ذكرى اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" يأتيكم من (لندن) معي "جورج غالاواي". قبل عام واحد وقعت جريمة قتل مروِّعة في مطار (بغداد)، "أبو مهدي المهندس" والجنرال "قاسم سليماني" قُتلا بوحشيّة من الجو بواسطة الطيران العسكري الأميركي ولم تبذل (الولايات المتّحدة) أيّ مجهود لإخفاء تورّطها في الجريمة بل هي في الحقيقة تباهت بارتكابها تلك الجريمة. لكن كما قال رجل الدولة الفرنسي "تاليرون" حين أخبروه بمقتل خصمٍ سياسي وبعد أن قالت سكرتيرته إنّها جريمة مروّعة قال: "إنها أسوأ من جريمة، إنها خطأ فادِح". وقد قصد بذلك أنّ النوايا المُعلنة للقَتَلة لن تقتصر على عدم النجاح فقط بل ستكون لها نتائِج عكسيّة في أبشع الطُرُق. أعتقد أنّ هذا ينطبق أيضاً على مقتل الجنرال "سليماني" وزعيم المقاومة العراقية "أبو مهدي المهندس"، النتيجة الأولى المتوقّعة أو غير المتوقّعة لهذه العملية هي تعزيز قوّة "داعش" و"القاعدة" واللعنة المريعة لقاطعي الرؤوس وناحري الأعناق وآكلي القلوب المُتطرّفين في كل مكان في العالم بما في ذلك البلدان الغربيّة. النتيجة الثانية، وهي حتماً لم تكن متوقّعة، هي أنّ عمليّة القتل جعلت شعبيّ (العراق) و(إيران) يجتمعان معاً كما أنّها وحّدت شعب (إيران) في وحدة وطنية من الحداد على الشهيدين وفي العزم أيضاً ما جعل البلدين يعكسان حصانة أكبر مما كانت عليه أمام القَتَلة في (الولايات المتّحدة). لقد رُفِعا هذان الرجُلان إلى مكانة بطوليّة في التاريخ أكثر مما كانا عليها أصلاً لأنّ الجنرال "قاسم سليماني" كما قالت إبنته تكريماً له على شاشة التلفزيون كان سفّاح "داعش"، كان السيف الرئيسي ضدّ هذا النوع من التطرُّف الإسلامي الذي انتشر منذ الغزو والاحتلال الأميركي والبريطاني لـ (العراق). لم تظهر العواقب كلّها بعد إلى العلن، بالتأكيد سترُدّ (إيران) مُجدَّداً وبشدّة أكثر مما فعلت جرّاء قتل رجل له أهميّة كبيرة في الدولة وهو رجل بارِز عند شعب (إيران). في الواقع، هو بارز بالنسبة إلى أتباعه ومئات الملايين من الناس حول =العالم الذين تأثّروا بشدّة جرّاء اغتيال الجنرال "قاسم سليماني". رغم وجود شعور هادئ فيما تدخُل (الولايات المتّحدة) فترة انتقاليّة بين "دونالد ترامب"، الرئيس الذي قتل الرجُل والرئيس القادم "جو بايدن"، غير أنّ هذا الهدوء لن يستمرّ إلى الأبد. أعتقد أنّ الصفائِح التكتونيّة في الخليج تحرّكت قليلاً مع مقتل هذين الرجُلين ولم يأتِ ذلك لمصلحة القَتَلة، لكن كما الحال دائِماً ينضمّ إليّ جمهور من الخبراء وأنا الهاوي المُتحمّس الوحيد بينهم وسنناقش عواقب الاغتيال الذي وقعَ قبل عام. "سيّد مُحسن عبّاس"، أنت صحافي ومُحلّل وصانع أفلام وثائقية ستكون البداية معك. لا بدّ من أنّك صُدِمت مثل أيّ شخصٍ آخر جرّاء مقتل دبلوماسي يحمل جواز سفر دبلوماسياً في مهمّة سلام في دولة مُجاورة حيثُ يُفتَرَض أنّ لـ (الولايات المتّحدة) علاقات أخويّة مع حكومة ذاك البلد لكنّها لم تتردّد في ارتكاب جريمة قتل على أرض ذاك البلد. أخبرنا، كيف شعرت في ذلك الوقت؟ وما هي العواقب في رأيك؟                

سيّد مُحسن عبّاس - صحافي: أعتقد إنّها كانت لحظة محوريّة لأنّ كلّ ما حدث قبل وصول "ترامب" إلى السلطة كان إلى حدٍّ كبير نفس ما يحدُث خلال فترة "ترامب" في ما يتعلّق بالسياسة الأميركية في تلك المنطقة، لكننا لم نرَ يوماً تصرّفاً بهذه الوقاحة والوضوح، تصرّفاً فردياً من الأميركيين لهدف خاص في الواقع لأنّه من قد يُدافع عن عمليّة قتل من هذا النوع خارِج نطاق القانون؟ أعني، كان من المعروف أنّ الجنرال "سليماني" كان في مهمّة دبلوماسيّة بدعوة من الحكومة العراقيّة، فقد دعاه رئيس الوزراء شخصياً، وكان أيضاً تحت مُراقبة السعوديين، وهم حلفاء الأميركيين، بالتالي كان كل شيء واضحاً ومعروفاً بلا خفايا، حتى أنّه كان يحمل الهواتف الخليويّة إلى آخره لذلك لم تكن هناك سريّة في الموضوع. رغم ذلك قرّر الأميركيون من دون أيّة ذريعة على الإطلاق أن يغتالوا أو يقتلوا، يُمكنك أن تختار التسمية التي تُريدها، ويعرِف الجميع أنّ العواقب التي كان يُمكن أن تحدُث في ذلك الوقت لم تتجسّد بالكامل لأنّ (الجمهورية الإسلامية) ضبَطت نفسها. في الواقع، مع عدد الصواريخ الباليستيّة ومع الجهوزيّة العسكريّة الموجودة في (إيران) كان في إمكانهم الردّ بقوّة أكبر مما فعلوا. في نهاية الأمر، كانت الضربة على قاعِدة (عين الأسد) هي الصفعة التي وعد بها آية الله "الخامنئي" والتي أتت فوراً نوعاً ما وتمّ التكتُّم عن عدد الجنود الأميركيين الذين تعرّضوا لإصابات دماغيّة وغير ذلك من الإصابات 

جورج غالاواي: ما يزيد عن المئة إصابة

سيّد مُحسن عبّاس: أجل، مئة إصابة على الأقلّ وفي البدء لم يعترفوا بوقوع أيّة إصابة. بالطبع، قال آية الله "الخامنئي" إنّ ذلك هو نتيجة لما فعله الأميركيّون وقد يتلقّون صفعات إضافيّة، أقلّها ستكون بقضّ مضاجع الأميركيين أو بالأحرى اقتلاعهم وسيكونون مُنزعجين للغاية في الشرق الأوسط وغرب (آسيا). أمّا الصفعة الثانية فستكون القضاء على الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ستكون هذه الصفعة الثانية التي وعد بها آية الله "الخامنئي" أمّا العُنصر الثالث فسيكون في رأيي الانتقام الذي وعدوا به لأنّهم استهدفوا 36 شخصاً لديهم مذكّرات توقيف بحقهم في (إيران) و"ترامب" هو واحد منهم، ووعد الإيرانيون أنّهم سينفّذون الانتقام المُحدَّد في الوقت والمكان الذي يختارونه عندما يشعرون أنّ الوقت حان لذلك. لذا، فكرة الانتقام مطروحة ولكن متى سيتمّ التنفيذ وكيف؟ علينا أن ننتظر. لو أنّ (إيران) ردّت بصواريخ بالستيّة في طريقة أكثر قساوة لكانت وصلت إلى (تل أبيب)، لكانت وصلت إلى إيٍ من حلفاء الأميركيين في الشرق الأوسط، ولكان من الممكن أن تندلِع حرب عالميّة، هذا ما كان يُراهن عليه "دونالد ترامب" حين قام بهذه الخطوة الغبيّة والشائِنة. الآن لم يتحسّن الوضع لاسيما بعد اغتيال العالِم الإيراني "محسن فخري زاده"، مُجدّداً تكرّر الأمر ولكن هذه المرّة على الأراضي الإيرانية. ونتيجة لذلك وعدَ "الحرس الثوري الإيراني" بالردّ وهذا ردٌّ مضمونٌ هذه المرّة عِلماً أنّ الأميركيين يضغطون باستمرار لاندلاع الحرب جنباً إلى جنب مع الإسرائيليين الذين يُزعَم أنّهم مشاركون في شكلٍ مباشِر في العمليّات لاسيما في عمليّة اغتيال العالِم "محسن فخري زادة" 

جورج غالاواي: ينبغي القول إنّ الموقف صعب جداً بالنسبة إلى الحكومة الإيرانيّة. يُمكنك الاستمرار في القول إنّ الردّ سيأتي والانتقام سيحصل وفي الوقت نفسه يستمر قتل المزيد من الناس. دعونا نُقارِن هذه الأحداث قليلاً لاسيّما اغتيال "محسن فخري زادة" والجنرال "سليماني"، إلى أيّ مدى سيُحدِث هذا تغييرات سياسية داخل (الجمهورية الإسلامية) نفسها؟ 

سيّد مُحسن عبّاس: لقد بدأت التغييرات بالفعل. أولاً، في عام 2021 ستجرى الانتخابات مُجدّداً في (إيران) تماماً كما في الوضع الأميركي، ما يعني أنّ المؤسّسة الإيرانيّة ستتغيّر، ومن المؤكَّد إلى حدٍّ كبير أنّ المُحافظين المُتشدّدين سيعودون إلى السُلطة في (إيران). لهذا الأمر تداعيات كبيرة، إذ لغاية الآن "خطة العمل الشاملة المُشتركة" والعُنصر التفاوضي والعُنصر الإصلاحي داخل (إيران)، أولئِك الذين يُريدون الجلوس مع الأميركيين والتوصُّل إلى اتفاقٍ ما وأتكلّم هنا عن أمثال "روحاني" و"جواد ظريف" وأصحاب السلطة في الحكومة، سيُستبعَدون وحينها سنرى عودة المُحافظين، حينها سنرى أنفسنا أمام حال لا فرق فيها بين الحكومة والأشخاص في الخلفيّة سواء "الحرس الثوري" أم الأشخاص في مكتب آية الله "الخامنئي"، هناك الكثير من هذه القوى المُحافِظة التي تُحدِث التوازن. هذا الأمر سيتغيّر وما سيحدُث هو أنّ هذا الردّ سيكون أقسى بكثير إن استمرّ الأميركيون في هذا الطريق المُتمثِّل في الاستفزاز ومُحاولة الحصول على ردّ من (إيران). هذا ما تريده (إسرائيل) بالمناسبة وهذا هو السبب في عدم ردّ (إيران) بالكامل لأنّهم يعرِفون الآن أنّ "بنيامين نتنياهو" يريد حرباً لكنّه لا يريد أن يكون على خطّ المواجهة بل يُفضِّل أن يخوض السعوديون والإماراتيون والأميركيون حربه نيابة عنه، والإيرانيون لا يقعون في هذا الفخّ ويتّبعون سياسة الموت البطيء في الشرق الأوسط سواء مع (إسرائيل) أو مع (الولايات المتّحدة)، هذا ما يسعون إليه حالياً ولن ينجرّوا خلف معركة يبدأونها فيما (إسرائيل) هي التي تريد هذه المعركة 

جورج غالاواي: "أحمد كابالو" هو صحافيّ استقصائي ومُذيع، أعطنا رأيك أولاً في شأن الجريمة وعواقبها 

أحمد كابالو- صحافي: الجريمة في حدّ ذاتها وردّ الفِعل عليها مُقلقان للغاية لأن السناتور الديمقراطي "كريس مورفي" قال إنّها تُضاهي اغتيال وزير الخارجيّة الأميركية. مع ذلك، أيّ هجوم على دولة أجنبيّة نتيجته عملية قتل لا يسمح به إلا الرئيس الأميركي إن بدا أنّ المُستهدف يُشكِّلُ تهديداً وشيكاً، لكن لم يظهر لنا قط كيف أنّ "سليماني" و"أبو مهدي المهندس" يُشكّلان تهديداً على (الولايات المتّحدة) وقد تمّ عرض ذلك على الكونغرس لكنّها معلومات سرّية ولا نعلم ماهية هذا التهديد ولم يتم إطلاع الرأي العام الأميركي أو غيره عليه، مع ذلك حلفاء (الولايات المتّحدة) لم يتصرّفوا بقسوة أو يعاقبونهم جرّاء هذا الفعل.

جورج غالاواي: لقد دخل ذلك طيّ النسيان في الغرب وهذا ما ينبغي لنا أن نوضِحه 

أحمد كابالو: بالفعل، لقد تمّ نسيان ذلك في الغرب تماماً كما نسوا اغتيال العالِم الإيراني مؤخراً. مُجدّداً أسأل نفسي، تمّ اغتيال عالِم كان يُطوِّر لقاحاً ضدّ "كوفيد 19"، أين الغضب لدى المُجتمع العِلمي؟ أين غضب الطبقة المهنيّة؟ لأنّ هذا العالِم لم يكن سياسياً على الرغم من محاولة وسائِل الإعلام منحه صفة "عالِم الهلاك" لأنّه كان يُطوِّر أسلِحة نووية في غياب أيّة إدانة. أعتقد أنّ ردّ الفِعل على عمليّتي القتل يُظهِر أنّها حرب بالستية بالنسبة إلى البعض وحرب مُختلفة بالنسبة إلى الآخرين وأعتقد أنّ أكبر مُشكلة الآن هي أنّ (إيران) تُعتَبَر جزءاً من محور المُقاومة والسكان في (إيران) يريدون من بلادهم أن تُقاوِم في حين نسمع حديثاً عن أنّ الردّ آتٍ وستحصل ضربات إضافية. لكن يبدو في الوقت الحالي أنّ المسؤولين الإيرانيين والعُلماء الإيرانيين يُستهدَفون لأننا حتى هذه اللحظة لم نرَ أيّة عواقب كبيرة تجاه أولئِك الذين تصرّفوا بعدائيّة ضدّ (إيران) 

جورج غالاواي: "جيري داونينغ"، أنت من اليسار وصاحب فكر اشتراكي، لماذا في رأيك هذه المعايير المزدوجة موجودة؟ بمعنى أنّ علماء وجنرالات ودبلوماسيين يُقتَلون في غياب أيّ سخط في الغرب؟ بل حتى يدخل الأمر طيّ النسيان بسرعة! لماذا؟ 

جيري داونينغ – عضو سابق في حزب العمال: السبب هو أنّ (الولايات المتّحدة) تظلّ القوّة الاقتصادية الإمبريالية العالمية المُهيمنة، فهي تُسيطر على كل أُمّة إمبريالية أُخرى. على سبيل المثال، لقد فرضت عقوبات على (إيران) والأمر لا يقتصر على ذلك بل فرضت عقوبات على الدول التي رفضت مُعاقبة (إيران). كانت قادرة على فعل ذلك لأنّها تمتلك القوّة الاقتصاديّة وقوّة الدولار بالإضافة إلى سُلطة المؤسّسات الماليّة الأميركية والمصارِف، لذلك هي قادرة على فرض غرامات على البلدان التي رفضت تنقيذ تعليمات (الولايات المتّحدة) على الرغم من عدم وجود أيّ شيء على الإطلاق في دستورها أو في قوانينها الخاصة مفاده أنّها اقترفت أيّ أمر غير قانوني. على سبيل المثال، عندما بدأت حرب الخليج، سأل أحد الصحافيين "جورج بوش" قائلاً: "أليس ما تفعلونه غير قانوني في ظلّ غياب العقوبات على (الولايات المتّحدة)؟ فأجابه: "غير قانوني؟ إذا ينبغي أن أستشير محامياً"، هذا كان ردّه التهكّمي لأنّ (الولايات المتّحدة) لا تعترف بالمحكمة الجنائيّة الدوليّة في (لاهاي) ولا تعترف بأيّ قانون دولي ضدّ نفسها، هي تطلب فرض القانون الدولي على الآخرين ولكن ليس ضدّ نفسها، ليس ضدّ مواطنيها. على سبيل المثال، (الولايات المتّحدة) تمنح (إسرائيل) الامتيازات نفسها، (إسرائيل) أيضاً مُحصّنة من القانون الدولي لذا قامت بعمليّات عديدة. اغتالت (إسرائيل) أربعة علماء في (إيران) بين عامي 2010 و2014 وهي تغتال معارضيها بما في ذلك القضيّة الشائِنة حيث زَوّرت جوازات سفر بريطانية وإيرلنديّة لتنفيذ هذه الاغتيالات

جورج غالاواي: حصل ذلك في (دبيّ) التي طبّعت علاقاتها مع (إسرائيل) مؤخراً. لنستمع إلى مُداخلة "ديفيد أوتو" الذي كان مدير مكتب مُكافحة الإرهاب في (لندن) وهو خبير مُعتَمَد في مُكافحة الإرهاب. سنرى إن كان يعتبر ما حصل إرهاباً أو مكافحة للإرهاب، "ديفيد"

ديفيد أوتو: شكراً

جورج غالاواي: أوَليس ما حصل هو إرهاب دولة بالتعريف؟ 

ديفيد أوتو: في رأيي يا "جورج" ما رأيناه حتى الآن، وفي الأخصّ في القضايا التي سبق وذكرتها، هو اعتداء دولة على أُخرى. أقول ذلك لأنّ مُعظم الحكومات مثل (الولايات المتحدة) على سبيل المثال استخدمت الإرهاب كوسيلة لتنفيذ عمليّات اغتيال طالت أفراداً اعتبرتهم إرهابيين سواء كانوا إرهابيين فعلاً أم لا. نرى التبرير من خلال وحشيّة الهجمات المُنفَّذة باستخدام الطائِرات من دون طيّار، وهذا ما أعتبره سلاحاً قريباً وقاتلاً بعيداً. لذا يُمكننا تحديد ذلك تماماً كما قلت، بمعنى أنّه إرهاب تحت رعاية دولة. لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومسألة منح بعض الأفراد صفة "إرهابي" والقول إنّه تمّ قتلهم لأنّهم يُشكّلون تهديداً وشيكاً لبلدِ أو لآخر، هذه خطط عاديّة تستخدمها الأُمم القويّة كجزء من الجغرافيا السياسية، هذا ليس غريباً وهذا يحدث طوال الوقت وقد رأينا ذلك في القضايا التي ذكرتها لتوِّك 

جورج غالاواي: استناداً إلى هذا التعريف، يحقّ إذاً لـ (إيران) أن تغتال جنرالاً أميركياً في (البحرين) أو في أيّ مكان 

ديفيد أوتو: بالطبع، أنت محقّ. كدولة تتمتّع بسيادة تستطيع (إيران) أن تنفِّذ النوع نفسه من الضربات ضدّ جنرال أميركي ويُمكنها أن تُقدِّم الذريعة نفسها وتقول إنّها فعلت ذلك للحؤول دون وجود أيّ تهديد وشيك على الحكومة الإيرانية. أعني رأينا ردّ فعل (إيران) حين وقعت تلك الهجمات وقنوات الاتصال الاستراتيجي التي حصلت في السرّ، فلم يكن هناك أيّ شكل من أشكال تصعيد الموقف، لا أحد يعرِف ولكن يُمكنني أن أُخبرك أنّ (إيران) لديها كل الحقّ في الردّ 

جورج غالاواي: لقد أعلن المبعوث الخاص بـ "الأُمم المتّحدة" أنّ هذا القتل غير مشروع، ما يعني أنّ هذه الاغتيالات هي جرائِم قتل أليس كذلك؟ 

ديفيد أوتو: بالطبع. هذه الاغتيالات غير قانونية لأنّها ضدّ السياسة الدولية وضدّ القانون الدولي، فهي خرق لسيادة الدولة ومن الممكن اللجوء إلى آليّات عدّة لإدانة شخص تظنّ أنه إرهابي وفي الأخصّ شخص يعمل لدولة ما أو هو تابع لها. لذلك لا شكّ في أنّ هذه الاغتيالات هي غير قانونية لكن السؤال المطروح هنا هو: ما هو مستوى المُحاسبة؟ هل تستطيع "الأمم المتّحدة" محاسبة (الولايات المتّحدة)؟ هنا بالتحديد تتدخّل التحالفات، وما أقوله للناس دوماً هو أنّ "الأُمم المتّحدة" تُحاكي بجودتها الدول الأعضاء فيها. إذاً حتى لو حاسَبَتها "الأُمم المتّحدة" قائلة إنّه تصرُّف غير قانوني ومُخالف للقانون الدولي، هذا لن يكون مهماً بالنسبة إلى (الولايات المتّحدة) لأنّها صاحبة السُلطة. إذاً بصراحة، هذه مسألة القوّة في السياسة 

جورج غالاواي: لماذا كانت الدول الغربيّة صامتة في شأن عمل إجرامي مماثل؟ 

ديفيد أوتو: كما سبق وذكرت، الجغرافيا السياسية تتعلّق بالتحالفات، إن كان للدول الغربيّة تحالف ضدّ (إيران) أو ضدّ أيّة دولة أُخرى فهي ستدعم الضربة التي تُنفِّذها (الولايات المتّحدة). قد تلتزم الصمت وهذا يُمثّل إشارة إلى أنّها بصمتِها توافق على ما تفعله (الولايات المتّحدة). هذه طبيعة عمل الجغرافيا السياسية ولسوء الحظ هذا موقف حيث تبتلع الأسماك الكبيرة الأسماك الصغيرة، لذا ما يحصل ليس غريباً يا "جورج" 

جورج غالاواي: كيف سيتعامل الرئيس القادم "بايدن" مع عواقب هذه الاغتيالات؟ 

ديفيد أوتو: في (الولايات المتّحدة) قد لا يُحبّ الديمقراطيّون السياسة الداخليّة التي يُمارسها الجمهوريّون لكن حين يتعلّق الأمر بالسياسة الخارجيّة فالفرق ليس كبيراً ويتّفقون على السياسة الخارجية. لا أظن أننا سنرى أيّ تحوُّل كبير في العلاقات بين الأصدقاء والخصوم، ربّما تغلّب "بايدن" فعلاً على خصمه الجمهوري "ترامب" لكنّهما حزبان يتكلّمان اللغة نفسها حين يخرجان من الأراضي الأميركيّة، بالتالي وفي عكس الظنّ السائِد لا أرى أيّ تحوّل سياسي. ربما سيطرأ التغيير على الإدارة لكنّه لن يطال السياسات 

جورج غالاواي: هكذا إذاً، إنه قانون الغاب. انتظروا المزيد بعد الفاصل                

المحور الثاني 

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" يأتيكم من (لندن) بمناسبة الذكرى السنويّة لقيام (الولايات المتّحدة) باغتيال الجنرال "قاسم سليماني" و"أبو مهدي المهندس" خارِج مطار (بغداد). "جيري"، كان "ديفيد" صريحاً في شكلٍ ملحوظ بالنسبة إلى ضابط سابق في "سكوتلاند يارد" لكنّه قال الحقيقة في اعتقادي. هذا الحديث كلّه عن النظام القائِم على القواعِد والقانون الدولي هو مُجرّد مُحاولة فاشلة لتجميل البشاعة، والبشاعة هي قانون الغاب أليس كذلك؟ 

جيري داونينغ: بالطبع، على الرغم من أنّ (الولايات المتّحدة) تراجعت من الناحية النسبيّة غير أنّه ما مِن منافِس حقيقي سيحلّ محلّها، بالتأكيد (الصين) قوّة صاعِدة و(إيران) في وضعها الحالي تجد نفسها في موقف صعب، فالعقوبات تضُرّ بها فعلاً وبالطبع كان لـ (إيران) خيار إغلاق مضيق (هرمز) وفي رأيي (إيران) لم ترُدّ بغضبٍ شديد لأنّ ذلك قد يُلحِق بها ضرراً اقتصادياً أكبر مما قد يُلحِقه بـ (الولايات المتّحدة) وهي لم ترُدّ هذه المرّة على اغتيال العالِم لأنّها تعتقد أنّ "جو بايدن" سيستلم الرئاسة وقد يكون أفضل قليلاً من "دونالد ترامب" 

جورج غالاواي: دعونا نسمع من ضيفٍ عراقي هو "سامي رمضاني" وهو أكاديمي مُقيم في (لندن) لكنّه من (العراق) وقد قاد حملات ضدّ حكومة "صدّام حسين" وضد الحرب والاحتلال الذي أطاح به. "سامي"

سامي رمضاني - باحث أكاديمي وكاتب: أنت على الرحب والسعة 

جورج غالاواي: أوَليس هذا إرهاباً ترعاه دولة؟ 

سامي رمضاني: بالطبع، وهذا قبل كل شيء غير قانوني بموجب القانون الدولي، وقد استهدفوا عمداً مسؤولين حكوميين لأنّ الجنرال "سليماني" و"أبو مهدي المهندس" هما مسؤولان حكوميّان أحدهما في (إيران) والثاني في (العراق). كان الجنرال "سليماني قد تلقّى دعوة من الحكومة العراقيّة، لذا كان في رحلة رسميّة واستقبله "أبو مهدي المهندس" في المطار مع زملائه، وكان من المُقرّر أن يلتقي مسؤولين عراقيين ومن ضمنهم أعتقد رئيس الوزراء العراقي خلال بضع ساعات من وصوله لكن تمّ استهدافهما مع أشخاص كانوا برفقتهما، تم استهدافهم جميعاً وقتلهم، هذا الفِعل في أيّ تعريف للإرهاب هو عمل إرهابي بامتياز. يحاول بعض الأشخاص تقييد تعريف الإرهاب فقط بإرهابي لا ينتمي إلى دولة بينما في الحقيقة جوهر الإرهاب هو استهداف الناس خارِج أيّة ساحة حرب شرعيّة أو قواعِد اتفاقيّة (جنيف) أو القانون الدولي، أي فعل يستهدف الناس هو عمل إرهابي بالطبع 

جورج غالاواي: لماذا كانت الولايات المتّحدة مُتعجرِِفة للغاية في شأن السيادة العراقيّة؟ في نهاية المطاف كان هذا هو السبب الذي قدّمَته لغزو (العراق) واحتلاله وإعادة السيادة إلى الشعب العراقي 

سامي رمضاني: نعم بالفِعل، إن نظرنا إلى الحادثة من وجهة نظر سيادة (العراق)، هذا يُظهِر عدم الاعتبار من قِبَل (الولايات المتّحدة) للشعب العراقي وسيادته وسيادة (العراق) كدولة. في الواقع، كان الهدف من الاحتلال تدمير سيادة (العراق)، و(العراق) حتى يومنا هذا تنقصه السيادة الكاملة والاستقلال الكامل بسبب وجود القوّات الأميركيّة والتأثير الأميركي من خلال السفارة الأميركيّة وهي السفارة الأكبر في العالم وتوجد في (بغداد)، والتدخّل الأميركي في (العراق) هو أمر شائِن فعلاً لأنّه يدوس على جميع المعايير السياسية والدبلوماسيّة ولا يُولي أيّ اعتبار للسيادة العراقيّة على الإطلاق. سأُعطيك مثالاً واحداً، البرلمان العراقي بطلب من الحكومة العراقية أصدَرَ قراراً في البرلمان مفاده أنّ قوّات التحالف بقيادة (الولايات المتّحدة) في (العراق) يجب أن تغادر (العراق) وحتى هذا اليوم تقول (الولايات المتّحدة): "لا، نحن لا نأخذ ذلك في الاعتبار على الإطلاق". لذا أيّ نوع من احترام السيادة هذا؟ وهذا الاغتيال، هذه الجريمة الكبيرة على وجه التحديد، حصلت تحديداً لأنّ (الولايات المتّحدة) لا تحترم سيادة (العراق). في الواقع، لا تحترم أيّة سيادة في جميع أنحاء العالم لأنّها غالباً ما تنتهك سيادة الشعوب والدول 

جورج غالاواي: لماذا نُلزِم الدول الغربيّة بالصمت أزاء عمليّة إرهابيّة واضحة؟

سامي رمضاني: السبب هو أنّها متورِّطة في تدمير سيادة (العراق) وهي متورِّطة في تشجيع العدوان الإسرائيلي في المنطقة، هي متورِّطة في كل هذا. في الواقع، قرار البرلمان العراقي والحكومات السابقة، أي الطلب من (الولايات المتّحدة) مُغادرة (العراق) لم يقتصر على القوّات الأميركيّة بل أيضاً القوّات التي تقودها (الولايات المتّحدة)، أي القوّات من (بريطانيا) و(أستراليا) ودول أُخرى، والقرار يشمل تلك القوّات الأجنبيّة كلها ويقضي بمغادرتها (العراق). لكن (الولايات المتّحدة) وحلفائها بالأخصّ (بريطانيا) على علاقة وطيدة ببعضهم. تتّبِع الحكومة البريطانية السياسة الأميركيّة بحذافيرها وفي الأخصّ تلك المتعلِّقة بالشرق الأوسط، ومن المعروف أنّ (بريطانيا) تفعل ذلك باستمرار بما في ذلك بالطبع غزو واحتلال (العراق) عام 2003

جورج غالاواي: كيف يجب أن تتعامل إدارة "بايدن" مع نتائِج هذا الاغتيال؟ 

سامي رمضاني: أوّل ما ينبغي أن يفعله هو أن يسحب قوّاته، يسحب القوّات الأميركيّة في شكلٍ كامل من (العراق) لأنّ وجودها مرتبِط بنُقطة دخولها وهي غزو واحتلال (العراق). القوّات الموجودة اليوم في (العراق) هي ما تبقّى من قوّات الاحتلال عام 2003، لذا الخطوة الأولى هي سحب قوّاتها، الخطوة الثانية هي رفع العقوبات عن شخصيات ودول مُختلفة بما في ذلك (إيران) حيث خلال فترة "كورونا" كان فرض عقوبات على الناس والدول جريمة دولية لأنّ هذه العقوبات تؤثِّر في عشرات الملايين من الناس العاديين، وأثناء جائحة مثل "كورونا" أو "كوفيد 19" يُعتَبَر فرض عقوبات على الناس جريمة إنسانيّة كُبرى، بل جريمة حرب في الواقع، إذاً هاتان هما أهمّ خطوتين. الخطوة الثالثة هي أن تطلب من قاعدتها العسكرية المُسمّاة بـ (إسرائيل) أن تتوقف عن ارتكاب العدوان في المنطقة. إن فعلت هذه الخطوات الثلاث قد تنعم حينها المنطقة ببعض السلام والهدوء من أجل التنمية، من أجل التقدُّم الاقتصادي والسياسي. يمكن لشعوب المنطقة حلّ مشاكلهم معاً لكن وجود (الولايات المتّحدة) بهذا الزُخم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الوقِح ودعمها لـ (إسرائيل) ودعم الحرب السعودية على شعب (اليمن)، الحرب على ملايين اليمنيين بدعمٍ أميركي، ومع هذه الحرب التي تقودها (السعودية) يعاني اليمنيون معاناة كبيرة في (اليمن). إذاً، إذا ما كانت (الولايات المتحدة) جديّة في شأن إحلال السلام في المنطقة يجدر بها أن تقوم بهذه الخطوات في شكلٍ طارئ

جورج غالاواي: بإيجاز "أحمد"، خلاصة الموضوع أنّ (الولايات المتحدة) فعلت هذا لأنها قادرة

أحمد كابالو: نعم 

جورج غالاواي: وبقيّة العالم لا يُمكنه أن يجعلها تدفع الثمن، أو على الأقلّ ليس الآن، هذه حقيقة الأمر أليس كذلك؟ 

أحمد كابالو: بالفعل، ولكن (الولايات المتّحدة) انسحبت أيضاً من اتّفاقيّة (باريس) للتغيير المناخي لأنّها قادرة لكن الفرق هو أنّ الحلفاء الليبراليين انتقدوا هذا الانسحاب دفاعاً عن الاتفاقية لكنّهم لم ينتقدوا (الولايات المتحدة) دفاعاً عن سيادة (العراق) أو سيادة (إيران). لقد ارتُكِبت الجريمة خارِج مطار مدني وأنا زرت مطار (بغداد)، ماذا عن المسافرين الآخرين؟ ماذا عن واقع أنّ هذه الجريمة ارتُكِبت في عاصمة بلدٍ تزعم (الولايات المتّحدة) أنّها حرّرته؟  ماذا عن تصويت البرلمان بالإجماع على مغادرة القوات الأجنبية؟ هل سبب الدخول الأميركي إلى (العراق) كان إرساء الديمقراطية وحين باتت الديمقراطيّة قَيْد التحقيق اختارت أن تتجاهل ذلك؟ 

جورج غالاواي: "سيّد مُحسن"، هذا صحيح أليس كذلك؟ نرى هنا نوعاً من الركود إذ لا يُمكن لـ (إيران) الانتقام من (الولايات المتّحدة)، لكن القتل وردّ الفِعل على ذلك أوضحا لـ (الولايات المتّحدة) أنه لا يُمكنها تدمير (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) 

سيّد مُحسن عبّاس: في المعنى الحرفي أجل، ولا يُمكننا أن ننسى أنّه كلّما ضغط الأميركيون على (إيران) لوضعها في الزاوية مع العقوبات والحروب والتهديدات كلّما اندفع الإيرانيون إلى اختيار السياسات التي تجعلهم مكتفين ذاتياً. الأمر الذي يجب على الجميع إدراكه هو أنّ الجنرال "سليماني" في مكانته كزعيم المقاومة بل المُخطِّط الأساسي للمقاومة ضد الإرهاب التكفيري في تلك المنطقة، ومنهم الإرهابيّون التكفيريون، دعونا ننظُر للأمر بتمعُّن. في (سوريا) تمّ تدوين ذلك، أعتقد أن إسمه كان "جاكوب راسل" في "ويكيليكس" مع "جوليان أسانج"، قال بوضوح لـ "هيلاري كلينتون" أنّ "القاعدة" في صفِّنا، هذه حرفياً الكلمات التي استخدمها في ذاك البيان في فبراير/ شباط 2012، أكّد أنّ (أميركا) كانت تتعامل مع "القاعدة" في (سوريا) وانتشر ذاك التعامل في (العراق). كل ما أستطيع أن أراه هو أنّ مؤسّساتنا الخاصة تُصوِّت على غياب أُمننا وعلى الإتيان بالمزيد من الإرهاب التكفيري إلى شواطئنا، المزيد من الإرهاب التكفيري الذي ينتشر عبر غرب (آسيا)، المزيد من اللاجئين وأزمات المهاجرين نتيجة النزوح بسبب الحروب. (الولايات المتحدة) في تصريح من "ترامب" شخصياً أنفقت أكثر من سبعة ترليونات دولار على الحرب في غرب (آسيا) وقال إنهم لم يُحققوا شيئاً مقابل ذلك وعند مجيئه إلى السلطة لم يفعل شيئاً ليوقِف هذه السياسة أو يقلبها لأنّه لا يُسيطر على ذلك بل هذا جزء من تركيبة صناعية عسكرية خارِجة عن السيطرة تكسب المال من الموت

جورج غالاواي: ولكن هو مَن قرّر قتل هذين الرجُلين  

سيّد مُحسن عبّاس: أجل، ومقابل هذا القرار صدَرت في حقّه مذكّرة توقيف وقد يكون الأمر أسوأ. إذاً أعتقد أنّه في نهاية المطاف سيخضع للمُحاسبة إن تصرَّف الإيرانيون على طريقتهم الخاصّة. لا أظن أنّ (الجمهوريّة الإسلامية الإيرانية) خائِفة من حصول مواجهة 

جورج غالاواي: "جيري"، تصوّر الحظّ الجيّد لوزير الخارجيّة البريطاني آنذاك "ويليام هيغ" لو علِقَ في مصعدٍ معي وهذا ما حصل، قلت له حينها إنّ السكاكين التي توزِّعونها على التكفيريين المتطرِّفين في (سوريا) ستكون ذات يوم في هذا المبنى وسيبحثون عنك وعنّي. كيف يُمكن أن تُفسِّر التالي، أنا أعجز عن تفسير ذلك: لماذا يبدو الرأي العام في (بريطانيا) و(الولايات المتّحدة) غير معني بوجود "القاعِدة" في صفِّنا كما قلت حين استشهدت بـ "ويكيليكس"؟ بمعنى أنّ سياساتنا لا تقتصر على كونها غير أخلاقيّة بل هي حتى في غاية الغباء، كيف يسعنا تفسير ذلك؟ 

جيري داونينغ: السبب تاريخي بالتأكيد. يسعى قادة "حزب العُمّال" تقليدياً إلى منح الامتيازات للطبقة العاملة من خلال غنيمة إمبراطوريّة، هذه كانت طريقة عملهم، وبالتأكيد "جيرمي كوربين" كان تحوّلاً بعيداً عن ذلك ولكن الآن عدنا إلى ذلك. في رأيي، لن يتغيّر العالم جوهرياً ويبتعِد عن الاستسلام للسلطة الإمبرياليّة إلا عندما ينهار الدولار ويكفّ عن كونه العملة التجاريّة والاحتياطيّة في العالم. الدولار في المكانة التي يحتلّها يمكِّن (الولايات المتحدة) من أن تُرغِم سائِر دول العالم على دعم الاقتصاد الأميركي وهي بذلك تنهب دول العالم. لقد حصلت مُحاولات مُختلفة لتقويض الدولار في (ليبيا) و(العراق) وفي بلدان أُخرى، لكن هذا هو الأمر الوحيد الذي ينبغي على الإمبريالية الأميركية والديمقراطيين والجمهوريين منعه، ينبغي ألا يفقدوا السيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال الدولار وعبر البنك الدولي، لهذا السبب في رأينا لا ينبغي وصف (الصين) أو (روسيا) بالإمبرياليّة في المعنى المارِكسي الكلاسيكي 

جورج غالاواي: "أحمد" كنت في العادة أقول إنّه ينبغي ألا نتصوّر أن "جيمس بوند" يحكمنا بل بالأحرى نحن تحت حُكم "أوستن باورز"، و"دونالد ترامب" كان أقرب ما يكون من "أوستن باورز"، بالمعنى الحرفي تقريباً إن أمكننا تصوّر ذلك. هذه هي وجهة نظري، وهذه الجرائِم ليست مُجرّد جرائِم بل هي أخطاء فادِحة، هي أخطاء ستحقّق عكس ما كان مُخطّطاً لها تحقيقه. إشرح لنا، كيف وصلنا إلى مرحلة إدارة "أوستن باورز" لسياستنا الخارجية؟

أحمد كابالو: أُريد أن أُجيب على السؤال الذي طرحته على زميلي لأنّ المعلومات موجودة ويُمكننا أن نعرِف كيف تواطأنا مع هؤلاء الإرهابيين 

جورج غالاواي: صحيح

أحمد كابالو: لكن عليك أن تبحث عنها. لقد رأينا للتوّ مُحاكمة شقيق "سليمان عبيدي" 

جورج غالاواي: وهو قاتل الأولاد في حلبة (مانشستر) 

أحمد كابالو: صحيح، وقد خاضوا في كل التفاصيل عن مكان إقامته والرياضة التي كان يُمارِسها، لكن في هذه المُحاكمة والتغطية اليومية لم يكونوا يريدون أبداً كشف الروابط المتعلّقة بدعم الاستخبارات البريطانية للمجموعات المرتبطة بعائِلته للذهاب والقتال في (ليبيا) 

جورج غالاواي: كانت "الجماعة الإسلامية الليبيّة المُقاتِلة" والدليل في الإسم 

أحمد كابالو: نعم، وإن كنت مواطناً بريطانياً  وتلتهي بمتابعة يوميات عائلة "كارداشيان" والمشاهير من مُختلف البرامج عبر التلفاز من دون متابعة الأنباء فعليك أن تبحث عن المعلومات لأنّها غير متوافرة لك، لكن إن كنت تتابع قنوات "بي بي سي" و"القناة الرابعة" و "آي تي في" الإخبارية وتظن أنّها ستُزوِّدك بالمعلومات لكنّها لا تفعل ذلك وتحذف الجزء الأهمّ من القصّة، وأعتقد إننا إلى أن نرى وسائِل إعلام بديلة وصحافة مُستقلّة قويّة تتمتّع بالتأثير نفسه كوسائِل الإعلام السائِدة لن يعرِف المواطن البريطاني العادي ببساطة. لو شرحت لشخص على الطريق أنّ الأشخاص الذين يعرّضون حياتنا للخطر في بلادنا تدعم حكومتنا مجموعاتهم الإرهابيّة وتموِّلها في الخارِج، ألن يشعُر بالغضب؟ لكن مَن سيُخبِر المواطن ذلك؟ للأسف، لسنا قادرين على ذلك حالياً ويجب أن نعمل على ذلك 

جورج غالاواي: هذه نُقطة جيّدة وأوافق عليها بالكامل، لكنّي كنت أحد قادة حركة مناهضة للحرب في (العراق) ووضعت ملايين الناس في الشوارِع بانتظام ضدّ الحرب القادمة على (العراق)، لكن لم يكن هناك أيّ ردّ فعل على مقتل الجنرال "سليماني" ولم يكن هناك ردّ فعل على مقتل العالِم "فخري زادة"، لذا يبدو أننا عُدنا إلى الوراء 

أحمد كابالو: هذه نُقطة رائِعة. إن نظرت إلى الحرب على (ليبيا) لم تكن هناك أيّة تعبئة في الشارع هنا. ما حدث منذ عام 2003 إلى 2011 حين كان الناس غاضبين جداً من أعمال حكوماتهم في الخارِج يبدو أنّه فقد أهميّته، وربما السبب هو أنّهم لا يشعرون أنّ هناك أيّ تغيير حقيقي وعندما يكون هناك تغيير مُحتمل كما حصل مع "جيرمي كوربين" سترى كل وسائِل الإعلام تشوِّهه بسبب الدرّاجة التي يركبها وصولاً إلى القبور التي زارها، وهنا مُجدّداً يُصاب الناس بالإحباط واليأس، والآن نرى أشخاصاً يتركون "حزب العُمّال" بأعداد كبيرة لانّهم لا يؤمنون بالنظام والأشخاص الذين يمثِّلونهم 

جورج غالاواي: "سيّد مُحسن"، هذه عملية اختراع أكاذيب أليس كذلك؟ في عامي 2002 و2003 كنت أتحدّث في ثلاثة اجتماعات يومياً في أجزاء مُختلفة من البلاد وقد حرّكنا الملايين، لكن الأشخاص أنفسهم يُديرون السياسة الخارجيّة نفسها من دون أيّ تحدّ تقريباً هنا في (بريطانيا) وفي (الولايات المتّحدة) أيضاً 

سيّد مُحسن عبّاس: البنية التحتيّة أو الآلة التي تقف وراء مُعظم ما يُدير مُجتمعنا لا تتغيّر، وأقصد هنا موظّفي الخدمة المدنيّة ونظام التعليم. إن كنت في نظام التعليم لا تُدرِّب الأولاد على السياسة والفلسفة الروحانيّة أو حتى لا تمنحهم أيّة فِكرة عن مهارات التفكير النقدي، وهذا أمر مهم، ومن هناك كل ما أنتجناه هو مجموعة من مُنتجي الاستهلاك. لم ننتِج مُفكِّرين ولا نحصل على التشجيع للتفكير والانتقاد ولا نحصل على تشجيع لطرح السؤال وهذه هي المُشكلة. لا يخطُر هذا السؤال في بال مُعظم الناس كالأسئِلة التي نطرحها في هذا البرنامج، لذلك هم غير مُجهّزين ولا يمتلكون المهارات والأدوات كمهارات التفكير الأساسي والتفكير النقدي والمُساءلة النقديّة. هذا مهارات ينبغي ألا نستخفّ بها، والمدارِس ونظام التعليم والجامعات باتت للأسف متواطِئة جداً في هذا الأمر 

جورج غالاواي: السؤال الأخير وفي إيجاز "سيد مُحسن". قتل هذين الشهيدين قبل عام وقتل شهيد آخر مثل "فخري زادة" وغيره مؤخراً هذه ليست النهاية اليس كذلك؟ إن كانت (إسرائيل) تُحاول استفزاز (إيران) و(الولايات المتّحدة) لدخول الحرب فإنّها لن تتوقّف عن ذلك أليس كذلك؟ 

سيّد مُحسن عبّاس: لا، بل هذا سيستمرّ وستكون معركة حتى الموت، ينبغي أن يُقال ذلك، فـآية الله " الخامنئي" قال إنّ أمام (إسرائيل) 25 عاماً متبقياً لزوالها، هذا كلام واضح و"بنيامين نتنياهو" والاسرائيليون في الموقف نفسه ويقولون إنّ هذا الأمر سيذهب إلى النهاية. في النهاية ينبغي أن نسأل، أيّ هذه القوى لها عماد أخلاقي معيّن يُخوِّلك الاعتماد عليه؟ لم يكن "فخري زادة" رجلاً شرّيراً بل كان مُحترِفاً. كان "سليماني" موظّفاً في الدولة يخدم مصالِح دولته وكانا رجلان روحانيان يخافان الله شعرا أنّهما يحملان قضيّة المُضطهدين وكانا يُساعدان الناس الذين يتعرّضون للقمع في تلك المنطقة، هذا ما قد يجادلانه وأنا أتفق مع هذا التقييم. الإسرائيليون للأسف في ما يتعلّق بنُقاطهم الأساسية في العدالة لا يُمكنهم حتى توفير العدالة للفلسطينيين الذين اقتلعوهم من أراضيهم. لديهم عقلية استعماريّة استيطانية تقوم على الرهاب الآن، هم يعيشون في رهاب دمارهم الوشيك المحتوم وهم القطعة الأكثر خطورة على لوح الشطرنج لأنّهم سيذهبون إلى أبعد حدّ أيضاً، وأعتقد أنّه إن لم يوقِف الأميركيون مبلغ الـ 3.8 مليار دولار سنوياً الذي يقدِّمونه لـ (إسرائيل) لدعم وجودها سنستمر في تعزيز قوّة دولة قادرة على جرّ العالم بأسرِه إلى الفوضى والحرب التي لن يسيطر عليها أحد منّا في نهاية المطاف 

جورج غالاواي: "جيري"، ماذا سيحصل بعد ذلك؟ ما الذي ينتظرنا في هذه المنطقة؟ 

جيري داونينغ: ما سيكون التالي في تلك المنطقة لن يُحدِث فرقاً كبيراً في الصورة العالميّة. أعتقد أنّ هناك خطراً كبيراً واضحاً لاسيّما أنّ "ترامب" قد يُثير مُشكلة ما قبل مُغادرته للحؤول من دون أن يبرم "بايدن" صفقة ما مع الدول في تلك المنطقة، هناك خطر كبير هناك. لكن "ترامب" سيرحل ولن يمرّ إرثه بهذه السهولة. الصعوبة بالنسبة إلى الشرق الأوسط هي أنّ تاريخ "بايدن" مليء بالحروب ويتفوّق على "ترامب" 

جورج غالاواي: هذا واقع أليس كذلك؟ 

جيري داونينغ: وهنا تكمن الصعوبة. الصعوبة الأكبر هي أنّ "ترامب" يؤثِّر في أتباعِه الفاشيين، وهذا بالضبط ما فعله "هتلر". أثَّرَ في أتباعه الفاشيين حتى حصل على السياسة الداخليّة ومن ثمّ شنّ الحروب. لك يكن "ترامب" أحد حافظي السلام أو ما شابه لكنّه أعطى الأولويّة للتدمير، وأعتقد أنّ محاولة فرض الفاشيّة على (الولايات المتّحدة) ستُجبِر الطبقة العاملة الأميركية على القتال. يُمكنك العودة إلى السجلات لتراجعها منذ انطلاقها في ثمانينات القرن التاسع عشر. لكننا لم نرّ قطّ أنّ الطبقة العاملة لم تنتعِش بل ستنتعِش وستقاتل بالتأكيد وهناك أمل كبير لأشخاص مثل "حركة السود مهمة"، نحن متأكّدون من أنها ستنتعِش 

جورج غالاواي: هذا مُذهِل فعلاً، بمعنى أنّ البلاد التي ترتكب هذه الجرائِم والتي تبسِط سيطرتها على كّ أنحاء العالم هي الآن تتصدّر أكبر مُعدّل بطالة في العالم منذ عام 1935، أي منذ منتصف حقبة الكساد الكبير، ولا يُمكنها إعطاء حتى 600 دولار للعاطل عن العمل كإغاثة لشعبها في خضمّ جائِحة أنتجت عشرات الملايين من الذين أصبحوا عاطلين عن العمل فيما يواجه الملايين الآن الصرف من وظائِفهم. "أحمد" كيف تُفسِّر هذا التناقُض الجليّ؟  

أحمد كابالو: لا يُمكننا تفسير هذا التناقُض الجليّ. مع نشوب الحرب في (العراق) حصلَ إعصار "كاترينا" في الوقت نفسه وكان الناس يسألون حينها: "كيف أمكن إنفاق مليارات وتريليونات الدولارات للقتال في (العراق) و(أفغانستان) بينما هناك أشخاص يرقدون على سرير عائِم في وسط أحد الفيضانات ولا يُمكنهم الحصول على المُساعدة الحكوميّة؟ أعتقد أنّ هذا يُظهِر التناقض داخِل النظام الأميركي الذي يدّعي أنّه أعظم ديمقراطية في العالم ويدّعي أنّه أرض الأحرار، لكن الناس هناك يقومون الآن بأعمال الشغب وهناك اضطرابات مدنيّة، وهناك الآن جائِحة صحيّة وقد سجّلت (الولايات المتّحدة) أسوأ الأرقام في العالم وكان ردّ فعل الحكومة فاشلاً في التعامل معها. لكن رغم ذلك يبدو أنّها تدعو إلى المزيد من العدوان في الشرق الأوسط، وأنا أوافق زميلي في رأيه. يجب أن نصل إلى لحظة إدراك لدى الطبقة العاملة أنّ هذا البلد لا يعمل لمصلحتهم وعلينا أن نُكافِح من أجل بلدٍ يعمل لمصلحتنا. وكما قال "ترامب" لكنه فشل في تحقيق ذلك: (أميركا) أولاً 

جورج غالاواي: وضع (أميركا) أولاً سيكون جيداً إن كان ذلك يعني أنّ الأميركيين سيتركون سائِر دول العالم تهتمّ بمصالِحها الخاصة من دون تدخُّل ومن دون عُنف ومن دون عمليّات القتل التي نستذكرها في هذا البرنامج هذا المساء. شكراً لكم على المُشاهدة