورة، وكان عليه أن يُميِّز بين الإسلام وأدعياء الإسلام زوراً وبهتاناً، ولا يأخذ الصالِح بجريرة الطالِح، وأنا الآن لن أردّ عليه بكلمةٍ لن أقول قال الشافعي، وقال مالك، بل أقول لكل الفرنسيين وللغربيين ارجعوا إلى مقالات فلاسفتكم ومُفكّريكم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندي عشرات المقالات في هذا الصَدَد، ولكن سأكتفي بمقالات المُفكّرين الفرنسيين بالتحديد أقول لهم أنتم هذه ثقافتكم التي تعتبرونها ثقافة، وهذا تاريخكم وهذه رجالاتكم عودوا إليها، وانظروا ماذا قالوا عن الإسلام.

قال الفيلسوف الفرنسي كارديفو إنّ محمّداً كان النبي المُلْهِم المؤمَن، ولم يستطع أن يُنازعه أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها، وقال لامارتين عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو فاتِح أقطار الفكر ورائِد الإنسانية إلى العقل، وناشِر العقائد المُحرِّرة للإنسان ومؤسِّس دين لا وثنية فيها. ويقول المُفكّر الفرنسي والتر إنّ السنن التي أتى بها النبي محمّد، كانت كلّها قاهِرة للنفس ومُهذَبة وجمالها جَذْبٌ للدين المُحمدي غاية الإعجاب، ومُنتهى الإجلال، ولهذا أسلمت شعوب عديدة من أمم الأرض حتى زنوج أواسط إفريقيا وسكان جزر المحيط الهندي. ونحن نعلم أنّ أندونسيا هي أكبر بلد إسلامي، الآن كيف أسلمت جاء الحضارِمة من اليمن تجّار، ودخلوا إليها وجدوهم لم يغشّوا، لم يكذّبوا، لم يتعاطوا.

 

يحيى أبو زكريا: نشروا الإسلام بأخلاقهم وأخلاق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

 

أسامة السيّد: صحيح ولم يصل جيش إلى هناك حيث فتحت هذه البلاد فتحت القلوب، ولم تفتح الجيوب بهذه العقيدة الطيّبة الطاهرة. وقال غوستاف لوبون ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب، وأخيراً الحل لهذه المشكلة المُتفاقِمة، ليست بمناقشة الاعتذار، وعدم الاعتذار أو استيراد المنتوجات الفرنسية أو عدم استيراد المنتوجات الفرنسية. الحل باستصدار قانون يُجرِّم كلّ مَن سبّ الله وملائكته وكُتبه ورُسله أسوة بالقانون الفرنسي الذي يعتبر الاستخفاف بالهولوكوست، أو التقليل من شأنها جريمة يُعاقِب عليها القانون، وبالفعل قد عاقب بعض المُفكّرين الذين قالوا مثل هذا الكلام بالسجن، وكذلك النَيْل من السامية أيضاً جريمة يُعاقِب عليها القانون، لماذا لا يستصدر قانون بأن مَن نال من الله أو رسله أو أنبيائه أو الكتب السماوية؟ لماذا أليس أن الله تعالى أحقّ وأعظم؟

وأريد أن أقول أمراً بقانون العلمانية الذي صدر عام 1905 هم يعتبرون أنّ العلمانية مُتمسّكون بها على أنّها من أعظم مظاهر الحضارة الفرنسية، قالوا إنّ العلمانية على مسافة واحدة من كل الأديان إذا كانوا يريدون العلمانية بهذا المفهوم، لماذا لا يلتزمون؟ ولماذا ينالون من رموز عظيمة عند المسلمين؟

 

يحيى أبو زكريا: أنظر شيخنا العزيز رغم الإساءات البالغة لرسول الله، وأنا أتذكَّر عندما بدأ التحامُل عليه في جريدة يولاند بوستن الدنماركية كنت في شمال أوروبا. هذه المسألة دعت الناس هناك إلى قراءة الإسلام والتعرّف إلى الإسلام، وقد حاورت مئات الشخصيات التي أسلمت، ودوَّنت ذلك في كتابي "المُتحوّلون إلى الإسلام في الغرب". أجمع الجميع أنّ أخلاق رسول الله جرَّتنا إلى الإسلام. مهما حاولوا فإنّ شمس رسول الله تظلّ ساطِعة، والرسول صنعه المولى عزّ وجلّ وما صنعه المولى يبقى ويدوم إلى أن تقوم الساعة. فماذا تقول عن هذه الشمس الساطِعة عن هذا القمر المُنير عِلماً.

أستاذ محمّد الله يخاطب نوح، يقول له يا نوح يا إبراهيم يا موسى يا عيسى عندما يصل في الخطاب القرآني إلى رسول الله يا أيّها الرسول، يا أيّها النبيّ، احترام ربّاني لرسول الله فصلّوا عليه وآله يا سيّدي.

 

محمّد رمال: صحيح اللّهمّ صلّ وسلّم، على محمّد وعلى آل محمّد الطيّبين الطاهرين.

 

يحيى أبو زكريا: أسمعنا الآن يا محمّد.

 

محمّد رمال: كلّما زادت هذه الحملات الإعلامية على النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله، فليعلموا أنّه يزداد رُقياً وسمّواً وعلواً في أخلاقه، وفي مناقبيّته، وفي سيرته وأخيراً سيقولون إنّ الله حق نسأل الله تعالى.

 

يحيى أبو زكريا: وسوف يظهر على العالم كلّه.

محمّد رمال: إبن رسول الله.

يحيى أبو زكريا: بحول الله وقوَّته.

 

محمّد رمال: إبن رسول الله سيظهر ويملأ الأرض قسْطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً.

 

يحيى أبو زكريا: بحول الله وقوَّته.

 

محمّد رمال: إن شاء الله.

نشيد: قمر سيّدنا النبي.

 

يحيى أبو زكريا: لله ذرَّك، ولله صوتك يا حاج محمّد.

 

محمّد رمال: سلَّمك الله.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أسامة إلى أيّ مدى يحتاج المسلمون اليوم إلى سيّدي ومعشوقي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلّم للقضاء على الفِتَن الداخلية التكفير والتقاتُل والتباغُض والتنابُذ بالألقاب إلى تكريس الحبّ، وثقافة السلام والعدل والوِئام، ودعم الفقراء والمُحتاجين اليوم في خط طنجة جاكرتا؟

 

أسامة السيّد: لا شكّ كما قلنا في بداية الحديث الالتزام بالمنهج النبوي الشريف الله تعالى قال: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك". في صحيح البخاري أنّه دخل أعرابي المسجد، فبال في المسجد فهمَّ الصحابة أن يقعوا به، فالنبي عليه الصلاة والسلام، قال دعوه لأن لا تتوسَّع دائرة البول في المسجد، ثمّ كلّمه كلاماً لطيفاً، قال له إنّ هذا المسجد لا ينبغي أن يكون فيه كذا وكذا، فأعجب الأعربي بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، فقال اللّهمّ ارحمني ومحمّد، ولا ترحم معنا أحداً. النبي عليه الصلاة والسلام، قال له لقد حجرت واسعاً الله تعالى يرحم مَن يشاء رحمته واسعة سبحانه وتعالى.

يحيى أبو زكريا: رحمته واسعة.

أسامة السيّد: إذاً النبي كونه دعا له ومدحه ما سكت على هذه المخالفة في الشرع، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يُطيل السجود في الصلاة حتى يركب أحد أبناء فاطمة الحسن أو الحسين على ظهر جدّه صلّى الله عليه وسلّم يُطيل السجود.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح سلام الله عليهم جميعاً.

 

أسامة السيّد: والصحابة أدركوا ذلك، وهو في السجود تصوّر اليوم رجل يسجد فامتطى ولده ظهره فماذا تفعل أمّه به قد تلطمه لطماً شديداً؟

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيّد: فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يسير في بعض أحياء المدينة المنوّرة، فتأتي البنت الصغيرة تمسكه بيده وتأخذه فيسير معها من أجل أن يقضي لها حاجتها أفضل الخلق، أعظم الخلق سيّدنا محمّد يمشي مع بنت صغيرة فتاة صغيرة من أجل أن يقضي لها حاجتها. ومرّة كان يسير في بعض الشوارع، فرأيناه في حيّ بني النجار بعض الفتيات، فصرنا يقرعنا بالدفء، ويقلنا نحن بنات من بني النجاري نحن جواري من بني النجاري يا حبّذا محمّد من جاري. النبي ما قال لهم أسكتوا صوت المرأة عورة، بل قال لهنّ، والله إنّي لأحبّكم والله إني لأحبّكن صلّى الله عليه وسلّم بهذه الأخلاق العظيمة النبيلة الطاهرة الرحيمة.

 

يحيى أبو زكريا: هذه الرحمة المُطلقة حتى أنّه لما أوذيَ من قِبَل قومه جاءه جبرائيل عليه السلام يا محمّد مرني أطبق عليهم الجبلين.

 

أسامة السيّد: الأخشبين.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت الأخشبين، وقال لربّه ربي إهدي قومي فإنّهم لا يعلمون. هذا رسولنا جميل خلقاً وخُلقاَ راقٍ في كل تفاصيله، والله مهما حاولت أن تجد لرسول الله منقصة، فهو الكمال عينه يا شيخ أسامة، هو الكمال عينه.

أسامة السيّد: ما أُعطيَ الكمال البشري في الخلق، ولا في الخُلق كما أُعطيَ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبداً صلّى الله عليه وسلّم. لذلك مرة كان النبي صلّى الله عليه وسلّم مُنصرِفاً من إحدى الغزوات، فكان مُستلقياً فجاءه أحد الكفَّار الذين كانوا يقاتلونه، فأخذ سيف النبي ورفعه عليه، وقال له مَن يمنعك منّي يا محمّد قال له الله، فوقع السيف من يده، فأخذ النبي السيف، وقال له مَن يمنعك مني، قال يا محمّد كن خير آخذ، كن خير آخذ فعفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام فأسلم وأسلمت به قبيلته.

 

يحيى أبو زكريا: وهكذا قال للقُرشيين اذهبوا فأنتم الطُلقاء، أيضاً الجميل والأجمَل أنّ الرسول يوم القيامة عندما يتساءل الناس عن أنفسهم يقول يا ربّي أمّتي أمّتي.

 

أسامة السيّد: كل الأنبياء تقول يا ربّ نفسي، إلا رسول الله يقول يا رب أمَّتي.

 

يحيى أبو زكريا: نحن وصلت حلقتنا إلى تمامها، ومع رسول الله لا يصل شيء إلى تمامه لو استطعنا أن نتكلَّم عن رسول الله نحتاج إلى مليارات والله مليارات الحلقات.

مشاهدينا بهذه المناسبة قناة الميادين تُهديكم أجمل التبريكات بمولِد النور محمّد رسول الله.

ونشكر ضيوفنا الأعزّاء الشيخ أسامة السيّد، الحاج محمّد رمال، والأخ مروان كوثراني الفاضل المحترم. ووصلت حلقتنا الجميلة عن رسول الله إلى تمامها والكلام على الجميل جميل، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

ومُبارك لكم ميلاد النور، ميلاد الرحمة ميلاد العظيم العملاق الرسول الخالِد الذي سيظلّ خالِداً. 

إلى صوت محمّد.

 

نشيد: يا آمنة بُشراكِ.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل