ما الأزمة الناجمة عن مقتل الدكتور زادة؟

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (إيران) و(إسرائيل) و(المملكة العربية السعودية) و(الولايات المتّحدة) والأزمة الناجمة عن مقتل العالِم الإيراني. الدكتور "محسن فخري زاده" وعدّة أشخاص آخرين قتلوا بوحشيّة في شارع خارِج (طهران) الشهر الماضي، ما معنى ذلك كلّه؟ كيف حدث ذلك كلّه؟ كيف سُمِحَ بحدوث ذلك وماذا ستكون العواقب؟ السبب التقريبي هو مُحاولة القضاء على برنامج (إيران) النووي السِلمي بوسيلة أو بأُخرى من خلال العقوبات المُشِلّة والخانقة، وهي عقوبات تقتل الناس بكل معنى الكلمة أو تقتلهم فعلياً في الشوارِع. ما أسباب ذلك؟ السبب المُعلَن هو أنّه لن يُسمَح لـ (إيران) بامتلاك سلاح نووي، وتقول (إيران) إنّها لا تنوي امتلاك سلاح نووي، ولكن في رأيي بجدر بـ (إيران) ذلك على الأرجح أو كان عليها بالأحرى امتلاكه فهي مُحاطة بأعداء يمتلكون الأسلِحة النووية، ونتكلّم هنا عن الأُسطولين الأميركي والبريطاني وبالطبع (إسرائيل) نفسها. لم يعُد أحد يتظاهر بأنّ (إسرائيل) ليست متورِّطة في حملة قتل ضدّ العلماء الإيرانيين، لا أحد سليم العقل يتخيّل أنّ عمليّة القتل المُتطوِّرة ضدّ الدكتور "فخري زاده" لم تكن من تنظيم أو حتى ربّما من تنفيذ (إسرائيل)، ولم يكن العالِم الإيراني الأول الذي يُقتَل على أيديهم ولن يكون الأخير في رأيي. تمتلك (إسرائيل) بالطبع جبلاً من الأسلِحة النوويّة، حرفياً المئات من الأسلِحة النووية الموجّهة إلى جميع جيرانها، هي تمتلك هذه الأسلِحة النووية سرّاً وفي طريقة غير قانونيّة تماماً خارِج إطار عمل "وكالة الطاقة الذريّة الدوليّة" وخارِج إطار مُعاهدة عدم الانتشار وبالتأكيد، على عكس (إيران)، لا تسمح لأحد بتفتيش مُنشآتها. نعلم ذلك بسبب اليهودي الشجاع الواشي "مُردخاي فانونو" الذي هرب من (ديمونا) حيثُ كان يعمل وجاء إلى (لندن) وأخبر الصحف الإنكليزية عن 220 سلاحاً نووياً إسرائيلياً، وكان ذلك قبل رُبع قرن تقريباً. إذاً دعوني أوضِّح ذلك، (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل) اللتان تمتلكان كميّة هائِلة من الأسلِحة النووية تغتالان الناس في شوارِع (إيران) للحؤول دون أن يمتلكوا سلاحاً نووياً واحداً رغم عدم وجود أيّة أدلّة على محاولة (إيران) صنع سلاح كهذا. قد تقولون إنّ هذا كلّه صعب التصديق، ولكِن عُقِدَ أجتماع سرّي في (المملكة العربية السعودية) قبل أقلّ من أُسبوع على اغتيال الدكتور "مُحسِن" ونحن متأكّدون من أنّ وليّ العهد السعودي "محمد بن سلمان" كان حاضراً في الاجتماع، ونعرِف أنّ "مايك بومبيو"، الممثل الكبير الذي يؤدّي دور وزير الشؤون الخارجيّة الأميركيّة كان حاضراً أيضاً. وفقاً للصُحف الإسرائيلية كان "بنيامين نتنياهو" الرجل الثالث هناك، أي أنّه كان حاضراً أيضاً. إن صحّ ذلك، علماً أنّ (السعودية) تنفي ذلك، فمن الصعب تصديق أنّ جريمة القتل هذه لم تكن على جدول الأعمال، يصعب تصديق أن هذه الجريمة لم تُبلَّغ على الأقل للحاضرين في هذا الاجتماع، هذا إن لم يكونوا قد أعطوا الضوء الأخضر لتنفيذ العمليّة. لم ترُدّ (إيران) على ما حصل، كما أنّها لم ترُدّ بقسوة على عمليّة اغتيال الجنرال الإيراني. كان الجنرال "سليماني" بأهميّة الدكتور "محسن" في (إيران) أو ربّما أكثر لكن أتى ردّ (إيران) محدوداً إلى درجة ما ولم يتجاوز الحدود. لم يحصل أيّ ردّ بعد على اغتيال الدكتور "محسن فخري زاده" لكنني متأكّد من أنّه سيكون هناك رد كما أنني متأكّد من أنّ نيّة الردّ موجودة. أنا واثق من أنّ (الولايات المتّحدة) و(إسرائيل) تسعيان عمداً إلى استدراج (إيران) إلى ردٍّ عسكري انتقامي وبذلك تتمكّنان من الردّ بدورهما، وفي ضباب الحرب لن يتذكّر أحد، خاصةً في ضباب وسائِل الإعلام الغربيّة لن يتذكّر أحد مَن بدأ في إطلاق النار في المقام الأول. هذا رأيي بالتأكيد ولكن كما هي الحال دوماً، ينضمّ إليّ ضيوفٌ من الخبراء البارزين. دعونا نسمع آراءهم حول سبب السماح لـ (إسرائيل) باغتيال العلماء في الشرق الأوسط. الدكتورة "ياسمين ميذر" من كليّة "سانت أنتوني" في جامعة (أُكسفورد) هي مُحرّرة ومُعلِّقة بارِعة، أشكركِ على انضمامكِ إلينا. لقد سمِعتِ مُقدِّمتي، هل تودّين الاعتراض؟ وما الذي تودّين إضافته؟                         

ياسمين ميذر: لا أُريد الاعتراض. لقد نفت (إسرائيل) لسنوات عديدة أنّها تمتلك أسلِحة نووية وجميعنا يعلم عدم صحّة ذلك. بالإضافة إلى ما قلته حضرتك، يسعى عدد من الأشخاص إلى الحصول على تعويض جرّاء أمراض ناتجة من الإشعاعات النووية الناجمة عن المحطّات النووية في (إسرائيل)، نعلم ذاك لأنّ الصحافة الإسرائيلية أبلَغت عن تلك الحالات. أعتقد أننا في زمن غريب للغاية، فلو اقترفَ بلد عربي أو أي بلد من العالم الثالث عملاً كهذا في أيّ مكانٍ من العالم، تخايل لو تمّ اغتيال عالِم أميركي أو أوروبي في شوارِع (لندن) أو (باريس) بدل العالِم الإيراني لما كانت لتنتهي الحملات الدعائية على مدى الأسابيع الثلاثة المنصرمة، وكنّا سنسمع مُحاضرات عن أنّ هؤلاء الأشخاص من بلدان عربيّة وعن أنّ هؤلاء مسلمون لا يعرِفون شيئاً عن القانون الدوليّ وأنّهم جاهلون 

جورج غالاواي: يجهلون سيادة القانون 

ياسمين ميذر: بالتحديد، وأنّهم لا يفهمون الحضارة، كما أنّنا لم نسمع سوى الهمهمات في شأن ما حدث في شوارِع (طهران). أنا شخصيّاً أُعارِض الأسلِحة النوويّة في أيّ مكان، لكن الخطوة الأولى نحو شرق أوسط خالٍ من الأسلِحة النوويّة هي أن تتخلّى (إسرائيل) عن أسلِحتها النوويّة، هذا سيكون المطلب الأول لأنّها الدولة التي تمتلك أسلِحة نوويّة بالتأكيد. في رأيي الخاص، لا تمتلك (إيران) أسلِحة نوويّة لكنّها تتطوَّر إلى درجة أنّها قد تبلغ تلك المرحلة. أظنّ أنّ ذلك يُسمّى مُتلازِمة (اليابان) حيث أنت تُصنِّع أسلِحة نوويّة إلى حدٍّ مُعيّن ولكنك لا تمتلك ذاك السلاح، ولقد تجاوزت (اليابان) ذلك في مرحلةٍ ما 

جورج غالاواي: تعنين أنّها تمتلِك التكنولوجيا ولكنّها لا تُصنِّع السلاح؟ 

ياسمين ميذر: بالضبط، تمتلك المقدرة لكنّها لا تُصنِّع السلاح. لكن من الواضح، ستُدمِّر الأسلِحة النووية المنطقة بكاملها كما ستُدمِّر (أوروبا) إن قرَّرتَ استخدامها، لذا يجدر بنا أن نُطلِق حملة "شرق أوسط خال من الأسلِحة النوويّة". لكن كما ذكرت، الجديّة في الموضوع والخطوة الأولى تقضيان المُطالبة بتدمير الأسلِحة النوويّة في (إسرائيل) 

جورج غالاواي: ما رأيكِ في الجانب الإسرائيلي إن تمّ فعلاً عقد هذا الاجتماع؟ علماً بأنّ السعوديين ينفون ووسائِل الإعلام الإسرائيليّة تُصِرّ على الأمر وقد قدّموا بعض مسارات الطيران المُقنِعة في شأن طائِرة "نتنياهو"، هل من المُحتمل أن تكون هذه المسألة قد نوقِشت بين الأطراف الثلاثة في ذاك الاجتماع؟ 

ياسمين ميذر: ربما، ولكن من المُمكن أن يكون التخطيط لهذا الأمر تطلّب وقتاً أطول

جورج غالاواي: بالطبع 

ياسمين ميذر: ربما أتت الموافقة النهائية على تنفيذ خطّة تمّ التخطيط لها لأشهُر عديدة في الاجتماع. بالنسبة إلى وجود "نتنياهو" هناك، قال أحد وزرائه بفخر إنّه كان حاضراً. بذلك أكّدَ أحد أعضاء حزب "الليكود" وجود "نتنياهو" في الاجتماع وأظن أنّه كان حاضراً. وأجل أنت مُحِقّ، من المُحتَمل أنّ الموافقة على تنفيذ خطّة تمّ العمل عليها خلال أشهُر عديدة أتت في ذاك الاجتماع

جورج غالاواي: هذه مُجرّد فرضيّة نتشاركها كلانا، لكن هذا قد يُمثِّل تحوّلاً في الصفائِح التكتونيّة في المنطقة أليس كذلك؟

ياسمين ميذر: بالفعل، لأنّه على الأقل حتى الآن، تستمر (المملكة العربية السعودية) في نفي ذلك وبالتالي هي لم تتّجه إلى العلاقات الثنائيّة التي قامت بها (إسرائيل) مع (البحرين) و(الإمارات). ونظراً إلى التغيير في الرئاسة الأميركية، مستقبل "محمد بن سلمان" سيواجه العقبات، لا أقول إنّه سيفقُد السلطة لكن مُستقبله سيواجه العقبات أثناء رئاسة "بايدن"، ليس لأنّ الديمقراطيين يتمتّعون بمبادئ أخلاقيّة أكثر من "ترامب" لكن كما يبدو سيكون لإدارة "بايدن" أسلوب عمل مُختلِف مع "بن سلمان" 

جورج غالاواي: في حديثنا عن (البحرين)، "علي الفايز" هو مواطن بحريني منفي كما أنّه ناشط سياسي ومُعلِّق على الشؤون الشرق أوسطية والشؤون العسكرية. يسرّني جداً انضمامك إلينا، ما رأيك في شأن اغتيال الدكتور "مُحسن"؟                            

علي الفايز: شكراً يا "جورج". أفترِض أنّه ينبغي أن نذهب إلى مبدأ إنشاء الكيان الصهيوني وهي (إسرائيل). أرادت القوى الاستعماريّة التي غادرت الشرق الأوسط مواصلة السيطرة على ثروات تلك المنطقة وسياساتها، وبعد الحرب العالميّة الثانية بدأت في الانسحاب لكنّها احتاجت إلى أحد ليعمل مكانها بالوكالة، ومن هنا نشأت (إسرائيل) في أربعينات القرن العشرين ومُنِحوا الوعد هنا في (لندن) في (بريطانيا). الفكرة تقضي بمنع تلك البلدان من إنتاج العِلم والمعرِفة لتعتمد على القوّة الغربيّة بالكامل، وفي المُقابل تتمكّن القوى الغربيّة من استغلال ثروات المنطقة والتحكُّم فيها عن بُعد من خلال (إسرائيل). لذا، إن كان لدينا بلد مستقلّ مثل (إيران) الذي يُنتِج المعرِفة والذي وصل إلى مرحلة يُمكنه معها من استخدام التكنولوجيا النوويّة لإنتاج الطاقة والأدوية وما إلى ذلك في شكلٍ يتعارض مع مشروع الدول الغربية وفكرتها. لذلك من الطبيعي أن تستهدف (إسرائيل) و(الولايات المتحدة) والقوى الغربيّة الأُخرى العلماء في (إيران) وغيرها كما فعلوا في (الأُردن) و(مصر) ودول أُخرى 

جورج غالاواي: وفي (العراق) أيضاً

علي الفايز: وفي (العراق). تقتضي الفكرة الآن إمّا في تعطيل (إيران) أو في منعها من تطوير قدراتها في استخدام التكنولوجيا النووية لأن الأمر لا يتعلّق بإنتاج سلاح نووي لأنّه حرام كما قال الإمام "الخامنئي" علناً، لأنّه حرام وهذا أمر يُحظِّره الإسلام. لا يُسمح لنا باستخدام مثل هذا السلاح في الإسلام بل يتعلّق الأمر بالتكنولوجيا في حدّ ذاتها، يتعلّق بقدرة (إيران) على إنتاج المعرِفة والعِلم، يتعلّق بقدرة (إيران) على أن تكون دولة مُستقلّة لتنقل هذه المعرِفة إلى دول أُخرى، حينها ستفقد الدول الغربيّة سيطرتها على هذه المنطقة وثرواتها

جورج غالاواي: أعترف أنّ المشروع الذي وصفته يعمل في شكلٍ جيِّد فقد استسلمت دولة عربيّة أُخرى لـ (إسرائيل) وطبَّعت علاقاتها علناً، كل هذه الدول كانت لديها علاقات سريّة مع (إسرائيل) لكنّها تفتخر الآن بهذا الزواج، نتحدّث عن حالات مثل (المغرب) و(البحرين) و(الإمارات العربية المتّحدة)، فقد اشترى أمير إماراتي لتوّه حصّة بنسبة 50 في المئة في نادٍ إسرائيلي لكرة القدم إلى آخره، إذاً نحن في مهرجان لتطبيع العلاقات. إذا كان المشروع يعمل جيداً في قدرِ ما نراه فلماذا يذهبون إلى الحد الأقصى والمُخاطرة في اندلاع حرب في المنطقة؟ فـ (إيران) قادرة على الردّ إن لزِم الأمر

علي الفايز: لننظُر إلى مهرجان التطبيع بين الكيان الصهيوني والعالم العربي. الحكومات التي أعلنت بفخر تطبيع علاقاتها مع (إسرائيل) هي حكومات أنشأتها القوى الرأسماليّة، أي (البحرين) و(الإمارات العربيّة المتّحدة) و(المغرب) و(المملكة العربية السعودية) التي هي على طريق التطبيع، وقد تعرّض (السودان) للابتزاز. حكومات هذه البلدان ليست حكومات ينتخبها الشعب. في مرحلة ما سيثور الشعب وسيُغيِّر الجوّ السياسي، وما سيُشجّعه هو بلد مستقلّ في الشرق الأوسط خضع لقيود صارِمة ولمُقاطعة أميركيّة وغربيّة، ونتحدث هنا عن (إيران) التي نجحت في المُقاومة والاستمرار والإنتاج والازدهار خلال أربعين سنة، لذا سيتطلّع الشباب في العالم العربي إلى (إيران) كمثال للثورة وبناء بلدانهم. لهذا السبب التطبيع ليس كافياً، يجب أن يُدمّروا قُدرات (إيران) أو يعطِّلوها أو يُخضِعونها لقيودٍ صارِمة 

جورج غالاواي: مثير للاهتمام. ضيفنا الثالث المُميّز هو "مُشرِف حُسيني" وهو عالِم إسلامي وناشط سياسي ومُدير منظّمة "العدالة من أجل السلام". دعني أستوضِح فقط هذا الأمر، هل الأسلِحة النوويّة حرام؟ أم هي بالأحرى عمل "مكروه" بمعني لا تحظى بالموافقة لكنّها ليست ممنوعة؟ ربما استخدامها هو حرام لكن امتلاكها، وأنا على عكسك لست عالماُ في الدين الإسلامي، يبدو لي أن امتلاكها ليس حراماً إن هدّدك أحد بأسلحته النوويّة

مُشرِف حُسيني: إن كان استخدام شيء ما هو حرام فليس من الجيِّد الاحتفاظ به أو إنتاجه إن لم نكن نريد استخدامه. لكن من المؤكّد أنّ القوى الماديّة تؤمِن بأن إثنين زائِد إثنين يساوي أربعة، لذا في رأيها إن كانت لا تمتلك الأسلِحة النووية، أظن أنّ (إيران) لا تريد توضيح ذلك. في الحدّ الأقصى نحن لا نريد امتلاك التكنولوجيا والقُدرة النووية، إن تمّ تقديم توضيح لذلك سيحصل الشيء نفسه الذي حصل مع "صدّام حسين"، الأسلِحة موجودة وقد سمحَ لهم بالحضور للتفتيش فلم يجدوا شيئاً، حتى وصلوا إلى تفتيش القصر الرئاسي وحين تأكّدوا أنه لا يمتلك أي نوع من الأسلِحة النووية 

جورج غالاواي: شنّوا هجوماً 

مُشرِف حُسيني: أجل، وحصلت عمليّة "عاصفة الصحراء" وغيرها من العواصف. لذا في رأيي، (إيران) ذكيّة جداً ولا تريد أن تصل إلى هذا الوضع، وهي تقول إنّ امتلاك هذه الأسلِحة هو حرام. من الواضح أنّ قتل الناس والكائِنات البشريّة بأعداد كبيرة هو أمر حرام لاسيّما من دون سبب، فقتل شخص واحد هو أشبه بقتل البشريّة كلها

جورج غالاواي: المُشكلة هي أنّ الأسلِحة النوويّة غير محدودة في زمان أو مكان، في عبارة أُخرى يُمكنك استخدامها لإصابة هدف معيّن لكن تأثيرها سيطال الجميع ولن يكون تأثيرها محدوداً يل سيستمرّ لعقودٍ طويلة لاحقاً. هذا ما يجعلها مُختلفة نوعياً عن الأسلِحة العاديّة إن صحّ القول أليس كذلك؟ 

مُشرِف حُسيني: هذا أحد الأسباب، ولكن التدمير يتجاوز قتل الناس ليطال تدمير الأرض والبيئة وأجيال المُستقبل. إن تمّ استخدام هذه الأسلِحة يُمكننا تدمير الأرض مرّات عدّة، ولم نتوصّل حتى الآن إلى استنتاجٍ مفاده عدم وجود أيّ كائنٍ حيّ مثلنا على كواكب أُخرى، قد تكون هنالك كائنات حية غيرنا ولكننا لم نتوصل إلى هذا الاستنتاج بعد. إذاً، نحن لوحدنا في هذا الكون حالياً، لذا تدمير هذا الكوكب وهذا الكون ليس بفكرة جيِّدة، ولا ينبغي لأحد امتلاك الأسلِحة النوويّة القادرة على تدمير العالم والأرض والجنس البشري. لكن مراكز القوّة للسيطرة على العالم هي الجيش والقوات الجويّة والبحرية ولديك الأسلِحة النوويّة والبيولوجيّة والأسلِحة الكيميائية 

جورج غالاواي: والأسلِحة الفضائيّة 

مُشرِف حُسيني: يستخدمون الفضاء محاولين السيطرة على القمر والفضاء للقتال على هذا الكوكب الصغير والجنس البشري الوحيد الحيّ هنا على الأرض. إنّها فكرة مُدمِّرة وقد خرجوا عن السيطرة ويريدون التحكُّم في كل شيء، هذه نقطة أولى. أودّ أو أوضِح نُقطة أُخرى وهي، لو نظرنا على نطاقٍ أوسع نجد أنّ العالم على شفير تحطيم النظام العالمي، أي أنّ النظام العالمي على شفير الانهيار وهم يعلمون أنّ أية قوّة قادرة على التحكُّم في العالم في هذه اللحظة ستكون قادرة على التحكُّم في العالم بأسره لمدّة مئة عام أو أكثر. لذا هُم يتدافعون كيلا تتمكّن أيّة سُلطة غير تلك التابعة أو الخاضعة لهم من التقدُّم والتطوُّر. (إيران) بلد سيأتي بأفكار سياسية جديدة، أفكار منهجيّة جديدة مع نظام جديد لا يُسيطر عليه العالم المادّي، بمعنى صوت مُختلف. وهذا الصوت المُختلِف سيُشجِّع الشعوب كما ذكر صديقنا هنا. لا شكّ في أنّ تلك الحكومات تعمل بالوكالة. بعد الحربين العالميّتين الأولى والثانية تمّ رسم الحدود بين (دبي) و(أبو ظبي) وكل تلك الحدود المرسومة تؤدّي إلى دولٍ غير طبيعية لاسيّما ثقافياً. لقد تمّ إنشاء تلك الدول لتعمل بالوكالة ولكن الآن أيّاً تكن وجهتنا نحو نظام جديد، هذه البلدان لا يتمتّع الحُكّام فيها بأية مكانة بين شعوبهم فهي بلدان ليست ديمقراطيّة ولم تسأل الشعب رأيه أو دعمه. لذا هذا مُجرّد غلاف سطحي يخضع لسيطرة الأميركيين و(إسرائيل)، وأنا لا أُعطي صفة "التطبيع" لما يحصل بل أجد أنّه استسلام. في الواقع، تبذل (الولايات المتّحدة) قُصارى جهدها لجعل الجميع يستسلمون لـ (إسرائيل) حالياً لأنّها تظنّ أنّه يجدُر بـ (إسرائيل) أن تفرِض سيطرتها، أو أنّ (الولايات المتّحدة) هي تحت سيطرة اللوبي الصهيوني. لذا، الرغبة حالياً هي في إخضاع تلك البلدان كلّها لـ (إسرائيل) والاستسلام لها. قد تستسلم الحكومات، وربما فعلت ذلك منذ وقتٍ طويل، لكن لا أظنّ أنّ الشعب سيوافق 

جورج غالاواي: لم نرَ إشارات للمُعارضة في الخليج مثلاً، وقد تفاجأت قليلاً مع (المغرب) التي لديها العدد الضخم من المنظّمات السياسيّة والمُجتمع المدني إضافة إلى النقابات العمّاليّة والشيوعيين وشتّى أنواع الناشطين، سنرى مدى هدوء الشعب المغربي في هذه المسألة. ستُشاهدون المزيد بعد الفاصل، ابقوا معنا 

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن الأزمة التي أثارتها عمليّة الاغتيال الأحدث لعالم إيرانيّ آخر. لقد أبدى ضيوفي المُميّزون آراءهم في الموضوع، فلننتقل إذاً إلى (طهران) في (إيران) ونتحاور مع الدكتور "سيّد محمد ماراندي"، وهو أكاديمي ومُحلّل سياسي وأُستاذ في الأدب الإنكليزي وعِلم الاستشراق في جامعة (طهران). دكتور، ما سبب هذه الكراهية الكبيرة من (إسرائيل) تجاه (إيران)؟

سيّد محمد ماراندي: يكُنّ النظام الإسرائيلي عداءً كبيراً لـ (إيران) لأن (إيران) بكلّ بساطة هي البلد الرئيسي الوحيد في العالم الذي لا يعترف بالنظام الإسرائيلي. يجب أن نتذكّر أنّ السعوديين يُقيمون علاقة سريّة مع الإسرائيليين منذ وقت طويل وللحكومة التركيّة سفارة ورحلات جويّة وعلاقات تجاريّة مع (إسرائيل) كما أنّ البلدان الأُخرى في المنطقة إمّا تقيم علاقات علنيّة أو سريّة، لكن (إيران) وحدها تُعارِض النظام الإسرائيلي لأنّه نظام فصل عُنصري. سياسة (إيران) تجاه (إسرائيل) تُشبه سياستها تجاه النظام العُنصري في (جنوب أفريقيا) سابقاً، لذا العدائية تأتي من كون الإيرانيين مخلصون بقوة وحيوية في إعلانهم عدم شرعيّة مشروع الفصل العُنصري وعدم شرعيّة استعمار الأراضي الفلسطينية ويريد النظام الإسرائيلي و(الولايات المتحدة) كبح جماح (إيران). البرنامج النووي هو برنامج سلمي ولم تتحدّث "وكالة الطاقة الذريّة الدوليّة" يوماً عن وجود أيّة زاوية عسكريّة لهذا البرنامج، لكنّ الإسرائيليين والأميركيين يستخدمون البرنامج النووي الإيراني كذريعة للضغط على (إيران) وعزلها. الإسرائيليون والأميركيون يقومون بأعمال إرهابيّة من خلال استهداف عُلماء إيرانيين سواء في عهد "أوباما" حيث قُتِلَ أربعة علماء أو الآن مع الاغتيال الأخير لأحد العلماء، كما أنّ وسائِل الإعلام الغربيّة تُبرِّر ذلك من خلال نشر هذه الرواية التي تقول إنّ هذا العالِم كان مسؤولاً عن إنتاج سلاح نووي فيما لم تقُل "وكالة الطاقة الذريّة" أيّ شيء من هذا القبيل 

جورج غالاواي: لماذا يلتزِم الغرب هذا الصمت الكبير حين يتعلّق الأمر بإدانة جريمة القتل هذه؟ 

سيّد محمد ماراندي: لدينا مشكلتان هنا. حين تستمرّ وسائِل الإعلام الغربيّة في الهيمنة على قسمٍ كبيرٍ من العالم يحصل المُجتمع الدولي على معلوماته في شكلٍ أساسي من المصادِر الغربيّة، والمصادر الغربيّة ليست صادقة إلى حدٍّ كبير. حالما تعرَّض العالِم للاغتيال حاولت تلك المصادِر الغربيّة تبرير ذاك الهجوم الإرهابي من خلال التلميح إلى أنّ العالِم كان على رأس برنامج أسلِحة نوويّة وهذه كذبة لأنّ "وكالة الطاقة الذريّة الدوليّة" لم تقبل قطّ بهذا الادّعاء كما أنّ الوكالة لم تُقدِّم ادّعاءً كهذا. في الواقع تُنفِّذ (إيران) في الوقت الحالي البروتوكول الإضافي الذي يسمح لـ "وكالة الطاقة الذريّة الدوليّة" بالكشف الاستثنائي على برنامج (إيران) النووي ونحن نعلم أنّ (الاتحاد الأوروبي) لم يقُم بإدانة هذا الهجوم الإرهابي ولم يستخدموا كلمة "إدانة" أو ما شابه وهم بذلك يبرّرون أعمال النظام الإسرائيلي ويعطونه الضوء الأخضر للقتل، والأمر نفسه ينطبق على البلدان الغربيّة الأُخرى. إذاً، الأنظمة الغربية تدعم الإرهاب و(الولايات المتّحدة) بالطبع تُعطي الضوء الأخضر من خلال تغريدات "ترامب" ومن خلال ما رأيناه في صحيفة "نيويورك تايمز" ومن خلال تصريحات أدلى بها المسؤولون الأميركيّون. القسم الكبير من المُجتمع الدولي الذي يعرِف ماذا يحدث يتكوَّن من دولٍ قويّةٍ ومُستقلّةٍ أدانت الاغتيال، لكنّ (الولايات المتّحدة) تعتبر مع بلدان أوروبية أُخرى أنّها تُشكِّل المُجتمع الدولي وهنا تكمُن المُشكلة الحقيقية، كما أنّ بعض البلدان التي تعمل لحساب هذه الدول الغربية في المنطقة تخضع لما تُمليه عليها هذه الدول لذا لا يُمكننا أن نتوقّع الكثير 

جورج غالاواي: نظراً إلى عدم وجود إدانة، هل يُمكننا أن نتوقّع أن تفلِت (إسرائيل) من العقاب؟ 

سيّد محمد ماراندي: لهذا السبب بالضبط لن تُفاوض (إيران) في شأن مسألة قُدرتها الدفاعيّة الصاروخيّة وقُدرتها الدفاعيّة في موضوع الطائِرات من دون طيّار أو في موضوع تحالفاتها في المنطقة. إن علِموا أنّ (إيران) أصبحت بلا دفاعات لهاجموها من دون توقّف ولأصبح الإسرائيليون والأميركيون يضايقون السُفن والطائرات الإيرانية والمدنيين الإيرانيين باستمرار، لذا يعرِف الإيرانيّون جيداً أنّ الأمر الوحيد الذي يحول من دون حصول تلك الهجمات هو قوّة (إيران). أعتقد أنّ المُجتمع الدولي عاجز عن الدفاع عن البلدان غير الغربيّة من الإمبرياليّة الغربيّة وتطاولاتها، وبما أنّ النظام الإسرائيلي هو امتداد للإمبراطوريّة الغربيّة حينها يتعيّن علينا القيام بذلك بأنفسنا، و(إيران) ستردّ كنتيجة لذلك. سبق أن ردَّت في البرلمان من خلال خفض التعاون مع "الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة" وكذلك ردّت من خلال توسيع البرنامج النووي كعقاب لـ (الولايات المتّحدة) والأوروبيين لدعمهم سلوك النظام الإسرائيلي، وسيكون هناك أيضاً ردّ قاتل تجاه النظام الإسرائيلي من دون شكّ لأنّه ينبغي إرغام هذا النظام على الاعتراف بأنّه سيدفع ثمن هذا العُدوان 

جورج غالاواي: كلام ذكّي منك. لكن دكتورة "ياسمين"، بالرغم من كونكِ مُخلصة لبلدكِ الأصلي (إيران) غير أنّكِ لستِ مؤيِّدة للنظام السياسي هناك كما أعلم. في رأيكِ، يؤسفني التعبير بهذه الطريقة، ما هو وَقْع السهولة الواضحة التي تتمكّن فيها (إسرائيل) من اغتيال شخصيّات بارِزة جداً داخل (الجمهورية الإسلامية) على السياسة في (إيران)؟ لو كنتُ ناخباً في (إيران) كنت سأبحث في انتخابات العام المقبل عن حكومة ستكون أقوى، حكومة أكثر قُدرة على الدفاع عن المصالِح الحيويّة. ما هو وَقْع ذلك في رأيكِ؟

ياسمين ميذر: أظن أنّ الكثير من الشعوب يُعاني مشاكل اقتصادية، مشاكل اقتصادية حادة، لذا لن يتصدّر هذا الأمر أولويّاتهم. لكن تذكّر أنّ هذا القرار ليس لمُجرّد عُنصر واحد من حكومة "روحاني"، هذا قرار عام من قِبَل النظام كلّه، من قِبَل المُرشِد الأعلى في رأيي، وهو قرار عدم الردّ في الوقت الحالي وذلك لأسباب وجيهة. في رأيي، في الأسابيع الأخيرة من إدارة "ترامب"، نرى "ترامب" لا يزال مُصمّماً على جرّ (إيران) إلى حربٍ محليّة بحيث تتمكّن (إسرائيل) من التوسُّع بعد أن تجاوزت (إيران)، حينها يُمكن لـ (إسرائيل) أن تستولي على أراضٍ إضافيّة وأن تستولي على (الضفة الغربيّة) كما الخطط المرسومة لذلك والتي تباطأت في تمّوز/ يوليو، وحينها أيضاً سيتسنّى لـ (إسرائيل) شنّ حرب حقيقية ضدّ (إيران). لذا قرار عدم الردّ في هذه اللحظة لا يأتي في رأيي من عُنصر واحد في الحكومة بل كان قراراً عامّاً يدعمه على الأرجح "الحرس الثوري" لأنّ لا أحد يريد حرباً خاصّةً عندما تعرِف أنّ الطرف الذي يُحاول جرّك إليها كان يسعى خلف تغيير النظام في بلادك على طريقة "ترامب" ويؤازره في ذلك بعض الأشخاص الأكثر حماقةً في العالم ليحلّوا مكان (الجمهورية الإسلامية)، هذه أحلام لن تتحقّق أبداً لأنّ الشعب الإيراني ينظُر إلى تغيير النظام في (سوريا) و(العراق) وينظر إلى تاريخ الحرب في (أفغانستان) ويقول حينها بعض الشباب الذين أظنّ أنهم لا يحبّون نظام رجال الدين، وأظنّ أنّ النظام القائِم قد يوافقني الرأي القائِل أنّ قسماً من الشباب لا يُحب الحكومة، لكنّهم ينظرون من حولهم ولا يريدون تلك الحروب التي قد تؤدّي إلى تغيير النظام في الطريقة التي يريدها "ترامب"، ليس فقط لأنّ المُرشّحين لتغيير النظام هم أفراد يأتون من مجموعات فاسدة وسيّئة  ولكن أيضاً بسبب المنطقة وما يراه الناس فيها، لذا أعتقد أنّ عدم الانجرار إلى الحرب أتى بقرارٍ شعبي. أنت مُحِقّ في أنّهم سينتقمون من حكومة "روحاني" ولكن في رأيي، هذا يتعلِّق أكثر في حال الخسارة في الانتخابات الرئاسية المُقبلة وسيكون السبب جزئياً بسبب عجز الحكومة عن تحقيق الازدهار الاقتصادي الذي تمّ التعهّد به في الصفقة الأميركية، وسيقول الناس حينها: "هل يُمكننا أن نثق برئيس أميركي آخر في حين أنّ الصفقة التي تمّ التوقيع عليها عام 2015 رفضتها إدارة "ترامب"؟" 

جورج غالاواي: هذه وجهة نظر قويّة يا "علي" أليس كذلك؟ ما الجدوى من الجلوس مع الرئيس القادِم، أي "بايدن"؟ ألم يثبت الأميركيون أنّه لا يُمكنك التعامل معهم أيّاً كان الرئيس؟          

علي الفايز: بصراحة، في تقديري الخاص ورأيي الشخصي أعتقد أنّ وجهة النظر هذه تتقاطع مع وجهة نظر الكثير من السياسيين والناشطين في الشرق الأوسط وهي أنه لا يُمكنك أن تثق بالأميركيين. الأميركيّون يسعون إلى تحقيق مصالِحهم الخاصّة ويواجهون مُشكلة مع (إيران) اليوم وهي مُشكلة متعدّدة الأبعاد. (إيران)، التي تسعى خلف المصالِح الإيرانيّة وتتصرّف بقوّة لحماية استقلاليّتها وحماية شعبها لم تستسلِم منذ ثورة "الخُميني" ولم تيأس رغم وجود القيود والعقوبات القاسية المفروضة عليها منذ ما يُقارب إحدى وأربعين عاماً، هذه مشكلة. المُشكلة الأُخرى مع (إيران) هي أنّ (إيران) قوّة متنامية شاؤوا أم أبوا، ولا يريد الأميركيون التصادم مُباشرةً مع (إيران) بل يريدون وكيلاً لذلك وأرادوا أن يكون السعوديون وكلاءهم لتتّخذ الحرب طابعاً سنيّاً شيعياً في طريقةٍ ما، فحاولوا إشعال فتيل الحرب في (البحرين) وفي (لبنان) وفي (العراق) ولكن (إيران) لم ترُدّ فالإيرانيّون أذكياء بالقدر الكافي

جورج غالاواي: تتمتّع (المملكة العربيّة السعوديّة) بقوّة عسكريّة كبيرة وقد ظهر ذلك خلال خمس سنوات من الفشل الذريع في (اليمن)

علي الفايز: أجل، لكن إن بدأت حرب بين (إيران) و(المملكة السعودية) فسيأتي الأميركيون ويقولون: "نحن هنا لحماية المصالِح"، إذاً سيكون لديهم سبب مشروع لمُهاجمة (إيران) ولكن (إيران) أذكى من أن تتورّط. بالتالي، المُشكلة كبيرة جداً بالنسبة إلى الأميركيين وأعتقد أنّ (إيران) سترُدّ ولن تلتزم الصمت لأنّ ما حدث، أي اغتيال الدكتور "فخري زاده" في رأيي يفرِض من الناحية السياسية ضغطاً أكبر على (إيران) من اغتيال الجنرال "سليماني" لأنّ العمليّة حدثت على الأراضي الإيرانية فيما العمليّة الأُخرى حدثت في (العراق)، هذا من جهة. من جهة أُخرى يأتي ذلك لإخافة العلماء الإيرانيين الذين لم يخافوا يوماً ولم يخضعوا للمطالب الأميركيّة، لكن إن لم يردّوا لحماية علمائِهم سيبحث العلماء الإيرانيون في مرحلة ما عن منطقة أُخرى كما فعل العرب الذين ذهبوا إلى (الولايات المتّحدة) و(بريطانيا) ومناطق أُخرى للعمل. لذا أعتقد أنّ ردّاً سيحدُث في الوقت الذي تراه (إيران) مناسباً لتحقيق نتيجة أفضل مما يريده الإسرائيليون والأميركيون 

جورج غالاواي: أيّها الأخ "مُشرّف"، كيف يُعقَل أن (إيران) عاجزة عن حماية الشخصيات المهمة من شعبها في شكلٍ أفضل؟ عوضاً عن الردّ، قد أقبل بتأكيدٍ إيراني أنّ الإسرائيليين لن يتمكّنوا من قتل المزيد من العلماء في (إيران) 

مُشرِف حُسيني: أودّ أن أُذكِّر بأنّ قتل "فخري زاده" لا يقتصر على مجرّد قتل عالِم، الأمر يتعدّى ذلك بكثير. لقد أرسل الإسرائيليون رسالة إلى الشعب الإيراني والرأي العام الإيراني أنّ القوّات الأمنيّة الإيرانية فشِلت في حماية عالِم بهذه الأهميّة كان تحت التهديد لسنوات، بمعنى أنّه لم يكن بمنأى عن أيّ تهديد 

جورج غالاواي: هدّده "نتنياهو" علناً 

مُشرِف حُسيني: قبل أربع سنوات، كان مهدّداً منذ أربع سنوات، إذاً بهذا الحدث انعدمت ثقة الشعب الإيراني بالقوى الأمنيّة والحرس، وهذا الذي كان مرجوّاً من هذه العملية، وبالتالي هذا يُشجِّع مُعارضي الحكومة على التمرُّد ما يولِّد التشويش في هذا المجال، هذا من جهة. من جهةٍ أُخرى، اغتيال عالِم بهذه الأهميّة هو أمرٌ غاية في الخطورة، فقد كان يتمتّع بمكانة موقّرة وعالية جداً، اغتالوا "قاسم سليماني" سابقاً والآن العالِم الإيراني. في (أفغانستان)، مباشرةً قبل وصول الأميركيين تمّ اغتيال "أحمد شاه مسعود" لذا الوضع ليس بسيطاً وليس لدى (إيران) خيار عدم الردّ، لكن الردّ في أيّ معنى وفي أيّ وقت؟ إن لم ترُدّ (إيران) حينها ينبغي أن تتراجع خطوتين إلى الوراء و(إيران) لا تمتلك حريّة التراجع الآن. أعتقد أنّهم أذكياء وسيختارون الوقت المناسِب لأنّ في هذه اللحظة يظنّ "ترامب" وتظنّ (إسرائيل) أنّ "بايدن" سيُحاول إصلاح العلاقات مع (إيران)، لذا إذا اندلعت حرب قبل أن يستلم "بايدن" مقاليد الحُكم فلنّ يتمكّن من إصلاح الأمور بعد أن يصبح في الحُكم 

جورج غالاواي: أجل، محاولة لزجّه في هذه الحرب. "بول إنغرام" هو ناشط ضدّ الأسلِحة النوويّة هنا في (بريطانيا) 

بول إنغرام: أشكرك على استضافتي يا "جورج" 

جورج غالاواي: هل تستطيع دولة ما اغتيال عُلماء في دول أُخرى بهذه البساطة؟ 

بول إنغرام: أعتقد أنّه يُمكن تقسيم هذا السؤال إلى جزءين. هذا الأمر ممكن جسدياً إذ تمّ اغتيال علماء سابقاً. من الواضح أنّ الإسرائيليين أو الأميركيّين اغتالوا العلماء داخل (إيران) ولا شكّ في قدرتهم على القتل، لكن هل يجدر بهم أن يقتلوا؟ قطعاً لا! كان لدينا معيار دولي مقبولاً عالمياً ضدّ اغتيال أي شخص لاسيّما القادة السياسيين وغيرهم، لكن أعتقد أنّ المعايير قد اختفت على مدى السنوات القليلة الماضية، وبالتالي رأينا (الولايات المتّحدة) تستخدم هجمات طائِرات من دون طيّار وغيرها من التقنيّات لتنفيذ عمليات قتل متعمَّدة. شارك الإسرائيليّون في عمليات اغتيال قادة سياسيين لبعض الوقت، أعتقد أنّه منذ عمليّة اغتيال "إسحاق رابين" في عام 1995، التي كانت على الأرجح من أنجح الاغتيالات التي رأيناها على الإطلاق بمعنى أنّ القاتل اليميني المُتطرِّف نجَحَ في عرقلة مسيرة السلام، والمنطقة تعاني منذ ذلك الحين. أعتقد أنّ الإسرائيليين لاحظوا هذا النجاح، وأيّاً كانت أخلاقيّاتهم هم يشعرون بأنّهم يمتلكون رُخصة لقتل الأفراد إن أرادوا ذلك لاسيما إن كانت لديهم مصلحة مُعيّنة للقيام بذلك سواء أكانت تقضي بالتخلُّص من برامِج نوويّة أم كانت لإرسال إشارة سياسية، أو في الواقع لتعطيل على الأرجح العمليّات السياسية السلسة مثل عمليّات السلام أو لإطلاق نوع من ردّ فعل عدائي يُمكنه تعطيل أيّة عمليّات سلميّة خلافاً لذلك 

جورج غالاواي: هل من قانون دولي يوفِّر الحماية للعُلماء؟ 

بول إنغرام: لا وجود لقانون دوليّ مُحدَّد يحمي العُلماء لكن بالطبع هناك قانون دولي ضدّ بلد يمتلك حصانة إنْ اغتال أو قتل أيّ شخص 

جورج غالاواي: إذاً في رأيك، لماذا تستهدف (إسرائيل) العُلماء؟ 

بول إنغرام: أعتقد أنّ سبب استهدافها للعلماء هو أنّ ذلك يُعزِّز روايتها القائلة أنّ العلماء أو الأفراد المعنيين بمشاريع الأبحاث يُشاركون في مشاريع صُمِّمت لتطوير أسلِحة تُزعزع الاستقرار أو تقوِّض السلام. إذاً سواء كان هذا صحيحاً أم لا، سواء كان أيّ عالم منخرِط في الواقع في أبحاث الأسلِحة النوويّة، وهذه هي الرواية المُتداولة داخل (إسرائيل) و(الولايات المتّحدة) و(أوروبا) وأماكن أُخرى، فقتل شخص يتّهمونه بالتورُّط في هذا النوع من الأبحاث يُعزِّز تلك الرواية في أذهان الشعوب المُستهدفة. إذاً على سبيل المثال، كانت هناك إدانة أقلّ بكثير لهذه الاغتيالات داخل (الولايات المتحدة) و(أوروبا) لأنّ الشكّ زُرِعَ وعُزِّزَ من خلال تلك الروايات التي تقول إنّ هذا الشخص أو هؤلاء الأفراد متورّطون في تطوير أسلِحة نوويّة لـ (إيران). ليس هناك مقدار كافٍ من الانتقاد والشجب يمكنه إدانة هذا النوع من الروايات ليبيّن أنّ هذا الفِعل هو ازدواجية في المعايير أو أنّ هؤلاء ليسوا مُشاركين فعلياً في هذه المشاريع. في واقع الأمر، حالما تبدأ القول إنّ هذا الشخص لم يكن مُشارِكاً في أبحاث الأسلِحة النووية يُبعِدونك عن هذه النُقطة لأنّ هذه البلدان متورِّطة بصراحة في تقنيّات اغتيالات مروِّعة

جورج غالاواي: هل الصمت الذي يصمّ الآذان حول العالم لإدانة هذه العمليّة سيُعطي (إسرائيل) قدرة أكبر على القتل؟ 

بول إنغرام: أجل بالتأكيد. أعتقد في الحقيقة أنّ صمت المُجتمع الدولي في إدانته لهذه الجريمة سيُعطي (إسرائيل) رخصة لارتكاب عمليّات مماثلة لهذه العمليّة. من الصعب جداً على الدول التي يُنظَر إليها على أنّها عدائيّة أو تُصنَّف بأنّها تتعارض مع المُجتمع الدولي أن تُدين هذا النوع من الأعمال أو أن ترُدّ من دون اعتبار أنّ ردّها سيُعتبر استفزازاً إضافياً. حقيقة أنّ تلك الدول، وفي شكلٍ خاص الدول الأوروبيّة، لزمت الصمت نسبياً حيال ذلك لأنّها حسبما أظنّ توقّفت عن انتقاد (إسرائيل) بسبب الخوف من اتّهامها بمُعاداة الساميّة أو الخوف من فُقدان علاقة وثيقة مع (الولايات المتّحدة) أو الخوف من أن تُدان رداً على موقفها 

جورج غالاواي: "علي"، هذا حتماً وقت عصيب على، لا أقصد إهانتهم ولكن دعني أُسمّيهم حلفاء (الولايات المتّحدة) الصغار في الخليج كما أنّهم حلفاء (إسرائيل) أيضاً، لأنّ المكان المناسب أكثر للردّ هو الخليج، في مياه الخليج أو ربّما حتى على أراضي دول الخليج. أتظنّها متوتِّرة كثيراً؟ 

علي الفايز: أعتقد أنّ المُشكلة هي أنّ (إيران) أرادت دوماً إقامة علاقة سلميّة بينها وبين جيرانها، وقد أعطت العديد من الفُرَص لهذه الحكومات لكن هذه الحكومات هي نتاج الإمبرياليّة، فهي لا تسعى خلف مصالِحها الخاصّة ولا تتّخذ قراراتها الخاصّة بل تأخذ الأوامر وتتصرّف. وجود (إسرائيل) أو الكيان الصهيوني ضمن هذا الإطار الآن في الخليج يجعل تلك البلدان هدفاً لـ (إيران)، الأمر بهذه البساطة. لقد رأينا اليمينيين يستهدفون (السعودية) خلال لقاء "نتنياهو" بـ "محمد بن سلمان"، وفي رأيي الخاص تلك كانت رسالة، لهذا السبب ألغى "نتنياهو" اجتماعه الذي كان مُقرّراً قبل أُسبوع في (أبو ظبي) و(المنامة). أعتقد أنّ الإيرانيين حتى اليوم يريدون إقامة علاقات سلميّة لكن المُشكلة هي أنّ هذه الحكومات لا تُصغي وتذهب في شكلٍ أعمى مع (إسرائيل) والأميركيين. في وقتٍ من الزمن سيحصل تصادُم، ونصيحتي لهذه الحكومات هي الابتعاد قدر الإمكان عن هذا التصادُم لأنّ الحرب ستكون مُدمِّرة لهذه الحكومات بالأخصّ إنْ واصلت العمل لأجل (إسرائيل) و(الولايات المتّحدة)  

جورج غالاواي: "ياسمين"، حين اغتيل الجنرال "سليماني" وحدثَ تبادل محدود لإطلاق النار بين الأميركيين والإيرانيين كان الناطق باسم الحكومة الإيرانيّة واضحاً جداً بأنّ أيّ حليف لـ (الولايات المتّحدة) يسمح لها باستخدام أجوائِه أو مياهه أو أراضيه لشنّ هجمات على (إيران) سيُصبِح على الفور هدفاً شرعيّاً، وقد تم ذكر أماكن مثل (دبي). هذه أهداف سهلة إذ لا تمتلك تلك الدول وسائِل للدفاع عن نفسها وبالرغم من ذلك تلك الدول تُخاطر لتكون حليفة (الولايات المتّحدة)، لماذا؟ 

ياسمين ميذر: يعود ذلك جزئياً إلى ماضيها الاستعماري وواقع أنّها ليست جزءاً من نظامٍ إمبريالي لكن هناك أيضاً واقع أنّها ليست ثابتة من الناحية الماليّة. من جهة، العديد من هذه الدول لديها علاقات ماليّة قويّة مع (إيران) ومع الإيرانيين داخل (إيران) وقد تأثّر اقتصاد بعض الدول منها جرّاء العقوبات على سبيل المثال لأنّ العقوبات تعني استثمارات أقلّ وبناء أقلّ وأعمال أقلّ

جورج غالاواي: أجل، وهذا واضح في (الإمارات العربية المتّحدة) و(عُمان) مثلاً 

ياسمين ميذر: نعم، لكنّهم على الرغم من ذلك لم يتعلّموا بعد من هذا المثل الأساسي وهو أنّ إضعاف (إيران) يُضعِف هذه الدول أيضاً. أعتقد أنّ مردّ ذلك هو قوّة (الولايات المتّحدة) لكن أيضاً قوّة (المملكة العربية السعودية) كإحدى الدول الرئيسية في تلك المنطقة، هذا الجزء من الشرق الأوسط، بحيث أنّها يُمكن أن تُملي ما يحدُث في (الإمارات العربيّة المتّحدة) على الرغم من المصالِح الاقتصاديّة والسياسيّة التي تأتي ضدّ ذلك، وهنا لا أشمُل الجميع في الخليج. وفقاً لما أعرِفه، في الشارع كما يقولون لا يزال الفلسطينيّون يحصلون على أصوات المواطنين العاديين في عدد كبير من تلك البلدان. واقع أنّ (الكويت) لم تُشارِك هو مثال جيِّد على أنّه حتى مع وجود قيود محدودة للغاية في الوصول إلى التصويت الشعبي أو الرأي العام الموجود في (الكويت)، لأنه في أغلبيّته مُقيّد، لكن واقع عدم مُشاركة (الكويت) في التحالف السعودي الإسرائيلي هو علامة على أنّه بمُجرَّد خروجك إلى الشارع في تلك البلدان تجد أنّ التحالفات مع الكيان الصهيوني ليست مقبولة لدى الأشخاص العاديين 

جورج غالاواي: كانت هذه وجهة نظر مُشوِّقة ننهي بها هذه الحلقة. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" في برنامج "كلمة حرّة" عبر قناة "الميادين". شكراً على المُشاهدة