مصممة الأزياء العراقية السيدة هناء صادق

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. مُبدِعةٌ مثقفة وفنانة فريدة ومُصمّمة من طراز خاص، كانت أوّل مَن استخدمَ الحرف العربيّ في الأزياء وأوّلَ مَن استوحى من قصائِد الشعراء تصاميمَ وملابسَ رائِعة فضلاً عن بحثها في التراث والموروث الغنيين بالنفائِس واللُقيّات. مُذ كانت طفلةً ثمّ فتاةً يافعةً أحبّت التميُّز والاختلاف واختارت لنفسها ملبساً ومظهراً لا يُشبهان سواها. مولودة (النجف) وإبنةُ (بغداد) وساكِنةُ (عمّان) جالت عواصم الدنيا ونالت الكثير من الجوائز والتكريمات المُستحَقّة، ولا تزال تستلهم وتُلهِم وتبحث عن المزيد من التميُّز والعطاء. "بيت القصيد"، بيتُ المبدعين العرب يُسعَدُ بمُحاورة المُبدعة العراقيّة السيّدة "هناء صادق"، أهلاً وسهلاً، نوّرتِ "بيت القصيد"

هناء صادق: أهلاً وسهلاً بكم وشكراً على هذه الاستضافة الحلوة، يعني محبوبة أنا كي تستضيفني مرّتين؟ 

زاهي وهبي: لا، نحن سعداء، "خلّيك بالبيت" و"بيت القصيد" أعتبرهما امتداداً لبعضهما البعض، وحضوركِ دائِماً هو حضور جميل وحضور يُثري الشاشة 

هناء صادق: الله يخلّيك

زاهي وهبي: سيّدتي، أولاً كيف ترين مشواركِ؟ كيف تنظرين إلى مشواركِ؟ كم هي نسبة الرضا على هذا المشوار؟ 

هناء صادق: أنا بالذات أنتقد نفسي أكثر من كل الناس ولا أقبل نهائياً بكل النتائِج. أعني لا أحتاج أن يقول لي أحد أنّه من اللازم أن أفعل ما هو أكثر لأنني لا أشبع، أريد المزيد والمزيد. لكن هواياتي هي أنني بدأت أرسم ونلت شهادة أدب الفرنسي، لكنه رسم ونحت وسيراميك ولاحقاً Design، لكن الأهم والذي كنت فعلاً أُحبه وتركت كل الأشياء الأُخرى أو صرفت عليه أكثر هو بحوثي عن التراث العربي. السبب أنني عشت في الخارِج ووجدت أنّه بدأ ينقرِض ويتلاشى. نحن حتى في الدول العربية مع العولمة تقريباً الإرث العربي انتهى، أقصد التراث أجمع، أعني التراث المعماري، تراث العفش والأثاث، حتى في الأخلاق تراثنا الأخلاقي أجمل. فحاولت، لكن الإنسان لوحده لا يقدر ويحتاج إلى مؤسّسات إعلامية، تربية وتعليم، دراسات. أعني منذ مرحلة الإبتدائية من اللازم أن يعلّموهم التراث 

زاهي وهبي: كم أهمية دمج التراث والموروث الجميل في الموضة والأزياء؟ حضرتك تقولين إنّ الملابس أو الثياب هي وسيلة توعية، كيف هي وسيلة توعية؟ كيف يُمكن أن تكون الثياب التي نلبسها ونرتديها وسيلة تربية؟ 

هناء صادق: أولاً أنا أُسمِّيها الجلدة الخارجيّة 

زاهي وهبي: نعم 

هناء صادق: الفستان هو الجلدة الخارجية، لاحقاً نصل إلى الجلدة الداخلية، فهي تنمّ عن شخصيّتنا، عن هوّيتنا، والواحدة عندما تريد أن تسهر يظهر ذلك رأساً من ملابسها، من طريقة وضعها للحلي، مكياجها. المشكلة أنّ مصمّمات الأزياء والعولمة هذه التي دخلت جعلت الكل يشبهن بعضهن البعض، قبلاً كنت أجد التصميم أحلى بسبب وجود خصوصيّة في الموضوع. أعني عندي صُوَر منذ أيام الجامعة، وحتى منذ أن كنت طفلة كنت أجد أنّ ما ألبسه لا يكفيني، فألبس الفستان الثاني والثالث، والأساور أيضاً لا تكفيني فألبس كذا إسوارة، وكانوا أحياناً يعلّقون قليلاً قائلين: "تمشي في الشارع كأنّها شجرة ميلاد، تمشي وتحمل كل ما عندها"

زاهي وهبي: نعم. كم الزيّ هو جزء من الهويّة، من هويّة الشعوب؟ أعني كم ملابسنا تعكس هويّتنا كشعوب؟ وبالتالي هذه العولمة والثقافة الاستهلاكية نمّطَت البشر وجعلتهم كأنهم كلّهم من أنتاج معمل أو مصنع واحد   

هناء صادق: للحقيقة، منذ اليوم الذي دخل الـ T-shirt والجينز والحذاء الكاوتشوك كما أنا أُسمّيه، أي حذاء الرياضة، هذا لم يترك فرقاً بين لباس المرأة والرجل وأنا تهمّني جداً الأنوثة في الملابس النسائية، الأُنوثة مهمّة. مثلما قلنا، الجلدة الخارجيّة وحتى اللباس العربي يناسب جسم المرأة العربية، ملابسي عندما كنت أعرِضها في (أوروبا) كنت أطلب منهم نساء ممتلئات قليلاً 

زاهي وهبي: جسم شرقي، أقرب إلى القوام الشرقي 

هناء صادق: صحيح، أعني ألا تكون العارضة كالعلاقة أُعلِق عليها الفستان وتمشي، وأعلمهن ألا يمشين كالجنود. أعني من اللازم أن تحترم الملابس، حتى إذا ذهبت إلى (الهند) تجد أنّ اللواتي يلبسن "الساري" عندهن مشية معينة، وأنا عندما لبست "الساري" أيضاً صارت مشيتي تختلف. إذاً، الملابس العربية لها طريقة مشي فيها نوبة وهي ليست فاضحة، أعني ليس فيها الكثير من المساحات المكشوفة من الجِسم، لكن الحركة التي فيها، أعني فيها دلع ودلال، فيها دلع 

زاهي وهبي: حضرتكِ أهديتِ من تصميمك للمُجاهِدة الكبيرة في (الجزائِر) "جميلة بوحيرد" وتقولين أنّ ملابسكِ هي للنساء المقاوِمات، على صُعُد مُختلفة مقاوِمات، صحيح؟

هناء صادق: أنا يكون لي الفخر والشرف في تصميم أزياء لشاعرات مثل "زُليخا أو ريشة" ومجاهدات مثل "جميلة بوحيرد"

زاهي وهبي: جميلة بوحيرد" نعم

هناء صادق: "بوحِرد"، أتذكّرها عيونها خضراء وجميلة، التقيت بها في (باريس) وابنتها زوجة شخص عراقي وذهبنا إلى حفل الزفاف فأهديتها قطعة كانت جداً سعيدة بها تلبسها في المناسبات المهمة

زاهي وهبي: نعم

هناء صادق: فأنا أتصوّر أنّ المثقفات دعني أقول أو اللواتي عندهنّ القليل من الفكر يناسبهنّ شغلي وهذا من اللازم أن يشيع. أعني إذا واحدة بلهاء تريد أن تلبس لباساً قصيراً وشورت وتريد أن تمشي على الموضة وتقول هذا يليق وذاك لا يليق بي، أكيد ملابسي لا تناسبها

زاهي وهبي: دعينا نُشاهد تقريراً عن حضرة جنابكِ ومن بعده سؤال مفاده: هل الأناقة مرتبطة بالثراء والفقر؟ هل هي حكر على الأثرياء؟ أو ممكن أن يكون أيّ إنسان انيقاً في ملابسه ويختار شيئاً يعكس هويته؟ ولكن أولاً نشاهد هذا التقرير عن حضرتكِ سيّدة "هناء صادق"

تقرير- هناء صادق: 

- حياتي نعم، نسيج من الذكريات، من الجمال. أهم شيء الجمال، والنسيج لا حدود له، ممكن أن يكون بألف خيط وممكن أن يكون بعشرة خيطان، لكن أنا ربما من ألف خيط أو خيط وما فوق يكون النسيج جميلاً وفيه كل الألوان، فيه المُفرِح وفيه المُحزِن لكن أهمّ شيء فيه هو الإبداع 

- الملابس بلا شكّ جزء من الهوية. أنا ممكن أن ألبس T-Shirt وجينز وأمشي في الشارع ولا أحد يعرِف هويّتي، لكن إذا لبست الزيّ العربي والحلي وحتّى الماكياج العربي من دون تقليد الآخرين هذه هي هويّتي. أنا "هناء صادق" طوال عُمري هويّتي في ملابسي، لا أمتلك أي شيء آخر، أوكي أمتلك عقلي ومخّي لكن هذا ربما ليس هويّة بالنسبة لي، هويّتي هي ملابسي. أتمنّى من كلّ أمرأة عربيّة ألا تخجل من ارتداء الزيّ العربي لأنّ هذه هي هويّتها الجميلة

- أين أنا حفرت إسمي؟ أعتقد أنني تركت بصمة، وهذه شهادات من زبائِن عندي نساء من جميع المُستويات. عندما إحداهنّ تلبس هذه الملابس تشعُر بفرحة، وأهمّ من الفرحة هي الثقة بالنفس. ربما الثقة بالنفس هو ما تحتاجه الأُنثى لأن المُجتمع لا يساعدها دائِماً كي تكون ثقتها بنفسها قويّة. حلو أن أُلبِّس جميع المُستويات لكن كلّهنّ عندهنّ نفس الإحساس وهو: أنا جداً واثقة من نفسي عندما أدخل وأنا ألبس قطعة من شغل "هناء صادق" 

- الأنوثة هي كل شغلي، كل شغلي أشتغله على الأُنثى، وأتصوّر أنّ أهم شيء في الحياة هو الأُنثى لأنّها إذا ظلّت أُنثى ستجذب الذَكَر وإذا زالت الأنوثة خلص ربما حتى الذكر يمكن ألا يكون خصباً جداً. الأُنثى هي "عشتار"، هي الجمال، هي الحياة كلّها، هي الأُنوثة 

زاهي وهبي: جميل. مَن هي المرأة المُقاوِمة في نظركِ وماذا تُقاوِم؟

هناء صادق: أنا دائِماً أقول إنّ حقوق المرأة لا تأتي ولا يطرقون الباب ويعطونها لها، هي من اللازم أن تسعى، من اللازم أن تقاوِم حتّى تنال حقوقها. حتى الرجال في بعض المرّات يدّعون ويقولون: إلى أين وصلتنّ؟ ونحن لنا الفضل لأننا غيّرنا من حياتكنّ"، هذا غير صحيح. الفضل لا يعود إلى الرجُل، الفضل يعود إلى التكنولوجيا. أعني عندما صارت المرأة تستعمل الغاز أو تستعمل ماكينة الغسيل صار عندها وقت أكثر لنفسها بعد أن كانت ملهيّة بهذه الأشياء. لاحقاً صار عندها هاتف، فصارت تتصل بحريّة، صار عندها سيّارة وصارت تقود فصار عندها حريّة أيضاً وصار عندها وقت لتفكِّر في نفسها، قبلاً كانت مشغولة بالأطفال والبيت وكذا، فهذه مُقاومة. لذا أنا دائِماً يسمّونني مُحرِّضة، أنا لستُ مُحرِّضة، أنا أقول نحن أصحاب حق مثل حال (فلسطين)، هل يصح أن نجلس ونقول أنّه خلص، الأمور تسير لوحدها؟ لا، من اللازم أن نسترجع (فلسطين) ومن اللازم أن نُقاوم. على الأقل نقاوم التطبيع، نقاوم كل شيء. فالمرأة من اللازم أن تُقاوِم 

زاهي وهبي: للأسف، التطبيع الآن موضة في العالم العربي. لو سمحتِ لي، هل الأناقة والحرص على المظهر مرتبطان بالقدرة الشرائية أم يُمكن للإنسان أن يكون أنيقاً ويرتدي شيئاً يعكس هويّته الثقافية في إمكانيات بسيطة ومتواضعة؟ 

هناء صادق: أولا اللبس هو متعة. قبلاً كان للبس مواسم، موسم الحصاد له لبسه، موسم الزواج له لبسه، وكانوا في الأيام الأُخرى يشتغلون. نحن الآن نشتغل طوال النهار مثل الغربيين لكن عندنا أوقات من اللازم أن نتمتّع بها. أنا أرفض مثلاً أن يشاهد الأميركيون أوبرا أو حفلاً أو مسرحية وهم يلبسون جينز وT-Shirt، هذا مرفوض. أعني جميل أن يتأنق ويخرُج لأنّ هذا جزء من الفنّ والثقافة والجمال

زاهي وهبي: نعم، ولكن جواباً على سؤالي لو سمحتِ لي، ليس في مقدور أي إنسان أن يقتني ملابس باهظة الثمن أو ملابس فيها تطريز وفيها هذه الأشياء! 

هناء صادق: التطريز صار باهظ الثمن، الآن صاروا يُطرّزون على الماكينات لكن بالنسبة لي التطريز هو عمل يقمن به النساء الماكثات في بيوتهنّ وممنوعات من الخروج منها من دون "برقع"، فهذا يعطيهنّ مجالات حتى ينفصلن اقتصادياً عن أزواجهنّ بحيث تتمكّن المرأة من إعالة نفسها وأولادها. لكن الجمال ليس بالضرورة، أعني أنا أضع وردة في شعري بدلاً من أن أذهب إلى الكوافير، أترك شعري كما هو وما من داعٍ لكي أذهب إلى مصفّف الشعر لأصبغه وأشكَال وكذا. أتصوّر أنّ كل شعر يليق بصاحبه وليس في هذا مجال. ثمّ الملابس، حتى الألوان، دعونا نضرب الألوان على الطريقة العربية وما من داع كي نفعل مثل الأوروبيين، لون البيج مع اللون البنّي، أزرق مع لا أدري ماذا، هذا مرفوض. لماذا البدويون يستعملون الألوان؟ لأن العين تمَلّ الرتابة 

زاهي وهبي: رتابة الصحراء 

هناء صادق: فيستعملون الألوان 

زاهي وهبي: من خلال اشتغالكِ على الموروث، اشتغالكِ الطويل على الموروث انتهاءً بكتابكِ الموسوعي الجديد وهو بعنوان "الأزياء والحلي العربية – عراقة بلا حدود"، هل يُمكننا أن نرى الكتاب لو سمحتِ؟ كتاب موسوعي ومن الواضح أنه يحتوي على بحث موسوعي. هل هناك سِمات عربية مُشتركة من المغرب إلى المشرق؟ من المحيط الأطلسي إلى بحر (عُمان)؟ 

هناء صادق: نعم. نحن نشترك في مناخات متشابهة تقريباً، أعني جغرافيا صحراوية في أكثر المساحات والملابس دائِماً فضفاضة. أيضاً كثرة الشُغل على الملابس يعطيها قيمة، أعني الفلاحة لها طريقة وتستخدم الطيور والزهور لأنّ هذا الذي تراه. أمّا بنت المدينة أو الحضر، لا، يستعملن خيط الذهب وخيط الفضّة ليشتغلن على الملابس، أرأيت كيف؟ البدو يستعملون مرّات الأزرار للزينة وهم يعرِفون أنّ لهذه الأزرار استعمال، ويستعملون الوَدَع الموجود. لماذا أنا أقول لك أنّه لا يوجد شيء يقول لك أنك من اللازم أن تلبس شيئاً غالياً 

زاهي وهبي: لماذا تخليّنا عن أزيائنا؟ لماذا تخلّينا عن الخصوصية، عن خصوصيتنا؟ معظم البلاد العربية اليوم، ربما باستثناء الخليج العربي الذي عنده زيّ له علاقة بما تتفضلين به لأجل الحرارة وغير الحرارة، لماذا نحن تخلّينا سواء في المشرق أو في المغرب عن أزيائنا المحليّة؟ 

هناء صادق: هذا بدأ بعد الحرب العالمية الأولى بعدما خرج من عندنا العثمانيون. أتصوّر أننا عندما رأينا الأوروبيين وبدأنا نمشي وراءهم كنّا نعتقد أنّ هذه هي الحضارة، يعني حتى يصير في رأسنا خير ونقول أننا نحن مثقفون من اللازم أن نلبس بنطلوناً وربطة عنق وقميصاً في شكل مضبوط، حتى القبّعة غيّروها، والآن صاروا يلبسون هذه القمصان التي هي "دشداشة" قصيرة ويلبسون البنطلون الذي هو مثل السروال العريض في المناطق الحارة عندما يذهبون إلى مناطق البحر المتوسّط، وحتى النساء. نحن تركنا ازياءنا لأنه كما قلت لك، تبعيّة. نحن نرفض التبعية لكنّ التبعية تمشي في دمائنا. يعني أنا أتبع الغربي في طريقة تأثيث بيته، لا، أنا أضع أشياء تختلف عن الغربي. الأوروبية تلبس سلسالاً رفيعاً وإذا لبست سلسالاً لا تضع حلقاً، لماذا؟ هذا عندنا موجود ومتوافر وحتى رخيص وجميل علينا، فلماذا نُقلِّدهم؟ تراثنا يختلف عنهم 

زاهي وهبي: نعم

هناء صادق: فهذا التقليد كان أعمى وأنا أسمّيه تبعية، نحن تابعون لهم. حتى لو أردنا التخلّص منهم نحن تابعون لهم في تراثنا ولهذا أنا أصررت كي أثبت نُقطة وهي أنّ التراث العربي من اللازم أن يبقى ويقاوم

زاهي وهبي: نعم. عرضتِ بعد غياب طويل عن (بغداد) أحد عروضكِ، مؤخّراً في السنوات الأخيرة كان عرضكِ في (بغداد) بعنوان "شوق"، صحّ؟ 

هناء صادق: صحّ

زاهي وهبي: كيف كان اللقاء مع (بغداد) بعد غياب؟ وماذا يعني لكِ أن تعرضي ملابسكِ وتصاميمك في (بغداد)؟ 

هناء صادق: (بغداد) هي "شوق"، هي شوقي، كنت أودّ لو تمتدّ كل يدي لكي أحضنها كلّها. مجروحة، ومتأذّية (بغداد)

زاهي وهبي: لكنّها استقبلتكِ بحفاوة، استقبلتكِ بحفاوة، صحيح؟ 

هناء صادق: لم أكن متوقّعة وكنت خائِفة، لأنني منذ ثلاثين سنة تقريباً لم أزرها، ثلاثين سنة. لا يعرفونني، ربما الذين يعرفونني هم في الخارج أكثر لأنني لم أشتغل لـ (العراق). اقصد اشتغلت الأزياء العراقية لكن لم أشتغل داخل (العراق) 

زاهي وهبي: نعم

هناء صادق: دعتني دار الأزياء العراقية، وفي الحقيقة الوزير السابق الذي كان رائعاً هو الذي دعاني وحاول أن يُحضِر كل المُخرجين والشعراء إلى آخره من الخارج وكلّهم بدأوا يعودون، فدعاني وكان لي شرف تلبية الدعوة لكن الشعب العراقي لم أكن أتوقّع حفاوته تلك منذ هبوطي بالطائرة، والزهور. أتصوّر أنّهم كانوا محرومين ومُغلقين وحروب 

زاهي وهبي: وحصار 

هناء صادق: وحصار وألم 

زاهي وهبي: لكن الشعب العراقي شعب مُثقّف جداً، فليس مُستغرباً أن يحتفي بحضرتكِ 

هناء صادق: أنا استغربت، لا لا استغربت. أولئك البنات حتى لو كانت إحداهنّ محجّبة وكذا لكن أفكارها ثورية وكبيرة وصوتها عالٍ وتحاول أن تُسمعه للكلّ وتعرِف وتتابع، أولئك الشباب روعة وأنا أَمَلي بهم في الحقيقة. خلص أولئك الديناصورات من اللازم أن يذهبوا 

زاهي وهبي: الرهان على الشباب. تلقّيتِ مؤخراً سيّدتي تكريمات عديدة. تلقيتِ في كل مشواركِ الكثير من الجوائِز والتكريمات لكنك تلقيتِ مؤخّراً تكريمين مهمّين أحدهما من "اليونيسكو" والآخر من جامعة (كامبريدج). كيف تلقّيتِ هذين التكريمين؟

هناء صادق: أول تكريم كان في أزمة "الكورونا". أثناء مكوثي جاءني تكريم من "اليونيسكو" على جهودي خلال ثلاثين أو أربعين سنة، فاستغربت أنهم لا ينسون. شوف، المؤسّسات العالمية مثل هذه لا ينسون التقدير، وأنا فرحت جداً ونلت تكريمات مثلاً في (الأردن) لكنها تكريمات متواضعة. لكن مثلاً هذه شهادة من "اليونيسكو" رائعة وتتحدّث عن جهودي وكذا

زاهي وهبي: نعم، كانت في مناسبة مُعيّنة؟ 

هناء صادق: أبداً 

زاهي وهبي: نعم، على كل عملكِ وعلى كل شغلِك 

هناء صادق: مسيرتي، قلت لك مسيرة، هم يقولون لي "مسيرتكِ"، وجهودي. عندما أقمت عرض أزياء في "اليونيسكو" في (باريس) طلبوا منّي، لأنّ أكثرهم كانوا أكاديميين، وقالوا لي: نحن نريد مُحاضرة، هذه قصص تاريخ، فأعطيتهم محاضرة بالإنكليزية والعربية والفرنسية، وأحياناً أخبط بين هذه اللغات، وكلّهم استأنسوا. وطبعوا لي كتاباً في ذاك الوقت، كتيِّب أعني، عن مجموعتي وعن حياتي وكذا ووزعوه في كل مكان. أيضاً بعد أن أنهيت عًرضي نهائياً، كل الميثولوجيا التي اشتغلت بها لم أُفكِّر في حياتي أن أنال شهادة فيها، أنا كلّ همّي أن أُغيِّر المُجتمع، أن أُغيِّر وجهة الأجانب ونظرتهم عن العرب وأُرجِع الرقيّ لهم، لكن شهادة! محاضرات مفتوحة في كلّ مكان وفي الجامعات وحتى في كذا جامعة 

زاهي وهبي: في (الأُردن) 

هناء صادق: في (الأردن) و(المغرب) و(قطر) وأينما كنت، وفي (دبي) وكل مكان، لكن لم أرِد أن آخذ المال في المقابل وكانت كلها ببلاش.  فجأة قرّروا أنه، على ما يبدو وصل لهم الكتاب أو أحدهم قام ببحث لأنني عندما كنت أُسافر كانوا يطلبونه مني بعض الناس المُهتمّين وكنت أرسله لهم لكنهم كانوا يطبعونه ويوزّعونه. المهم، قالوا لي: "هذا البحث الذي أجريته مباشِر، مختصر لكنه مباشِر ويصل بسهولة لمختلف طبقات العلم عند الناس، حتى عند طبقة المدارس ممكن أن يتعلّمها أحدهم"، وحتى قالوا لي أنّ عندي ريادة كوني أول مُصمّمة أزياء في العالم عندها بحوث منذ أيام بداية الحضارات، منذ حضارة السومريين حتى الآن عن النسيج وعن الألوان ولماذا استعملنا الألوان ومن أين أتت الألوان، أنواع المُوسلين والموصلّي والكذا، عن الحلي وكيفية تطوّر الفضة 

زاهي وهبي: حتى عن الوَشم عندكِ كتاب "المرأة الأردنية والأوشام". تستحقين كل التكريم ولكن إسمحي لنا أن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني                      

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نتابع "بيت القصيد" مع المُبدعة العراقيّة مصمّمة الأزياء والباحثة في الموروث والتراث السيّدة "هناء صادق". سيّدتي، حضرتكِ أدخلتِ الحرف العربي والشعر العربي إلى الملابس وإلى الأزياء والموضة، ما أهميّة هذا الأمر؟ 

هناء صادق: أولاً احتفاءً بالأدب والشعراء العرب. أروع ما في رجال العرب هو الشعر

زاهي وهبي: نعم[IS1] 

هناء صادق: فكنت آخذ شاعراً من بلد عربي وأبقى لمدة أربع سنوات أشتغل على شعرِه. كنت آخذ من (العراق) ومن (اليمن)، أتذكّر أنني أخذتك أنت من (لبنان) 

زاهي وهبي: نعم، مشكورة  

هناء صادق: شِعرك على الأزياء من (لبنان) أجل. أتمنّى أن يبقى هذا كمتحف لاحقاً لبعض الأزياء، هذا يجعل الأجيال القادمة لا تنسى فضل هذه اللغة والأدب، شيء رائع، أعني الفنون متّصلة ببعضها البعض ومن غير الممكن أن تفصلها عن بعضها 

زاهي وهبي: قبل أن نحكي عن الحرف، مَن هم أبرز الشعراء الذين اشتغلتِ عليهم وأخذتِ من قصائِدهم ومن شِعرِهم؟ 

هناء صادق: أخذت "إبن الرومي"، وأخذت "درويش" 

زاهي وهبي: "محمود درويش"

هناء صادق: من (فلسطين) أخذت إثنين هما "محمود درويش" و"فدوى طوقان". من (العراق) "السيّاب" و"عبد الرزّاق عبد الواحد" الذي أحبّ شعره كثيراً 

زاهي وهبي: شاعران كبيران من (العراق). الحرف العربي كم فيه جماليات؟ كم فيه إمكانية واسعة لصياغة أشكال متعدّدة ومتنوّعة؟ 

هناء صادق: هو طريق ليس ثابتاً، ثم عندك عدّة أنواع من الحروف 

زاهي وهبي: نعم، الخط العربي يُحدّد أنواعها 

هناء صادق: عدّة أنواع من الخطّ، على فكرة أنا كنت أستعمل لكل شاعر خطاً معيّناً، العراقي كنت أكتبه 

زاهي وهبي: بالكوفي

هناء صادق: بالكوفي، واللبناني كتبته بالقيرواني، الخط القيرواني 

زاهي وهبي: نعم، جيّد. بين (لبنان) و(تونس) على كل حال هناك علاقة مُميَّزة بينهما 

هناء صادق: طبعاً منذ أيام الفينيقيين 

زاهي وهبي: منذ أيام "أليسا" ومنذ أيام (قرطاج)، نعم 

هناء صادق: طبعاً 

زاهي وهبي: أي نوع من الخطوط أحبّ إليكِ  في الحرف العربي؟

هناء صادق: شوف، الخط المقروء أكثر بنسبة الثلث لأن الناس أقرب إليه لكن أنا أُحبّ التشكيل به وفي الحقيقة أُحب "الخطّ الصقّاري" أو خط "محمّد الصقّار" الذي التقيته في (باريس) 

زاهي وهبي: "محمّد سعيد الصقّار"، طبعاً من أكبر الفنانين العراقيين، نعم

هناء صادق: فنان وشاعر وخطّاط وكل هذا

زاهي وهبي: حسناً، تحدّثنا عن جماليّة الحرف العربي وعن الخطّ المُحبَّب لنفسِك إلى آخره. هل وجدت عند الذين يرتدون هذه الملابس رغبة وإقبالاً على ارتداء ملابس فيها مقاطع من قصائِد عليها خطّ عربي وكلمات عربية؟ 

هناء صادق: للحقيقة جداً جداً كان عليها إقبال. في البداية كانوا يرفضونها ويقولون لي وكأنّ الملابس جريدة ماشية أو كتاب ماشي، لكن لاحقاً لأنّ الكلّ منسجِم، كل القطعة منسجمة، حتى الذين كانوا يرفضونها طلبوها لكنّها عادت إلى التراجع، لماذا؟ لأنني ما عدت أكتب على الأزياء. لأنّ البعض رأوا في ذلك لقمة خبز فقاموا بالكتابة على الأزياء، لكنهم يكتبون من دون دراسة. أعني الخط بشِع والكلام غير مقروء، أعني تحوّلت إلى بشاعة فملّها الناس وكانوا يبيعونها بأرخص الأثمان. أنا أحترم الخطّ، آخذ خطّاطاً يخطّ لي والطرّاز يطرّزها بيده وليست مسألة سهلة عليه لكنهم جعلوا منها أزياء سوقية جداً لذلك أنا ابتعدت 

زاهي وهبي: نعم. علاقتكِ الشخصيّة بالشعر كيف هي؟ 

هناء صادق: والله أنا أحب كل الشعر وأتمنّى لو في إمكاني أن أكتب الشِعر لكن على الأقل أنا أُشجِّع الشعر. الشِعر القديم قديم، حتى "الجواهري" صعب عليّ، العربي الفصيح صعب عليّ لكن الشعر الحديث أيضاً بين بين، أعني الشعر المقروء. يعني شوف أشعار "المُتنبّي" 

زاهي وهبي: واضحة 

هناء صادق: واضحة في كل زمان وكل مكان أجل، أعني بلا تعقيد. حتى عندما صعَدت "أحلام مستغانمي" وأنا أحبها كثيراً، يستعملون المُفردة في غير مكانها على أساس أنّ هذا Original أو أحلى، فكسّروا القواعِد 

زاهي وهبي: مَن أحبّ الشعراء إليكِ؟ أعني مَن هم شعراؤك المُفضّلين سواء للأزياء أو لكِ كقارِئة؟ 

هناء صادق: أحب أن أقرأ لشعراء جُدُد، ربما تعرِف "جريس السماوي"

زاهي وهبي: طبعاً، صديقنا أُستاذ "جريس" وكان ضيفنا في "بيت القصيد"، نعم 

هناء صادق: جميل جداً شِعره. أنت من الحديثين وأُحب شِعرَك 

زاهي وهبي: تسلمين لي 

هناء صادق: وأفهمه وهذه ليست مُجاملة 

زاهي وهبي: شكراً، شكراً، أعتزّ بهذا. لو سمحتِ لي نسمع رأياً من مُصمّمة أزياء فلسطينية درست في (ألمانيا) واشتغلت على الشِعر والحرف العربي، المُصمّمة والصديقة " مَلَك حكروش" من (كفَر كنّا) في (فلسطين) 

رأي- مَلَك حكروش: أنا في البداية كنت أعيش في (ألمانيا) وتعلّمت هناك تصميم الأزياء وأحسست بحاجتي الماسّة للغة العربية كوني كنت في الغُربة ومتعطِّشة للغة العربية سواء من خلال الحديث مع الناس أو من خلال الموسيقى أو الأكل، كل ما هو عربي يُحسسني بالانتماء لمكاني الأول. ومع رجوعي لأرض الوطن طبعاً أحسست بوجود مُشكلة في اللغة العربية. اللغة العربيّة اليوم، بما أننا في بلد تحت الاحتلال، تُهمَّش جداً جداً ورويداً رويداً تفقِد من قيمتها لتصبح لغتنا ركيكة جداً رغم أنها جزء من الهوية عملياً. أحببت من خلال تصاميمي أن أتمسّك باللغة العربية أكثر وأن أنشُرها عن طريق الأزياء لأنّ الأزياء هي شيء يصل إلى الناس بسرعة. ففكّرت أنه لماذا لا تكون الصناعة عربيّة بحت سواء في المبدأ وفي الفِكر أو في الصناعة المحليّة العربيّة؟ الطلب والتعطُّش لهذه اللغة العربيّة يُحسسني كم الناس يرغبون هذا الشيء وكم الناس يحتاجون هذا الشيء، ففكّرت أنه لماذا لا يتطوّر هذا أكثر فأكثر حتى تصير فعلاً موضة عربيّة بحت تصل إلى كل عربي ليس فقط في الداخل المُحتلّ بل في كلّ أنحاء العالم. في البدايات استعملت أشعار لـ "محمود درويش" واستعملت عبارات لـ "غسان كنفاني" وهم الأقرب إليّ لأنني كنت دائماً أقرأ لهم، وطبعاً "زاهي وهبي" استخدمت له بيتاً من الشعر يقول "حبك للحياة جدير بالحياة" ومعناه جداً إيجابي. نحن نقرأ الشِعر ولكننا لا نحسّه كثيراً سوى بعد أن يصل للشخص في طريقة سلِسة، أيّة جملة مثلاً من التي أستخدمها أحسّ أنها تتكرّر في طريقة غير طبيعية حتى تُصبِح في تصاميم أُخرى غير الملابس، لهذا أحسّ أنّ الرسالة تصل رويداً رويداً. أنا أجد أنّ على كل فنان أن يتمسّك بقضيّة معيّنة، أنا تمسّكت بقضيّة اللغة والهويّة والثقافة الفلسطينية والعربيّة لأنني أحسست بأنّ هذه أقرب الأشياء إليّ، تُجسّدني كـ "مَلَك"، كصبية عربية تعيش هنا أو في الخارِج. الأزياء تدخل في السياسة وتدخُل في التعليم وفي الاقتصاد. اقتصاد العالم مبني على جزء كبير من الأزياء، فلماذا لا تكون هذه الأشياء كلّها صناعة عربيّة بدل أن نستهلِك من الغربي؟ 

زاهي وهبي: نشكُر المُصمِّمة "مَلَك حكروش". كم في الحال الفلسطينية سيّدة "هناء" يصير إبراز الهويّة وإشهارها أمر مطلوب أكثر وضروري أكثر ويصير شكلاً من أشكال المقاومة في نفس الوقت؟

هناء صادق: التطريز بالذات كان سلاحاً قوياً لأنّ المُحتلّين الإسرائيليين قالوا إنّ كل هذا تراثهم، الفلافل تراثهم والحمص تراثهم والأرض لهم  

زاهي وهبي: سرقوا كلّ شيء

هناء صادق: كل شيء. الفضّة، أنا جمعت مجموعة فلسطينية، لو تعرِف. كانوا يذهبون إلى القرى لأنّ في القرى يلبسن فضّة، والذهب يلبسنه في المدينة، لكن في المدينة لا يحفظن التراث لأنّ السيّدة في كل فترة تتغيّر الموضة فتصكّ الذهب في طريقة أخرى لكن لأن الفضّة رخيصة تترك السيّدة الإسوارة القديمة وترميها جانباً وتشترى إسوارة جديدة. فالفضة موجودة في التراث وهناك قِطع شرحت عنها في الكتاب، نفس التصاميم موجودة منذ ألف وخمسمئة سنة ربما وأكثر. فاشتروها وسيّحوها كي يمحوا التراث 

زاهي وهبي: يمحون هذه الذاكرة وهذا التراث

هناء صادق: نعم، والشيء نفسه بالنسبة للزيّ الفلسطيني. لكن في كل قرية هذا التطريز وهذه الأزياء كانت نُقطة قوّة بالنسبة للفلسطينيين، فالفضل للمرأة. والحرف العربي أيضاً هم يريدون طمسه نهائياً وهناك دائِماً تحديث وكذا. لكن أنا أقول لك، فعلاً ما صمّمته ريادة لأنّي عندما بدأت لم يكن شائعاً استخدامه في الأزياء وصاروا يستعملونه في العمارة وفي الأبواب وفي المخدّات والـ cushions وفي الأقمشة المُعدَّة للتنجيد وفي كل مكان. الحمد لله 

زاهي وهبي: جيّد، شقّيتِ طريقاً، شقّيتِ هذا الطريق. مصادر إلهامك عندما تُصمّمين وعندما تجهّزين نموذجاً معيناً وتصميماً مُعيّناً، مصادر إلهامكِ ما هي؟ 

هناء صادق: أقرأ كثيراً وأزور متاحف، أعني أُحب أن أزور العالم ليس فقط للمناظر، المنظر ربما تحتفظ به كبوستر لكن المتاحف؛ عندما دعوني إلى (أميركا) لأقدّم عروض أزياء قلت لهم أنني لا أريد أن أذهب إلى هناك لأنّ (أميركا) بعيدة، لكنهم جمعوا العروض مع بعضها البعض وكانت خمسة في نفس الشهر في عدّة ولايات. لكن غرضي كان أن أزور، فكنت آخذ هذا الباص الذي يلفّ بي في كل مكان، من الصبح إلى الليل أبقى ألفّ على المتاحف. أنا أيضاً كنت رسّامة وتوقّفت عن الرسم لكنّي أُحب الفن التشكيلي أيضاً، فكنت أذهب إلى هذه المتاحف في (نيويورك)

زاهي وهبي: نعم. مَن هم الرسّامون الأحب إلى نفسكِ؟ 

هناء صادق: أنا في بيتي لا أقتني ولا أصرُف فلساً واحداً، لو تقول لي "بيكاسو" لا أشتريه 

زاهي وهبي: لماذا؟ 

هناء صادق: لماذا؟ لأنه أجنبي، أجنبي. أريد ما هو عربي، مما يشكون فنّانونا العرب؟ 

زاهي وهبي: في (العراق) هناك روّاد من الرسّامين والنحّاتين 

هناء صادق: والآن الحمد لله لوحاتهم في العشرة آلاف وخمسين ألفاً في المزادات، أنا رأيت ذلك في (باريس) أعني، الحمد لله. والله حتى عندي قطعة لفنّان من (اليمن)، عندما جاء شخص أجنبي قلت له هذه لفنان يمني أتذكّر، هذا يمني، وسوريين ولبنانيين ومصري 

زاهي وهبي: اذكري لي بعض الأسماء من الرسّامين 

هناء صادق: من العراقيين، الذي درّسني وكان أُستاذي ومُعلّمي وفيلسوفي الدكتور "خالد بن جابر" 

زاهي وهبي: نعم، إسم كبير 

هناء صادق: و"فؤاد حسن" درّسني 

زاهي وهبي: تذكرين أسماء عمالقة في هذا المجال 

هناء صادق: ثم لماذا دائِماً نحن محليّون؟ عندما ذهبت إلى (العراق) قالوا لي وهل عندك هواية في أن تتذكّري؟ لأنّهم أحسّوا بخيبة أمل لأنّ الدول العربية هاجمتهم بدل أن تُساعدهم، فقالوا لي: أنتِ لماذا تشتغلين كثيراً للعرب ولا تشتغلين كثيراً عراقياً؟ قلت لهم: لا مُشكلة عندي، كلّهم مثل أولادي وكلّهم نفس الشيء. أشتغل يمني وأشتغل سعودي وأشتغل عراقي وأشتغل مصري، لا مُشكلة عندي لأنّ كلّهم معاً حلوين، واحد لوحده ليس حلواً 

زاهي وهبي: كم يختلف التصميم للأفلام والمُسلسلات عن تصميم مجموعة خاصة؟ أعرِف أنّ الأمر يختلف بين الإثنين لكن بماذا يختلف لو سمحتِ؟

هناء صادق: يختلف بالنوعية الرخيصة جداً، أعني كلّ الأقمشة رخيصة 

زاهي وهبي: في المُسلسلات والأفلام 

هناء صادق: في المُسلسلات، لأنه طبعاً شوف كل شيء مهم. الأزياء في الفيلم من الأعمدة المهمة. أنا دائِماً أذكر فيلم "شكسبير"، عندي القصة ولو أقرأها أجمل، لكن الجميل كان وفي المرتبة الأولى هو الأزياء 

زاهي وهبي: الملابس نعم 

هناء صادق: نعم. فنحن لا نعطي أهمية للأزياء وهم عندهم متاحف لملابس الأوبرا، للملابس السينمائية، ويجنون المال منها، أعني يأتي الناس ليزوروها 

زاهي وهبي: طبعاً

هناء صادق: نحن عندنا يضبّونها مع الأسف 

زاهي وهبي: ويستعملونها في غير فيلم أو غير مُسلسل. لو سمحتِ لي، في الوطن العربي، في البلدان العربية، أكثر الأزياء التي تلفت نظركِ من أيّ بلد عربي؟ الموروث طبعاً، الفلكلوري والموروث

هناء صادق: (فلسطين) 

زاهي وهبي: لأجل الذي أشرتِ إليه منذ قليل، التنوّع والتميُّز وارتباطه بالأرض والطبيعة 

هناء صادق: نعم 

زاهي وهبي: حلو 

هناء صادق: نحن مثلاً في (العراق) عندنا الجنوب له طابع والوسط له طابع والشمال أيضاً له طابع. لكن في (فلسطين) الزيّ الفلكلوري في قرية ما يختلف عن الزيّ الفلكلوري في القرية التي تبعد عنها 500 متر

زاهي وهبي: صحّ، زيّ (نابلس) يختلف عن زيّ (الخليل) ويختلف عن أزياء مدن (الضفة) ومدن (غزَّة) إلى آخره ويختلف عن أزياء (الجليل). حتى القرى بين قرية وأُخرى تختلف الأزياء في (فلسطين)، كل قرية لها تطريز خاص بها  

هناء صادق: نعم، وفي الحُلي (اليمن) و(المغرب)

زاهي وهبي: نعم. كيف تلقّيتِ، أو تنعكس عليكِ، محاولة طمس (فلسطين) وإلغائها عن الخارطة في موقع "غوغل"، حذف بعض المسلسلات التي تتناول القضيّة الفلسطينية من بعض المنصّات الاجتماعيّة، محاولات وكأنّه لا يوجد شيء إسمه (فلسطين) 

هناء صادق: أنا أتذكّر في التسعينات حين بدأت شغلي أنني دُعيت إلى مهرجان في (موسكو) للأزياء، فالذي أخذته إلى المهرجان هو الأثواب الفلسطينية ولم أُبرِز فقط شغلي، أبرزت الأثواب الفلسطينية وثيابي التي من شغلي كتبت عليها والخارطة كلها هنا وفي الداخل "فلسطين"، أعني كلمة (فلسطين) جعلتها فوق وتحت معكوسة وأحيانا في أسفل الزيّ والخارطة أيضاً في طريقة، لا أدرى إذا عندي قطعة منها أو لا. لكن "سامية الزَرُو" هي التي فعلاً، أحبها وهي فنانة كبيرة الله يعطيها الصحة والعافية الآن 

زاهي وهبي: نمسّيها بالخير ونُحييها 

هناء صادق: لكنها فنانة تشكيلية واشتغلت نصباً في (عمّان)، ولا تزال لحدّ الآن، مع أنها تحكي كل اللغات وحتى القليل من الإسباني والإيطالي والفرنسي وسافرت إلى العالم ونالت جوائِز، لا تذهب إلا بالثوب الفلسطيني 

زاهي وهبي: حلو، هذا جزء من صراعنا مع العدو، جزء من إثبات حقنا وإشهار هذا الحقّ كما يُقال. سيّدتي، حضرتكِ مُقيمة في (عمّان) منذ سنوات طويلة، صحيح؟ 

هناء صادق: نعم

زاهي وهبي: ماذا تعني لكِ (عمّان)؟ ماذا أعطتكِ 

هناء صادق: تعني لي (عمّان) الأمان، ثمّ هي قريبة على كلّ الدول العربيّة، أعني هي في القلب، قريبة على (فلسطين) وقريبة على (العراق) وقريبة على (لبنان)، ومنها في إمكاني أن أذهب إلى الخليج وإلى المغرب العربي. أنا أحب كل الدول العربيّة، مُغرمة بها 

زاهي وهبي: عناوين عروضكِ سيّدتي، لاحظت في العناوين مثلاً "شوق"، "حب"، "الحُسنى"، "التغيير"، "نساء في الليل العبّاسي" 

هناء صادق: إسم "التغيير" قصدته لأنه كانت هناك موجة في أنّ كل شيء من اللازم أن يتغيّر، مناهج المدرسة من اللازم أن تتغيّر، الملابس من اللازم أن تتغيّر، من اللازم أن نرجع إلى طعامنا الأصلي ونُغيِّر عن "الهامبرغر" وهذه الأشياء السخيفة 

زاهي وهبي: كيف تختارين عناوين عروضكِ؟ بناءً على ماذا؟ 

هناء صادق: حسب الإلهام. مثلاً "أسماء الحبّ" ثم يضعون "الحُسنى" وهي كانت "أسماء الحبّ الحُسنى"، فكنت أبحث عن كل الأسماء مثل عشق، ودّ، غرام، هيام، وكل فستان أوقّعه بتطريز الكلمة بحيث تكون الكلمة كلمة من كلمات الحبّ 

زاهي وهبي: مثل "وجد" و"ولع" إلى آخره 

هناء صادق: عددهم يفوق الخمسين كلمة 

زاهي وهبي: والقاموس العربي يساعد في هذا المجال، مُرادفات كثيرة في اللغة العربيّة 

هناء صادق: والشعراء أصدقائي أيضاً يساعدون 

زاهي وهبي: نعم. أيّ الألوان وأيّ الأقمشة أحبّ إليكِ سيّدتي؟ 

هناء صادق: الألوان، كوني عراقية أكيد لم أرَ واحدة عراقية لا تقول لك إنها لا تحب اللون الفيروزي 

زاهي وهبي: ما هو سرّ علاقة العراقيين بالفيروز؟ 

هناء صادق: باب "عشتار"، باب مدينة (بابل) الأثري الذي رأيته ربما في (برلين) كلّه فيروزي بالسيراميك الفيروزي بالإضافة إلى الحجر الفيروزي المُستعَمل عندنا. ربما إذا خيَّرت الواحدة بين الفيروز والألماس تقول لك: " أريد فيروز". ثمّ في القماش أنا أُحب الـ "إيكات" الذي يسمّونه وصائل بالعربية، شيء عجيب وهو منقرِض لكن أساساً تم اختراعه في (اليمن). تصوّر مذ ذاك الوقت منذ أيام المملكة القديمة اخترعوا هذا النوع من النسيج الذي هو مُتشابِك مثل السجّادة وإسمه "إيكات". كانوا يغطّون (الكعبة) بهذا النوع من النسيج قبل أن يأتي الإسلام، قبله كانت الكعبة موجودة وكانت كسوتها من قماش "الإيكات". لاحقاً في أيام العبّاسيين قام العراقيون بعد أن أعجبهم هذا النسيج إلى تصنيعه في خمسة ألوان. البروكار مثلاً الذي يكون في لونين أو خمسة ألوان يختلف، ثمّ لاحقاً جاء "هولاكو" وأخذ الأسرى من (العراق)، دمَّر (بغداد) لكنّه أخذ النسّاجين وأخذ الموسيقيين والبنّائين وبنى عاصمة إمارته "سمرقند". عندما زرتها وجدتها كأنّها قطعة من (بغداد) 

زاهي وهبي: نعم، وكأنّ قدر (بغداد) أن تواجه "هولاكو" في كل عصر. في كل عصر هناك "هولاكو" يُهاجم (بغداد) ويُحاول إحراق (بغداد). سيّدتي، لأيّة امرأة تُصمّمين؟ مَن هو النموذج النسائي الأفضل أو الأحب إليكِ؟ 

هناء صادق: المثقفة، التي تفهم ماذا تريد أن تلبس

زاهي وهبي: المثقفة

هناء صادق: أجل المثقفة

زاهي وهبي: على كل حال أنا أتمنّى لكِ كل التوفيق والمزيد من النجاح والمزيد من التقدّم والمزيد من الكُتب والمزيد من التصاميم. سُعِدت جداً بمحاورتكِ

هناء صادق: وأنا جداً سعيدة، ولو أنّ هذه المرة الأولى التي أُجري فيها مقابلة على الهواء عن بُعد

زاهي وهبي: إن شاء الله نلتقي في (بيروت) بإذن الله، نعود ونلتقيكِ في (بيروت) 

هناء صادق: إن شاء الله، لكن دائماً اللقاء معك يفتِّح ويُفتِّق مشاعِر حلوة 

زاهي وهبي: الله يخليكِ، بالتوفيق الدائم. الشكر الجزيل لكِ ولفريق العمل ولـ "مَلَك حكروش" على مُداخلتها، والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله. مع السلامة شكراً 

 

    

 

      

 

     

       

 

                                             

       

 

 
 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل