الترجمة السريانية للكتاب المقدس

الترجمة السريانية للكتاب المقدس... تاريخيتها والمترجمون طباعتها والأمكنة وعلاقتها بالترجمان اليونانية واللاتينية والعربية اللغة السريانية وتطورها والإرث كحامل لها وارتباطها بالآرامية.

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، في الكنيسة اللاتينية ترجمةٌ للكتاب المُقدّس وكذلك في الكنيسة اليونانية، لكن هناك ترجمة مُشتركة للكنائس السريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية والمارونية والآشورية والكلدانية تعود إلى ما قبل القرن الخامس. سوف نستغلّ ترجمة الكتاب المُقدّس السريانية لنلقي الضوء على الإرث السرياني واللغة وتطوّرها وعلى وجوه الاختلافات والتشابُهات في الترجمات، هي فرصة لمُقاربة طبعات الإنجيل السرياني والمخطوطات والترجمة العربية للإنجيل أو لنقُل الترجمات العربية، ونمرّ على أحوال الترجمة قديماً وأمكنتها وهويّة المُترجمين وأمكنة الطباعة. هذا الموضوع سنناقشه مع الأب روجيه الأخرس مدير دائرة الدراسات السريانية في بطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، وهو يحمل ماجستيراً في اللاهوت ودكتوراه من الجامعة الكاثوليكية في باريس في اختصاص آباء الكنيسة، الحوار بعد تقريرٍ عن تاريخيّة الأناجيل.

تقرير: 

تعود الأناجيل الأربعة: متّى، مرقس، لوقا ويوحنا إلى العصر الرسولي من القرن الميلادي الأول، وحظيت بقبولٍ شاملٍ من مختلف الكنائس وأوردت واقعاً لا يُنكره التاريخ الدنيوي، وأشارت إلى مُحيطٍ يعود إلى الزمن الذي دُوِّنت فيه.

يُعدَّ إنجيل مرقس الذي يحتلّ الترتيب الثاني في النظام الكَنَسي الأقدم بين الأناجيل، ومرقس رافق الرسولين بولس وبرنابا في بعض جولاتهما التبشيرية الأولى، وكان تلميذاً لبطرس ورافقه في سنواته الأخيرة، وهو موجزٌ وصغير نسبياً، كتبه في روما بين سنتي 65 و 70 للميلاد بلغةٍ يونانيةٍ ذات أسلوب إنشائي مُعقّد، ووجَّهه إلى بيئةٍ وثنيةٍ رومانيةٍ وسجَّل فيه الحوادث الرئيسية المُتعلّقة بحياة المسيح وتعاليمه.

أما إنجيل متّى فيحتلُّ الترتيب الأوّل في النظام الكَنَسي للأناجيل الأربعة، وقد كتب متّى الإنجيل في أنطاكيا أو فينيقيا ما بين سنتي 80 و85 للميلاد تقريباً، مُستخدِماً لغةً سَلِسَة وفَّقت بين آراميّة الأصل واليونانية المُترْجَمة.

يأتي إنجيل القدّيس لوقا الذي تتلمَذ على يد بولس الرسول في الترتيب الثالث في النظام الكَنَسي، ويرجع تاريخه إلى نحو سنتي 85 و90 للميلاد، كتبه في روما وصاغة بلغةٍ يونانيةٍ صحيحةٍ وبطريقةٍ أدبيةٍ تتناسب مع العهد الهلّيني بقَصْد توجيهه إلى المسيحيين المُثقّفين باليونانية.

أما إنجيل يوحنا وهو الإنجيل الأخير في الترتيب الكَنَسي للأناجيل فهو مُختلفٌ عن الأناجيل الثلاثة السابقة، كتبه يوحنا في إحدى كنائس آسيا الهلّينية في أفسس غرب تركيا الحالية، وهو موجَّهٌ إلى المسيحيين الوثنيين المُتنصّرين، وسُمِّي بالإنجيل الروحي لأنه يُبيِّن أن جوهر الخلاص هو اتحادٌ وجداني بين الإله والإنسان.

يُشار إلى الأناجيل الثلاثة متّى ومرقس ولوقا بعبارة الأناجيل المقروءة معاً أي الأناجيل الإزائية بسبب التشابُه الكبير في البناء اللغوي وتركيب الألفاظ وترتيب الآيات والفقرات ترتيباً مُتوازياً، وبسبب تماثُل المضمون وتطابقه. 

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك أب روجيه أخرس، سيِّدي متى بدأت الترجمة السريانية للكتاب المُقدَّس؟ 

الأب روجيه الأخرس: تحيّة لكم أستاذ غسان ولجميع السادة المُشاهدين، وأشكرك في البداية على الاستضافة في هذا البرنامج المُميَّز والمحبوب حول العالم. 

غسان الشامي: أدامك الله.

الأب روجيه الأخرس: في موضوع الترجمة السريانية للكتاب المُقدَّس علينا أن نُميِّز بين ترجمة العهد القديم والعهد الجديد لأن هذه الترجمة لم تتمّ في وقتٍ واحدٍ وفي محيطٍ واحدٍ لجزءيّ الكتاب المُقدَّس القديم والجديد. 

غسان الشامي: نحن سنأخذ العهد القديم وحده ومن ثم العهد الجديد.  

الأب روجيه الأخرس: إنْ بدأنا في العهد القديم بدأت الترجمة بعد القرن الأول الميلادي أي في مُنتصَف القرن الثاني حتى نهاية القرن الثاني الميلادي، وهذه الترجمة بدأت إما في الرها إديسا وإما في حدياب أربيل، هناك انقسام في الرأي بين العُلماء ولكن الأرجح أنه قد تُرجِمت في الرها. أما عن هوية المترجمين فهناك أيضاً آراء أنه يمكن أن مَن ترجم الكتاب المُقدَّس أولاً إلى السريانية كانوا يهوداً قبل أن يكونوا مسيحيين، ترجموه إلى اللغة السريانية التي هي لغة الرها.   

غسان الشامي: لماذا هذه الإشارة إلى أنهم يهود، هل أرادوا أن يضخّوا التوراة بين المسيحيين؟ 

الأب روجيه الأخرس: كلا لأن الكتاب المُقدَّس بالنسبة إلى اليهود كان مكتوباً باللغة العبرية، وهم قدَّسوا اللغة العبرية منذ السبي وقد حلَّت مكان العبرية اللغة الآرامية، فاللغة الآرامية في الرها هي التي نُسمّيها اللغة السريانية، وفي الرها كان هناك جالية يهودية، الشعب كان على الدين اليهودي قبل أن يصبحوا مسيحيين، وهؤلاء عندما قرأوا الكتاب المُقدَّس في العهد القديم قرأوه باللغة الآرامية عبر ما نُسمّيه الترجوم أي الترجمة الآرامية للكتاب المُقدَس، ولاحِقاً عبر الترجمة إلى اللغة السريانية التي أصبحت اللغة المُنتشِرة في شرقنا من القرنين الأول والثاني بعد السيّد المسيح، اللغة الآرامية التي ندعوها اللغة السريانية، فإذاً إما هم يهود بدأوا بالترجمة وإما مسيحيين من أصلٍ يهودي لأنهم يُجيدون العبرية والسريانية معاً لأنهم ترجموا من العبرية إلى السريانية، وهذا ما يُميِّز في الحقيقة الترجمة السريانية للكتاب المُقدَّس لأنها مُتَرْجَمة عن اللغة العبرية بالنسبة إلى العهد القديم، بينما الترجمات القديمة الأخرى إن تكلَّمنا عن اللاتينية أو القُبطية أو الأرمينية كلّها تُرْجِمَت عن اليونانية، مرَّت بلغةٍ وسيطة.  

غسان الشامي: سنأتي إليها، ما هو الفارِق الزمني بين ترجمة التوراة إلى السريانية وترجمة العهد الجديد الإنجيل إلى السريانية؟  

الأب روجيه الأخرس: ترجمة العهد القديم بدأت كما قلنا في منتصَف القرن الثاني حوالى العام 150، وترجمة العهد الجديد بدأت بعد ذلك في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث. هناك ترجمات سريانية نُسمِّيها بالترجمات القديمة في تلك الفترة، لغتها السريانية هي قريبة إلى السريانية ولكن فيها بعض الرواسِب من اللغة الآرامية القديمة، هذه هي الترجمات السريانية القديمة.  

غسان الشامي: فاصل أبونا روجيه، نعرف أنك مُختصٌّ وأنا أريد أن أستفيد للدرجة القصوى، هل اللغة السريانية القديمة كانت أقرب جداً مما هي الآن إلى الآرامية؟ 

الأب روجيه الأخرس: كانت أقرب إلى السريانية، بدأ التحوّل بها وأصبحت ما نعرفه باللغة السريانية المكتوبة اليوم هي تلك اللغة السريانية القديمة ولكن فيها بعض الأشكال القديمة التي تُشبه فيها اللغة الآرامية، أضرب لك مثالاً، في إنجيل يوحنا الآية عن الروح القدس المعزّي الذي سوف يرسله الربّ، في الترجمة السريانية القديمة نُسميّه الروح القدس، في السريانية نُسمّيه المعزّي "المنحمونو"، هذه في اللغة السريانية القديمة، وكلمة منحمونو أو منحمنا بهذا اللفظ الآرامي أقرب إلى اللغة الآرامية لأن فعل ناحيم في الآرامية وفي العبرية يعني عزّى بينما في اللغة السريانية كلمة منحمونو تعني مُقيم الموتى أو الباعِث، فإذا أخذناها باللغة السريانية يصبح المعنى "أرسل لكم الروح القدس الباعِث" وليس المعزّي بالمعنى السرياني، لذلك الترجمات السريانية اللاحِقة استبدلت الكلمة بالكلمة اليونانية "الفارقليط"، باركليتوس باليونانية أي المعزّي، فأخذت اللفظ اليوناني وسَرْيَنته. 

غسان الشامي: وهو التعبير الدارِج في جبل لبنان "البارقليط".  

الأب روجيه الأخرس: البارقليط لأن الكلمة يونانية تعني الذي يقوم إلى جانب الإنسان ليُدافِع عنه وتعني تؤيِّده وتُعزِّيه.

غسان الشامي: ولكن إذا عدنا إلى نفس الموضوع لماذا هناك ترجمة سريانية ما دام أن إنجيل متّى كُتِبَ بالآرامية؟  

الأب روجيه الأخرس: إنجيل متّى الذي كُتِبَ بالآرامية لدينا ذِكْر عنه في التاريخ ولكن الإنجيل نفسه غير موجود بين يدينا اليوم لأن الأناجيل التي قُبِلَت في جميع الكنائس هي المكتوبة باللغة اليونانية، أما ما يُسمَّى بإنجيل متّى إلى العبرانيين المكتوب في الآرامية ذكره أوسابيوس القيصري في تاريخه المؤرّخ الكَنَسي في القرن الرابع نقلاً عن أسقفٍ قديمٍ إسمه بابياس الذي كان في القرن الثاني، أي لدينا مصادر ترجع إلى بدايات المسيحية، شهادات عن وجود هذا الإنجيل، ولكن النصّ نفسه بالآرامية غير موجود. 

غسان الشامي: أنت من وَرَثة هذا الإرث السرياني الآرامي الطويل، هو إنجيل إلى العبرانيين لماذا لم يُكتَب بالعبرانية وكُتِبَ بالآرامية مثلاً وهي اللغة الأمّ للسريانية؟ 

الأب روجيه الأخرس: لأن العبرانية قد فُقِدَت من أيام السبي أي في القرن السادس قبل المسيح فُقِدَت اللغة العبرية، نسيها اليهود العبرانيون وحتى قبل ذلك بقرنين مع الغزو الآشوري لأراضي فلسطين أدخلوا مكان اللغة العبرية اللغة الآرامية، وشيئاً فشيئاً مع مجيء الدولة الفارسية أصبحت اللغة الآرامية هي اللغة الشائِعة في كل الشرق الأوسط وأصبحت لغة الشعب العبراني، الشعب العبراني أيام السيِّد المسيح كان يتكلَّم الآرامية ومنهم مَن يُسمِّيها العبرانية ولكنها اللغة الآرامية.

غسان الشامي: وهذا دليل على أنه في إنجيل متّى التعابير الآرامية الشهيرة "يا طابيثا قومي إيلي إيلي لما شبقتني". سيِّدي ما وجه الشبه أو الاختلاف بين الترجمة السريانية الأولى وبقيَّة الترجمات، هناك ترجمة مارونية للكتاب المُقدَّس، هناك ترجمة كلدانية وآشورية أم هناك ترجمة سريانية واحدة؟ 

الأب روجيه الأخرس: هناك ترجمة سريانية واحدة للكتاب المُقدَّس.

غسان الشامي: مُعْتَمَدة بين الجميع؟  

الأب روجيه الأخرس: نعم قَبِلَها الجميع لأنها بالنسبة إلى العهد القديم كانت قبل انقسام الشرق إلى طوائف مُتعدِّدة وكذلك للعهد الجديد. إذا تحدَّثنا عن العهد القديم سنة 150، العهد الجديد بدأ عام 230 ولكن الترجمة التي شاعت في ما بعد هي الترجمة التي نُسمِّيها البسيطة أو الفشيتو أو الفشيتا بالسريانية، وهذه كانت بين عامي 370 و435 أي في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس، وهذه الترجمة إن كانت للقديم أو الجديد عُرِفَت في ما بعد بالترجمة البسيطة وكانت مقبولة لدى جميع الكنائس، بسيطة لأنها انتشرت أي امتدَّت وانبسطت إلى كل الكنائس والبلاد في الشرق، وكانت بسيطة أيضاً لفَهْمِ السامعين بالمُقارنة مع ترجماتٍ أخرى كانت أكثر علميّة وأكثر تعقيداً.

غسان الشامي: ما علاقة الترجمة السريانية بترجمة الفولجاتا اللاتينية أو بالترجمة السبعينية اليونانية؟ هل من روابِط بينهما؟ هل من وشائِج؟  

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى الفولجاتا اللاتينية مَنْ قام بهذه الترجمة معروف إسمه على عكس السريانية التي كانت من قِبَل مجموعة من المترجمين، ولكن الفولجاتا قام بها القدِّيس جيروم أو إيرونيموس الذي عاش في بيت لحم، وهناك في أرض فلسطين ترجم الكتاب المُقدَّس إلى اللاتينية.  

غسان الشامي: في أيِّ عام؟   

الأب روجيه الأخرس: هو جاء من الغرب وكان في قيصريّة في شمال فلسطين، مدينة قيصرية هي مركز هام جداً للدراسات الكتابية منذ زمن أوريجانوس العالِم الكبير في الكتاب المُقدَّس في بداية المسيحية، جاء إلى هناك وترجم واستعان بالمعارف التي كانت موجودة بين يديه ولا سيّما الترجمة السريانية. أما الترجمة السبعينية فموضوع آخر، هي ترجمة من العبرية إلى اليونانية ما قبل السيِّد المسيح بمئتي وسبعين عاماً وهي الترجمة إلى اللغة اليونانية من أجل اليهود الذين يتكلَّمون اليونانية لا سيّما الموجودين في الإسكندرية، في أنطاكيا أو في مدن الشرق التي تتكلَّم اليونانية ولكن الترجمة مصدرها كان الإسكندرية وأجراها 72 مُفَسِّراً أو مُتَرْجِماً ولذلك سُمَّيت بالسبعينية. السريانية عندما تُرْجِمَت لم تُتَرْجَم من اليونانية بل من العبرية، ولكن كانت هناك مُراجعات عبر التاريخ للترجمة السريانية قارنتها على الترجمة السبعينية أي تمَّت مُراجعة السريانية بالمُقارنة مع اليونانية عبر التاريخ.  

غسان الشامي: إذا أخذنا هذه الترجمات الثلاث، كما أن هناك الأدب المُقارَن، إذا وضعنا عِلم المُقارنات على هذه الترجمات الثلاث السريانية واللاتينية واليونانية، هل هناك فروقات في الترجمات من حيث المعنى؟ من حيث طريقة الكتابة؟  

الأب روجيه الأخرس: طبعاً سنجد ترجمات مُختلفة وفوارِق هامَّة تدلّنا على هويّة المُتَرْجمين، على المُحيط والإطار الذي ترجموا فيه، حتى إن تكلَّمنا عن السبعينية كيونانيةٍ نجد أن أوريجانوس الذي ذكرته للتوّ كان قد أجرى مُقارَنة بين ترجمات يونانية مُتعدِّدة.

غسان الشامي: هذا يعني أن هناك ترجمات يونانية مُختلفة.

الأب روجيه الأخرس: نعم، والترجمة اليونانية التي سادت هي التي اعتبرها أوريجانوس ودرسها ومحَّصها وبقيت، ولكن هناك ترجمات يونانية قريبة وشبيهة بها، ولذلك أجرى ما نُسمِّيه السُداسية وهو عمل ضخم قام به في القرن الثالث الميلادي، وضع ستّة نصوص للكتاب المُقدَّس بمُقارَنة الواحد بالآخر ليُقارِن بين الترجمات، ولذلك نجد أن كل ترجمة هي عمل بشري ولا بدَّ من أن تظهر الفوارِق في ما بينها. 

غسان الشامي: أين توجد أوّل مخطوطات العهد القديم السريانية؟ 

الأب روجيه الأخرس: من أهم المخطوطات القديمة للعهد القديم بالسريانية هي مخطوط ميلانو الموجود في ميلانو ونُسمِّيه الأمبروسيانوس الميلاني، وهو مخطوط من القرن السابع الميلادي كامل للعهد القديم وهذا أمر لافت لأن الترجمة السبعينية لدينا ثلاث مخطوطات هامة لها: المخطوطة الفاتيكانية والإسكندرية والسينائية، ثلاث مخطوطات هامَّة من القرنين الرابع والخامس.

غسان الشامي: وهل هي مُكْتَمِلة؟ 

الأب روجيه الأخرس: نعم مُكْتَمِلة للعهد القديم باليونانية، بعدها فوراً تأتي الترجمة السريانية البسيطة بمخطوط ميلانو من القرن السابع، أهميّتها أنها كما قلت مُتَرْجمة عن العبرية مثلها مثل اليونانية والنصّ العبري الذي تُرْجِمَت عنه نصّ قديم جداً لأن المخطوطات العبرية الكاملة للعهد القديم تأتي من بعد هذا النصّ السرياني. لدينا كتاب مُقدَّس عبري كامل في مخطوط حلب مثلاً أو مخطوط سانت بطرسبورغ من القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي. 

غسان الشامي: هو يعود إلى مدينة حلب؟ 

الأب روجيه الأخرس: نعم في مدينة حلب في القرن العاشر الميلادي، كانت هناك جالية يهودية مُهمَّة في حلب وهي التي أجرت ما نُسمِّيه بالنصّ المسّوري أي النصّ الذي كُتِبَت المسّورة حوله أي الحواشي كُتِبَت حول النصّ بالتفاسير أو الاختلافات أو المُلاحظات، فأصدرت لنا هذه المجموعة اليهودية في حلب النصّ المسّوري في القرن العاشر الميلادي، بينما لدينا مخطوطات سريانية في القرن السابع أقدم منها وكاملة، ولذلك تكتسب أهميَّة. أضيف إلى ذلك أن أقدم مخطوط للكتاب المُقدَّس في كل اللغات، عبرية، يونانية مؤرّخ، في نفس المخطوط لدينا تاريخ كتابته هو مخطوط سرياني للعهد القديم يؤرَّخ في سنة 460 ميلادية وهو موجود في لندن، وهذا شيء لافِت أن أقدم مخطوطة مؤرَّخة تاريخها مذكور فيها هي سريانية.  

غسان الشامي: هل لديكم نسخة منه؟

الأب روجيه الأخرس: يمكننا أن نطلب نسخة في أيِّ وقتٍ ونحصل عليها. 

غسان الشامي: هل قارنتم فحوى هذا المخطوط بما لديكم؟ 

الأب روجيه الأخرس: العُلماء الذين بحثوا في الكتاب المُقدَّس السرياني، المُسْتَشرِقون بالأخصّ بحثوا في هذه المخطوطات كافة، درسوا وجمعوا كل مخطوطات العهد القديم السريانية التي هي حوالى 360 مخطوطاً تقريباً، جمعوا بين القرن الخامس إلى القرن التاسع عشر 360 مخطوطاً وقارنوها في ما بينها بالنسبة إلى العهد القديم السرياني، وأنشأوا في مدينة لايدن في هولندا ما يُسمَّى بمعهد الفشيتا لكي يُصدِروا الكتاب المُقدَّس السرياني بطبعةٍ نقديةٍ علمية، بدأوا هذا المشروع في العام 1959 وبدأوا بإصدار الطبعات في العام 1972 واعتمدوا على هذه المخطوطات القديمة ميلانو أو باريس أو كامبردج أو فلورنسا أي جميع المخطوطات القديمة.  

غسان الشامي: أين تتركَّز المخطوطات السريانية القديمة الأخرى؟   

الأب روجيه الأخرس: أغلب المخطوطات موجودة في المتحف البريطاني الذي جمع أكبر عدد من المخطوطات السريانية في لندن، وقد جلبها من دير السريان في مصر، أغلب المخطوطات السريانية التي نجدها اليوم في مكتبات الغرب، في باريس، في برلين، في كامبردج، أوكسفورد، لندن، في كل هذه الجامعات العريقة، في فلورنسا، في ميلانو، في روما، هذه المكتبات زاخِرة بالمخطوطات التي جلبوها من دير السريان في مصر لأن هذا الدير قد عَمِرَ بالمخطوطات السريانية على مدى التاريخ لا سيّما في القرن العاشر، رئيس الدير كان إنساناً مُحبَّاً للعِلم وذهب وعمل جولةً في الشرق إلى بغداد، إلى الموصل، إلى تكريت، إلى ملاطية وجلب المخطوطات بأعدادٍ كبيرةٍ إلى ديره، وهناك نُسِخَت هذه المخطوطات وحُفِظَت.   

غسان الشامي: أريد أن أعود إلى الترجمة البسيطة التي يبدو أنها الترجمة الأكثر شيوعاً، هل تعرفون مَنْ ترجمها؟ أين تُرْجِمَت بالتحديد؟ 

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى العهد القديم والجديد ليس معروفاً إسم المُتَرْجِم ولكن تُرْجِمَت على الأرجح في الرها، الرها هي مركز الثقل الثقافي للسريان. وبالنسبة إلى العهد الجديد وُضِعَت تحت سلطة أسقف الرها رابولا الرهاوي الذي فرض هذه الترجمة ليوحِّد فيها جميع الكنائس، فرضها على الكنائس، ألغى الترجمات القديمة التي كانت موجودة ومنها ترجمة لم نتحدَّث عنها هي ترجمة للإنجيل الموحَّد، كان هناك ترجمة سريانية جمعت الأناجيل الأربعة في إنجيلٍ واحدٍ في القرن الثاني، ألغى كل هذه الترجمات القديمة. 

غسان الشامي: في القسم الذي سنتحدَّث فيه عن الإنجيل.

الأب روجيه الأخرس: فإذاً أسقف الرها هو الذي تبنَّى ترجمة العهد الجديد وهو رابولا الرهاوي الذي توفَّى سنة 435 ميلادية.

غسان الشامي: سؤالي الأخير في هذا المحور بقليلٍ من الوقت، ما هي علاقة الترجمة البسيطة بالنصّ العبري القديم؟ هل من اختلاف؟ وأين طُبِعَت حديثاً؟ 

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى علاقتها بالنصّ العبري هي التي تساعدنا على أن نعرف حال النصّ العبري كيف كانت في زمن ترجمة النصّ السرياني، أي يمكننا أن نعرف أنه في القرن الثاني في الرها النصّ العبري المُتدَاول كان يشبه ما لدينا في البسيطة، وهذا أمر هام جداً لأنني كما ذكرت المخطوطات اللاحِقة العبرية إلى القرن العاشر، نعرف حال النصّ العبري في القرن الثاني من خلال السريانية. أما الطباعة فطُبِعَت في لايدن الطبعة العلمية ولكن هناك طبعات أخرى بدأت.  

غسان الشامي: في أيِّ عام؟

الأب روجيه الأخرس: بدأت من عام 1972 كطبعةٍ علميةٍ، مُقارَنة بين المخطوطات ولكن كطبعةٍ شاملةٍ منذ القرن السابع عشر بدأت الطباعات في لندن وفي باريس بنِسَخٍ جُمِعَت حسب مخطوطات المتاحف.

غسان الشامي: سأنهي هذا الجزء ولكن ما يلفت النظر أب أخرس أن كل ما يحصل هذا وهذه كنيسة مشرقية عظيمة يحصل في الغرب. أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الأب روجيه الأخرس، انتظرونا، الموضوع الإنجيل السرياني.

المحور الثاني:  

غسان الشامي: أحيِّيكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، الأب روجيه أخرس ذكرنا في المحور السابق الإنجيل الموحَّد، هل يمكن أن نتكلَّم عنه لأنه ظاهِر، وأنت تعرف أن الأناجيل أتت مُقسَّمة، الأناجيل الأربعة جُمِعَت في العهد الجديد ولكن كيف يمكن أن توحِّد الإنجيل، هل هي لغة واحدة أم هل هي مُتتابعة أم أن كل إنجيل على حِدة ومن ثم جُمِع بين دفَّتين؟

الأب روجيه الأخرس: الإنجيل الموحَّد قام به شخص من بلاد ما بين النهرين إسمه تاتيانوس في القرن الثاني الميلادي، رأى أن هناك أربعة بشارات وأنه من الأسهل ليُبشِّر غير المسيحيين أن يُقدِّم لهم نصَّاً واحداً بدلاً من أربعة نصوص تتكلَّم عن بشارة السيِّد المسيح، فجمع أناجيل متّى ومرقس ولوقا ويوحنا في إنجيلٍ واحدٍ، جمع الأحداث. ٍ

غسان الشامي: كيف يمكن هذا الجَمْع؟ أناجيل متّى ومرقس ولوقا مُتشابِهة بينما إنجيل يوحنا هناك بعض التشابُه ولكن هناك فِكر فلسفي.  

الأب روجيه الأخرس: كان يعمل بطريقة إضافة النواقص، اتَّخذ من إنجيل متّى أساساً لعمله. 

غسان الشامي: رجع إلى جَذْرِه الآرامي.

الأب روجيه الأخرس: اتَّخذ إنجيل متّى كأساسٍ وما نقص في إنجيل متّى ولم يكن موجوداً في باقي الأناجيل أضافه، بدأ في مُقدِّمة إنجيل متّى ثم أضاف مُقدِّمة إنجيل يوحنا اللاهوتية من بعدها، عملٌ تجميعي كان يبغي من ورائه تبشير غير المسيحيين من خلال هذا النصّ، ولكن هذا النصّ لقيِ رواجاً كبيراً لدى المسيحيين أنفسهم مع أنه موجَّه في البداية إلى غير المسيحيين، وتبنَّته الكنائس، كتبه على الأرجح باليونانية في البداية مع أنه كان من بلادنا ولكن في ما بعد وباكِراً جداً تُرْجِم إلى السريانية وفسَّره آباء الكنيسة، مثلاً مار أفرام السرياني في القرن الرابع عندما يُفسِّر الأناجيل يُفسِّر الإنجيل الموحَّد، يعرف الأناجيل المُنفصِلة ولكنه يُفسِّر الإنجيل الموحَّد وإسمه باليونانية "دياتيسارون" أي من خلال الأربعة ويُسمِّيه البعض بالإنجيل الرُباعي، وتُرْجِمَ في ما بعد إلى اللغات الأخرى حيث صار موجوداً باللغة العربية مثلاً في القرن الحادي عشر، ترجمه الملكيون إلى اللغة العربية، تُرْجِمَ إلى السلافية، إلى اللاتينية، إلى الجيورجية. 

غسان الشامي: لكنّه غير مُعْتَمَد الآن.  

الأب روجيه الأخرس: كلا، الكنيسة تأخذ بالأناجيل القانونية المعترَف بها أي الأناجيل الأربعة المُنفصِلة، ورابولا الرهاوي قد أمر بإبعاد وتَلْف جميع النسخ الرُباعية للإنجيل وباعتماد الإنجيل بحسب متّى، مرقس، لوقا ويوحنا المنفصل. 

غسان الشامي: أريد أن أشير أعزائي المُشاهدين إلى أن رابولا الرهاوي غير رابولا من زغبا الذي قدَّم إنجيلاً برسوماتٍ شهيرةٍ وهو سرياني أيضاً. أين هي الآن مخطوطات العهد الجديد السريانية؟ هل تحتفظ الكنيسة بالمخطوطات القديمة أم أنها أيضاً في بلاد الغرب؟ 

الأب روجيه الأخرس: أقدمها في بلاد الغرب، في الفاتيكان والمتحف البريطاني، وانتقلت إلى هناك من دير السريان، منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأت تنتقل إلى الغرب وحُفِظَت هناك. نعرف المآسي التي مرَّت على شرقنا وما فُقِدَ لدينا نحن الشرقيون بسبب الحروب والاضطرابات التي حدثت لدينا وأدَّت إلى تَلَفِ الكثير من المخطوطات لا سيمّا في بداية القرن العشرين أي الحرب العالمية الأولى وما أتلفته لدينا من مخطوطات أضاعت لنا كنوزاً كبيرة.  

غسان الشامي: وقبل العشرين عندما جاء المبعوث الفاتيكاني، في جبل لبنان على سبيل المِثال جمع كل هذه الكُتُب الطقسية.

الأب روجيه الأخرس: نعم وأحرقها بسبب خلافات عقائدية.

غسان الشامي: في القرن السادس عشر؟ 

الأب روجيه الأخرس: نعم، فأقدم نصوص لدينا أو مخطوطات موجودة في لندن حيث لديهم حوالى المئة مخطوطة للعهد الجديد بالسريانية "الفشيتا"، 60 منها ترجمة بين القرن الخامس والعاشر و30 منها ما بين القرنين الخامس والسابع، نتحدَّث عن فترةٍ مُبْكِرَة جداً تحتفظ بنسخٍ منذ ما قبل الإسلام للكتاب المُقدَّس السرياني بنسخته الأصلية القديمة مُتواجدة، وهذا غير موجود في أيّة لغة أخرى لا في اليونانية ولا في اللاتينية لدينا هذا الكمّ من المخطوطات القديمة للنصّ المُقدَّس. 

غسان الشامي: أنت قلت إنكم لا تعرفون مَن هم المُتَرْجمين.   

الأب روجيه الأخرس: بالتحديد كلا. 

غسان الشامي: ولكن تعرفون متى تُرْجِمت وحدَّدتَ الزمن، أنا أريد أن أسأل مَن أخذ الترجمة السريانية؟ مَن ترجم عن السريانية، عن الإنجيل السرياني؟   

الأب روجيه الأخرس: بعد أن تُرْجِم الإنجيل إلى السريانية كل الذين بشَّرهم السريان نقلوا إليهم البشارة بلغاتهم وترجموا وساعدوهم على الترجمة، يمكن أن نذكر مثلاً الترجمة الأرمينية التي انتقلت أيضاً من خلال السريانية أولاً مع الراهب دانيال السرياني والقدِّيس ميسروب الأرميني اللذين ساهما في ترجمة الكتاب المُقدَّس إلى الأرمينية، أيضاً الترجمة إلى الفارسية القديمة من خلال السريانية والترجمة إلى اللغة الهندية، المالياليم في الهند وهي حديثة نسبياً في القرن التاسع عشر.  

غسان الشامي: هذا ما كنت أريد أن أصل إليه، السريان هم أوَّل مَنْ ذهب إلى الهند وما يزال السريان موجودين بعددٍ كبيرٍ في الهند وبعضهم كناعنة يعودون في جذورهم إلى هذه البلاد، ألم يأخذوا معهم إنجيلاً سريانياً على سبيل المِثال؟ 

الأب روجيه الأخرس: بالطبع أخذوا أناجيلهم السريانية ولديهم نُسَخ من هذه الأناجيل في الهند بالإضافة إلى لغتهم المحلية، لدينا كُتُب طقسية للصلوات والأناجيل موجودة بالسريانية وباللغة المحلية، ولكن ما حدث أيضاً في الهند أن البرتغال عندما أتوا إلى الهند أرادوا أيضاً أن يطمسوا أيضاً كل التاريخ السرياني في الهند، وهذا أدَّى أيضاً إلى فُقدان الكثير من الشواهِد التاريخية والكُتُب القديمة التي للأسف مع المُرسَلين في ذلك الوقت تمَّ حَرْقها وإتلافها وضياعها. 

غسان الشامي: هل تُرْجِمَ الإنجيل السرياني إلى العربية؟ 

الأب روجيه الأخرس: طبعاً، بداية الترجمات العربية للكتاب المُقدَّس حدثت من خلال السريانية، وهناك نظريات حول مكان هذه الترجمات، منهم مَنْ قال إنها جرت في بلاد الشام مع الغساسنة، ومنهم مَنْ قال إنها ربّما في الحيرة في العراق.

غسان الشامي: مع المناذِرة.  

الأب روجيه الأخرس: نعم ومنهم مَنْ قال في فلسطين، أهميّة دير القدِّيسة كاترينا في سيناء أو دير مار سابا في فلسطين ولكن انقسمت الآراء حول ما إذا كان قد تُرْجِمَ إلى العربية قبل مجيء الإسلام أو بعده، أغلب الآراء الحديثة اليوم تقول إنه تُرْجِم في نهاية القرن السابع للمرة الأولى بعد مجيء الإسلام. بحسب مصادرنا التاريخية أنه طُلِب إلى البطريرك السرياني الأنطاكي يوحنا حوالى سنة 634 ميلادية، طلب إليه القائد العربي عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص أن يُترْجِم له الكتاب المُقدَّس إلى العربية، فعَهَد بذلك إلى فُهماء من قبيلة عُقيْل وبني تنّوخ الذين ترجموه إلى العربية، ولكن ليس لدينا نصّ هذه الترجمة اليوم.

غسان الشامي: نعم ولكن لديكم خبرها.

الأب روجيه الأخرس: خبرها فقط.

غسان الشامي: في المرويّات العربية؟

الأب روجيه الأخرس: نعم وفي التواريخ السريانية.

غسان الشامي: أي إنها موجودة في تاريخ إبن العبري؟

الأب روجيه الأخرس: إبن العبري وميخائيل الكبير لكن الترجمة العربية التي يُمكن أن نقرأ نصَّها ويمكن أن نعرف بالمُقارنة من أية لغة تُرْجِمَت، من السهل أن تكتشف إذا كانت قد تُرْجِمَت من اليونانية أو من السريانية، فمن السهل أن تكتشف أن أولى الترجمات جاءت من خلال السريانية، في ما بعد تُرْجِمَ من اليونانية، من القُبطية.

غسان الشامي: اليونانية في القرن الثامن عشر أم التاسع عشر؟ 

الأب روجيه الأخرس: هناك ترجمات عربية قديمة أيضاً من اليونانية إلى العربية، ومن القُبطية إلى العربية، كانت كل كنيسة وكل طائفة تحاول أن تُتَرْجِم من لغتها الطقسية إن كان اليونانية بالنسبة إلى الملكيين، من القبطية بالنسبة إلى الأقباط إلى العربية.

غسان الشامي: ولكن هناك نوع من وشائِج القُربى الكبيرة بين الكنيسة السريانية والكنيسة القُبطية، كتابهم المُقدَّس بلغةٍ مُغايرة لكتابكم؟

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى اللغة العربية نعم هناك فروقات بين الترجمة التي استُخْدِمَت من السريانية إلى العربية ومن القُبطية إلى العربية، اللغة التي تُرْجِمَت بها من السريانية هي عربية قديمة، نتكلَّم عن القرن السابع أو الثامن حيث اللغة العربية التي استُخْدِمَت كانت قريبة إلى السريانية في مُصطلحاتها وفي تراكيبها، أما التي ترجمها الأقباط في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر لديها صبغة قُبطية أيّ أنك عندما تقرأها تفهم مباشرةً أنها تُرْجِمَت من القُبطية. 

غسان الشامي: ما هو أوَّل إنجيل سرياني مطبوع وأين هو الآن؟ 

الأب روجيه الأخرس: أوَّل إنجيل سرياني طُبِعَ سنة 1555، لدينا كاهن سرياني من ماردين هو موسى المارديني، بغيرةٍ كبيرة حمل كتابه المُقدَّس للعهد الجديد بعد بروز الطباعة وذهب إلى الغرب ليطبع هذا الكتاب المُقدَّس الإنجيل، فذهب أولاً إلى إيطاليا، إلى روما، إلى فينيسيا ولم يتوفَّق في إيجاد الدعم اللازم لخلق الحروف السريانية وللطباعة، ولكنَّه عاد إلى فيينا حيث التقى مع ألبرت ويدمنشتات وهو مُستشار الإمبراطور النمساوي الذي تبرَّع بدعم هذا المشروع لطباعة هذا الإنجيل المُقدَّس السرياني، وهكذا طُبِعَ للمرة الأولى في العام 1555 في فيينا، وهذه طبعة نادرة لا تزال هناك نسخ منها موجودة في البطريركية، في روما، في مكتبات عريقة ولكن بعد ذلك بدأت الطباعة في باريس، في لندن، في باريس الموارنة عملوا بها، في لندن المُستشرقون عملوا مع السريان بها، وهكذا بدأت طباعة الكتاب المُقدَّس السرياني.   

غسان الشامي: الترجمات الحديثة إلى العربية وهناك نتيجة الانتشار السرياني وتحديداً منذ مذابح سيفو في العام 1915 حتى اللحظة إلى الإنكليزية هل حافظت على روح النصّ السرياني أبونا؟   

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى الترجمات العربية عندما بدأت الطباعة، الذين طبعوا بالعربية كانوا على الأغلب من الموارنة من الذين طبعوا مثلاً في باريس وكانوا يستعينون بالنصّ السرياني. نرى أن النصّ العربي الذي نجده في هذه الترجمات كان مُتأثّراً بالنصّ السرياني أي فيه الروح السريانية، عمل به مثلاً سركيس الرزّي الماروني الذي أصبح بطريركاً، ففيه نفحة سريانية. حتى الإنجيليين الذين ترجموا ما هو معروف بالترجمة الإنجيلية البيروتية، عمل بها المُعلِّم بطرس البستاني الذي كان يُجيد السريانية. 

غسان الشامي: ولغته العربية مُقمَّشة.

الأب روجيه الأخرس: طبعاً مُعلِّم كبير ودرس السريانية في مدرسة عين ورقة، ولم يكن يعرف اللغات الأصلية كما يعرف السريانية، تعلَّم العبرية واليونانية من المُستشرقين ولكن لغته كانت السريانية والعربية، وهو الذي ترجم الترجمة البيروتية الإنجيلية لأنه وُلِد َمارونياً ثم أصبح بروتستانتياً إنجيلياً.  

غسان الشامي: هناك مَنْ يقول لا. 

الأب روجيه الأخرس: المهم أنه ترجم إلى العربية مُستعيناً بالسريانية وكانت السريانية أساساً مثلاً ليجد ما هي الطريقة لترجمة بعض التعابير اليونانية كان بالنظر إلى السريانية يجد المُرادِف الذي يمكن أن يترجمه بسلاسةٍ إلى العربية. وإذا تحدَّثنا عن الإنكليزية أصبحت لدينا أيضاً محاولات للترجمة من السريانية إلى الإنكليزية في القرن التاسع عشر، لدينا ترجمات إتيريدج ونوردوك في القرن التاسع عشر إلى الإنكليزية من السريانية، وفي القرن العشرين أيضاً تُرْجِمَ الكتاب المُقدَّس بواسطة جورج لمسة من السريانية إلى الإنكليزية ولكن لم تكن هذه الترجمات فعلاً أمينة للنصّ السرياني، كانت دائماً تتأثّر بترجماتٍ أخرى ولذلك بدأ مشروع جديد في القرن العشرين مع دار غورجياس برس في أميركا حديثاً أي منذ بضعة سنوات لإعادة ترجمة كل نصّ الكتاب المُقدَّس السرياني إلى الإنكليزية، وهذا حدث تحت عنوان "الكتاب المُقدَّس الأنطاكي" وتُرْجِمَ هذا الكتاب المُقدَّس إلى الإنكليزية بواسطة مجموعة من العُلماء. 

غسان الشامي: مَنْ قام به؟  

الأب روجيه الأخرس: على رأس هذا المشروع كان الدكتور جورج كيراز من نيوجرسي وهو سرياني تلحمي من بيت لحم، وهو لديه دار النشر العريقة والمهمَّة هذه من بين دور النشر في أميركا للكُتُب الشرقية "غورجياس برس" ومجموعة من حوالى 35 مُجلّداً نشروا بها النصّ السرياني والنصّ الإنكليزي في نصٍّ إزائي أي نقرأ السريانية في صفحة والإنكليزية في صفحة مع مجموعة من البحّاثة والمُستشرقين الذين عملوا على الترجمة من السريانية إلى الإنكليزية. 

غسان الشامي: التُراث السرياني أبونا أخرس، بارديسان، مار أفرام، ملافنة الكنيسة، مَن يهتمّ بنقله إلى العربية والإنكليزية؟

الأب روجيه الأخرس: بالنسبة إلى الدراسات حول نقل هذا التُراث بدأت في الغرب ويجب أن نكون مُمتنّين للغرب لما بدأه بنشر هذا التُراث. 

غسان الشامي: هل نشروه من منطوقٍ استشراقي أمْ من منطوقٍ علمي؟

الأب روجيه الأخرس: في الحقيقة إن تكلَّمنا عن النوايا قد تنقسم الآراء حول ما كانت عليه النوايا من وراء نشر هذا التُراث، ربّما كانت هناك محاولات لجَذْبِ المسيحيين الشرقيين إلى الطوائف الغربية من قِبَل إما الكاثوليك أو الإنجيليين من خلال إغرائهم بطباعة كتبهم ونشر أفكار مُعيَّنة إلى آخره، قد يكون هذا الهدف غير مباشر ولكن ما يهمّنا كدارسين أو باحثين أنها بالنتيجة نُشِرَت هذه الدراسات وساعد بها الشرقيون. ذكرتُ موسى النصّيبيني الذي ذهب إلى روما وهو من الذين علَّموا المُستشرقين اللغة السريانية، كان له دور في تعليم مُستشرقين. دور المدرسة المارونية في روما أيضاً كان محطّة مُهمّة في بداية الاستشراق لأنه من بعدها بدأت تُنشَر الكُتُب بالسريانية واللاتينية واليونانية، فبدأ هذا التُراث من خلال الغرب في جامعات مهمَّة مثل أكسفورد التي كان لها دورٌ كبير، كامبردج، باريس، برلين وروما، ولكن أيضاً في الشرق لم نكن مُقصّرين لا سيّما في القرن العشرين، في القرن العشرين عمل الكثير من الدارسين والباحثين على الترجمة إلى اللغة العربية لكي يكون هذا التُراث مُتاحاً بين أيدي أبناء شعبنا الذين يقرأون العربية.

غسان الشامي: أريد أن أختم هذه الحلقة الغنيّة معك بسؤالين وأنا لك من الشاكرين، أن تقول للمُشاهدين ما الارتباط بين الآرامية والسريانية وكيف يتبدَّى؟ وأيضاً ما الاختلاف بين السريانية الشرقية والسريانية الغربية؟ 

الأب روجيه الأخرس: اللغة الآرامية عريقة ترجع إلى ألفي سنة قبل السيِّد المسيح، وهذه اللغة تطوَّرت عبر التاريخ، اللغة الآرامية القديمة موجودة في نقوش اكتُشِفَت في سوريا وفي مناطق مُتعدِّدة من هذا الشرق. اللغة الآرامية في وقتٍ مُعيَّنٍ في زمن الدولة الفارسية 500 سنة قبل السيِّد المسيح أصبحت لغة الشرق ولكن تطوَّرت عن اللغة الآرامية القديمة، هذا التطوّر الثاني للغة الآرامية.  

غسان الشامي: هي لغة السياسة والتجارة.    

الأب روجيه الأخرس: التجارة وكل الشرق، التطوّر الثالث حدث بعد مجيء اليونان والإسكندر المقدوني إلى الشرق، دخل اليونان مع ثقافتهم ولغتهم وتفتَّتت اللغة الآرامية في ذلك الوقت فأصبح لدينا لهجات آرامية في الرها، في بابل، في فلسطين، في معلولا، في حلب، في دمشق، تعدَّدت اللهجات الآرامية في ذلك الوقت. لهجة الرها طغت على اللهجات الأخرى لأنّ بها كُتِبَت الكُتُب وأصبحت لغة الأدب هي اللغة السريانية، فإذاً اللغة السريانية هي إحدى لهجات الآرامية وبالتحديد لهجة الرها، في تطوُّرها ما بعد المسيح من القرن الثاني وما بعد أي عندما بدأنا نجد كتابات سريانية مختلفة عن الكتابات الآرامية الأقدم منها، هذه بداية اللغة السريانية. أما الفرق بين السريانية الغربية والشرقية فنحن نتحدَّث هنا عن لغة السريان الغربيين ونعني بهم السريان الأرثوذكس وفي ما بعد الكاثوليك والموارنة من جهة والمشارقة أي لغة كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية، الفرق بينهما أن واحدة تتكلَّم بلهجة الضمَّة الO  في غرب الفرات وفي شرق الفرات بلهجة ال A، نحن نقول مثلاً "شلومو" وهم يقولون "شلاما" يعني سلام، نقول "موران" أي سيِّدنا وهم يقولون "ماران"، إذاً اختلاف اللهجات ليس اختلافاً في اللغة ولكن لهجة وهذه اللهجة ربّما في لبنان إذا انتقلنا من منطقةٍ إلى أخرى نجد اختلافاً في اللهجات.

غسان الشامي: هل تتوقّع أن يأتي يوم يؤخَذ فيه الكتاب المقدَّس السرياني ويأتي أحد ليُقارِن المفردات بالمفردات العربية؟ 

الأب روجيه الأخرس: هذا الأمر يُبحَث ويُدرَس حالياً، وهو مشروع مهمّ جداً في الدراسات الحديثة لأنه يهمّ الدارسين اليوم أن يجدوا الرابِط بين التُراث السرياني والتُراث العربي القديم وأقصد بالتحديد التُراث الإسلامي، التقليد الإسلامي والتواريخ والتفاسير وما ورثته من الكتاب المُقدَّس السرياني والكتابات السريانية، وهذا حقل واسع للأبحاث اليوم.  

غسان الشامي: شكراً سيِّدي. السريانية هي الحاضِن الشرعي للإرث الروحي المشرقي من جرَّاء اكتنازها لبدائع اللغة والتاريخ المسيحي، ولأنها الوريث الشرعي والوحيد للآرامية التي تكلَّمَ بها السيِّد المسيح. شكراً للأب روجيه الأخرس على إضاءاته، للزملاء في أجراس المشرق والميادين على جهدهم، أيامكم معرفة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.      

المشرق في العصور الكلاسيكية

المشرق في العصور الكلاسيكية... الحياة الفكرية والفلسفية والأدبية والحقوقية والمعمارية وآباء الكنيسة... موقع سوريا في العصر الغريكو – روماني، ونتاج اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب.

المزيد