الفنانة فاديا طنب الحاج

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. لإن كان للرقيّ عنوان فإنّ ضيفتنا هي العنوان. فنّانة من قماشة نفيسة وطراز خاصّ، صوتها مغسول بمياه مُقدَّسة وإحساسها عميق مثل أنهار جوفيّة واختياراتها بعيدة كل البُعد عمّا هو سائِد ومُستهلَك. تفهم الموسيقى والغناء كأداة تواصل مع الوجود والكائِنات وتنحاز لكل ما هو صعب وفتّان ولا تُجاري منطق السوق والموجات العابرة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُضاء بحضور الفنّانة المُبدعة الراقية السيّدة "فاديا طنب الحاج"، أهلاً وسهلاً في "بيت القصيد" 

فاديا طنب الحاج: أهلاً بك، أشكرك على هذه المُقدِّمة المهضومة جداً 

زاهي وهبي: تستأهلين

فاديا طنب الحاج: تسلم 

زاهي وهبي: أولاً ميلاد مجيد لحضرتكِ وللجميع 

فاديا طنب الحاج: ولكل الذين يُشاهدوننا على التلفزيون 

زاهي وهبي: أتمنّى أن تكون السنة القادمة أيضاً ونحن الآن نودِّع 2020، أعتقد ألا أحد يأسف على سنة 2020 لقدر ما كانت سنة صعبة 

فاديا طنب الحاج: على شرط أن تنقضي مع مشاكلها ولا تكون تُحضِّر لنا توابع لها، إن شاء الله لا 

زاهي وهبي: الله يسمع. منذ عدّة أيّام قدّمتِ أُمسية ميلاديّة برفقة أولادك للمرة الأولى ربما 

فاديا طنب الحاج: صحيح

زاهي وهبي: إبنتان وشاب، فقط "رنيم" لم تُشارِككم 

فاديا طنب الحاج: صحيح

زاهي وهبي: "يمان" شاركت 

فاديا طنب الحاج: "يمان" و"نيار" و"كمال" 

زاهي وهبي: ما هو الإحساس، ما هي المتعة عندما تُغنّين مع أولادكِ؟

فاديا طنب الحاج: هذه الفكرة تراودني من زمان والأولاد كبروا. هم شاركوني عدّة مرّات في حفلات واشتركوا في مسابقات في الفنون إلى آخره مع أنّهم درسوا أشياء أُخرى، إحدى بناتي درست هندسة داخليّة والأُخرى بدأت في دراسة الطب ثمّ لاحقاً درست Biology 

زاهي وهبي: "يمان" التي شاركت بـ The Voice أليس كذلك؟ 

فاديا طنب الحاج: صح، فـ "يمان" عادت ووجدت نفسها أكثر في الموسيقى من العلوم وهي تدرس اختصاصين الآن معاً، وأحببنا أن نُقدِّم شيئاً معاً

زاهي وهبي: ربما حضرتكِ مُعتادة على الغناء العائِلي يُمكننا أن نقول، حضرتك و"رونزا" و"عايدة" و"أمال" و"سمير" طبعاً صديقنا وحبيبنا لكن مع الأولاد أظن أنّ الإحساس مختلف قليلاً 

فاديا طنب الحاج: مختلف كثيراً. أولاً النوع الغنائي والموسيقي مختلف لأنّ الشباب عندهم تطلّعات وينتظرون من الموسيقى ومن المُشاهدين شيئاً مختلفاً تماماً، نحن كلاسيكيون قليلاً أنا وأخواتي بينما الأولاد يحبّون الغناء الأجنبي ويغنّون جيداً الغناء الأجنبي، هذا هو المجال الذي ربحوا فيه كل المسابقات الفنية 

زاهي وهبي: الفنّ أذواق، لا يمكنكِ أن تفرضي شيئاً على أحد في هذا المجال

فاديا طنب الحاج: مع أنني حاولت، أنا أحب الموشّحات وأُحب الموسيقى القديمة وأُحب أن أسمع "عبد الوهاب" لكن لم أتمكّن لغاية الآن، أنا أعتقد أنّهم سيسلكون هذه الدائرة، سيذهبون إلى الغربي ثم يرجعون إلى الشرقي، حتى أنا فعلت هذا 

زاهي وهبي: مثل الكثير من الشباب على كل حال، في عُمر معيّن يكون الشاب مبهوراً بالآخر ثمّ لاحقاً يكتشف الينابيع الحقيقية الموجودة عندنا 

فاديا طنب الحاج: حتى أنا عندما ذهبت إلى (ألمانيا) كنت قد طويت كل صفحة الغناء اللبناني والعربي والشرقي، ذهبت لأُقدِّم فقط الأوبرا وفقط "أوراتوليو". لكن لاحقاً تعرّفت على شخص ألماني درس الدكتوراة في الموسيقى الشرقية والتركيّة وطلب منّي أن أُغنّي معه باللغة العربية فأجبته بأنني أتيت إلى (ألمانيا) كي أُغنّي أوبرا وتريد أن تنقلني إلى الغناء العربي؟ لكن معه سلكت تلك الدائرة التي أعادتني إلى الأصول 

زاهي وهبي: هم أيضاً يحبّون سماع شيء مختلف وليس أن يسمعوا أنفسهم في أصواتنا، أتحدّث عن الغربيين 

فاديا طنب الحاج: مئة في المئة، هكذا تمام لأنّهم يبحثون عن أشياء جديدة، عن ينابيع جديدة لهم يغتنون منها. مثلما أنا اعتبرت نفسي أغتني من الموسيقى الكلاسيكية هم يغتنون من الموسيقى الشرقيّة

زاهي وهبي: نعم، قدّمتِ أُغنية بعنوان "جايي العيد بلا هديّة"، صحيح؟ 

فاديا طنب الحاج: أجل صحيح، كيف عرِفت؟ 

زاهي وهبي: كيف عرِفت؟ هذا شغلي! منذ فترة شاركتِ في أُمسية 

فاديا طنب الحاج: هذه الأُغنية أنا كتبتها 

زاهي وهبي: من كلماتكِ! وشاركتِ في الأمسية التي أُحيَت بمناسبة مرور أربعين يوماً على كارثة انفجار المرفأ، نحيّي روح الضحايا ونقدّم التعازي لأهاليهم في كل مرّة نذكُر فيها هذه الكارثة. سؤالي هو، ما علاقة فنّكِ بالواقع، بالحياة اليومية، بالأحداث التي نعيشها؟

فاديا طنب الحاج: مَن يكون حسّاساً إجمالاً ويعتبر نفسه ملتزماً حتى فنيّاً لا يستطيع أن يعتبر نفسه مستقلاً عن كل ما يحدث حوله. أعتقد أنّ هؤلاء كثيرون ولست أنا لوحدي هكذا، الكثير من الفنانين الذين إذا ألّفوا يكتبون من وحي قلقهم وألمهم، وأنا الشيء نفسه. بمعنى بالنسبة لي ما قدّمناه في المرفأ كان كأنّه واجب وطنيّ، واجب تجاه كل اللبنانيين الذين فقدوا أشخاصاً أحبّة وللضحايا أيضاً 

زاهي وهبي: ما هي الأحاسيس التي عشتِها تلك الليلة؟ 

فاديا طنب الحاج: كنت متأثّرة جداً أصلاً لأنني كنت في منطقة الانفجار، لم أستطع نسيان تلك الحال وظللت أعيش تلك الـ Trauma لأسابيع، وعندما طُلِب منّي أن أشترِك في تلك الأمسية كنت أخشى أن يتحوّل انفعالي إلى بكاء أثناء الغناء. لكن لحُسن الحظّ، عندما يكون المرء يُفكِّر أيضاً في أدائه يستطيع أن يُسيطر على نفسه 

زاهي وهبي: على أعصابه وعلى مشاعره 

فاديا طنب الحاج: وعلى انفعالاته، لكن في العُمق كنت منفعلة جداً 

زاهي وهبي: لماذا "جايي العيد بلا هديّة"؟ لماذا كتبتِ هذه الكلمات؟ لماذا العيد هذه السنة بلا هديّة؟ 

فاديا طنب الحاج: أولاً نحن في العائِلة قرّرنا عدم تبادل الهدايا هذه السنة، قرّرنا عوضاً عن ذلك أن نبحث عمّا يُمكننا أن نقدّمه لغيرنا بدلاً من تبادل الهدايا

زاهي وهبي: شو حلو 

فاديا طنب الحاج: فكان صياماً عن الأشياء غير الضرورية 

زاهي وهبي: بسبب صعوبة الأوضاع التي يمرّ بها اللبنانيون 

فاديا طنب الحاج: بسبب صعوبة الأوضاع التي يمرّ فيها البلد وهناك أناس في حاجة إلى كل ما نستطيع الاستغناء عنه، أيّ ترف لنا هو ضرورة لغيرنا. هذا ما استوحيته كي أكتب أُغنية "جايي العيد بلا هدية" لأن أغلب الناس لم تصلهم هدايا 

زاهي وهبي: ربما ليسوا قادرين على الحصول على هدية أو شراء هدية. دعينا نسمعك ونشاهدكِ في فقرة "قطع وصل" مع زميلتنا "يارا أبي حيدر" ونعود إلى الحديث عن ألبومكِ الجديد بعنوان "مسارات" 

قطع وصل - فاديا طنب الحاج: 

- نحن الذين نشأنا في (لبنان) وعشنا كل الحرب، جيلنا نحن، اعتدنا أن نعتاد على كل شيء مثل مُفاجآت سيّئة لا ننتظرها، فسنة 2020 جاءت واستمرّت سيّئة على كل الأصعِدة أكثر من كل مكان في العالم، أعني، الوباء في العالم أثّر عليهم لكن جيلنا "جورة" كما يقولون 

- أنا لا أعرف نفسي إلا أغنّي منذ أن كنت صغيرة. عندما بدأت النُطق والمشي بدأت فوراً أُغنّي، فالغناء بالنسبة لي هو المُتنفّس الذي لا أستطيع أن أعيش من دونه. هو مهنتي لكنّه شغفي في نفس الوقت 

- الفنانون في المُطلق في العادة مهما عاشوا إضطرابات داخلية عندما ينكبّون على عملهم الإبداعي يحسّون وكأنهم ذهبوا لزيارة طبيب الأسنان. أحياناً يستفيدون من إبداعهم في أنّ في إمكانهم الخروج من حال القلق عندهم ومن ألمهم أحياناً ويُصبحون في حال جيدة نفسياً إذا كانوا يعملون. الشيء نفسه إذا كنت أُغنّي، أحسّ أنّ هذا الشيء يفيدني ويُخرجني من إحباط إذا كنت أُعاني من إحباط 

- كنت أحلم أن أتمكّن من العمل أكثر في مجال التمثيل، التمثيل بقيَ محصوراً جداً عندي في بعض البرامج والمسرحيّات التي أدّيتها مع "الأخوين رحباني" والمسرح الكلاسيكي طبعاً مثل "كارمن" وإلى آخره لكنّي لم أُمثِّل في كل معنى الكلمة على الشاشة أو في فيلم سينما أو حتى مسرح. لا أستطيع أن أقول إنّني أشبعت هذا الشغف، كنت أتمنّى أن يتحقّق هذا الحلم في شكلٍ موسّع أكثر 

- استبدلته بالغناء. هناك أجندة للغناء والحفلات على مدى عشرين أو ثلاثين سنة كانت دائِماً مليئة، أكثر الله من خيره 

- أنا شخصياً أشكر ربّي لأنّه أعطاني موهبة الغناء وأعطاني صوتي كي أُغنّي، ويُمكنني أن أقول أُمجِّد ربّي فيه. بالنسبة لي هذه هبة أشعُر فيها كل يوم وكل يوم أشعر بأنني من اللازم أن أشكر الله عليها

- لا يوجد حياة تمرّ بلا ألم، على درجات، أناس تضربهم الحياة ضربة قويّة وأناس أقلّ. أنا أعتبر أنّ الحياة كان ليّنة معي ولم تكن عندي آلام قاسية كثيراً. يُمكنني أن أقول أنّ الصبر على الألم هو نِعمة لكن الألم في حدّ ذاته أكيد لا 

زاهي وهبي: نحن نتمنّى أن يكون الألم بعيداً عن كل الناس ولكن لا بدّ منه في هذه الحياة، يقولون في المثل الشعبي "اللي خِلِق عِلِق" فعلينا أن نعيش الألم مثلما نعيش الفرح وكل هذه التناقضات التي تملأ الحياة 

فاديا طنب الحاج: أجل، تكون على نِسَب. هناك أناس تكون نسبة الألم في حياتهم عالية كثيراً والألم كبير جداً فيكون قلبنا معهم ونُصلّي لهم حتى يتمكّنوا من تخطّي هذا الألم بنعمة الصبر 

زاهي وهبي: نعم 

فاديا طنب الحاج: مثلما قلت، أنا شخصياً أعتبر أنّ الحياة استثنتني لحد الآن وما زالت ليّنة معي 

زاهي وهبي: إن شاء الله تظلّ هكذا 

فاديا طنب الحاج: إن شاء الله يا رب

زاهي وهبي: كم هناك خلاص في الفن وفي الموسيقى وفي الغناء؟ كم هناك خلاص من الآلام ومن العذابات؟ 

فاديا طنب الحاج: الفنّ ككل، وليس فقط الموسيقى والغناء بل الرسم والنحت والكتابة، أعتبر أنّه يرفع الإنسان من القلق وهو نوع من التمرين يُخرِج من الأحشاء كل تلك السموم التي يعيشها المرء. الإبداع يأتي في مقام الطب، الإبداع يقوم بشغل لا يُمكن للطبيب النفسي أن يقوم به. تجد الكثير من الناس، مثلاً "فان غوغ" الرسّام الذي كان نصف مجنون لم يكن يجد نفسه وهدوءه وسلامه سوى في الرسم. نحن الذين نُغنّي وحضرتك تكتب الشعر وتُقدِّم هذه المقابلات التي ليست للترفيه، عندما أنت تستقبل ضيوفك لا تكون تُسلّي الناس 

زاهي وهبي: ليست مجرّد منوّعات، ليست مجرّد تسلية، نحاول أن نقول إنّ الشعوب لا تنهض من أزماتها من دون الثقافة ومن دون الأدب ومن دون الفنّ، من دون كل هذا الإبداع الإنساني في النهاية. عندما تُغنّين حضرتكِ، لماذا تغنّين في البداية؟ لمَن تُغنّين أيضاً؟ 

فاديا طنب الحاج: لا أعرِف، ولا مرّة سألت نفسي هذا السؤال. مثلما بدأت النطق بدأت في الغناء وبدأت أمشي، مسألة بديهية كانت كما التنفّس الطبيعي عندنا، وُلِد الغناء معي. في البيت عندي إخوة أكبر منّي يعزفون البيانو ويُغنّون فأنا لحقتهم وبدأت أُغنّي وأعزف البيانو وكنّا نرقص في البيت، هذا كان فرحنا اليومي، هذه كانت لغتنا اليومية. بالنسبة لي هذا ليس سؤالاً يُطرَح 

زاهي وهبي: ومثلما قلتِ حضرتكِ، أنتم نشأتم في الحرب في (لبنان) وعلى الأزمات في (لبنان). سؤالي هو

فاديا طنب الحاج: ومنزلنا قريب من المكان الذي نصوِّر فيه الآن 

زاهي وهبي: نعم، كان قريباً على خطوط التماس إلى حدٍّ ما. تُذكَر ولا تُعاد تلك الخطوط الفاصلة التي كانت بين اللبنانيين، ولكن سؤالي أنه في أحيان كثيراً يواجهني السؤال التالي: بماذا ينفع الفن والشعر والأدب وكل هذه القضايا والكلام عنها في زمن الحروب، في زمن الأزمات، في زمن عوَز وفاقة وفقر وإلى آخره؟

فاديا طنب الحاج: الرئيس الفرنسي منذ فترة قصيرة عندما تحدّث إلى الجمهور تحدّث عن كل الذين عانوا في هذه الجائِحة وعن المِهَن، ذكرهم كلهم، لكنّه نسي الفنانين والمُفكّرين والمثقّفين والكتّاب وإلى آخره فقامت القيامة عليه. قالوا له: نحن "وجه الصحّارة" بمعنى "نحن من النُخب" في (فرنسا) وفي غير (فرنسا). نحن نمثِّل البلد، نحن نمثل الحضارة الفرنسيّة، عليك أن تتحدّث عنّا لأننا عانينا أكثر منكم كلّكم. فالشيء نفسه عندنا 

زاهي وهبي: علماً أنّه عندما جاء إلى (لبنان) كانت الزيارة الوحيدة التي أجراها لشخص غير سياسي كانت للسيّدة "فيروز" 

فاديا طنب الحاج: صحيح

زاهي وهبي: وينساهم في (فرنسا)! هذا غريب قليلاً 

فاديا طنب الحاج: وهذا كي أجيبك على سؤالك، نحن الذين نريح الناس قليلاً من أوجاعهم. لا يُمكننا أن ننسب لأنفسنا شيئاً لا نستطيع فعله لكن أنا إذا كنت منزعجة أسمع موسيقى، إذا أردت أن أفرِغ غضبي في شيء أشغِّل السيارة وأضع موسيقى بصوتٍ عالٍ لوحدي وأذهب إلى الطبيعة. الطبيعة والموسيقى هما بالنسبة لي ملاذي من المشاكل والقلق 

زاهي وهبي: "مسارات" هو آخر عمل لحضرتكِ، ألبوم من اسطوانتين، "سي دي" عدد 2 أليس كذلك؟ تسع عشرة أغنية وقصائِد لعدد كبير من كبار الشعراء والكُتّاب 

فاديا طنب الحاج: ثلاثة وثلاثون كاتباً ومؤلِّفاً لبنانيون 

زاهي وهبي: ليس قليل 

فاديا طنب الحاج: ما عدا "محمود درويش" الذي أمضى قسماً كبيراً من حياته في (لبنان)

زاهي وهبي: نعم، نتحدّث عن "أُنسي الحاج" و"منصور الرحباني"

فاديا طنب الحاج: "توفيق سكّر"

زاهي وهبي: "سعيد عقل"

فاديا طنب الحاج: ننتقل من الكتّاب إلى الشعراء، كثيرة الأسماء، إجمالاً أضع ورقة أمامي لأتذكّر كل المؤلّفين. عندنا "هتاف خوري" "عبد الله المصري" "غدي الرحباني" "جويل خوري" "سمير طنب"، كثيرون 

زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ هذا العمل يُلخِّص مشواركِ الفنّي أو يتوِّجه؟

فاديا طنب الحاج: هذا العمل بالنسبة لي هو البطاقة التي أُعرِّف فيها عن نفسي لأنّ الذي يعرِف مسيرتي الفنيّة منذ أن بدأت في سنّ مُبكِّرة مع "الأخوين رحباني" وقبل "الأخوين رحباني" عندما كنت أدرس في الكونسرفاتوار وكنت تلميذة "توفيق سكّر" الذي كان يدرِّس "صول فيج" وعنده كورال وإلى آخره، من هنا بدأت. فأبداً في أول قطعة على الـ "سي دي" لـ "توفيق سكّر" ثم أنتقل إلى "منصور الرحباني"، وهي أغنية كتبها وطبعاً لم يؤلّفها لي وهي قديمة أخرجتها من الدُرج وعُرِضت في مسرحية "حُكم الرعيان" وغنّتها "لطيفة" وأنا اخترتها لأنّها موسيقياً تصحّ حّى مع تركيبة موسيقية أوروبيّة، بمعنى كتابتها كلاسيكية قليلاً لا تحتوي على ربع صوت. فلاحقاً بعد أن درست الكلاسيك اتجهت كثيراً نحو تجارُب معاصرة جريئة جداً وما زلت فيها 

زاهي وهبي: نعم، مع موسيقيين أجانب وألمان في شكلٍ خاص 

فاديا طنب الحاج: أجانب وألمان وموسيقيون لبنانيين، نحن نقطن في بناية يسكن أيضاً فيها "زاد ملتقى" المؤلِّف المعاصر جداً واشتغلت كثيراً معه. هو مُعاصر، حتى يكتب أحياناً تجارب، Experimental نسمّيها 

زاهي وهبي: نعم، أشياء تجريدية 

فاديا طنب الحاج: حديثة جداً. أنا أعتبر نفسي ربما من المغنيات أو المغنين الفنانين القلائل الذين تجرّأوا على خوض هذه المغامرة لأنّها ليست للجمهور العريض ويستصعبها الناس، لا أدري، أناس يستحسنوها وآخرون لا يستحسنونها وأناس يقولون غرابتها كثيرة وتتخطّانا وإلى آخره، لكن أنا أُحبّ هذه المُغامرة، وفي الوقت نفسه بدأت في أشياء كثيرة سهلة على السمع مثل لـ "منصور الرحباني" و"سمير طنب" 

زاهي وهبي: هل نعطي نموذجاً عن الأشياء السهلة على السمع لو سمحتِ، "أكابيلا"

فاديا طنب الحاج: عندي قطعة مثلاً "أكابيلا لـ "مارسيل خليفة" وكلمات "محمود درويش" 

زاهي وهبي: هيّا 

فاديا طنب الحاج: (تغنّي) 

زاهي وهبي: الله، الله. حلو كثيراً، تحيّة لـ "مارسيل خليفة" ولروح "محمود درويش". هذا المشوار الذي كنّا نتحدّث عنه إذا أردنا أن نضع له عنواناً أو نريد أن نلخّصه ما يكون عنوانه؟ عنوان مشواركِ مع الموسيقى ومع الغناء؟ 

فاديا طنب الحاج: عنوانه "المسارات" 

زاهي وهبي: لأنّها متعدّدة 

فاديا طنب الحاج: متعدّدة، حتى مساري الخاص ليس مساراً واحداً. نوّعت كثيراً ودرست كثيراً وتخصّصت في مجالات عدّة وبالتالي لم أسلك مساراً واحداً، لم تكن خطوطي تُشبه بعضها البعض. في البداية قد يتّهمني بعض الناس بأنني لم أجد لنفسي 

زاهي وهبي: هويّة 

فاديا طنب الحاج: هويّة، لكن أنا أعتبر أنّ هذه هي هويّتي، التنوّع هي هويّتي 

زاهي وهبي: هل يُمكننا أن نُعطي إسماً للّون الذي تقدّمينه حضرتكِ؟ 

فاديا طنب الحاج: أنا دراستي كلاسيكية، أكيد لا أقدّم Pop، من النوادر أن أقدّم Pop، ربما في "سي دي" واحد عندي قطعة واحدة فيها القليل، القطعة التي لحّنها لنا "سمير" 

زاهي وهبي: فيها غناء شعبي 

فاديا طنب الحاج: ولا حتى شعبياً لكن فيها إيقاعات Pop وإلى آخره ويتغيّر فيها الـ Style من مكان إلى آخر، والهرموني فيها Pop 

زاهي وهبي: هذا النوع من الفنّ، هذا النوع من الغناء الذي في إمكاننا أن نُسمّيه "غير رائِج" وليس جماهيرياً اليوم في عصرنا هذا وأنت تعلمين نوع الموسيقى الطاغية في العالم بأكمله وليس فقط في بلادنا، هذا النوع من الفنّ له مستمعين؟ له ذوّاقة؟ 

فاديا طنب الحاج: ربما لو لم أدرس في الخارِج ولا عملت في الخارج، في (أوروبا) في شكلٍ خاص، كنت أقول لك معك حق مئة في المئة، لكن بما أنني سلكتُ خطاً هو نده لي، أعني أنا لم أنده للأشياء الظروف هي التي ندهت لي، هي نادتني إلى المسرح في (أوروبا) سواء عن طريق الإذاعات الكلاسيكية أو عن طريق المنتجين الذين كانوا يطلبون مني مشاركتهم وإلى آخره 

زاهي وهبي: لكنّك في نفس الوقت تقولين "ذاكرتي شرقيّة بامتياز"، صحيح؟ 

فاديا طنب الحاج: أكيد، لأني نشأت على صوت الوالدة التي درست الغناء الكلاسيكي في الكونسرفاتوار وكانت دائِماً تُغنّي شرقياً لـ "عبد الوهاب" وموشّحات وأدواراً شرقية واللون البيزنطي، خاصةً الترتيل البيزنطي الذي كان مسألة أساسية عند الوالدة 

زاهي وهبي: أكيد سنُكمِل وسنتحدّث أكثر عن هذه التجربة المتميِّزة ولكن إسمحي لنا أولاً وليسمح  لنا مشاهدينا بمشاهدة مقتطف من "مسارات"، الألبوم الجديد لضيفتنا القديرة "فاديا طنب الحاج" ثمّ نتوقّف مع استراحة سريعة نعود بعدها إلى "بيت القصيد" 

المحور الثاني 

زاهي وهبي: نُصغي باستمتاع إلى "فاديا الحاج" غناءً وحديثاً وآراءً جميلة للحقيقة مثل حضوركِ سيّدتي. شاركتِ "مايك ماسي"، شاركتِ "أحمد حويلي"، شاركتِ العديد من الشباب الذي في إمكاننا أن نُسمّيهم شباباً جُدداً إلى حدٍّ ما

فاديا طنب الحاج: صحيح، أنا أحب أن أشترِك مع الشباب 

زاهي وهبي: سبقتِ سؤالي، نعم، هذا ما كنت أُريد أن أسأله، عندكِ رهان على الشباب؟ لا تخافين على تجربتكِ وإسمكِ ومكانتكِ؟ 

فاديا طنب الحاج: دائِماً. أحسّ أنّ الدمّ يتجدّد وتتجدّد الطاقة عندي عندما أشتغل مع أشخاص صاعدين جُدُد أو في عُمر أصغر منّي، مثلما أفعل الآن مع أولادي 

زاهي وهبي: أيضاً مع "أحمد حويلي" هناك نوع من تصوُّف، يؤدّي مدائِح وأناشيد صوفيّة. كيف هي علاقتكِ بالتصوُّف عموماً؟ هل يتقاطع التصوّف المسيحي مع التصوُّف الإسلامي في مكانٍ مُعيّن؟ 

فاديا طنب الحاج: أكيد لأنّ الصوفيّة كما أراها تلتقي مع كل الأديان من دون استثناء بين المسيحية والإسلام والبوذية. الصوفيّة لها مكانتها في مكان موجود فيه نُبل الروحانيّة لأنّ لا قوانين فيها سوى التسامح والمحبّة

زاهي وهبي: والحبّ 

فاديا طنب الحاج: والحبّ 

زاهي وهبي: أو العشق الإلهي مثلما يقول المتصوّفون 

فاديا طنب الحاج: أو العشق الإلهي 

زاهي وهبي: أكيد وسبق ربما في زمن "خلّيك بالبيت" أن تحدّثنا عن بداياتكِ، عن أهلِك، عن أخواتك، تعلّمتِ من أهلِك الكثير. من خالكِ المطران "جورج خُضر"، المطران الجليل 

فاديا طنب الحاج: تسلم لي عينه 

زاهي وهبي: رجل الدين المُثّقف واللاهوتي الكبير، ماذا تعلّمتِ منه؟ 

فاديا طنب الحاج: هو كان مثل والِد ثانٍ لي، لنا نحن في البيت. كان المطران عندما يزورنا في البيت والد ثان، والِد آخَر، نتحدّث معه في المواضيع سواء الشخصية أو العائلية أو الفِكريّة، نسبح معه من تيّار إلى تيّار في الفكر والموسيقى 

زاهي وهبي: في الحقيقة نعمة أن يكون عند المرء خال مثل المطران "جورج خُضر" أطال الله في عُمرِه 

فاديا طنب الحاج: حتى في قراراتنا الشخصيّة، إذا عندي قرار مهمّ جداً في حياتي وكنت محتارة في اتخاده أذهب لزيارته وأقول له: قلّ لي يا خالي، ما هو الأحسن؟ ودائماً لا يتحدّث من منظار ديني، عنده منطق إنساني 

زاهي وهبي: صحيح، وثقافة إنسانية واسعة وعميقة 

فاديا طنب الحاج: وثقافة إنسانية، وفي حال كان الإنسان غير متديِّن جداً يعطيه القرار الذي يجد نفسه فيه إنسانياً

زاهي وهبي: لحُسن حظّي التقيت به مراراً وحاورته أيضاً تلفزيونياً. قلنا قبل الاستراحة إنّك تسمعين البيزنطي وتسمعين السرياني وتسمعين مدائِح نبويّة، هل هناك نُقطة مُشتركة بين كل هذه الأنماط؟ 

فاديا طنب الحاج: موسيقياً لا، إذا أردنا أن نتحدّث في علم الموسيقى لا يشبهون بعضهم أبداً، ولا تنسى أن الموسيقى السريانية هي موسيقى الفلاحين، أعنّي حتى الرهبان كانوا يشتغلون في الأرض ويرتّلون السرياني باللغة السريانيّة. الموسيقى السريانية فيها ترداد للشغل في الأرض. الموسيقى البيزنطيّة موسيقى قياصرة وملوك 

زاهي وهبي: ثقافة المُغنّي عندما يكون يعرِف إلى هذا الحد، هل هذا يُسهِّل عليه الغناء أو يصعِّبه أحياناً؟ 

فاديا طنب الحاج: سؤالك ليس غلط، ليس غلط أبداً 

زاهي وهبي: أعلم ذلك 

فاديا طنب الحاج: شوف، إذا مغنّي يجيد الغناء الشرقي كثيراً وصوته حلو أطلب منه أن يتعلّم قراءة النوتة وأن يتعلّم معرفة المقامات وإلى آخره كيلا يظهر جاهلاً، أحياناً يكون عندك خمسة أو ستّة موسيقيين وكلّهم يفهمون الموسيقى جيداً ودرسوا لعشر سنوات موسيقى فيأتي مغنّ ويقف أمامهم ولم يدرس أبداً ويكون يُنتج عشرة أضعاف ما ينتجونه من مال ويشور عليهم ماذا يجب أن يفعلوا، فأقول له: على الأقل كيلا تُحرَج أمام هؤلاء الموسيقيين الذين يعزفون وراءك والذين كلّهم يعرفون أكثر منك، ادرس موسيقى. ليس إذا ظهَرْت على التلفزيون ونلت بعض الشهرة فهذا يعني أنّه من غير اللازم أن تدرس موسيقى! فقط في الغناء أجد أنّه إن كان المرء عنده هذا الحسّ الطبيعي والغناء الحلو الجميل الذي يكون عنده بالغريزة أو في ذاكرته الموسيقية، هذه الغريزة من اللازم أن يُحافِظ عليها ولا يخسرها 

زاهي وهبي: أحياناً يكون إحساسه أقوى من قُدراته ربما الصوتيّة أو فَهْمه للموسيقى والصوت 

فاديا طنب الحاج: ويستطيع أن يُعلِم أُستاذ كبير لأنّ عنده شيء في بديهية الإحساس

زاهي وهبي: هل تعني لكِ الشهرة؟ لم تذهبي في اتجاه الشُهرة رغم أنّه كان عندك فرصة، بدأت مع "الأخوين رحباني" 

فاديا طنب الحاج: لم أبحث كثيراً عن الشهرة، هي تأتي تلقائياً عندما يكون عند المرء إنتاج وعندما يشارك في المهرجانات الكبيرة. أكيد عندما يذهب حول العالم يكون عنده في الحدّ الأدنى إسم حتى يُطلب إلى مهرجانات عالمية. لكن الشهرة في معنى أن تمشي في الطريق ويصطدم الناس ببعضهم كي أوقِّع لهم على ورقة، أكيد لا أحبها لأنني أعتبر أنّها تُسيء إلى حياتي الشخصية وحياتي العائلية، ثم ياما عائلات فرطت وأناس لا أدري كيف

زاهي وهبي: خرّبت الشُهرة حياتهم

فاديا طنب الحاج: خرّبت لهم حياتهم لأنهم لم يتمكّنوا من إدارتها 

زاهي وهبي: ربما لم يكن عندهم الأساس المتين والوعي الإنساني إذا لم أقل الثقافي. الشهرة تضيِّع الإنسان 

فاديا طنب الحاج: تضيِّع أجل، ياما يعلق المرء من كثرة الشهرة ومن كثرة الهجوم الإعلامي عليه 

زاهي وهبي: نعم، تُسهِّل الانزلاق 

فاديا طنب الحاج: ينزلقوا إمّا بالمُخدّرات أو بالكحول إلى آخره، حسب الحظ. أنا بقيت في الكرة خاصتي المحميّة سواء في حياتي العائِليّة مع أولادي وزوجي أو حياتي الاجتماعيّة 

زاهي وهبي: ليست جميلة ترجمتها، هي الفقّاعة التي تشبه فقّاعة الصابون الشفافة ويكون المرء في داخلها ويرى العالم كلّه لكنّه يحمي نفسه 

فاديا طنب الحاج: أجل، لكن في المعنى الإيجابي لا أُقفل على نفسي كيلا يأتي شيء من الخارِج، على العكس أنا أُحبّ الخارِج وأحب أن أذهب صوب الخارِج لكن أُحب أيضاً أن أُحافِظ على خصوصيّتي 

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث قليلاً أيضاً خصوصاً عن علاقتك بالموسيقى القديمة والموسيقى الأندلسيّة وهذه الأشياء التي قدِّمتِها، دعينا أيضاً نسمع رأياً في تجربتك وفي حضرة جنابكِ من الفنّان والصديق الأُستاذ "غدي الرحباني"، نسمعه معاً

رأي – غدي الرحباني: بيت "طنب" هو بيت فنّي عائلي كبير، والدها الرسّام الشهير الراحل "مارون طنب"، تخرّجن البنات من المدرسة الرحبانيّة وكنّ يتعلّمن مع "عاصي" و"منصور" وكنّ يشتغلن مع "عاصي" و"منصور" في المسرح وفي التلفزيون وفي الرحلات الفنيّة في (لبنان) وفي الخارِج. لذلك أوّل ما كان لنا أنا و"مروان" هو "آخر الصيف"، فيلم موسيقي غنائي وأحببنا أن نُشرِك فيه "رونزا" و"فاديا"، كتبنا لـ "فاديا" أغنيتين حلوتين كثيراً إحداهما إسمها "القهوة المنسيّة" والأُخرى "لمّا طلّ من الشبّاك". المفارقة الحلوة إننا عندما كتبنا "لمّا طلّ من الشبّاك" كنّا نريد بنتاً يكون معها حبيبها أو صديقها ولم نجدها وكان "يوسف" حينها في بداية علاقات عاطفية ولا أدري إن كانت هناك خُطبة ربما وارتباط، فقلت له: "يا "يوسف"، طالما أنت موجود هنا لماذا نُحضِر ممثلاً بديلاً؟ هيا كن أنت الممثل"، وكان "يوسف" دكتور في علم الفيزياء، فوافق بكل رحابة صدر. صوت "فاديا" نادِر، صوت نادر الوجود، لأنّ طبقته "كونتر ألتو" بمعنى قليل جداً أن يكون هذا الصوت عند النساء. عندما تزوّجت سافرت إلى (ألمانيا)، وفي (ألمانيا) أعتقد خطت خطوتها الصحيحة والحقيقية وأكملت في الجامعة، ولأنّ الألمان يلتقطون القصص اكتشفوا أنّ صوتها نادر واشتغلوا عليه. وبالفعل، من هناك صارت "فاديا" على السكّة العالميّة. صار عندها حضور عالمي كبير في قاعات الموسيقى وفي الـ Concerts، وهي سلكت طريقاً إذا أردتِ صعباً وليس سهلاً ومنحىً يسمعونه القلّة وليس عامة الناس يمكنهم أن يسمعوه، ومن الصعب جداً أن يختار الإنسان هذا المنحى. "فاديا"، دعيني أسألكِ سؤالاً علماً أنّكِ تعرفين أنني لا أُحب أن أسأل هكذا أسئِلة على التلفزيون لكن لا بأس سأسألك: في حال رجع بكِ الزمن للبدايات، بداياتكِ، هل تختارين الطريق نفسه الذي اخترتِه في الفنّ أكيد أم تختارين النجوميّة الصارخة أو الجماهيرية الأكبر أو تظلّين في جوّكِ الخاص، في مُختبركِ الخاص؟ ليتكِ تقولين لنا 

زاهي وهبي: جزيل الشكر للفنان الصديق الأُستاذ "غدي الرحباني". شهادة حلوة وسؤال حلو 

فاديا طنب الحاج: سؤال جميل جداً. لا أعتقد أنني قد أُغيِّر شيئاً، لست نادمة مع أنّ الخيارات لم تكن مُباشرةً خياراتي الشخصية. مثلما قلت لك كانت فُرَص، تأتيني الفرصة وأغتنمها، تأتيني فرصة ثانية وأغتنمها. ولا أيّ خيار اخترته بإرادتي. حلمي كان أن أُكمِل في العمل كما بدأت مع الرحابنة ومن ثم ربما أُكمِل معهم أو أُكمِل طريقي لوحدي صوب ما يُسمّى "النجومية"، ربما النجومية بمفهومها اللبناني المحلّي والعربي. لكن كأنّ القدَر وأنا لست قدريّة، أحياناً وأنا صغيرة كنت أنظر إلى ناحية الشمال ويأتي القدر ويسحبني إلى اليمين، فأكون على اليمين ولكن مقاومتي ليست كبيرة في المعنى الحلو للموضوع. أنا لا أقاوم وأُعاند في أين أريد أن أكون، كنت أقول أوكي، الآن مفتوح أمامي هذا الطريق سأجرِّبه وأسلكه. وما من مرة سلكت في مسار وندمت عليه. كنت أحسّ كل مرة كأنّ أحد يسحبني إلى هناك ومن اللازم أن أُكمِل هناك، مع أنّه كما قلت لك لم تكن خياراتي 

زاهي وهبي: لو الآن طُلِبَ من الدكتور "يوسف كمال الحاج" الذي هو مثقّف كبير وإبن مثقف كبير، زوجك، إذا طلب منه اليوم أن يُشاركك في الكليب هل سيقبل؟ 

فاديا طنب الحاج: أكيد لا 

زاهي وهبي: لماذا

فاديا طنب الحاج: أكيد لا 

زاهي وهبي: البدايات تختلف؟ 

فاديا طنب الحاج: في البدايات كنّا صغاراً ولم نكن حتى على علاقة خطبة، كنّا على علاقة لا تزال بريئة في البداية وكنّا نحب بعضنا 

زاهي وهبي: من أجل هذا كان يريد أن يرضيكِ في أيّة طريقة حين وافق 

فاديا طنب الحاج: أجل، كان مستعداً لكل شيء وأنا في البداية كنت أتساءل وأقول: "إذا رأوه التلاميذ، وهو كان أُستاذ جامعة في عمر 23 سنة"، فقلت: "غير معقول، لاحقاً سيشاهدونه تلاميذه في فيلم السينما وسيضحكون"

زاهي وهبي: كيف هي الحياة مع مثقف وكاتب وباحِث؟ 

فاديا طنب الحاج: لو لم أكن أعمل والفن يأخذ الكثير من وقتي وأغيب وأُسافر كثيراً لكانت الحياة بصراحة صعبة لأنّ "يوسف" يُعطي تسعين في المئة من وقته لشغل الأبحاث والكتابة. أصدر مجموعة والده التي استغرقت معه خمس سنوات من العمل، يأتي إلى البيت في الساعة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة صباحاً لأنه مشغول طوال الوقت. الآن عنده ندوة، أنا أتيت إلى هنا وهو عنده ندوة 

زاهي وهبي: إذاً جيّد أنكما مشغولان 

فاديا طنب الحاج: كلانا مشغولين والله يُساعِد الأولاد 

زاهي وهبي: هذا جيّد للزواج. ربما لا نستطيع أن نتحدّث عن العائلة، نريد أن نسألكِ عن "رونزا" و"آمال"، عن "عايدة" و"أمال"، ما أخبارهم؟ 

فاديا طنب الحاج: أكيد. أخبارهم، "أمال" اليوم مثلاً تحديداً أعرِف أنّ عندها Concert دعتني إليه لكن لست قادرة على حضوره بسبب لقائِنا، و"رونزا" تُعلِّم كأُستاذة في "المعهد الموسيقي العالي" وأيضا تقيم من حين لآخر حفلات لكن أقلّ منّي لكن إجمالاً عندما تحدُث فُرَص أكيد. هي أيضاً صارت تُحبّ كثيراً المكوث في البيت وتُحب الأجواء مع الفنانين والاجتماعات وإلى آخره 

زاهي وهبي: هل ظُلِمَت "رونزا" في حياتها الفنيّة؟ بمعنى مقارنتها بالسيّدة "فيروز" في بداياتها والمرحوم "عاصي الرحباني" وضعها في مكانٍ صعب قليلاً؟  

فاديا طنب الحاج: أكيد. أنا كنت أتمنّى ألا توضع مكان "فيروز" بكلّ بساطة، لا أحد من اللازم أن يوضَع مكان "فيروز". "فيروز" ما زالت موجودة لحدّ الآن ونحن نتحدّث عن ثلاثين سنة أو أربعين سنة مرّت. نتحدّث عن زمن كانت "فيروز" لا تزال في عزّها، لا أحد يوضع مكانها في فوّهة المدفع ويقول أنّه سيحلّ مكانها. لن أقول الأسباب التي جعلت "عاصي" الله يرحمه يضع "رونزا" في هذه المكانة الصعبة وهي كانت في العشرين من عُمرها

زاهي وهبي: طفلة إلى حدٍّ ما

فاديا طنب الحاج: طفلة. حتى أنا وضِعت في ذاك المكان لكن أنا كنت في صفٍّ خلفيّ أكثر منها لأنني كنت أصغر منها وكنت لا أزال في المدرسة وهي كانت في الجامعة وكان وقتها متاح أكثر. وضَعها في الصف الأمامي وأنا وراءها مباشرةً ولم أذق نفس الضربات الإعلامية        

زاهي وهبي: إن شاء الله نتحدّث معها إذا لا مانع عندها 

فاديا طنب الحاج: إن شاء الله 

زاهي وهبي: نستعيد تجربتها ونُحيّيها، ونُحيّي "أمال" مع حفظ الألقاب 

فاديا طنب الحاج: مع أنها عندما استمرّت واشتغلت لاحقاً مع "غدي" و "أُسامة" و"مروان" أخذت حقّها، أخذت حقها لأنهم كتبوا لها شيئاً يشبهها وهي موهوبة جداً للـ Musical وموهوبة جداً للرقص والمسرح الغنائي الشبابي أكثر من مسرح "الأخوين رحباني". أعني عندما أدّت الشخص أدّته في شكلٍ حلو جداً، أدّت الدور في شكلٍ حلو جداً وكانت مهضومة جداً   

زاهي وهبي: أجل، لكن أيّة مُقارنة مع السيّدة "فيروز" ليست لصالح أحد

فاديا طنب الحاج: أية مقارنة تَفرِق

زاهي وهبي: لحدّ اليوم، صدّقيني لحدّ اليوم 

فاديا طنب الحاج: بينما عندما أدّت في مسرحية "الانقلاب" التي كانت من بطولتها وكتُبت للمرة الأولى لها خصيصاً كان نجاحها باهراً 

زاهي وهبي: ماذا يبقى في ذاكرتكِ من تلك البدايات التي أشار إليها الأُستاذ "غدي"، من "ساعة وغنيّة" ومن البدايات كلّها 

فاديا طنب الحاج: أذكر البدايات بالخير خاصةً أنّني كنت في سن الست عشرة أو السبع عشرة سنة في بداياتي

زاهي وهبي: أكنت تقولين: لا أحد سيشاهدني أو يسمع هذه البدايات أم لا؟ 

فاديا طنب الحاج: لا، أنا أتقبّل. لتوّه كان يقول إنّ صوتها "كونتر ألتو". الذي يسمع صوتي أُغنّي وكم كان رفيعاً عندما كنت في سنّ السادسة عشرة أو السابعة عشرة ويُقارنه بصوتي الآن

زاهي وهبي: الصوت يتغيّر مع الوقت 

فاديا طنب الحاج: أولاً يتغيّر مع العُمر لكن أصلاً عندما اشتغلت تبيّن أنّه ألتو وليس سوبرانو. في بداياتي كانوا يجعلونني أُغنّي على طبقات عالية جداً ورفيعة جداً ثمّ تغيّر صوتي مع الوقت، فـ.. ماذا كان السؤال؟ عفواً 

زاهي وهبي: نتحدّث عن إن كنت ترغبين في إلغاء هذه البدايات أم لا، بمعنى أنت مُتصالِحة مع بداياتك؟ 

فاديا طنب الحاج: لا مُشكلة عندي وعندما أشاهد نفسي في البدايات أضحك. عندما يشاهد أولادي بداياتي أعرِف كم كانت بداياتي بريئة لأنّ براءة هذه البدايات تُضحِك، يضحك أولادي ويقولون: أنظري كيف كنتِ

زاهي وهبي: لماذا أنا أسألك؟ حتى هناك شعراء يتنكّرون لكتبهم الأولى. هناك شعراء يقولون لك: لو رجع بي الزمن لما كنت نشرت كتابي الأول، لكنت تمهّلت وإلى آخره 

فاديا طنب الحاج: لا ينفع أن تتنكّر، في النتيجة هذا العُمر كان ومررت به وكان من اللازم أن أمرّ بهذه التجارب كي أتطوّر وأتطوّر وأُصبح في المكان الذي أنا فيه 

زاهي وهبي: كيف هي علاقتكِ بالشِعر عموماً؟ يعني تكتبين وتُغنّين لكبار الكتّاب والشعراء اللبنانيين، كيف هي علاقتك الشخصيّة مع الشِعر؟ 

فاديا طنب الحاج: أُحب الكلمة، أنا شخصيّاً أُحب أن أكتب لكن النثر وليس الشِعر 

زاهي وهبي: وأنتِ غنّيتِ النثر. عندما تغنّين لـ "أُنسي الحاج" هذا يعني أنّكِ تغنّين شعراً حراً، صحّ؟  

فاديا طنب الحاج: أكيد

زاهي وهبي: ولـ "جبران" أحياناً 

فاديا طنب الحاج: ولـ "جبران" أحياناً و"جورج خُضر". أكيد غنّيت النثر وهذه المسألة ليست صعبة عليَّ لكن فيها صعوبة على المُلحِّن بسبب عدم وجود إيقاع للكلمة ولا يوجد إيقاع للجُملة. أُحب أن أقرأ الشعر لكن أُحب أن أقرأ فِكراً أكثر

زاهي وهبي: كيف هي علاقتكِ بالغناء الأوبرالي وفي التجارب الأوبراليّة التي في اللغة العربيّة؟ هل تصلُح اللغة العربيّة للغناء الأوبرالي أم تُظلَم الحروف والكلمات؟ 

فاديا طنب الحاج: أنت قلتها. أنا أعتبر أنّ الحروف والكلمات تُظلَم في الغناء الأوبرالي على الطبقات العالية، من أجل هذا تجاربي التي اشتغلتها فيها كلاسيك وليس أوبرا، لم أُغنّ أوبرا بالعربي، غنّيت لـ "يوهان سيباستيان باخ" بالعربية وأيضاً "كورت فايل" بالعربية 

زاهي وهبي: ليس على الطبقات العالية 

فاديا طنب الحاج: قصدت أن أُخفِّض الطبقات العليا إلى الطبقات الوسطى كيلا أضطرّ إلى استعمال هذه الـ "فيبرات" وأُغيِّر مخارِج الألفاظ وتُصبح المَدَّة العالية منخفضة وإلى آخره 

زاهي وهبي: لأنّ كلّ لغة لها مخارِج حروف وطريقة نُطق مُختلفة عن اللغات الأُخرى 

فاديا طنب الحاج: ولها جماليّتها أيضاً، لا يعود في استطاعتك أن تفهم أصلاً وتحتاج إلى ترجمة لكي تفهم ماذا يُغنّي وإذا ما كان المُغّني يغنّي عربي 

زاهي وهبي: مع احترامنا طبعاً للتجارب في هذا المجال 

فاديا طنب الحاج: أجل، أحترِم هذه التجارب. التجارب التي حدثت في اللغة العربيّة ولُحِّنت خصيصاً، لم تُلحّن على أساس أوبرا بل على أساس منحى كلاسيكي ولكنها ليست مئة في المئة أوبرا 

زاهي وهبي: الغناء القديم، بدأ الوقت يُداهمنا وأُريد أن أختُم غناءً مع حضرتك، غناء الموسيقى القديمة، الغناء الأندلسي، الموسيقى القديمة، ما الغاية من العودة إليها؟ ما الأهميّة بالأحرى؟  

فاديا طنب الحاج: هذا تُراث مهم جداً، ثم دع جانباً أنّ شعره مهم جداً، أيضاً هو موسيقى. موسيقى الموشّحات هي مثل الـ Leader الألماني، الـ Lead الألماني هو تركيبة غير طويلة كثيراً إجمالاً وفيها أدب حلو كثيراً مع جملة موسيقية ليست صعبة بالضرورة. الموشّح لا تُعرِّب فيه كثيراً بخلاف "الأدوار"، فأنا أُحب كثيراً الموشّح لأنّه أيضاً هذا التراث العربي المُشترك بيننا وبين المغرب العربي 

زاهي وهبي: نعم، هنا خصوصية كل لون وكل بلد وكل ربما منطقة في البلاد الواسعة في زمن العولمة، كم مهم الحفاظ على هذه الخصوصية؟ العولمة أعني في قدر ما هي من جانب مهمّة، في جانب آخر في قدر ما تجرف

فاديا طنب الحاج: كل شيء عليك أن تعطيه حقّه في مكانه، بمعنى عليك أن تحافظ على التراث وتتركه كما هو ولا تترك الناس تشوِّهه. إذا أخذت شيئاً تراثياً وأحببت أن تجري عليه تجربة معيّنة، هذا لا يعني في الضرورة أنّك شوّهته. "زاد ملتقى" المؤلّف أخذ الـ Theme كما تقال في الموشّح وفي اللحن الأساسي، إذا افترضنا " أيها الصافي إليكَ المُشتكى"، يأخذه ثم يعيد تطويره، لا يطوّره هو بل يعيد 

زاهي وهبي: صياغة جديدة؟ 

فاديا طنب الحاج: صياغة جديدة ثمّ يتجه إلى مساحة موسيقية أُخرى مختلفة لا تشبه الموشّح، وهو يعتبر نفسه في هذه التجربة أجرى تجربة في تجربته الموسيقية أيضاً التي لا يريد أن يتركها وتعني له الكثير وغنيّة بالنسبة له ويهمّه أن يعاود الحديث عنها 

زاهي وهبي: حسناً، لمن تستمعين اليوم؟ 

فاديا طنب الحاج: متشعِّب كثيراً ما أسمعه. عندما أُريد أن أرجع إلى الينابيع وأرجع إلى القديم، أُحب أن أسمع وأستسهِل "عبد الوهاب" لأنّه يشبه في كلاسيكيته كثيراً شغل الألمان

زاهي وهبي: نعم 

فاديا طنب الحاج: ثمّ هو استوحى من الموسيقى الغربيّة لكن في شكلٍ راقٍ جداً 

زاهي وهبي: نعم، وذكي

فاديا طنب الحاج: وفي شكلٍ ذكي جداً. أحب كثيراً أن أسمع "عبد الوهاب". الآن الموسيقى الكلاسيكيّة لا تسأل، أحب كثيراً "غوستاف مالِر"، أُحب كثيراً " برامز"، أُحب كثيراً "شوبرت شومن" 

زاهي وهبي: نعم. لو عُرِضَ عليكِ اليوم تجربة شبيهة بتجربة برنامج "سوبر ستار" وأن تكوني مجدّداً في لجنة تحكيم 

فاديا طنب الحاج: تجربة حلوة جداً وأعيدها مُجدّداً 

زاهي وهبي: تعيدينها 

فاديا طنب الحاج: نعم

زاهي وهبي: ونحن إن شاء الله نعيد هذا اللقاء مع حضرتكِ 

فاديا طنب الحاج: إن شاء الله، أصلاً أول لقاء أجريته معك واستقبلتني كان ربما منذ عشرين سنة

زاهي وهبي: منذ وقت "سوبر ستار" 

فاديا طنب الحاج: منذ سبع عشرة سنة 

ن زاهي وهبي: نعم، إن شاء الله في اللقاء المقبل نستقبلك لكن ليس بعد سبع عشرة سنة، في وقت أقرب، لكن أيضاً بعد عشرين وثلاثين سنة إن شاء الله تكونين موجودة وتشتغلين وأيضاً نستقبلك. أنا أريد أن أعايدكِ مرة جديدة بالميلاد ورأس السنة 

فاديا طنب الحاج: أنا أيضاً أُعايدك وأعايد مشاهدينا كلّهم 

زاهي وهبي: ونتمنّى سنة أفضل لحضرتكِ ولعائِلتكِ ولكلّ مُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، ومسك الختام معكِ 

فاديا طنب الحاج: (تغنّي) 

 

         

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل