المرأة في العالم العربي

وضع المرأة في العالم العربي ، وكيف يتم التعامل معها في الأزمات والحروب والجوائح؟ المرأة والنظام الرسمي العربي، وهل ستبقى مشاركتها مجرد كوتا ومنحة؟ وماذا عن المراة والسلطات الدينية والتنمر والإقصاء؟

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، نحن على مقربةٍ من مئتي عامٍ من افتتاح أوّل مدرسةٍ للبنات في المشرق وفي لبنان تحديداً، فيما لم يتوقّف أيّ نهضوي عن المطالبة بتحرّر المرأة من المُعلّم بطرس البستاني إلى فرنسيس المرّاش والشيخ رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، وخروج نساء إلى عالم الصحافة والعمل الاجتماعي. بعد هذا الوقت الطويل والتغييرات التي طالت العالم وموجات حقوق الإنسان وتطوّرات العِلم كيف يبدو وضع المرأة في العالم العربي؟ وهل تبوّأت مكانتها المُستحقّة؟ أين هي في الأزمات العربية؟ وما الصعوبات التي تواجهها في أزمة كورونا مثلاً؟ وكيف يتعامل معها المجتمع البطريركي هذا؟ هل توقّف التنمّر والتعامل الفوقي وصولاً إلى الإلغاء؟ هل خفّت القيود الاجتماعية والدينية؟ وأين موقعها؟ إنها الأسئلة المِلحاحة التي سنسوقها إلى الدكتورة فاديا كيوان المديرة العامّة لمنظمة المرأة العربية ذات التاريخ الطويل في الاهتمام بشؤون المرأة، لكن بعد تقريرٍ عن وضع المرأة العربية.

تقرير: 

يُشبه وضع المرأة العربية وضع المرأة في مناطق أخرى من العالم من حيث الظلم والأمّيّة والبطالة والعُنف الأُسري وعدم المساواة، وربّما ارتبط هذا الظلم بالموروث الثقافي والمُعتقدات الدينية المُتعصّبة، لكنّ المرأة تحوّلت بنفسها في غالب الأحيان إلى وكيل النظام الأبوَي الذي يتولّى قمعها.

تشير الدراسات إلى انخفاض نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل في الدول العربية خلال السنوات الخمس الماضية وحرمانها الدخول في قطاعاتٍ مثل الإنشاء والتعدين والبترول والبنى التحتية، إضافة إلى عدم وجود عقود عملٍ وتغطيةٍ صحية ووجود قوانين لا تحمي العامِلات في المنازل.

ويُعدّ مُعدّل العنف ضد المرأة الأكثر ارتفاعاً في العالم رغم التقدّم الإيجابي على مستوى التشريعات والقوانين التي لا تُطبّق فعلياً.

وشهدت مشاركة المرأة في صنع القرار وفي البرلمانات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط ارتفاعاً ملحوظاً، لكنّ مشاركة النساء في صُنع القرار والحياة السياسية لا تزال مُحاطةً بمجموعةٍ من العوائق.

كان للإرهاب والتكفير في المنطقة أثرٌ بالغٌ على النساء والفتيات من حيث انتهاك الحقوق والعنف الجنسي والاجتماعي والجسدي، لكن رغم كل هذه الظروف تتمسّك المرأة العربية بحقوقها الأساسية وبمكانتها في تقدّم المجتمع وازدهاره، وهذا لن يكون بمعزلٍ عن تحرير المجتمع بكامله من الموروث التقليدي والتمييز بحقّ النساء وإقامة المساواة الكاملة.  

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أهلاً بكِ دكتورة فاديا كيوان ضيفة عزيزة، بسبب كورونا أجّلنا هذا اللقاء تسعة أشهر أو أكثر لكن سيّدتي بعد سنتين ونيّف من إدارتكِ لمنظمة المرأة العربية كيف هو وضع المرأة العربية؟  

فاديا كيوان: دور المنظمة ريادي لكنّ وضع المرأة العربية لا يتوقّف فقط على نشاط المنظمة. وضع المرأة العربية فيه جوانب مُشرقة وجوانب مؤلمة، ربّما لديّ شخصياً توجُّه دائماً إلى الاهتمام بالأضعف، بالحلقات الأضعف في العالم العربي اليوم وهنّ نساءٌ مُهجّرات ونازحات بمئات الآلاف مع عوائلهنّ، كذلك هناك عنف في العديد من المناطق ما زال مُستشرياً ويطال النساء في كل الحالات إن كان في الأسرة في المنزل أو في الطريق أو التنمّر في الشارع أو في مكان العمل، هناك ظاهرة عنف، أعتقد أنه أمامنا الكثير من العمل من أجل تقليصها ومن ثمّ إيجاد مناخ عام يُدين هذه الممارسات. هذه الجوانب المؤلمة ولكن الجوانب المشرقة متعدّدة، هناك نساء في مواقع متقدّمة في العلوم، في التكنولوجيا، في الأبحاث العلمية، هناك نساء في مواقع متقدّمة في نقابات المِهن الحرّة، في ريادة الأعمال. طبعاً عامّة النساء لسن في هذه المواقع المُتقدّمة ولكن انكسر الجدار، وبات مألوفاً اليوم أن تتقدّم النساء إلى مواقع مسؤولية وأن تبادر إلى تأسيس مؤسّسات وإلى نجاحات مهنية في كل المجالات، وفي المجال السياسي أنا أعتقد أن العشر سنوات الأخيرة كان فيها تبدُّل فعلي، سيتمّ انتقاد هذا الأمر وقد سُمّي ب "نسوية الأنظمة" أي أن الحكومات انحازت للنساء واعتمدت الكوتا أو عيّنت النساء في مواقع مسؤولية.

غسان الشامي: هذا سأناقشه لأن حوله مجموعة من إشارات الاستفهام والالتباسات.

فاديا كيوان: ولكن برأيي من هذه الناحية أيضاً هناك نساء تألّقن في مواقع مسؤولية قيادية، صحيح أن الفرصة أتت عبر التعيين والتسمية لكن كانت أدوراهنّ جيّدة ورصينة وناجحة، لذلك برأيي علينا أن ننظر إلى موضوع المرأة باعتدال وبواقعيّة وان ننظر إلى الكوب بنصفيه الملآن والفارغ. أنا أشكر هذا الموقف الشغوف الذي تختلط به المرارة لأنك بالطبع تريد أن ترى المرأة مُتفلّتة تماماً من كل القيود وحرّة وتعيش بكرامتها، لكن هذا الأمر لا يمكن أن يحصل بين ليلةٍ وضحاها، أنا لا أؤمن بالتغيير بل بالتطوير ليس لأنني لا أحبّ التغيير، أنا راديكالية ومبدئية جداً في مواقفي السياسية العامة.

غسان الشامي: معروف تمرّدكِ منذ الصِغَر.

فاديا كيوان: صحيح ولكن التغيير غير ممكن، حتى إذا بدّلنا في الظاهر هناك تربة يجب أن تتغيّر وهذا الأمر يأخذ وقتاً، لذلك أقول بواقعية إنه علينا أن ننظر إلى المؤشّرات التي ترصد تطوّراً ونحمد الله عليه. 

غسان الشامي: سنحاول أن نضع أيدينا أو أصابعنا أو أن ندلّ لأنه كما كنت أريد أن أقول لكِ، نحن في الميادين وفي هذا البرنامج المجموعة كبيرة من النساء، نحن منحازون لأن يكون للمرأة دورٌ غير شكلاني، عملاني فعلاً في مجتمعنا كي نتطوّر، ولكن سيّدتي البلدان العربية لنأخذ هذا الكأس الفارغ قليلاً إذا سمحتِ لي حتى نحاول تعبئته معاً، بلدانٌ عربية كثيرة مأزومة، هناك حروب وهناك احترابات، هناك وقائع اجتماعية قاتمة وقاتلة، وأنتِ تعلمين أنه في الأزمات تشتدّ الأزمات على المرأة، كيف تقرأون أنتم كمنظمة، كيف ترصدون واقع هذه المرأة العربية في البلدان المأزومة؟ 

فاديا كيوان: أولاً وضع المرأة العربية ليس ظاهرة منسجمة مُتجانسة، هناك نماذج متعدّدة للمرأة العربية، تختلف الأمور من دولة إلى أخرى، ومن المدينة إلى الريف، ومن الطبقة الميسورة إلى المتوسّطة إلى الفقيرة، من النساء اللواتي يعملنَ أو تلك اللواتي يبقينَ في البيت ولا يخرجن من البيت للعمل أو للاندماج الاقتصادي. النساء اللواتي انخرطن في حياةٍ مجتمعية مفتوحة وتلك اللواتي يحصرن حياتهنّ واهتماماتهنّ بالمحيط المباشر المحلي، هناك اللواتي انخرطن في الحياة السياسية وهناك اللواتي تألّقن في مواقع ثقافية وإعلامية، وفي الوسط العِلمي الأكاديمي هناك العديد من النساء في كل الدول العربية من الخليج إلى المحيط ولكن نعود إلى التفاوت في ما بين الدول العربية، حينما نقول المرأة العربية نتحدّث عن امرأة قد تكون في بلد غنيّ أو فقير.

غسان الشامي: المرأة في بلدٍ غنيّ مثل السعودية مثلاً ماذا؟ 

فاديا كيوان: وضع المرأة في السعودية يتطوّر بسرعة.

غسان الشامي: السعودية ليست في المنظمة؟

فاديا كيوان: ليست في المنظمة وليست موضوعنا اليوم، ولكن بما أننا فتحنا موضوع السعودية أنا في العام الماضي حصلت على فرصة لطيفة جداً مع مؤسّسة الفكر العربي حيث ذهبتُ إلى مؤتمر في الخُبَر واختلطت بسيّدات سعوديات ورجال ممّن كانوا في المؤتمر، وتحدّثت مع العديد منهم وشعرت أن هناك الكثير من الأمور التي تبدّلت اليوم في السعودية، هناك أمور تتغيّر بسرعة والشيء المُلفت أن هناك تشجيع على دخول الإناث إلى المدارس وانخراط النساء في سوق العمل. برأيي أن هذه خطوات مهمة جداً على طريق تغيير الذهنية السائدة.   

غسان الشامي: ليس فقط هذا التهليل للسماح لهنّ بقيادة السيارة.

فاديا كيوان: هذا شيء شكلي ولكنّه مؤشّر، هناك تغيير حقيقي في النظرة إلى المرأة وهناك توثُّب للنساء السعوديات للتقدّم في المجالات العلمية والأكاديمية، وكذلك للانخراط في سوق العمل. في الخليج بصورة عامة هناك إقدام من النساء للدخول إلى سوق العمل، هناك الكثير من النساء يهتممن بإنشاء مؤسّسات صغيرة الحجم، وهذا الأمر سِمة في كل دول الخليج تقريباً من عُمان إلى الكويت إلى السعودية إلى الإمارات.

غسان الشامي: إذا عدنا كما كنتِ ترسمين الوضع لأننا دخلنا في السعودية هكذا عرضاً. 

فاديا كيوان: اليمن وموريتانيا وضعهما مختلف عن الخليج.

غسان الشامي: المشرق. 

فاديا كيوان: المشرق عموماً، المرأة في المشرق بسبب النسيج الاجتماعي القبلي والعشائري قد تكون هناك بنية بطركية تؤثّر سلباً على المرأة، وهذا الأمر لسوء الحظ مع أن المشرق مُتقدّم في العديد من المجالات العلمية والثقافية وحتى الاقتصادية من زاوية المؤشّرات المبدئية للتنمية الاجتماعية، ولكن هناك خاصة خارج المدن تسلُّط للذهنية العشائرية في بعض الدول، في العراق مثلاً.

غسان الشامي: قرأتُ تقريراً مأساوياً عن وضع المرأة في العراق. 

فاديا كيوان: هناك أمر مُتناقض في العراق، دخلت المرأة إلى البرلمان بنسبة 25% وتمّ إدخالها إلى مواقع صنع القرار في كل المجالات، وفي نفس الوقت نعرف أنه في البيئة التقليدية وفي الأرياف وفي العُمق الداخلي للبلد في مرحلة معيّنة عندما تداعت الدولةعادت البنية العشائرية للسيطرة وأصبحت الأسرة في عهدة وفي حماية العشيرة، وجاء ذلك للضغط على المرأة كما الرجل كأفراد لصالح التراتبية العشائرية. هذا النسيج الاجتماعي له تأثيره بصورة خاصة خارج المدن الكبرى، وفي الدول التي ليس فيها حضور قوي للدولة، هناك دولة عميقة في بعض الدول، المغرب فيها دولة عميقة، مصر أيضاً، وبالتالي إذا اتّخذت إجراءات وأصدرت تشريعات فمن الممكن أن تطبّقها وأن تخلق مع الوقت الإطار من أجل تقدّم المجتمع بكامله، وهناك دول أخرى "مائعة"، لن أعطي أمثلة عن "المائعين" لإسمح لي.

غسان الشامي: أنا أعرف حساسيّة دورك. الغرب رسم في العشر سنوات الماضية، من المِحن التي تعرّضت لها هذه الدول صورة وردية للمرأة العربية بمعنى أنه استلّ نساء فرادى وقال إن المرأة لها دورٌ كبير في المجتمع، عندما نظرنا إلى السياق العام وجدنا أنه كما يوجد هؤلاء هناك أيضاً الكثيرات خاضعات لهذا التناقض.

فاديا كيوان: يوجد هذا النموذج والنموذج الآخر، وحتى اليوم إذا كان هناك من سِمة مشتركة بين الدول العربية على المستوى المجتمعي فهو هذه النزعة التي تدفع إلى الأمام ونزعة تدفع إلى الوراء، وهاتان النزعتان موجودتان في أحشاء المجتمع الأهلي، ولسوء الحظ برأيي أننا نخطو خطوة إلى الأمام وفي بعض الأحيان خطوتين إلى الوراء، وفي الحالات المثالية التي تدعو إلى التفاؤل نخطو خطوتين إلى الأمام ولكن تأتي خطوة إلى الوراء وتشدّ المجتمع إلى الوراء. مؤخراً أصدر الرئيس الفلسطيني قراراً بتحديد سنّ الزواج ب 18 عاماً، هذا إنجاز عظيم لأنه يتّفق والاتفاقيات الدولية والمعايير التربوية المعاصرة، ولكن هناك معارضة شديدة في بعض الأوساط في بلده. في لبنان مثلاً لم ننجح في التوصّل إلى هكذا قانون يحدّد السن الأدنى للزواج، في مصر تمّ تحديد سن الزواج للشاب والفتاة ب 18 عاماً وهذا أمر مُتقدّم، حينما جاء الرئيس مرسي حاول أن يلغي هذا القانون وتصدّت له الفئات النسائية والمُتنوّرون في المجتمع واستطاعوا منع التراجع عن هذا القانون. إذاً أحياناً يكون هناك تقدُّم وإذا كانت هناك ممانعة يأتي مَن يدافع عن التقدّم. في تونس الأمر نفسه بعد الربيع العربي حين جرت مناقشة الدستور جاء من أوساط النهضة مَن يطرح استبدال كلمة المساواة بين الجنسين بكلمة الإنصاف، فحصلت اعتصامات في الشارع التونسي وتمّ التصدّي لهذا التغلغل للفكر الرجعي، وتمّت المحافظة على مبدأ المساواة لا بل ذهبت تونس بعيداً في تطبيق التناصف، أي نصف للنساء ونصف للرجال في الانتخابات وهذا أمر ذكي وفيه حِنكة لأنه لا يعطي النساء مِنَحاً وإنما يعطيهنّ الفرص حيث يدخلن في السباق السياسي عبر التناصُف الأفقي والعمودي. إذاً هناك حالات، لا أريد أن أعتبرها "فلتة شوت"، ما جرى في المملكة المغربية منذ العام 2004 كان خطوة مُتنوّرة جداً باتجاه تطوير قانون الأسرة، طبعاً هناك مدوّنة الأسرة في تونس منذ أيام الرئيس بورقيبة، ولكن في العقود الأخيرة المبادرة التي اتّخذها الملك المغربي كانت مهمة جداً حيث قاموا خلال سنتين بمشاورات مع كل فئات المجتمع ومن ثمّ وضعوا تقريراً لجلالة الملك، في هذا التقرير انقسمت اللجنة المُكلّفة بإجراء المشاورات على نفسها، فكان مَن موقفه أتى محافظاً والفريق الآخر كان مُتنوّراً وأراد أن تذهب التشريعات إلى الأمام، فوضعوا تقريران لجلالة الملك وهو قام بالاختيار وسارت المملكة المغربية إلى الأمام، في العام 2011 كذلك حصلت تعديلات في الدستور المغربي. إذاً في بعض الأحيان هناك خطوات تنجح، أنا لا أرى أن الأمور تنقلب رأساً على عقب لأن الأمر ليس ممكناً، لا يمكن أن تتطوّر المرأة وأوضاعها إذا كان المجتمع نفسه لا يتقبّل الأمر.

غسان الشامي: كنت أريد أن أسألكِ عن السلطات السياسية والمرأة، سنأتي إليه في المحور الثاني إن شاء الله، ولكنّكِ مررتِ على المجتمع، لا يمكن قيام تحرُّر أو مساواة من دون مجتمع مُتحرّر، من دون مجتمع مُتقدّم، هل قرأتم في المنظمة دكتورة كيوان واقع المجتمع العربي؟ وهل هو قادر على أن يعيد إنتاج نفسه وأن يضع المرأة في مصاف إعادة بناء المجتمع؟

فاديا كيوان: لا يجوز التعميم في هذا المجال ولكن أقرّ معك بأن الأمر ليس سهلاً، ليس نزهةً أبداً لأن المجتمع عموماً، كل مجتمع يتّجه نحو إعادة إنتاج نفسه في ما لو لم توجد قوى في داخله تدفع به نحو التغيير، مَن هي القوى التي ستدفع به نحو التغيير؟ هي الفئات الشابة المُتعلّمة ولكن نحن نعرف أن العِلم ليس بمتناول الجميع من حيث نوعيّة التعليم، إذاً البعض يدخل إلى المدرسة ويتخرّج منها ويحمل شهادات ولا يكون مُتعلّماً أبداً، هناك مشكلة جودة التعليم. كذلك في بعض الأوساط هناك مقاومة من البيئة الأسرية والمحلية خارج المدن بصورة خاصة وإن دخلت الإناث إلى المدارس، لا يتقبّلون أن تعمل أو أن تعمل في بعض المجالات. لاحظنا هذا الأمر مثلاً في بعض دول الخليج، أنا لا أعمّم أبداً ولكن لاحظنا أن ارتياد الإناث للاختصاصات العلمية والتكنولوجية مُلفت جداً، مُتقدّم عن نسبة الشباب، ومن ثم بعد التخرّج تهبط إلى مستويات دنيا مسألة الدخول إلى العمل لأن البيئة لا تتقبّل بسهولة.

غسان الشامي: والسلطات الدينية ما دورها في إقفال الأفق أمام المرأة؟

فاديا كيوان: السلطات الدينية ليست بموقفٍ واحد في مختلف الدول العربية، أنت تعرف هذا الأمر، في بعض الدول السلطات الدينية تحت سلطة النظام نفسه.

غسان الشامي: أوبمعنى أنهما يتبادلان.  

فاديا كيوان: في بعض الدول هما شركاء، في بعض الدول السلطات الدينية تأتمر من السلطة السياسية كما عند جيراننا. في بعض الأحيان السلطات الدينية تأخذ مبادرات، أنا حضرتُ اجتماعاً دعا إليه مفتي الأزهر الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيّب، قال فيه أمام 20 شخصاً مُهتمّين بالتربية والإعلام أنه سيفتح باب الاجتهاد وطلب مساعدتهم، أنه لا يمكن النظر إلى النصوص بشكلٍ حرفي ونبقى مُتخلّفين عن العصر، أنا لا أريد أن أنقل كلاماً عن لسانه ولكنني تفاجأت وسررتُ بهذا الموقف.

غسان الشامي: ولكن لم يمرّ قانون التوريث ولا قانون الحضانة بالنسبة للمرأة. 

فاديا كيوان: الأمور لا تزال في بداياتها.

غسان الشامي: سيّدتي أنا سعيد بأنكِ تصرّين على النصف المملوء من الكوب ولكن في مصر لا التوريث ولا الحضانة، أعلى نسبة من التحرّش الجنسي، أنتِ تعرفين أن المرأة في القاهرة لا تستطيع أن تمشي في الشارع من دون أن تسمع كلاماً.

فاديا كيوان: هناك عقوبة للتحرّش وتدريجاً يجب أن تُطبَّق العقوبة والأهم من ذلك يجب أن يكون المجتمع أكثر تقبّلاً لخروج المرأة إلى الشارع واحترامها من دون التعرّض لها، إذاً الموضوع ثقافي أيضاً، علينا أن نعمل على التشريعات وتطبيقها وليس وضعها في الخزانة، وكذلك علينا أن نعمل على تطوير الثقافة السائدة عبرالتربية، عبر وسائل الإعلام وعبر الدعوة والمُناصرة التي تقوم بها مؤسّسات المجتمع المدني والتي يمكن أن تشكّل قوّة ضغطٍ كبيرة جداً ضدّ السلوك، جنحة بدايةً أو جناية التنمّر أوالتحرّش بالنساء.

غسان الشامي: إسمحي لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتورة فاديا كيوان، انتظرونا إذا أحببتم.

المحور الثاني:   

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، دكتورة كيوان سأتابع معكِ أحياناً بخفوت وأحياناً بحدّة قليلاً، سيّدتي هناك نساء كثيرات يتبدّى لنا أنهنّ لا يردن الخروج من إسار الرجل أو من تحت عباءته، يمكن بحُكم الدين أن الرجال قوّامون على النساء أو أن الرجل في المسيحية هو رأس المرأة أو أنهم استمرأوا هذا النموذج البطريركي منذ زمنٍ طويل، ماذا يمكن أن تفعل لهم منظمة عربية؟ تكلّمتِ بشكل جميل عن المفهوم الثقافي، كيف يمكن ضخّ المفهوم الثقافي في بنية المجتمع العربي؟  

فاديا كيوان: أنت تكلّمت عن أنهنّ قد يكنّ استطيبن أن يعشن في وضعٍ مُعيّن، بالأمس كان لدينا مُنتدى افتراضي وكانت إحدى السيّدات متدخّلة ولديها ورقة وعرضت ورقتها، وعندما بدأ النقاش دخلت على النقاش وقالت ابنتي تبلغ من العمر 12 عاماً لم تأكل لأنني معكم اليوم، إذا كانت ابنتها بهذه السنّ هل عليها ألا تشارك في هكذا مناسبات؟ هي تستطيب الحياة التقليدية التي تعيشها ومرتاحة، نحن لا نريد من الناس أن يُغيّروا عنوةً، نريد منهم أن يشعروا تدريجاً أنهم غير مُقيّدين وألا تمييز في حقّهم وأن لديهم الفُرَص، لا قيود عليهم ولكن هذا يعني أنهم مسؤولون، مسؤولية نفسه وكرامته، عليه مسؤولية أن يكون عضواً مُنتجاً في المجتمع، ألا تكون مُقيّدة هذا لا يعني أن تخرج حينما تشاء، ليس هذا هو الموضوع، الإنسان غير المقيّد لديه حرية وكرامة شخصية وعليه مسؤولية تجاه نفسه وتجاه مجتمعه ليكون مُنتجاً. لا بأس إذا كانت بعض النساء تفضّل البقاء في المنزل فنحن لا نجبرهنّ على العمل، ولكن لسوء الحظ هناك أمر لا تلتفت إليه المرأة إلا إذا شعرت بألم مُعيّن، تبقى معتبرة أن الحياة سهلة يملأها الفرح والمحبة إلى أن تقع الواقعة، حينها تنظر إلى نفسها، لا تمتلك صنعةً ولا يمكنها أن تتحمّل مسؤولية نفسها، وأحياناً يكون لديها أطفال لا يمكنها تحمُّل مسؤوليّتهم وهي لا تمتلك الإيرادات، تعيش في الذلّ والمَهانة بسبب الهشاشة التي تترك نفسها بها. اليوم يُمنع على أية فتاة أن تفكّر أنها لا تستطيع تحمّل مسؤولية نفسها، ممنوع لأننا لا نعرف ماذا تخبّئ لنا الحياة، عليها أن تكون مسؤولة ومشارِكة للرجل على كل المستويات من المسؤوليات الأسَرية إلى المسؤوليات المجتمعية إلى المسؤوليات العامة الوطنية. المرأة كونها مواطنة لها حق الانتخاب إذاً عليها مسؤولية، وبالتالي لا يجوز أن تكون عضواً خاملاً وساكناً، يجب أن تكون عضواً ناشطاً، ومثلما نحمّل الشاب مسؤولية أن يبني نفسه ومستقبله وأن يفكّر في عياله علينا أيضاً أن نربّي الفتاة بنفس الأجواء لكي تكون الشراكة حقيقية وإلا فإننا نظلم الرجل. على كل حال حتى الآن هو غير مظلوم "وياما ستّي إلها عند جدّي"، ولكن هذا الموضوع عموماً يأخذ وقتاً طويلاً وعلينا أن نعمل عليه بمُثابرة وبصبرٍ كبير وبالتعاون مع الجهات التربوية في كل الدول العربية، لا يمكن أن نُسقط إسقاطاً أية نماذج. 

غسان الشامي: هل تساعدكم السلطات السياسية على هذا؟

فاديا كيوان: السلطات السياسية تساعدنا بقدر المُستطاع، هناك دول متعاونة أكثر من دول أخرى لأن هناك دولاً لديها سياسات عامة أكثر انحيازاً نحو تطوير المرأة من دول أخرى، هذا أمر معروف، فإذاً الدول التي فيها سياسات عامة حيث الدولة بكل مؤسّساتها منحازة انحيازاً إيجابياً تجاه المرأة نرى تجاوباً أكبر من الدول التي قد تكون مجرورة معنا ولكنّها تريد تلميع صورتها أمام المجتمع الدولي لكنّها في العُمق ليست مُلتزمة تماماً بالموضوع، ليس لديّ أمثلة. 

غسان الشامي: سأكون إذاً أكثر حدّة، مَن يكذب على مَن؟ السلطة السياسية تكذب على النساء في الكثير من المجتمعات العربية أم أن النساء اللواتي تجمّعن في جمعيات نسوية يكذبن على أنفسهنّ سيّدتي؟ 

فاديا كيوان: أبداً، أنا أحترم جداً العمل النسائي الأهلي والمدني، وهو الرافعة الحقيقية للتغيير، الموضوع ليس موضوع تكاذٌب لأن السلطة تعطي ما هي قادرة على إعطائه ولكن في النهاية هناك معادلة، نحن في أنظمة فيها انتخابات، كل الدول العربية تقريباً فيها انتخابات، فالنساء هنّ نصف المجتمع الناخب، وهنّ يعطين أصواتهنّ لأناسٍ قد لا يكونوا ملتزمين بقضايا المرأة. إذاً المرأة تتحمّل مسؤولية، طبعاً ليست مسألة تكاذُب ولكن المرأة في بعض الأحيان يكون موقفها مائعاً أي أنها تنظر إلى السياسة بعدساتٍ تقليدية أو بعدسات سياسية عامة، حتى إذا كانت غير تقليدية تكون إيديولوجية، عقائدية، أو براغماتية في الاقتصاد والمجتمع ولكن لا تنظر إلى قضاياها مباشرةً ولا تطلب ولا تفرض على القوى السياسية المُتنافسة للحصول على ثقتها لا تفرض عليها أجندة تدمج فيها قضايا المرأة. العديد من القوى السياسية ما زالت في أغلبيّة الدول العربية تعتبر أن الحديث في قضايا المرأة موضوع يحطّ من كرامتهم أو يضعفهم، وكذلك النساء اللواتي في بعض الأحيان يخفن من طرح قضايا خاصة بالمرأة خوفاً من أن يتمّ عزلهنّ في المجتمع، وعندما يدخلن إلى البرلمان في بعض الأحيان يخفن من حمل كرة النار هذه لأنها قد تكون طريق عزلة لهنّ. المرأة بالطبع عليها أن تهتم بقضاياها، وفي نفس الوقت هي مواطنة تهتمّ بالقضايا العامة، إذاً ما لها لها وما لكم لها ولكم. 

غسان الشامي: دعيني أكمل في هذا الموضوع إذا سمحتِ، كانت إحدى السيّدات وهي تحمل صفة بروفيسورة تحدّثنا على قاعدة أنه يجب أن تكون هناك كوتا للنساء، بمعنى أنها تستجلب أو تتمنّى من السلطة أن تعطيها كوتا، في الواقع أغلب العالم العربي يعمل على قاعدة الكوتا، هل قاعدة الكوتا هي قاعدة حقيقية في المجتمع أم هي نوع من منحة نفاقية؟

فاديا كيوان: سيّدي أنا كنت في الماضي حَذِرة جداً من الكوتا بل كنتُ ضدّها، وكنت أشعر بالمهانة إذا طُرح موضوع الكوتا أمامي، وأنا كنتُ منخرطة في عملٍ سياسي كما تعلمون، كنت أشعر بالمهانة إذا تكلّموا عن الكوتا أمامي ولكن مع الوقت ومع التعاطي في المجتمع اللبناني وفي سائر المجتمعات شعرتُ أن الكوتا هي ممرّ انتقالي قد يساعد في بداية نقلة نوعيّة، وهذا ما حصل في أغلبيّة الدول العربية. المفارقة فعلاً أن البلد الذي عاند كل الاتفاقيات الدولية ومنها "سيداو" ولم يقبل باعتماد الكوتا هو لبنان الذي يعتمد الكوتا الطائفية والمذهبية، هذه مفارقة فعلاً، لماذا نحن نعتمد حتى اليوم الكوتا الطائفية؟ لأننا إذا رفعنا الكوتا يمكن أن يكون هناك ظلم لبعض الفئات في المجتمع، وطالما نحن لم نلغِ الطائفية السياسية فنحن في الواقع ما زلنا مقتنعين أو مُتخوّفين من أنه سيكون هناك عَزْل لبعض فئات المجتمع أو إساءة تمثيل بعض الفئات فيما لو لم تكن حصّتهم محميّة في السلطة. لماذا لا نفكّر بنفس الطريقة بالمرأة؟ هم يقولون إنه من غير الممكن عملياً وضع كوتا للنساء لأنه لدينا كوتا طائفة وكوتا مذهب. 

غسان الشامي: ولكن في الحكومة الأخيرة أتوا بستّ نساء وقيل في مجيء هؤلاء السيّدات ما لم يقله مالك في الخمرة بالديمقراطية، ونحن نعلم جميعاً أن هذا جزء من اللعبة السياسية الداخلية اللبنانية، هل هذه الكوتات هي كي يقول البعض للغرب إننا مُتحضرّون أو إننا قطعنا شوطاً؟

فاديا كيوان: يا سيدّي قد يكون كذلك ولكن لِمَ لا؟ أتت النساء في الحكومة الماضية كما أتى الرجال، لماذا نريد أن ننظر إلى تعيين النساء في الحكومة الماضية بمنظار أو بعدسة مختلفة عن تعيين الشباب الرجال، برأيي إننا نظلم المجتمع ونظلم المنظومة السياسية، أنا لن أدافع عنها أبداً.

غسان الشامي: لا يُدافَع عنها أصلاً.

فاديا كيوان: ولكن في هذا الموضوع أقول إنه في حال لم يعيّنوا النساء نعتب عليهم وفي حال عيّنوا نقول لهم هذا تعيين شكلي.

غسان الشامي: أنا شخصياً مع المجتمع الأمومي. 

فاديا كيوان: ولكن أنا برأيي هذه مرحلة انتقالية، كان هناك سيّدات ممتازات بين السيّدات اللواتي عُيّن وكذلك الرجال والبعض منهم أصدقائي.

غسان الشامي: وهناك سيّدات لم تكنّ ممتازات. 

فاديا كيوان: صحيح، ولكن الجميع برأيي ظُلموا لأن الظروف التي أتوا بها سواء كانوا الرجال أو النساء الذين أعرفهم جيّداً وأحترمهم كثيراً، الظروف التي أتوا بها لم تسمح لهم بالإنجازات، فبرأيي هذا الأمر كان مُسيئاً لهم أكثر مما كان مفيداً باستثناء حمل اللقب. إذاً هناك إطار سياسي وبنية سياسية، هناك مناخ عام تأتي به النساء كما يأتي به الرجال، ما يصحّح الوضع وهذه قناعة عميقة لديّ هو أن ننتقل إلى العمل السياسي المؤسّساتي، أي أن تكون لدينا أحزاب تعمل فعلاً كأحزاب مثل رئيسة وزراء نيوزيلندا التي أصبحت رئيسة حكومة في العام 1938 وأنجبت في العام 1939 وظهرت مع طفلها على الشاشة واصطحبته معها إلى الأمم المتحدة، وكل ما يخلق التوفيق بين نموذج المرأة الأمّ والمرأة العاملة والقائدة السياسية، هذه المرأة بعُمر ال 14 سنة بدأت بالعمل في مخبز إلى جانب الدراسة، وبعُمر ال 17 تركت شيعتها، هم شيعة بالمعنى الحِرفي للكلمة، هم طائفة في نيوزيلندا. 

غسان الشامي: نعم مؤمنون بتعدّد الزوجات أيضاً.

فاديا كيوان: تركت طائفتها والتحقت بحزبٍ سياسي وترقّت في الحزب من مرتبة إلى مرتبة ومن موقع إلى موقع حتى أصبحت رئيسة الحزب وفاز الحزب في الانتخابات وأصبحت هي رئيسة للحكومة. هذا مسار ومَن تنتظر في المنزل ليقوم الزعيم بتعيينها أو بتعيين جارتها مسار آخر، ولكن الحقّ ليس على النساء، الرجال ينتظرون التعيين أيضاً، علينا أن نغيّر النموذج السياسي.  

غسان الشامي: يجب أن نغيّر عقل الرجل أولاً.

فاديا كيوان: العقليات تتغيّر.

غسان الشامي: نتمنّى لأنه من الواضح أن مَن يمسك دائماً بالسلطة من الصعوبة أن يتخلّى عنها.

فاديا كيوان: طبعاً لأن لديه موارد، السياسة هي دفاع عن مصالح ومَن ليس لديه موارد ومَن ليس لديه مواقع ومصالح اقتصادية لن يكترث كثيراً للسياسة ولن تكترث السياسة له. 

غسان الشامي: هل واجهتكم صعوبة ما في بنية المجتمع العربي أو في البنية السياسية لأنني سأعاود الحديث عن المرأة اللبنانية لأن لك باعٌ طويل في هذا الموضوع، ولكن هنا بأن تحرُّر المرأة مُصطلح غربي. 

فاديا كيوان: طبعاً نحن نواجَه في بعض الأوساط على المستوى الشعبي وكذلك على المستوى السياسي أي على مستوى الأنظمة التي تتعامل معنا، هناك بعض المواقف خاصة في ما يتّصل بتطبيق الاتفاقيات الدولية. عُرض علينا في فترة أن تلتزم الدول العربية وأن تنضمّ إلى اتفاقية أوروبية، إلى مجلس أوروبا في مجال حماية المرأة من كل أشكال العنف ضدّها، ففي حينه منذ العام 2016 جاء الاقتراح إلى مجلس النواب اللبناني وتمّ التداول به واستشارتي كخبيرة قبل أن أكون في المنظمة، فقلت كيف ننضمّ نحن كعرب إلى اتفاقية مجلس أوروبا، لماذا لا نجري اتفاقية عربية ونستأنس باتفاقية أوروبا وسيداو وغيرهما من إنتاجنا من دون أن نلتزم بما كتبه الآخرون ويتحفّظ عليه البعض لخصوصيّةٍ ما، فتمّ وضع نص جميل جداً يشمل كل حالات النزاعات المسلّحة والعنف الأسَري والتحرّش، وما زال حتى هذه اللحظة ينتقل من دُرج إلى دُرج في أروقة المؤسّسات العربية المشتركة، ليس عندنا كمنظمة ولكننا دفعنا في هذا الاتجاه ولكن الموضوع يتعثّر لأنه ليس هناك من موقف صريح يريد أن يلتزم حتى بتشريع يكون من إنتاجنا نحن. نحن مررنا بمرحلة كبيرة من الحروب والنزاعات المسلّحة وهناك حالات سيذكرها التاريخ من التعرّض للنساء مثل بيعهنّ في أسواق النخاسة، ولم تكن هناك بيانات استنكار من العديد من المواقع.

غسان الشامي: وحتى الآن في الاحترابات التي حصلت تمّ التعامل مع النساء الإيزيديات كسبايا. سيّدتي بقليل من الوقت إذا سمحتِ كيف هو وضع المرأة اللبنانية؟

فاديا كيوان: وضع المرأة اللبنانية مُلتبس لأنها في نفس الوقت مُتقدّمة جداً بمعايير التحرّر الشخصي ونموّ شخصيّتها وعدم شعورها بوجود قيود تمنعها من التعلّم ومن الانخراط في الجامعة ومن الذهاب إلى العمل والتنزّه وغير ذلك. على العموم من المعروف أن مجتمعنا ليبرالي، وهذا الأمر يعطي المرأة الثقة بنفسها وهناك نظرة من الدول العربية إلى المرأة اللبنانية على أنها فعلاً تتميّز عن سواها، النظرة الخارجية نحوها أنها لديها ظروف متميّزة ولكن في الواقع السياسي النساء مُهمّشات جداً، وهذا الأمر يعود إلى بنية النظام الطائفي الذي يُعيد الذكورية والفكر البطريركي على الطاولة، ويجعل من حضور النساء حضوراً ديكورياً فقط، وهذا الأمر يجب أن يتغيّر ولا يمكن أن يتغيّر بحُسن نيّة بعض الزعماء، البعض حسنو النيّة ولكن هذا لا يكفي أبداً، نحن لا نريد حسنةً من أحد وإن كان بحُسن نيّة، يجب أن تكون هناك مؤسّسات سياسية تعمل في السياسة.

غسان الشامي: يعني أنتم تريدون أن تكون النيّات بالأعمال.

فاديا كيوان: نعم أن تُترجم أعمالاً خاصة أن ننطلق من الأنظمة التقليدية التي نتجمّع حول زعيم ضمن المذهب وضمن الطائفة، وأياً كانت سياسته نبقى معه ولا نحاسبه ولا نطلب منه شيئاً بالأصل، يجب أن نطلب ومن ثم نحاسب. نحن لا نعيش في هذه الآليات، يجب أن ننتقل إلى الحياة السياسية الحديثة.

غسان الشامي: إذا أتينا إلى التعنيف والتنمّر والقسوة تجاه المرأة، هناك دراسات أنه في أزمة كورونا الحالية كثُر هذا، هل لديكم دراسات أن هذا صحيح؟ 

فاديا كيوان: صحيح.

غسان الشامي: وإذا كان صحيحاً علامَ يدلّ بالبنية الاجتماعية دكتورة كيوان؟

فاديا كيوان: سيّدي أولاً نحن تراسلنا مع الدول وطلبنا منهم تقديم التقاريرعمّا حصل أثناء جائحة كورونا وما هي التدابير التي اتُّخذت. نحن رافقنا الموضوع وكنا تباعاً على عِلمٍ بما يجري، فعلاً زادت أوضاع النساء هشاشة وتعرّضن أكثر لأن وسائل الحماية أولاً التشريعية غير موجودة دائماً أو موجودة ولا تُطبّق. المجتمع التقليدي يحبس المرأة عندما يتمكّن من ذلك، هناك مفارقة، الدولة هي التي يمكنها أن تحمي المرأة عبر التشريعات وتطبيقها وتوفير الحماية للمواطنين وبخاصّة للفئات التي قد تكون بوضعٍ ضعيف وهم النساء والأطفال. إذا كانت الدولة غير ماسكة لزمام الأمور تتعرّض المرأة أولاً لسطوة المجتمع التقليدي عليها فيُقيّدها ويتسلّط عليها ويستبدّ بها في غياب التشريعات وفي غياب مَن يحميها ومَن تكون له وظيفة تحكيمية في الموضوع. 

غسان الشامي: في عملكِ الحالي دكتورة كيوان ما آفاق العمل العربي المشترك في موضوع تمكين المرأة إن كان سياساً أو اجتماعياً أو في سوق العمل؟ 

فاديا كيوان: سيّدي نحن كعمل عربي مشترك نعمل في إطار اتفاقية انضمّت إليها بعض الدول العربية وليس كلّها، ومؤخّراً سمعتُ حديثاً جرى في أروقة عربية مشتركة أنه كان هناك حديث عن أنه لماذا لا نلغي منظمة المرأة العربية، نحن لسنا بحاجة لمنظمة المرأة العربية، هذه أجواء عدائية موجودة لكن هناك دول مُتحمّسة جداً، ملتزمة فعلاً وبشكل صادق.

غسان الشامي: هذه الدول يمكن الإشارة إليها. 

فاديا كيوان: تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

غسان الشامي: كلّها دولٌ مغاربية.

فاديا كيوان: بشكل رئيسي.

غسان الشامي: هذا ملفت. 

فاديا كيوان: موقف مصر الحكومي هو موقف جميل، لديها جبهات مواجهة عديدة ولكن مواقف الدول الأخرى لا جدال فيها أبداً، هناك دول مجتمعاتها فيها تنازُع بين نزعتين، وهناك مجتمعات ذهبت أكثر بهذا الاتجاه. أنا طرحتُ السؤال على نفسي حينما كنت أدرّس وأكتب في الجامعة، عملي الرئيسي كان التدريس والبحث، كنت أتساءل لماذا دول المغرب مُتقدّمة على دول المشرق؟ هل هي تأثيرات فرنسا عليها أثناء الاستعمار؟ قلتُ ليس بالضرورة، هل قربها من أوروبا؟ هناك أمر في دول المغرب العربي يختلف عنا كمسارات في حياة المرأة، حتّى اليوم لم أجد الإجابة.   

غسان الشامي: لديّ استفهام لا أعلم إذا كنتِ تمتلكين إجابته، دائماً كنتُ أستغرب لماذا يمكن للمرأة في باكستان أن تحكم، في بنغلادش الأكثر فقراً وهي دول إسلامية أيضاً، في الهند، في سريلانكا ولا نجد امرأة تحكم في هذا العالم العربي. 

فاديا كيوان: إذا كانت من سلالة موجودة في السلطة تحكم.

غسان الشامي: في سريلانكا لا علاقة لها بالسلالة، في الهند.

فاديا كيوان: إذا كان هناك أحزاب، الهند انتقلت إلى الأحزاب ولكن ضمن الأحزاب هناك سلالات سياسية، ولكن هناك أحزاب ومؤسّسات حزبية.

غسان الشامي: ولكن لا مشكلة لدى الناس في هذه الدول في بنغلادش أو باكستان أن تكون المرأة موجودة في السلطة.

فاديا كيوان: إذا استثنينا تونس ومصر بقيّة الدول العربية لديها في نسيجها الاجتماعي مشاكل كبيرة، هناك دول تسيطر عليها العشائرية، هناك دول تسيطر عليها الطائفية والمذهبية، هناك دول تسيطر عليها العرقيّة. أنظر ماذا يحصل في العراق اليوم، كم تعذّب العراق منذ سقوط صدّام حسين حتى اليوم، كم تعذّب العراق حتى يصل إلى الاستقرار، أعرف كم أن الشعب العراقي شغوف بوحدة العراق ولكن العراق فيه عروق وتقسيمات صعبة يصعب تجاوزها والعبور من خلالها إلى الوحدة الوطنية. أنظر ماذا حصل في اليمن، واحسرتاه على ليبيا، أنا استثنيتُ تونس ومصر والاستثناء ليس منّي، هو منذ العام 1996 أحد الكتّاب قال إن هناك دولتين يمكنهما التطوّر بسرعة من دون أن تنقسما على نفسيهما أو تعيشا حروباً أهلية هما تونس ومصر لأن مجتمعاتهما إلى حدٍّ كبير متماسكة. الدول الأخرى فيها نسيج اجتماعي إما تعدّدي وإما فيه تنوُّع عميق يمنع الأمور أن تسير إلى الأمام بسهولة، هذه الأمور تؤخّر لكنّها لن تمنع.

غسان الشامي: أنا لكِ من الشاكرين. 

فاديا كيوان: شكراً. 

غسان الشامي: كثيرون يخطبون ويتشدّقون بتحرّر المرأة، وعندما يعودون إلى منازلهم يعاملون زوجاتهم وبناتهم بنموذج ملطّف من العصور الوسطى. يكفي الكلام عن أن المرأة نصف المجتمع والشعارات الرنّانة الأخرى لأن هذا النصف يجب أن يفعل وإلا... شكراً للدكتورة فاديا كيوان على مشاركتنا في أجراس المشرق، شكري الكبير لزملائي في البرنامج والميادين، أيامكم بلا مجتمعٍ أبوي فوقي، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل