فرنسا والارهاب

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي مُحادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن (فرنسا) حيثُ قُتِلَ مئتان وستّون شخصاً بوحشيّة على أيدي إرهابيين منذ عام 2012 وفي الكثير من الأحيان في أبشع طريقة ممكنة. في هذا العام 2020 تصاعدت عمليّات القتل مرّة أُخرى لكنها ليست أبداً على مستوى عام 2015 حينما قُتِلَ أكثر من مئة شخص على أيدي مُتعصّبين في شوارع (باريس)، لكن خوف شعب فرنسا هو أنّ لديه عدوّ من الداخل الفرنسي يُضيِّق من دون رحمة على أسلوب حياته، وهي حياة يتباهون أنّها علمانيّة. لقد أثبتَ الشعب وجهة نظر دستوريّة مفادها أنّ الدين لن يُسيطر على دولة (فرنسا)، أي أنّها جمهوريّة علمانيّة، لكنّ كل شخصٍ يُفكِّر في طريقة سليمة سيقف دوماً إلى جانب ضحايا الإرهاب وسيُدين في شكلٍ قاطع مرتكبي الأعمال الإرهابيّة. هناك نُقطتان تُثيران اضطراب المُسلمين في (فرنسا) وفي جميع أنحاء العالم في شأن الحرب التي أعلنها الرئيس "ماكرون" على ما أسماه " التعصّب الإسلامي"، نقطتان على الأقل وربّما أكثر. النُقطة الأولى هي أنّ (فرنسا) أمضت السنوات العشر الماضية في دعمِ هذا النوع من الأشخاص تحديداً الذين ينفّذون جرائِم القتل الشنيعة هذه في (فرنسا)، كانت تُسلِّحهم وتُدافع عنهم وتُصوِّت لهم في المنتديات الدوليّة وتموِّل البنية التحتيّة للإرهاب ما دام موجوداً في بلدان الآخرين. لا يسعدني إطلاقاً توضيح هذه النُقطة لكنني قلت لهم ذلك، قلت لـ (فرنسا) و(الولايات المتّحدة) أنّ سياسة دعم الوحوش في بلدان شعوب أُخرى ومُحاولة مُحاربة تلك الوحوش في الوطن لم تكن فقط غير أخلاقيّة ولكنّها من المُحتمل جداً أن تفشل لأنّ بالطبع، أي شخص سبق وقرأ رواية "فرانكنشتاين" لـ "ماري شيلي" يعلم، إن قرأها حتى النهاية، أنك بمجرّد أن تصنع وحشاً سيخرُج عن سيطرتك ولهذا السبب يُطلَق عليه تسمية "وحش". الأمر الثاني المُقلق في شأن سياسة "ماكرون" المُعادية للجهاد الإسلامي هي كالتالي: يبدو أنّه يتخيّل أنّ لديه السُلطة، وهنا أقتبس كلامه، لـ " إصلاح الإسلام" وأن يحوّله إلى إسلامٍ للتنوير، هذا ما قاله، ووصفَ الإسلام بأنّه في أزمة حول العالم. لا شكّ في أنّ هناك أزمة في أجزاءٍ كثيرة من العالم الإسلامي، في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي هنالك مشاكل عميقة ومُتجذِّرة وغالباً ما تجد دولاً مثل (فرنسا) نفسها في قلب هذه الأزمات والمُشكلات. اعتبَرَ بعض مُساعدي "ماكرون" المُقرّبين أنّ جزّاري لحوم "الكوشر" بالعبرية وجزّاري لحوم "الحلال" بالعربية أمر سيّئ، أمر يؤدّي إلى الانفصالية والتجمّعات الشعبوية. في واقع الأمر أخذت (فرنسا) علمانيّتها في كثيرٍ من الأحيان إلى التطرُّف ومن أكثر الأمثلة عبثيّةً، مع أنّ في استطاعتي أن أُعطي أمثلة كثيرة، حين تمّ توقيف امرأة على الشاطئ في جنوب (فرنسا) لارتدائِها ملابس كثيرة. اليوم نحن نسأل، السبب المباشر لجريمة القتل الأخيرة كانت مجدّداً صحيفة "تشارلي إبدو" الأسبوعية واستهدفت مُجدّداً أشخاصاً يَعرِضون على الأولاد علناً رسوماً كاريكاتوريّة بشِعة وهي ليست رسوماً متحرّكة، "توم أند جيري" رسوم متحرّكة، لكن تلك رسوم كاريكاتورية بشعة لأكثر الناس قداسةً، ليس فقط لنبيّ الإسلام بل لـ "يسوع" ولكثيرون في طريقة كاريكاتورية بشعة جداً في صحيفة "تشارلي إبدو". لذا نحن نسأل، أهذا انعكاس لحريّة التعبير أم أنّه تحريضٌ على العُنف؟ أستضيف كالعادة جمهوراً مميّزاً من الضيوف هنا في الاستديو وعبر الإنترنت ليساعدونا في استكشاف هذا السؤال الأساسي. المحطّة الأولى هي مع " أحمد طومسون"، مُحام وباحث إسلامي. دكتور "طومسون"، هذه الازدواجيّة من حريّة التعبير أو التحريض على العُنف ما هو موقفك منها؟ 

أحمد طومسون: في رأيي، لكي تفهم هذه الازدواجيّة ينبغي أن تعود إلى الماضي قليلاً. إن نظرنا إلى الاحتلال الفرنسي لشمال (أفريقيا)، هذا كان وحشياً، فقد قُتِلَ الآلاف من الأشخاص وقُطِعَت رؤوسهم، حتى أنهم تركوا الختم الفرنسي على سبعة رؤوسٍ عُرِضت على الحائِط في (المغرب)، وفي الواقع احتفلوا بهذا الأمر منذ أقلّ من مئة عام. لكن إذا عُدنا إلى الماضي أكثر وبالتحديد إلى الثورة الفرنسية حين وُلِدَت كل تلك الحقوق، فقد أتى ذلك على حساب طبقة واحدة قُتِلت بالكامل، تمّت إزالة النظام الملكي المسيحي من المُجتمع لهذا السبب أُطلق على هذه الأفعال تسمية إرهاب. إذاً، قلب هذا الإرهاب لا يأتي من مكانٍ آخر بل هو في الواقع ضمن الحديقة الخلفية للأراضي الفرنسية إذا أردت، مصدر ما حصل. عند مُعظم المسلمين القادمين من شمال (أفريقيا) الذين استقرّوا في (المغرب) وداخل كل عائلة من عائِلاتهم هناك ذكرى من تلك الحقبة. أحياناً يذهب الأشخاص الذين لديهم تلك الذاكرة العميقة لإرهاب الاحتلال الفرنسي إلى أقصى الحدود تماماً كما ذهب الفرنسيون إلى أقصى التطرّف ضدهم، فهذا يأتي ضمن المُعادلة، لذا ينبغي حلّ هذه المسألة في طريقةٍ ما. أعتقد أيضاً في ما يتعلّق بحريّة التعبير أن مُعظم العقلانيين قد يقولون إنّ الحريّة عظيمة لكن ينبغي أن تكون لها حدود. على سبيل المثال، "جاك فيرجيه، المحامي الفرنسي الشهير قال يوماً: "إن اقترحت تصوير فيلم إباحي عن "آنّا فرانك" فلن تصل بعيداً لأنّ هناك حدوداً معيّنة في شأن ما هو مقبول في المُجتمع"، وأعتقد بالتأكيد أنّ الاستهزاء بأيٍّ من الأنبياء بمن فيهم النبي "محمد" وأيضاً النبي "موسى" و"يسوع المسيح" سلامٌ عليهم جميعاً يجب أن يوضع له حدّ هنا إن كنت تريد تنظيمه في قانون مدني لأنّ العقوبة في الشريعة مُرعِبة للناس، حينها سيكون من السهل جداً أن نقول إنّ أيّ شخص يهين أي نبي من الأنبياء سيكون مذنباً بالتحريض على الكراهية الدينية والعرقية، وإذا كانت هذه العقوبة كما عقوبة الذي يهزأ بالعلم الفرنسي على سبيل المثال فهذا من شأنه نزع فتيل أيّ نزاع بين ليلة وضُحاها 

جورج غالاواي: أجل، لكن ما يعتبره البعض استهزاءً يعتبره آخرون حريّة تعبير. أنا لستُ على دراية بالعقوبات على الاستهزاء بالعلم الفرنسي لكن الناس يسخرون طوال الوقت من العَلمين البريطاني والأميركي بما في ذلك في العالم الإسلامي بالطبع عقب الأحداث التي جرت وغيرها. أنت حتماً ترى المُشكلة في طريقة فلسفيّة هنا، بمعنى مَن سيحرِس الحَرس؟ مَن سيرسِم حدود ما يمكن للناس قوله أو عدم قوله؟ ما هي حدود حرية التعبير؟

أحمد طومسون: في الواقع، تلك الحدود وضعها النبي "محمد" صلّى الله عليه وسلّم لأنه قال: " مَن يؤمن بالله وباليوم الآخِر فليقُل خيراً أو ليصمُت". هناك حكمة عظيمة في هذا القول 

جورج غالاواي: لكن فرنسا ليست بلداً مسلماً ومن حقّها ألا تكون بلداً مسلماً

أحمد طومسون: هذه هي الدرب التي اختارتها حتى الآن، لكن في رأيي، إن نظرت إلى ما يقوله "القرآن الكريم" عن "الكلِمة الصالِحة"، فهي ليست "كلمة حرّة"، لا تجد هذا في "القرآن" بل تجد "الكلمة الطيِّبة". وما هي "الكلِمة الطيِّبة"؟ هي أشبه بشجرةٍ جذورها راسِخة في الأرض وأغصانها في الهواء وتُعطي الثمار خلال الموسم، وإذا قارنّا ذلك بـ "الكلمة السيّئة" فهي العكس تماماً. حينما تقول "أنا حرّ في قول ما أُريد"، لا تتمتّع بهذا التمييز الأساسي بين "الكلمة الطيّبة" و"الكلمة السيّئة"، وهذا بالفعل أمر ينبغي أن تتعلّمه كل المُجتمعات العلمانيّة وإلا سيتكرّر هذا الوضع مراراً وتكراراً 

جورج غالاواي: منح الفرنسيون حقّ اللجوء إلى قاطِع رأس مُعلِّم المدرسة حين كان في السادسة من عُمره فنشأ في (فرنسا) وهو بلد علمانيّ غير مُسلِم، لماذا لا ينبغي إدانته لارتكابه مثل هذا العمل الهمجي على مواطن في بلدٍ منحه وعائِلته ملاذاً آمنا؟ 

أحمد طومسون: هذا بالتحديد أمرٌ لا يُمكنك تبريره، أي أن يُقرّر شخص ما تطبيق القانون بنفسه، وهذا أيضاً مبدأ بموجب الشريعة الإسلامية، أي لا يُمكنك أن تُطبِّق القانون بنفسِك وفقاً للشريعة، عقوبة إهانة الرسول هي الموت لكن لتنفيذ ذلك يجب أن يصدُر الحُكم من القاضي. إحدى نتائِج الاستعمار الأوروبي للأراضي الإسلامية هي أنّ مُعظم أُسس التربية الإسلاميّة تعرّضت للتدمير وعدد قليل جداً من المُسلمين حصلَ على تعليمٍ إسلامي مُناسِب، ذلك لأنّ البُنية التحتيّة للتعليم والقانون الإسلامي المُلائِم تعرّضت للتدمير وهذا يعني أنّك تحصل على شريحة شباب لا تعرِف الكثير، لذا تعمل هذه الشريحة على تطبيق القانون بنفسها مرتكبةً أعمالاً غبيّة تؤدّي غالباً إلى قتل الأبرياء. هذا لا يبرّره أيّ نظام قانوني سواء كان علمانياً أم دينياً أم أيّاً كان، لكن هذا ما يحدُث. وأكرّر هنا إنّ هذا نتيجة للحقبة الاستعمارية الأوروبية 

جورج غالاواي: القس "فرانك غالي"، كاهن مسيحي أنغليكاني وهو كاتب وناشط من أجل السلام، ما موقفك من هذا الانقسام بين "حريّة التعبير" والتحريض على العُنف والكراهية؟    

القس فرانك غالي: في الواقع كتبت مقالين عبر الإنترنت حول ما يحدُث في (فرنسا) أحدهما سابق للأحداث الأخيرة حيث كانت هناك امرأتان بريئتان في الكنيسة وتعرّضتا لقطع رأسيهما إضافةً إلى مقتل حارِسٍ أعزل. حمل أوّل مقال عنوان "حملة "ماكرون الصليبية". لم يستخدم كلمة "حرب صليبية" في خطابه وكان ذلك في غاية الذكاء لكن يأتي ذلك كإعلان حرب على الإسلام لاسيّما حين تحدّث محاربة الإسلام والانفصاليين ومُحاربة تحرير الإسلام من التأثيرات الأجنبية، لذا استعملت كلمة "حملة صليبية" ولكن اقتبستُ أيضاً كلام "كارل ماركس" الذي قال إنّ التاريخ غالباً ما يُكرِّر نفسه أولاً كمأساة وثانياً ككوميديا. في النظر إلى الحملات الصليبية في القرون الوُسطى أينما كانت، تمّ شنّها باسم الإيمان وبمباركة من "البابا" في (روما). لكن هذه الحملة إن كانت صليبيّة وتاريخيّة فهي فرنسيّة على الأغلب وهي تنطلق باسم ما سبق وذكرته حضرتك أي "العلمانية" وهي عقيدة الفرنسيين. في موضوع "حرية التعبير" أريد أن أتطرّق إلى خطاب الرئيس الفرنسي، وهنا أُريد أن أسلُك التوجّه اللاهوتي. في بداية إنجيله يذكُر القدّيس "يوحنّا" كلمة "لوغوس" هذا يعني أنه في البداية كان هناك نوع من الكيان الإلهي والروحي، ولكن كلمة "لوغوس" في اليونانية تعني أيضاً "الكلمة"، إذاً في البداية كانت الكلمة والتعبير، لكن ينبغي أن نُبقيها على توازن مع الحريّة. إذاً الله أعطى البشرية الحريّة إلى درجة أنّه سمح لـ "آدم" و "حوّاء" بارتكاب الخطيئة، فاستمعا إلى الثعبان وقطفا ثمرة من الشجرة المُحرّمة. إذاً هنا نجِد أنفسنا أمام ذاك التناقض، لدينا الحريّة في استخدام الكلام وتلك الحرية كانت مستمدة في النهاية من الله، وفي إمكاننا إساءة استخدام الكلام، إذاً أين هي الحدود؟ أُريد أن أقول شيئاً أيضاً، للإسلام تقليد عظيم من التفكير الحُرّ، شاعر عربي إسلامي هو "أبو العلاء المعرّي" كان فيلسوفاً أعمى وكتب كلاماً ينمّ عن حريّة التفكير، فقال مثلا إنّ الأنبياء لم يقولوا الحقيقة ولم يقتله أحد ولم يُهاجمه أحد بل عاش حياته كلّها في (سوريا) والشرق الأوسط و(بغداد). هناك قصة أُخرى عزيزة على قلبي تتعلّق بالنبي "محمد" سأخبركم إياها وهي أنّه حين كان النبي في (مكة) كان يذهب أحياناً إلى مكان إسمه (الطائِف) حيث كان يحظى بالدعم، لكنّه لم يحظ بالدعم من القادة المحليين ولا من الأهالي، فهاجم الرعاع النبي وتعرّض للرجم وأُصيب واضطرّ إلى مغادرة (الطائِف) وذهب للاختباء في حديقة حيث بكى ومن ثمّ قال: "يا إلهي سامحهم لأنّهم لا يعرِفون أنني نبيِّك" 

جورج غالاواي: هذا كلام قوي

القس فرانك غالي: هذا ليس "محمّد" الذي يُصوِّره الذين يعانون من رهاب الإسلام وبعض الجهاديين 

جورج غالاواي: "روبرت كارتر" أنت صحافي ومذيع. ككاتب ومذيع يجب أن تنتبه إلى خطر حظر "حرية التعبير" أليس كذلك؟   

روبرت كارتر: من الواضح أنّ هناك فرقاً بين حريّة التعبير وحريّة الإهانة، وأنا أؤمن بفكرة إنّه يجب أن يكون هناك بعض القيود في بعض المجالات. على سبيل المثال، إن أردت أن أكتب مقالاً مليئاً بالكراهية عن عدم كفاءة الأفارِقة وعن أنهم مثلاً أصحاب أدمغة أصغر، هذا النوع من خطاب الكراهية يُمكنك الدفاع عنه بالقول إنّه يحقّ لك التعبير عن ذلك مهما كان الأمر بغيضاً، ولكن لحُسن الحظ نحن نعيش في نظامٍ مُتنوِّر كفاية ليضع قيوداً على تلك الأنواع من الأفكار البغيضة ونعلم من التجارب السابقة كيف أنّ هذه الأنواع من الأفكار البغيضة إذا انتشرت وأُعطيت حريّة النموّ قد تزدهِر وتؤدّي إلى ضررٍ في المُجتمع وتنشُر الانهيار في كل أنحاء العالم. لذا، على الرغم من أنني مُدافع عن حريّة التعبير إلا أنني أفهم أيضاً أنّ هناك حدوداً واضحة يجب وضعها، وقد وضعت (فرنسا) تلك الحدود الواضحة في بعض المناحي. على سبيل المثال إنكار "الهولوكوست"، تلك المأساة التاريخية المروِّعة التي حدثت، لهذا الأمر حدود بالتأكيد لأنّه سيُزعِج بشدّة مجموعات الأقليّات لاسيّما المُجتمع اليهودي حول العالم. لكن عندما يتعلّق الأمر بالإسلام والمُسلمين، يبدو أنّ الحدود غائِبة، فيُمكنك أن تقول أيّ كلام مهما كان مُسيئاً ومهما أثار ذلك استياء ملايين المُسلمين في أنحاء العالم، وعلينا أن نسأل أنفسنا، لماذا (فرنسا) التي تزعم أنّها تُدافع عن حريّة التعبير لكنّها أيضاً تقف ضدّ خطاب الكراهية، وهذا ما غرّدَ به "ماكرون" حين أهانه الرئيس التركي "إردوغان" علناً وقال: "نستنكر خطاب الكراهية ونرفضه"، لكن لماذا لا تكون هذه هي الحال حين يتعلّق الأمر بالمُسلمين؟ لماذا في استطاعة صحيفة "تشارلي إبدو" وغيرها من الصُحف العُنصريّة مهاجمة المُسلمين إلى ما لا نهاية من دون أيّ دفاع من الدولة التي تُمثِّل كل الشعب الفرنسي؟ 

جورج غالاواي: ذلك كلّه هو حُجّة مثاليّة. لكنّك تعمل لمصلحة شبكة تلفزيونية أقفلت وحُظِرَت وفُرِضَت مراقبة ورقابة عليها، أتفهم وجهة نظري؟ وهي أنّه بمجرّد أن تبدأ في تبرير حريّة التعبير لشخصٍ ما يكون من الأسهل التسبّب في وقف عملك 

روبرت كارتر: لكن لماذا الصوت المُسلِم، وأُذكِّرك أنني أعمل في قناة إسلاميّة لذا وجهة نظري ذات صلة بالموضوع، أسأل مُجدّداً، لماذا يُكتَم الصوت المُسلِم في الغرب؟ لماذا لا يحدُث غير ذلك؟ أُكرّر، يزعم الغرب أنّه يُدافع عن كلّ أنواع حريّة التعبير لكنّ هنا اليوم أقول أنّه لا يفعل ذلك بل يُدافِع فقط عن حريّة التعبير التي يريدها وتتضمّن حريّة كره المُسلمين وإهانتهم، وحين يتجرّأ المُسلمون على الكلام والتعبير عن رأيهم من الناحية السياسية نرى ذلك الاضطهاد من الدولة الفرنسيّة ومن (النمسا) أيضاً وهذا كلّه ضدّ الإسلام السياسي. وأنا هنا أقول أنّه لو أراد أيّ مسلِم أن يُعبِّر عن رأيه ويُدين الإمبريالية الفرنسية كما قال "أحمد" بوضوح خلال هذا الحديث يبدأون في تصنيفه كمُتطرِّف إضافةً إلى عباراتٍ أُخرى شموليّة بدأت تنتشر لاسيّما "متطرِّف"، وأنا شخصياً قد يُصنّفونني بالمتطرّف بسهولة لأنني أُدين "ماكرون" مثلاً 

جورج غالاواي: لنستمع إلى رأي شخص فرنسيّ وهو الدكتور "مُصطفى تراوري" الموجود في (باريس) في (فرنسا) وهو مُحاضِر في جامعة "أساس" في (باريس) كما أنّه مُدوِّن وصحافي. أهلاً بك يا دكتور "تراوري" 

مصطفى تراوري: شكراً، هذا من دواعي سروري 

جورج غالاواي: دكتور، أنت تعيش في (فرنسا) وأنت مُفكِّر عقلاني. هل هذه حريّة تعبير أم أنّها تحريض على الكراهية تجاه المُسلمين؟

مصطفى تراوري: نعم، سأبدأ من فكرة أنّ (فرنسا) معروفة جيّداً بحريّة التعبير وهذا يعود إلى زمن الثورة الفرنسيّة، لذا هو أمرٌ يعتزّ به الشعب الفرنسي كثيراً. لكن هناك أيضاً الكراهية لاسيما تجاه المُسلمين. أظن أنّ ما حصل بعد الجريمة التي ارتكبها إرهابيّون هنا في (فرنسا) هو بعض المشاكل بسبب اللغة التي استخدمها الرئيس الفرنسي، لذا في رأيي ينبغي أن نحترس جيداً في انتقاء الكلمات التي نقولها خصوصاً وأنّ المُجتمع المُسلِم في (فرنسا) يعاني لأسباب عديدة لاسيّما بسبب التمييز والعُنصرية

جورج غالاواي: هل هناك سياق تاريخي أدّى إلى وقوع تلك الأحداث في الطريقة التي رأيناها فيها؟ 

مصطفى تراوري: أحل بالفعل، وهذا ما كنت أُحاول تفسيره. كانت هناك الحرب الجزائِريّة التي كانت رهيبة على الفرنسيين بعد أن خسروها وقد ترسّخ ذلك في ذاكرة العديد من أبناء الشعب الفرنسي، كما هناك "شارل مارتل". وإن نظرنا إلى التاريخ الفرنسي يبدو أنّ ولادة (فرنسا) كأُمّة تعود إلى تاريخ تحرير المناطق التي كان يحتلّها بعض المُسلمين في جنوب (فرنسا)، بالتالي هذا موضوع قوي جداً. وإن نظرنا إلى "مارين لوبان" مثلاً نجد أنّها تتكلّم عن هذه الحقبة من التاريخ غالباً 

جورج غالاواي: يقول البعض إنّ الجميع يطالهم التعليق التهكّمي اللاذع والأمر لا يقتصر على المُسلمين، ما رأيك في هذا؟ 

مصطفى تراوري: أنا مع حريّة التعبير ما دمت تحترم الآخرين، لكن هناك حقبة في التاريخ الفرنسي، بالأحرى في تاريخ صحيفة "تشارلي إبدو"، حين راح أحد الفنانين ينتقد ويرسم الكاريكاتور عن اليهود وحينها لم يتقبّل أحد ذلك، فكيف يُعقَل أن يكون مقبولاً الاستهزاء في كل المُجتمعات الأخرى فيما الأمر مرفوضاً في مجتمعات مُعيّنة؟

جورج غالاواي: ما الذي يستطيع الرئيس "ماكرون" والحكومة الفرنسيّة فعله لحلّ هذه المُشكلة؟ 

مصطفى تراوري: أظن أنّ الأمر يتعلّق بالتعليم. بالتالي، التحدّث عن الرسوم الكاريكاتوريّة في المدارس وعن حريّة التعبير ربما ليس بالأمر السيّئ ولكن ينبغي أن نعرِف كيفية القيام بذلك 

جورج غالاواي: أجل، لكن دكتور ما الذي على الحكومة فعله؟ 

مصطفى تراوري: أجل بالتحديد، هذا ما يجدر أن تقوم به. ينبغي أن يكون التعليم أفضل في شأن موضوع العُنصريّة. لو أنا كنت رئيس جمهوريّة (فرنسا) قد أتّصل بصحيفة "تشارلي إبدو" سرّاً وأقول لهم: حسناً، هذا هو الوضع. لذا الرجاء أوقفوا ما تفعلونه. أنتم تستهدفون مُجتمعاً يواجه الصعوبات أصلاً لأسباب مُختلفة" 

جورج غالاواي: تابعوا المزيد بعد الفاصل. ابقوا معنا    

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (فرنسا). "أحمد"، هناك أمر غريب فعلاً في شأن سياسي حاضر اليوم وغائب غداً وهو يُعلِن أنّه سيعمل على إصلاح دين شخص آخر، هذا الأمر مصيره المحتوم هو الإخفاق بغضّ النظر عن أي شيء آخر

أحمد طومسون: أعتقد أنّ من المُهمّ جداً أن ننظر إلى معنى كلمة ديانة أو Religion، فهي كلمة تأتي من الكلمة اللاتينيّة "ريليغيو" التي تعني الإرتباط، وهذا يُذكّرني دائماً بكلمات "وليام بليك" التالية: "وكان الكهنة في العباءة السوداء يسيرون في جولاتهم موطّدين معرِفتهم بالأبرار والأفراح والرغبات". كان هذا الأمر مُقيِّداً، وفي الواقع إن نظرت إلى أيّ نظام علماني تجد أنّه ديانة أو Religion أو ارتباط. اعذرني، لا أُجيد اللغة الفرنسيّة لكن العلمانية هي ديانة و"ماكرون" هو أحد أهمّ كهنتها ويسعُنا القول أنّه ذهبَ إلى التطرُّف في دفاعه عن ديانته

جورج غالاواي: أعني هناك أمور مثل منع جزّاري اللحوم على سبيل المثال، أي جزّاري لحوم الكوشر وجزّاري لحوم الحلال. لماذا الذهاب إلى جزّار لحوم الحلال يجعلك انفصالياً ولا يسعنا القول إنّ الذهاب إلى متجر منتجات غذائيّة لا يجعلك انفصالياً؟

أحمد طومسون: أعتقد مجدّداً أنّك إن نظرت إلى التاريخ منذ الثورة الفرنسية تجد أنّ الأمر لا يقتصر على المُسلمين فقط لأنّ المسيحيين عانوا الكثير أيضاً من الطبقة النخبويّة الحاكمة في (فرنسا)، أعني عانى الكثيرون وقُتلوا وتعرّضوا للاضطهاد. إذاً بالتالي، حقوقهم غير مُحترمة وهذا نوع من التناقض المُتأصِّل. ==ستجد أنّ أيّ مُجتمع علماني يتحدّث عن الحقوق في تأثير متحرّر رائع على المُجتمع، لكن في مكان في هذا المجتمع هناك مجموعة فقدت حقوقها بالكامل. على سبيل المثال، إن نظرنا إلى (الولايات المتّحدة) التي تلت شرعة حقوقها زمنياً شرعة الحقوق الفرنسية ستجد أنّ الهنود الحمر الأميركيين فقدوا حقوقهم بأكملها، تمّ ذبحهم وتهميشهم وحصلوا على أسوأ الأراضي. وحتى اليوم

جورج غالاواي: والأشخاص الذين كتبوا نصّ شرعة حقوق الإنسان كانوا يملكون العبيد 

أحمد طومسون: أجل، والمجموعة الثانية التي فقدت حقوقها كانت مجموعة العبيد الأفارقة، وما زلنا نرى حتى يومنا هذا آثار ذلك سيّما مع حركة "حياة السود مهمة" التي برزت فعلاً خلال الأشهر القليلة الماضية لكنها كانت موجودة دائماً في حال غليان في الباطن، إذاً هذا هو التناقض في إعلان شرعة حقوق الإنسان. حين نبحث قليلاً في الأعماق نجد ذاك التناقُض ونجد تلك المجموعة في المُجتمع التي فقدت كامل حقوقها وهنا يكمن الخطأ. في رأيي مُجدداً، من المهم أن ننظر إلى ما ذكَره "القرآن الكريم" والنبي "محمد" في هذا الشأن، لأنّ "القرآن الكريم" ذكَرَ أنّه لا ينبغي الردّ بكلامٍ لاذع، فسأله أحد المؤمنين: ما معنى هذا بالفعل؟ ويذكُر "القران الكريم" ما يلي: "أيُحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرِهتموه؟ وهو بذلك يساوي الردّ اللاذع بأكل لحم البشر ويُحدّد معنى ذلك. النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "هذا يعني أن نتكلّم عن أحدهم في طريقة لن يرغب بسماعها لو قلتها له في وجهه". فسألوه قائلين: "ماذا لو كانت الحقيقة؟" فأجاب: "إن كانت الحقيقة فأنتم حينها تشتمونه وإن كانت خاطئة فأنتم قد قتلتموه". بالتالي، حريّة التعبير بالنسبة له تعني الكلام في شكلٍ جيِّد عن الناس أو عدم قول أيّ شيء. حين أتى إليه أحدهم ذات مرّة وأراد أن يُخبره أشياء عن شخص مُعيّن قال له: "لا تُخبرني عنه لأنني أريد أن أُقابله بفكرة جيدة مُسبَقة عنه"

جورج غالاواي: هل سبق أن تكلّمت بالسوء عن "دونالد ترامب"؟

أحمد طومسون: أجل، ولم تكن لديّ حيلة، لكنني قلت بعض الكلمات الجيّدة عنه أيضاً 

جورج غالاواي: أيّها القسّ "فرانك"، هل تظن أنّ هناك مفهوماً ما في (أوروبا) و(فرنسا) و(إنكلترا) في شأن هذا الانقسام الذي أشرت إليه منذ قليل وهو أننا ندعم في بلداننا علناً الفئة نفسها من الأشخاص الذين ارتكبوا الفظاعات في بلدان شعوب أُخرى. أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" قبل عقدٍ من الزمن إلى شرارة "القاعدة" التي كشفَ عنها الكاتب في ما يُسمّى المعارضة السوريّة، هذه الشرارة تحوّلت إلى نارٍ مُسْتَعِرّة ومع ذلك هذه المعارضة السورية كما تُسمّى مدعومة حتى الآن، وحين يتسلّم "جو بايدن" الرئاسة ستتلقّى المزيد من الدعم من دون أدنى شك. ألا يُلاحظ أحدكم ذاك التناقُض القائِم؟

القس فرانك غالي: أجل، التناقُض موجود ونحن نتحدّث عن سياسة القوّة التي بالطبع تتجاوز المبادئ الأخلاقية والسلوك الأخلاقي. في نهاية المطاف هذه السياسة لا تأبه إطلاقاً في شأن التناقض لأنّهم يريدون أن يفعلوا ما يصبّ في مصلحتهم الخاصّة وهي مصلحة واضحة في المجال السياسي، وهم ينكرون بالتأكيد فعلهم هذا بَيْدَ أنّهم فعلياً يقومون به. الموضوع المطروح هنا هو حريّة التعبير، وكما قال "روبرت" لا يُمكننا توجيه الاتّهامات إلى الناس. في الحقيقة، جزء منّي سيكون مُتسامِحاً والآن تحرّرياً، جزء منّي فقط، إذاً في رأيي ينبغي قول كل شيء وأنا أجد هذا في الواقع هو حريّة التعبير في رأيي حتى لو شَعَر البعض بالإهانة، لا يُمكننا أن نقول فقط الأمور التي لا تهين وإلا فسنكون في حال تهميش نوعاً ما 

جورج غالاواي: أنا أُهين القادة السياسيين دوماً

القس فرانك غالي: أعرِف، وهذا سبب حبّنا لك 

جورج غالاواي: لكن فكِّر في الأمر أيها القسّ، فجأة يأتي أحدهم ويوقِف صفحتك الخاصّة على "تويتر" أو على "فيسبوك" وحقّي في البثّ وحقّك في الوَعْظ لأنّ ما نقوله هو مصدر إهانة 

القس فرانك غالي: أجل، وهذا غير مقبول وأقول إنّ اليسار هنا ليس بريئاً تماماً عملياً ولاسيما الـ "غارديان" 

جورج غالاواي: إنّهم مُذنبون 

القس فرانك غالي: اعترضوا على ما سُمِّيَ "اتّحاد حريّة التعبير" قائلين إنّ ما يريدونه هو الاحتفال بذكرى عيد مولِد "هتلر" أو يريدون الاحتفال بالأشخاص الذين يدعمون النازيّة لكن ما يقولونه هو أنّهم يرفضون حريّة التعبير التي تتناقض ومُعتقداتنا الخاصّة. هنا أعود إلى تلك الجملة الشهيرة التي تقول: "لا أوافق على ما تقوله لكنّى سأُحارب حتى الموت من أجل حقّك في قول ما تقوله"، لذا لا بدَّ من الحقّ في التعبير، كما أُدرِك أيضاً أنّه ضمن حقنا في التعبير لا ينبغي مثلاً أن نحثّ الناس على القتل، هذا أمر لا ينبغي السماح به. هناك شُرْعة حقوق الإنسان، وهي الآن جزء من القانون البريطاني، وهناك المادة العاشرة فيها التي تتحدّث عن حرية التعبير وتقول إنّه يُسمح للجميع التعبير عن آرائهم ولكن، هناك قيود لا يُمكنك تجاوزها

جورج غالاواي: قل ذلك لـ "جوليان أسانج". "روبرت"، هناك حدود بالتأكيد لحريّة التعبير فلا يُمكنك أن تصرُخ "حريق" في صالة مُكْتظّة ومُظْلِمة 

القس فرانك غالي: هذه كليشيه قديمة ونحن لا نتحدّث عن ذلك 

جورج غالاواي: مع أنّها جيّدة وهي كليشيه لأنّها غالباً ما تُسْتَخْدَم لأنّها تعكس الحقيقة، لا يحق لك الوقوف والصُراخ قائِلاً إنّ هناك حريقاً في السينما لأنّ آخرين سيتأذّون في خضمّ الفوضى التي ستحصل لاحقاً. يحقّ لي أن أُحرِّك قبضتي لكن ليس إلى حدّ أن تطال أنفك. هذا التوازُن ومَن يُحدِّد هذا التوازن هما في قلب هذا النقاش أليس كذلك؟

روبرت كارتر: نعم، وأستطيع أن أقول لك بصراحة تامّة إنّ المسلمين سيكونون أكثر من سُعداء لو أجرينا نقاشاً مُتمدِّناً حيال هذه القضايا، حتى نقاشات عن الإسلام والشريعة وغيرها. المسلمون لا يُدافعون عن حَظْرٍ كامل يمنعك من الكلام عن الإسلام وعن النبي وعدم انتقاد الإسلام وإلا لكانوا سيعتصمون ويُهاجمونك. هذا ليس ما يعترِض عليه المُسلمون إنّما يقولون إنّهم يتعرّضون لهجوم مستمر، فهناك أشخاص ينزعون الحِجاب عن النساء على الطريق إذا لم يرِق لهم مظهرهنّ، يتعرّضون للتمييز العُنصري في مواقع العمل ولا يحصلون على وظيفة بسبب الأسماء الإسلامية لا سيّما أسماء مثل "محمد" أو "أحمد" وغيرهما. لقد كان المُسلمون يتحمّلون ذلك منذ وقتٍ طويل جداً لكن حينما يتعلّق الأمر بالدولة الفرنسية التي تستخدم كل قواها لدعم صحيفة عُنصريّة تستهدف المُسلمين مراراً وتكراراً في انتقاد أقْدَس وأحبّ الشخصيات ومن ثمّ تدعم الحكومة "تشارلي إبدو" بالرغم من سخط المُسلمين! هنا يقول المسلمون: "هذا يكفي، يُمكنكم مُهاجمتنا كل يوم ولكن رجاءً اتركوا ديننا الجميل خارِج ذلك وتوقّفوا عن وَصْم الإسلام و"القرآن الكريم" والنبي "محمد" صلّى الله عليه وسلّم بالإرهاب وعن تحميل هذه الديانة جرائم شخص واحد قتلَ أحدهم مثلاً"، هذا ليس مُنْصِفاً. ليس لديك اصطفافات لذوي البشرة البيضاء مع حصول هجوم إرهابي يميني عِرقي في كنيسة مثلاً، لا نتوقَّع من ذوي البشرة البيضاء في الغرب أو في (نيوزيلندا) أن يصطفّوا ويعتذروا في شأن الإرهاب أو في شأن الديانة المسيحية أو في شأن نمط الحياة في (نيوزيلندا)، لا نتوقّع ذلك وهذا أمر طبيعي. حينما يتعلّق الأمر بالمُسلمين يحصل العكس تماماً، نتوقّع اعتذاراً كبيراً في شأن الأعمال التي حصلت. حين حصلت جريمة قطع الرأس كل ما قلته على صفحتي عبر "تويتر" ألا شأن لـ "القرآن الكريم" في هذا لأنّ "القرآن" هو كتاب سلام، لأنه كما تعلم قال كثيرون إنّها مُشكلة في الإسلام فأجبت بأنّ هذا غير صحيح، هذا عملٌ مُروِّع لكن الإسلام هو دين سلام فهاجمني كثيرون قائلين أنّه يجدُر بي أن أعتذر! لكن لماذا؟ لا علاقة لي بهذا القاتل الرهيب ومن الجليّ أنّ أسبابه خاصة جداً فلماذا عليَّ كمُسلِم أن أعتذر؟ ما يفعله "ماكرون" هنا هو لعبة سياسية خطرة وقذِرة من خلال الخَلْط بين الإسلام والإرهاب ويستخدم ذلك كأداة سياسية لضرب الأقليّات لكسب الدعم لنفسه عند الهوية اليمينية المُتنامية بين الدوائِر الانتخابيّة الفرنسية. كل مأ أقوله هو اتركوا الإسلام وشأنه واتركوا غالبية المسلمين وشأنهم، المسلمون ليسوا العدو هنا والإسلامُ ليس ديناً يُروِّج للكراهية أو أيّ شيء من هذا القبيل 

جورج غالاواي: لنستمع إلى مُداخلة "حمزة أندرياس تزورتزيس" الموجود في (إسطنبول) في (تركيا) وهو مدرِّس وباحث في معهد "سابيانس" في (لندن). "حمزة" تُعتَبر هذه الأحداث ردّ فعل على استفزازات تقوم بها صحيفة "تشارلي إبدو" وأمثالها، ما رأيك في الموضوع؟ 

حمزة أندرياس تزورتزيس: شكراً يا "جورج"، هذا سؤال جيِّد. في الأساس هناك بعض الأمور التي ينبغي أن تُقال في هذا الشأن، أهمها أنّ هذا العُنف وقَتْل الأبرياء هو أمر لا يدعمه أحد ولا يجدر بأحد أن يدعمه وهو تصرّف لا يُمكننا وصفه سوى بالشرّير. من ناحية أُخرى، ينبغي أن نفهم السياق الاجتماعي السياسي ونُريد أن نُدرِك أمرين مُهمّين. أولاً، لا علاقة لذلك بتاتاً بحريّة التعبير لأنّه وفقاً للأكاديميين والفلاسفة وأي شخص مُفكِّر من الذين يفهمون، القيود ستطال دوماً حريّة التعبير في طريقة أو أُخرى بسبب تضارُب القِيَم وهو أمرٌ طرحه الأكاديمي "ديفيد فان نو" بوضوحٍ تام وقال: "هناك قيود مثل قوانين منع خطاب الكراهية وقيود على التطرُّف وغيرها من المواضيع بسبب تضارُب القِيَم، ونحن نُقدِّر أموراُ أُخرى أيضاً". هنا يسعنا القول إنّ الأمر لا يتعلّق مُطلقاً بحريّة التعبير بل يطال التطرّف العلماني، أي الأشخاص الذين يدعمون العلمانية في طريقة مُتطرِّفة للغاية وما يقدِّرونه. من الواضح أنّهم لا يُقدِّرون كرامة الأقليّات أو على الأقل أقليّات مُحدّدة مثل المُجتمع المُسلِم لأننا رأينا على الصعيدين الخاص والعام قيوداً كثيرة متعلّقة بالتشهير بالأقليّات الأُخرى ومُعتقداتهم. إذاً لماذا هناك قاعدة لأقليّة محدودة وقاعِدة مُختلفة لأُخرى؟ هذا يكشف نوعاً من النفاق لدى الجانب العلماني في رأيي ولا علاقة لذلك بحريّة التعبير والمُجتمع المُسلِم. الدين الإسلامي يقوم على الحوار الفِكري ضمن سياق الاحترام وسياق تحقيق أهداف حريّة التعبير القائمة على الحقيقة والمُساءلة والتقدّم. ما يُثير الاهتمام للغاية هو أنّنا لو نظرنا إلى سبب وجود حرية التعبير في الأساس سنرى أن السبب هو منح أولئك الذين ليس لديهم النفوذ على تحدّي أولئِك الذين يتمتّعون بالنفوذ في سياق التاريخ في الكنيسة الكاثوليكية التي استخدمت ذلك، لكن سُخرية القدَر هي أن الحكومة الفرنسية والمسؤولين الفرنسيين الحاليين يستخدمون حريّة التعبير لتحقير الأقليّات. إذاً هذا يُظْهِر أنّهم لا يمتلكون القِيَم المناسِبة لضمان أنّ الأقليّات جميعها هي جزء من المُجتمع نفسه وهذا يفضح في رأيي نوعاً من أجندة مُعادية للإسلام 

جورج غالاواي: غالباً ما يتمّ توجيه السُخرية إلى كل أنواع المجموعات، فلماذا يأتي ردّ فعل المُسلمين في هذه الطريقة؟ 

حمزة أندرياس تزورتزيس: هذا مثير للاهتمام يا "جورج". أولاً ينبغي أن نُدرِك أنّهم لا يعرِضون رسوماً كاريكاتورية عن "يسوع المسيح" عليه السلام أو عن شخصيّات مُقدّسة أُخرى على مباني الحكومة في (فرنسا)، هذه هي النقطة الأولى. النقطة الثانية هي، هل يعاملون الأقليّات والأفكار الأُخرى في الطريقة نفسها؟ ليس طوال الوقت، ولنأخُذ مثلاً تاريخ صحيفة "تشارلي إبدو"، ولنأخذ مثلاً تاريخ القانون في (فرنسا)؛ إذ صدر حُكم قانوني في شأن التشهير بـ "يسوع المسيح" عليه السلام حين حَكَمَ أحد القضاة قائِلاً بوجوب عدم حصول ذلك لأنّ من المُهين أن نطال معتقدات المسيحيين. أيضاً "موريس سينيه" مثلاً الذي عمِلَ في صحيفة "تشارلي إبدو" لمدة عشرين سنة ورسم رسوماً كاريكاتورية عن إبن "ساركوزي" وعن علاقته بامرأة يهودية ثمّ تمّ طرده نتيجة لذلك، وهناك العديد من الأمثلة في أرجاء (أوروبا) لإظهار نوع من المعايير المُزدوجة. لكن ما أودّ قوله هو أنّ إحدى القِيَم التي يجب أن تتواجد في مُجتمعٍ مُتحضِّر هي التحضُّر، وأنا شخصياً مع حريّة التعبير من وجهة النظر الفِكريّة والمُساءلة والتقدُّم. لكن إن استخدمنا تلك الحريّة للتشهير في طريقة تتعارض وأهداف حريّة التعبير تلك حينها علينا خوض نقاش أكثر جديّة. على سبيل المثال، لو أنا كنت "ستيفن هوكينغ" البروفيسور الراحل وأردت التكلّم عن حقيقة نظريّتي العلمية وبدأت النظرية العلمية من خلال مُخاطبة الجمهور والقول لهم: "كلّ واحد منكم غبي وينقصه الذكاء وكان يجب أن تُجْهِضكم أُمّهاتكم"، هذا لن يساعدني في نقل نظريتي العلمية. الأمر سيّان إن أخذتَ مثلاً الحكومة الصينية التي تقمع "الإيغور" وبدأت في التشهير بالممارسات الثقافية والدينية الصينية، فهذا لن يساعد على المُساءلة. من هنا نرى بوضوح عبر هذه التجارب أنّ المعاملة غير المُتَمدِّنة تتعارض وأهداف حريّة التعبير. أعلم أنّ هناك نقاطاً غامضة لاسيّما حين نتكلّم ونُعبِّر عن آرائنا وعلينا أن نتوقع أن نتعرّض للإهانة ولكن هناك بعض النُقاط السوداء والبيضاء أيضاً وأنا مُروِّج للخطاب المدني المُتحضِّر، فلنكن مُتحضّرين. ما يروّجه "ماكرون" وأمثاله من المُتطرّفين العلمانيين لا صلة له بأهداف حريّة التعبير أي الحقيقة والمُساءلة والتقدُّم بل يروِّجون فعلياً لنوعٍ من عدم التحضُّر

جورج غالاواي: أخيراً، ما الذي يجب أن تفعله الحكومة الفرنسية ردّاً على هذه الأحداث؟

حمزة أندرياس تزورتزيس: يجب أن تبدأ في التصرُّف في تحضُّر. أولاً يجب أن تكون ثابتة ويجب أن يتوقفوا عن كونهم عقائديين ضدّ الأقليّات، بالأخصّ المُجتمع المُسلِم، وعليهم التوقّف عن استغلال المُجتمع المُسلِم لاسيما استغلال ما تقوم به مجموعة صغيرة جداً من المُتطرّفين ضمن هذه الأقلية لقمع المُجتمع المُسلِم. لو تعلم ماذا يحصل في (فرنسا) حالياً، يجري إقفال جمعيات خيرية ومساجد كثيرة ليس بسبب تطرّفها فهي تضمّ مسلمين عاديين مُسالمين ومُلتزمين بالقانون، ولكن السبب هو التطرّف العلماني السائِد هناك. لذا ينبغي أن يتوقّفوا عن ذلك وأن يبدأوا في التصرّف المُتحضِّر وأن يُدرِكوا أنّ سبب وجود قيود على حريّة التعبير في كل بلد علماني وفي أيّ بلد في العالم هو تضارب القِيَم. إذاً اقتراحي هو، لماذا لا يأخذون صفة التحضُّر على مَحْمَل الجدّ؟ وإن فعلوا ذلك لن تقع مُشكلات. لذا فلنكن مُتحضّرين 

جورج غالاواي: وجهة نظر قوية في رأيي يا "فرانك". السؤال ليس عمّا إذا كان يجب أن نكون مُتحضّرين فمن المؤكّد أنّه يجدُر بنا ذلك، ولكن هل ينبغي أن نُمنَع من أن نكون غير مُتحضّرين؟

القس فرانك غالي: صديقنا "حمزة" الذي سبق أن قابلته في مناسبة إسلاميّة هو رجل طيِّب، لكن أشعُر أنّه لا يفهم فعلاً الثقافة الفرنسيّة أو بالأحرى التقليد الفرنسي لأنّ الفِكرة العلمانيّة تتضمَّن، وأعود هنا إلى "عصر التنوير" الذي ذكرته سابقاً، تتضمَّن هجوماً عنيفاً على الدين. أعني أنا ترعرعت في (إيطاليا) حيثُ درجة التجذيف والإهانات كبيرة تجاه الكاثوليكية وتطال الشخصيات المُقدَّسة في شكلٍ لا يُصدَّق. لكن بالنسبة إلى (فرنسا)، يُمكننا أن نضخِّم شخصية "فولتير" على سبيل المثال، الشخصية الأيقونيّة للتنوير. لقد ألّف كتاباً بعنوان "محمد والتطرُّف" وهو هجوم على النبي "محمد" صلّى الله عليه وسلّم، وصوّرَ فيه النبي كرجل جائِع وعجوز وغير ذلك، بعض الناس يقولون إنّ "فولتير" أراد وصف "البابا" واستخدم النبي مكانه 

جورج غالاواي: هذا صحيح

القس فرانك غالي: ولكن في الواقع هما شخصيّتان مُختلفتان النبي و"البابا". إذاً نرى من هنا تقليداً مُتجذّراً يقوم على مُهاجمة الدين، ومن الواضح أنني رجل دين مسيحي وأقول إنّ الدين يتعرّض للهجوم كل يوم حتى في هذه البلاد من خلال الأفلام والكوميديين إلى آخره. أودّ العودة إلى أمر قاله "روبرت" وهو أنّ المسلمين يريدون ممارسة دينهم بخصوصية، ولكن ألم يقُل "آية الله الخميني" إنّ "القرآن الكريم" كلّه هو سياسة؟ 

روبرت كارتر: من الواضح أنّ الإسلام السياسي هو أمر قائِم في (إيران) وأجزاء من الشرق الأوسط

القس فرانك غالي: ولكن ألم يُلمِّح "الخميني" إلى أنّ الإسلام والسياسة هما الأمر نفسه؟ 

جورج غالاواي: وما الخَطْب في الإسلام السياسي؟ لا خَطْب فيه. إذا كان في إمكانك ممارسة السياسة المسيحية والسياسة النقابية فلماذا لا يكون هناك إسلام سياسي؟ 

روبرت كارتر: قلت ذلك في السابق وربما "أحمد" سيُبدي رأيه في ذلك أيضاً. (النمسا) مثلاً أدانت مؤخّراً الإسلام السياسي وسيتم إصدار قوانين جديدة لمُطاردة الناس وقمعهم إن كانوا جزءاً من الإسلام السياسي المُتطرِّف. المُشكلة في ذلك هي أنّ المُصطلحات واسعة وشاملة، ما معنى الإسلام السياسي؟ وما معنى أن يكون المرء مُسلِماً سياسياً؟ هل أنا مسلم سياسي؟ هل أُصبِح كذلك حين أتحوّل إلى سياسي وأؤمن بالإسلام؟ هذا النوع من المُشكلات. إذاً، إن أردت أن أنتقد الحكومة النمساوية أو الحكومة البريطانية وحدث أنني صحافي مُسلِم، هل يعني ذلك أنني أنتهِك القانون؟ هذا هو السؤال المطروح. إذاً فكرة الإسلام السياسي هي مسألة نقاش كبير ويُمكننا التكلّم عنها في سياق وجودنا في بلد مُسلِم في الشرق الأوسط أو هنا في الغرب، لكن المُشكلة التي أواجهها لا تكمُن في هذا النقاش بل في السياسيين الغربيين الذين يميلون إلى اليمين والذين يستخدمون هذه المُصطلحات العامة والتصريحات الجوفاء لاضطهاد المُسلمين الذين ينتقدون المؤسّسة، وهناك العديد حالياً من المُنظّمات والناشطين والجمعيّات الإسلامية في حال حَرِجة لأنّ (فرنسا) أصبحت جمهورية استعمارية إضافةً إلى غيرها من البلدان الأوروبية وتشنَ حالياً الحروب وتحاول تغيير أنظمة بلدان ذات أغلبية مُسلِمة وكذلك في الشرق الأوسط 

جورج غالاواي: إن كنت تعتقد أنّ "ماكرون" سيّئ يُسْتَحْسَن أن تأمل ألا يتمّ انتخاب "مارين لوبان" رئيسة للجمهورية في العام المقبل. "أحمد"، ماذا عن القول المأثور "عندما تكون في (روما) تصرَّف كما يتصرَّف الرومان"؟ لا يُمكن أن يتوقّع المُسلمون العيش في (فرنسا) كما لو أنّها (المملكة السعودية)، وبالتأكيد لا يُمكنهم أن يتوقّعوا من الآخرين العيش في (فرنسا) كما لو كانت (المملكة السعودية). إن كنت تريد أن تعيش الحياة المُسلِمة الكاملة حينها عش في بلد مسلِم أليس كذلك؟  

أحمد طومسون: في رأيي، طَرَح "ماكرون" وجهة نظره كما لو أنّه لم يكن لديه أي خيار آخر، بالتالي ما نراه في (فرنسا) و(النمسا) على السواء هو هذا الاستقطاب، في (سويسرا) و(ألمانيا) إلى حدٍّ أقلّ، لكنه استقطاب قائم. إن نظرنا إلى ما حصلَ في (إنكلترا) نجد أنّ وسائِل الإعلام اختارت خياراً واعياً في عدم إعادة نشر تلك الرسوم الكاريكاتوريّة وأتي ذلك كخطوة واعية والنتيجة هي أننا لم نواجه الحوادث الوحشية نفسها. بذلك، انطلاقاً من احترام مُتبادَل نُبِذت الآراء والأعمال المُتطرِّفة 

جورج غالاواي: وأُشير إلى أنّ (بريطانيا) لم تمنع ارتداء النقاب فيما هو أمر ممنوع في (فرنسا)

أحمد طومسون: أجل، ويقول الكثير من المسلمين أنّ النقاب ليس جزءاً من الدين الإسلامي بل هو تقليد ثقافي، ما يفرِضه الإسلام هو وضع الحجاب. حين سُئِل النبي عن لباس المرأة قال: ينبغي تغطية كل شيء باستثناء الوجه واليدين والقدمين. إذا مُجدّداً، هذا عنصر آخر غالباً ما ينساه الناس وهو أنّ هناك ممارسات ثقافية غالباً ما يُسيء فَهْمها أشخاص يعتنقون ديانة مُعيّنة أو تجري مٌساواتها بتلك الديانة التي كانت قائِمة قبلها، وهنا أُعطي مثال ختان الأُنثى، هذا الأمر لا يُشرَح في طريقة يُقدِّرونها. أحياناً تكون الثقافة قويّة إلى درجة أنّها تفرِض نفسها على مُمارسة الدين، على سبيل المثال هناك جرائِم الشرف السائِدة جداً في شبه القارّة الهنديّة و(باكستان) التي لا علاقة لها بالإسلام أبداً لكنّها منتشرة جداً هناك ومن ثمّ تصل إلى (إنكلترا) ثمّ يتمّ إقرار قوانين لوقف ذلك لأنّها ممارسات مروِّعة وبشِعة، وهذا جانب آخر مما كنت أتحدّث عنه سابقاً، أي الحاجة إلى طُرُقٍ تعليميةٍ مناسبةٍ وهي ما ينصّ عليه "القرآن الكريم" في شأن هذه الأمور وما يقوله النبي في شأن هذه الأمور، وينبغي على أشخاص مُتعلّمين أن يُعلِّموا هذه المواضيع وليس أن تُعلّم على أيدي أشخاص قرأوا فقط الحديث القديم وتفسير القرآن عبر الإنترنت ومن ثمّ يطرحون فتاوى خاصّة بهم فهذا ليس الإسلام. ستجد دوماً أنّ الأشخاص الذين أخذوا إسلامهم من أشخاص جسّدوه والذين هم بدورهم أخذوا إسلامهم من أشخاص جسّدوه وهلمّ جرّاً حتى تصل إلى زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ستجد أنهم يعيشون حياة حلوة جداً. أذكر أنني عندما سافرت لأوّل مرة إلى (المغرب)، لم أكُن مُسلماً حينها، كان مُرحَّباً بي أينما ذهبت وكنت أحصل على الطعام ويطلب الناس منّي البقاء عندهم قَدْر ما أشاء. كانت تساورني الشكوك ورحتُ أسألهم عن سبب معاملتهم اللطيفة لي وكانوا يُجيبونني: "نحن مسلمون ومن تعاليم الإسلام الاهتمام بالمسافرين، وأنت مُسافر لذا نحن نهتمّ بك". لم يكن هناك أيّ دافع خفيّ ولم يكن هدفهم سلبي ممتلكاتي. كانوا يعلمون أنّهم إن قدّموا مما أعطاهم إياه الله فسيمنحهم الله المزيد لذا لم يقلقوا في شأن مؤونتهم. أذكُر أنني كتبت إلى صديق لي وقلت له إنّ هؤلاء القوم يعرِفون كيف يعيشون، قلت "هؤلاء الأشخاص" لأنّهم مُختلفون عنّي وكان مُستبعِداً فكرة أن أعتنق الإسلام لأنّه أمر غريب جداً. لكن الآن بعد مرور 45 سنة أقول "نحن" وليس "هُم" لأنّ في النهاية لم يكن أمامي خيار سوى اعتناق الإسلام حالما رأيت حقيقته عبر الناس بعيداً عن النقاش السياسي والحركة السياسية وبعيداً عن التصريحات العنصرية المُروِّعة. عندما التقيتُ بأشخاصٍ حقيقيين قلت لنفسي، هؤلاء أشخاص فعليّون، هؤلاء مسلمون حقيقيون يعرِفون كيف يعيشون، فكيف يجرؤ أيّ شخص على مُهاجمتهم باسم الحريّة العلمانيّة؟ 

جورج غالاواي: لو تحدّث كل مسلِم مثلك وشَعَر مثلك قد لا نواجه هذا الكمّ من المُشكلات في العالم. شكراً لك يا "أحمد"، شكراً "روبرت" وشكراً لك أيها القسّيس "فرانك غالي" هذه كانت حلقة رائِعة لكنّها غير كاملة لأنّ هذا نقاش سيستمرّ إلى ما لا نهاية، لكنه نقاش أساسي بالنسبة إلى الأشخاص الذين يفهمون المُناظرات التي تغزو (أوروبا) والعالم الغربي حالياً في شأن كيفية التعامل مع وجود الإسلام في بلدانهم. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" في برنامج "كلمة حرة" وأنتم كنتم جمهوراً رائِعاً. شكراً على المُشاهدة