• هناك امكانية كبيرة لقيامة عربية اسلامية لاستئناف خط حضاريا كنا قد بدأناه سابقا لا نزال نستبشر خيرا بخط المقاومة، نحن نعيش مخاضات جديدة تسمح باعادة انتاج حضارة تثبت وجودها
    11:56 د.
  • اذا كانت العلاقة سليمة بين جغرافيا الافكار وجغرافيا الامصار ستنتج انسانا يدافع عن حاضنته ويحميها
    32:33 د.
  • الخلل الذي اصاب الامة اليوم ناتج عن تخلل الحواضن ضمن الحاضنة الواحدة
    34:35 د.
  • هناك 3 مناحي تمكن من تحقيق ما نرجوه اولا وحدة الشعوب ، وحدة الجغرافيا واللغة
    38:00 د.

العرب والمسلمون إلى أين؟

بين عام مضى وعام جديد, يتجدد سؤال المصير, العرب إلى اين, كيف سيكون مستقبلنا وغدنا ومشاريعنا وأفكارنا ومعاركنا, لمن ستكون الغلبة الحضارية ما الذي ينقصنا لنصبح مؤثرين في المسرح الدولي, وما حكاية مرض التطبيع الأعمى والإصرار على تغييب الحق الفلسطيني.

المحور الأول:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

بين عام مضى، وعام جديد يتجدَّد السؤال المصيري، العرب إلى أين؟ كيف سيكون مستقبلنا وغدنا ومشاريعنا وأفكارنا ومعاركنا؟ لمَن ستكون الغَلَبة الحضارية؟ وهل صحيح انتهى التاريخ بانتصار النموذج الليبرالي كما يقول فوكوياما؟ ما الذي ينقصنا لنصبح مؤثّرين في المسرح الدولي؟ وما حكاية التطبيع الأعمى والإصرار على تغييب الحق الفلسطيني؟ كيف يبدو المشهد العربي في الأعوام المقبلة؟

ومبدئياً قد يُقال إنّ العقل العربي لم يتعوّد الغوص في المستقبليات، ولم يمرِّن نفسه على الاستشراف والغوص في القادم من الأيام فهو مسكون في التاريخ وأزماته، وهو ما انفكّ يحلّ إشكالات التاريخ وعِقَده حتى يذهب إلى المستقبل، ويضع خططه لعشرات السنين المقبلة. وحتى أصحاب العقل واللبّ ترقّوا وقالوا لا يجب أن يُضحّي المُفكّر في العالم العربي والإسلامي بحياته من أجل أمَّةٍ تعتزّ بجهلها وبخُرافاتها. وفي عالمنا العربي أيضاً فإنّ النظام السياسي المفروض أن تبقي تَرْكة جيّدة للأجيال المقبلة فإنّها أضاعت الأجيال الراهنة، فما بالكم بالأجيال المقبلة.

قُصْر الرؤية، والمصالح الضيّقة والهوى العشائري والنزعة الديكتاتورية العسكرية والنَفَس الأمني البوليسي هي مُفردات الحال السياسية الرسمية، وهذه المُفردات والأخلاقيات تصطدم جملة وتفصيلاً مع أُسُس المنطق السليم، ومنه ضرورة إعداد مستقبل مقبول لأجيالنا المقبلة. الفرد يرث، والأمّة ترث الفرد، يرث المال والعقارات، وقد لا يرث شيئاُ إذا كان والداه مُعْدَمين، والأمّة ترث الخصائص الاجتماعية والثقافية والنهضوية والاقتصادية والحضارية من الأمَّة التي سبقتها. ولأنّنا أمَّة كُتِبَ لها أن تعيش على مفرق قرنين قرن مضى وقرن راهن جديد وَجَب علينا أن نفكّر بإمعانٍ ماذا حقّقنا في القرن الماضي؟ وماذا سنترك لأبنائنا في القرن الراهن والمقبل؟

 لا شكّ إنّ مُجرّد التفكير في ما سنتركه كأمَّةٍ للأجيال اللاحقة مُزْعِج وجالِب للهمّ والغمّ على اعتبار أنّ الواحد منّا يعمل من الصباح إلى المساء مقابل أن يسدّ ديونه، ويُفكّر دوماً في كيفية توفير لقُمة العيش لأبنائه، فإذا كان همّ الفرد لُقمة العَيْش فكيف يضطلع بهم التفكير في ما سوف يتركه للأجيال المقبلة. 

"العرب والمسلمون إلى أين" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور عبد الرحمن طيبي أستاذ العقيدة والفكر الإسلامي في جامعة الجزائر. ومن تونس الحبيبة الدكتور محمد الحاج سالم الأكاديمي والكاتِب والباحِث في عِلم الأناسة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد هذه الأسئلة مشروعة، أليس كذلك؟

 

محمد الحاج سالم: السلام عليكم، ومرحباً بك وبجميع مُتابعي هذا البرنامج الهام، والذي قلّ نظيره حقيقة في القنوات التلفزية العربية.

نعم أستاذي الكريم أسئلة مشروعة كل المشروعية، وما نعيشه من مخاضات يتطلّب طرح مثل هذه الأسئلة الحارِقة مَن نحن؟ ماذا نفعل؟ وماذا نريد بوجودنا؟ 

نحن نعيش في خِضمّ انتقال تاريخي كبير وَصَفه البعض بأنّه يفتح على نهاية التاريخ كما أشرت حضرتك منذ قليل الفيلسوف فرانسيس فوكوياما الأميركي، ويُعارضه آخرون. وكذلك هنالك طرح ثانٍ هو أن ما نعيشه صراع حضارات، وصراع وجود، ووصراع حضارات. الحقيقة يمكن أن نختزل الصورة بشكلٍ بسيطٍ جداً فنقول إنّ هناك صراع حضارات، هذا صحيح. لكنّه ليس صراعاً قِيَمياً بين حضارتين، أو أكثر، بل هو صراع بين أسوأ ما أفرزته حضارتنا العربية والإسلامية والحضارة الغربية اليوم مسيحية، هذا صراع بين يمين مُتطرّف في الغرب ويمين مُتطرّف، كذلك في الشرق عندنا نحن حضارتنا أفرزت عقولاً كبيرة، وأفرزت أفكاراً نيِّرة استضاء بها العالم طوال مدة طويلة من التاريخ. لكن أفرزنا كذلك بعض الإفرازات السيّئة التي هي للآن تقوم بالتخريب داخل الحضارة، تُخرِّب الفكر وتقتل البشر وتقتل الحجر والشجر، وكذلك بين ما أفرزته الحضارة الغربية من سيّئات مُتمثّل في هذا اليمين المُتطرّف الذي يدفع نحو الاحتدام، ونحو أن يكون هناك صراع بين الوجود الحضاري العربي والإسلامي والوجود الحضاري الغربي المسيحي، هذا باختصار شديد.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً دكتور عبد الرحمن هل كما قال الدكتور محمد أنّ سِمة القرن المقبل، وسِمة السنوات المقبلة دعنا نقول العشر سنوات المقبلة ستكون سنوات صِدام، أيضاً مزيد من التطرّف، مزيد من العنف، مزيد من تأجّج الإثنيات والأصوليات، مزيد من الأفكار المُغالية التي أخذت بنا من الوسطية إلى الهاوية؟

 

عبد الرحمن طيبي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين. بدايةً تحية طيبة مُبارَكة لك دكتور يحيى أبو زكريا، ولكل مشاهدي برنامجك وقناة الميادين.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربي.

 

عبد الرحمن طيبي: في حقيقة الأمر أنّ الوضع الراهِن الذي يعيشه العالم عموماً والعالم العربي والإسلامي خصوصاً هو عالم موبوء في بيئةٍ موبوءةٍ تعدّدت المشاكل والأزمات فيها بسبب تغيّر الفاعلين الرئيسيين فيها، وتغيّر هؤلاء الفاعلين مصحوب أيضاً بتغيّر القِيَم الأخلاقية التي تُسيِّر هذا الصراع، وبالتالي كما يشير كذلك كثير من الخبراء ترصّد السنوات المقبلة أو ما تحمله السنوات المقبلة مبني على قراءة المُعطيات الراهِنة، والمُعطيات الراهِنة تؤكّد بما لا يضع مجالاً للشك إنّ ما هو قادم على الأمّتين العربية والإسلامية لا شكّ أنّه صعب على مستوياتٍ عدَّة، وهذا الصِراع المُرتبط بتغيير الفاعلين على المشهد الدولي، وتحوّل الأمَّة العربية والإسلامية من أمَّةٍ شاهدةٍ على الناس من أمِّةٍ صانعةٍ للحضارة إلى أمَّةٍ مُسْتَهْلِكة للنفايات الحضارية القادمة من الطرف الآخر، أو من الضفة الأخرى والذي نتج منه عقول مُسْتَلبة وعقول أسيرة، وعقول وظيفية تؤدّي وظيفة لصالح الفاعل الجديد في المشهد السياسي العالمي مع عقل يروم لاحترام الخصوصية، أو عقل مُحيَّد مُحاصَر مُضيَّق عليه يهمّه الحفاظ على الخصوصية الهويتية للأمَّتين العربية والإسلامية، ويقاوم هذا المدّ القِيَمي الجديد الذي يتعارض ومبادئ هذه الأمَّة التي ننتمي إليها.

وقراءة هذا المشهد القادم من خلال قراءة المُعطيات الراهِنة هو من صميم الخصوصية الثقافية للإنسان المسلم والإنسان العربي، ولا شكّ أنّ كثيراً من المسلمين أو غالبية المسلمين وكثير من الذين يساكنونهم في هذه البيئة الجغرافية من أصحاب المِلَل والنِحَل الأخرى مكان للإيمان بالغيب، وما مُيِّز المسلمون إلا بإيمانهم بالغيب، فنستغرب كيف للمسلمين ومَن ساكنهم يؤمنون بالغيب ويتحدَّثون عن أشراط الساعة ويتحدَّثون عن النبوءات القريبة والبعيدة، ولا يستعدّون لها. فالحديث عنها هو من باب الاستعداد لها متى تقوم الساعة؟ ماذا أعددت لها؟ كما جاء في الأثر النبوي عن سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. إذاً العيب ليس في قراءة المُعطيات التي تشير إلى هذا الصراع، أو إلى احتدام هذا الصراع في المشهد الدولي، وسيكون العرب والمسلمون إحدى ضحاياه. لكن في مدى الاستعداد لهذا الصراع القادم أو لهذه الخريطة القادمة وللعب صنّاع الفعل والقرار السياسي العالمي ماذا أعددنا لهم؟ وكيف نستعدّ لهم؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد قُبيل الذهاب إلى مزيد من التفصيل في محاولات الغوص في مستقبلنا، وآهٍ من مستقبلنا. إنّه يبكي كيومنا كأمسنا.

عندما تطرح سانغافورا سؤالاً إلى أين؟ كان هنالك تحوّل جذري في سانغافورا من واقع إلى واقع، اليابان عندما تطرح إلى أين؟ أيضاً كان هنالك تحوّل بين يابان 1945 ويابان اليوم، وهكذا دواليك بالنسبة إلى دول رسمت استراتيجيات النهوض. لكن لماذا في العالم العربي نُعيد إنتاج نفس المساوئ، نفس الأخطاء، نفس السقوط، نفس التكرار؟ العرب إلى أين؟ سؤال طرحناه في القرن التاسع عشر. المسلمون إلى أين؟ في بداية القرن العشرين. المسلمون إلى أين؟ مع بدايات سنة 2000 ومازلنا نطرحه. هل نحن أمَّة لا توجد فيها القابلية للتطوّر، القابلية للنهضة، القابلية لصناعة دور كبير في المسرح الدولي؟

 

محمد الحاج سالم: أستاذي مَن يستمع إليك ورأيك حصيص بكل تأكيد، ولك من الدلائل والإشارات ما يسمح لك بمثل هذا التوصيف. لكن غَلْق الباب بصفة إطلاقية هذا يُحبط الناس، نحن نرى أنّ هناك إمكانية كبيرة لقيامة عربية إسلامية، ولأستناف خط حضاري كنّا بدأناه منذ عشرات القرون، هناك ما يعتمل في داخل المجتمعات العربية بما يُبشّر بإمكانية الانتصار على ذواتنا أولاً، وإعادة توظيف بعض مزايا الحضارة العربية الإسلامية لكي نشارك في المسيرة البشرية. هناك تغيّرات كبيرة، لو نقصّ الأمور بمسافة زمنية ما بين خمسينات القرن العشرين وما نعيشه راهناً لوجدنا عدّة مجالات تقدّمنا فيها. بحق أنتجنا فكراً وإن كان قاصراً، أنتجنا مؤسّسات إلخ. وأعدنا قراءة تاريخنا، وطرحنا عدّة إشكالايات. صحيح نحن نعاني الآن  بفضل هذه الإشكاليات، لكن هذا لا يمنع أنّ هناك بشائر تُبشِّر بكل خير. ما يعتمل داخل الشعوب وداخل المنطقة، هذا الصراع الذي لم ينتهِ من أجل فلسطين مثلاً والمقاومة، هذا يعطيك أملاً في إمكانية القيام من جديد. نحن أنتجنا كتبا،ً أنتجنا أفكاراً، أنتجنا تكنولوجيا. أخذنا من الغرب، أنظر إلى العقول العربية كيف تُنتِج وتُبْدِع وتكتشف وتخترع حين تجد البيئة المُلائمة. نحن الآن نعيش مخاضات في كل الدول العربية تقريباً، مخاضات جديدة تُبشِّر بإحداث بيئة تسمح لهذه العقول النيّرة بإعادة إنتاج حضارة، لا أقول تُناطِح الحضارات الأخرى، ولكن على الأقل تثبت وجودها وأحقيّتها في أن تصنع تاريخها هي، لا يصنعه غيرها. مسألة الرؤية السوداوية أنا ضدّها تماما لأنّه حين ينتفي الأمل تنتفي كل إمكانية للعَيْش.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد وأنا معك. ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل، والأمل موجود. غاية ما هنالك يجب أن نحوِّل الفكرة إلى مشروع عمل ومشروع تنوير ونهضة. دعني أمضي إلى الدكتور عبد الرحمن، دكتور عبد الرحمن العرب اليوم انشطروا إلى اتجاهات مُتعدّدة غير أنّ أبرز اتجاهين في المشهد العربي، عرب آمنوا بإسرائيل وقالوا إنّ المستقبل للدولة العبرية هي التقانة، هي الأمن، هي الاستراتيجية، هي الشرق الأوسط، هي العالم العربي فلنضع كل مُقدّراتنا معها. وعرب مازالوا يتمهّلون، فيهم مقاوَمات، شعوب مقاوِمة، وهي شعوب تحاول قدر المُستطاع أن تستقلّ عن الفعل العبري وتسترجع فلسطين. بنظرك الالتحاق بإسرائيل سوف يُبطّئ العرب أم يزيدهم قوَّة؟

 

عبد الرحمن طيبي: بطبيعة الحال الوضع كما وصفته سيّدي الكريم لا يُبشِّر بخير، لكن مردّ هذا المخاض أو هذه الانقسامات إلى جملةٍ من الاعتبارات:

لعلّ أبرزها هو هذا التحوّل الغريب في منطق التفكير عند العرب والمسلمين عندما تدحرج المسلمون والعرب من منطق تفكير الجغرافيا الطبيعية أو من الجغرافيا الحضارية باعتبارها جغرافيا الإقامة العربية بفضل ثرواتها من الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا الحضارية، فأصبح العكس تنازل الإنسان العربي والمسلم من منطق الجغرافيا الحضارية إلى منطق الجغرافيا الطبيعية التي هي تلال وشِعاب  من خلال ذلك بثرواته، ونزع يده، بل أوكل غيره للاستثمار فيها وأخذها. وتحوَّل الإنسان العربي والإنسان المسلم من منطق الإنسان الحضاري، الإنسان الشاهِد على الناس المُعبِّر عن الأمَّة الشاهِدة على الناس إلى الإنسان الطبيعي الذي يُفكّر في نزواته وشهواته بعيداً عن أية قِيَم أخلاقية، أو شرعية تضبطه مُفْرِطاً في جغرافيته الحضارية، وكينونته الحضارية التي تصنع تراثاً مُتميّزاً. هذا الوصف هو الذي جعل من السؤال عن أسباب هذه الهزيمة، وأسباب هذه الانقسامات سؤالاً مبرّراً بالنظر إلى هذه المقدّمة، وهو ما يعني أنّ الإنسان العربي والإنسان المسلم تخلَّف أو قصَّر في صناعة سؤال بالنظر، سؤال وجيه عن وضعه وعن كيفية التعامُل مع هذا الوضع الإقليمي، والوضع الدولي الجديد من خلال التغيير في مضامين السؤال، أو في تحرير السؤال الجيّد بالنظر إلى التشوّه الذي أصاب السائل، وأصاب أساليب ومناهج السؤال، والغايات المُنْتَظرة من السؤال.

هل السؤال سؤال أصيل للإجابة عن مشاكل وإشكالات وأزمات أصيلة وبأساليب أصيلة؟ أمْ السؤال دخيل والإجابة عنه بمناهج دخيلة لخدمة غايات وأهداف دخيلة؟

للأسف الشديد ما يُلاحَظ أنّ الإعلام الدولي يتحدَّث عن هذا الصُنف الثاني في الغالِب الذي أسَّس وشَرْعَن للتطبيع وما شاكله وأنواعه المختلفة لقهر وإضافة قهر لهذا الإنسان العربي والإنسان المسلم والإتيان على ما تبقَّى من كرامة هذه الأمِّة وحضارتها برغم بقاء بذور المقاومة ثابتة، وهي فسحة الأمل التي أشرت إليها قبل قليل، وهذا التوصيف للوضع وللسؤال ولفلسفة السؤال والسائل والنهج والغايات يحيلنا حتماً إلى كون أنّ هذا الوضع ليس وضعاً إطلاقاً، أو ليس وضعاً أبدياً. مادام هنالك انقسام هناك أمل، والانقسام دليل على عدم حجيّة الطرف المُهَيْمِن على وسائل الإعلام، وعلى المناهج الدراسية، وعلى السياسات الدولية سواء كانت سياسات اقتصادية، أو عسكرية، أو جيو استراتيجية تأثيرية، أو تفتح نافذة أمل لبيان أو للتوضيح إلى عيان وأفراد الأمَّة مَن هو على حق، أو صواب، وبين مُدافِع عن خصوصية الأمَّة وكينونتها، وبين مَن هو يسير في بيعها، أو يساهم في بيعها، وتسليمها من دون مقابل.

 

يحيى أبو زكريا: وذلك منهج ربّك في القرآن القلّة دائماً مقرونة بالحق، والكثرة بالباطل، لعلّ القلّة المُحقّة ستُغيّر الموازين قريباً، أو ذات يوم.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع العرب والمسلمون إلى أين؟ وينضمّ إلينا المُفكِّر السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي من الخرطوم. دكتور حيدر هذا السؤال طُرِح قبل مئة سنة، وطُرِح أيضاً قبل مئتي سنة ومازلنا نكرّره. هل هنالك أمل في نهضةٍ عربيةٍ وصناعة الفعل الحضاري عربياً؟ أم أنّ الشَلَل هو حليفنا إلى الأبد؟

 

حيدر إبراهيم علي: نحن ما زلنا نُكرِّر سؤال شكيب إرسلان لماذا تخلّف المسلمون وتقدَّم غيرهم؟ السؤال هذا لم نجد له جواباً، ولكن كما يقولون ما أضيق الحياة لولا فُسحة الأمل. دائماً عندنا أمل  في المستقبل لأنّ الإنسان دائماً لديه القُدرة على التغيير والقُدرة على الحركة. العرب ليسوا استثناءً فهم بشر، وبالتالي لا يمكن أن يعيشوا دائماً في عالمٍ من التخلّف، وبخاصةٍ أنّ العالم يتقدَّم بسرعةٍ شديدة، فإمّا أن يكونوا داخل التاريخ، أو يكونوا خارج التاريخ. هذا هو أين سيسير العرب؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حيدر إذا سمحت أنا يروق لي إنّك عالِم اجتماع، وعُلماء الاجتماع قلّة في العالم العربي. إبن خلدون أضاف الكثير، الدكتور علي الوردي أضاف الكثير. عندما أطالبك بتشخيص الحال العربية أين الخَلَل في الثروات؟ نحن أبناء (بجدتها) في الثروات لدينا من الخيرات ما نوزّعه على القارات الخمس. المشكلة في العقل العربي الذي ما زال مُحنّطاً مربوطاً إلى الماضي، والمشكلة في الإنسان العربي الذي لم يرقَ إلى مستوى الفعالية الحضارية كما قال مالك بن نبي. أين المشكلة التي حالت من دون انبلاج فجر العرب المُنْتَظر؟

 

حيدر إبراهيم علي: المشكلة تكمُن في غياب العقلانية في التعامُل مع الواقع. العرب ينتجون شعراء، ولكن لا ينتجون مُفكّرين وفلاسفة،  وظلّت الفلسفة لفترةٍ طويلةٍ في العالم الإسلامي والعربي مُحرَّمة، أو على الأقل لا يقربها كثيرون. وبالتالي غابت العقلانية، وسادت الأشكال العاطفية، أو الانفعال في التعامُل مع الحياة، ومع الواقع مع غياب العقلانية يصعُب على العرب أن يُحلّلوا واقعهم، وبالتالي أن يكونوا قادرين على تحديد ما هي المُشكلات بالنسبة إليهم.

غياب العقلانية قاد إلى مشكلة أساسية عند العرب والمسلمين هي القُدرة على النقد الذاتي بغياب العقلانية. من الصعب جداً أن يعترف المسلم والعربي بخطأه، وبالتالي هنالك شكل من أشكال المُكابَرة التي تجعل العرب والمسلمين يقعون في مسألة تكرّر الأخطاء، ولذلك يتحدَّث العرب والمسلمون عن أنّ التاريخ يُعيد نفسه. التاريخ لا يُعيد نفسه بالمرَّة، التاريخ في كل مرَّة يكون نفسه في شكل مادة، في شكل نَكْسة، وبشكل حروب أهلية. وبالتالي لا بدّ للعرب من أن يخرجوا من فكرة التاريخ يُعيد نفسه، لا بدّ لهم من نقدٍ ذاتي يُحدِّدوا فيه مشاكلهم، وعدم قُدرتهم على تغيير الواقع.

 

يحيى أبو زكريا: هل غياب النقد الذاتي دكتور حيدر هو الذي أنتج التكفير الذي عالجته جنابك من منطلق عِلم الاجتماع؟

 

حيدر إبراهيم علي: نقول ما هو سائِد؟ هو الخوف من الجديد، هنالك دائماً خوف من الجديد الخوف من الجديد والخوف من الفرح، وهكذا تتكوّن العقلية العربية والشخصية العربية. العربي كي يبحث بحثاً جيّداً، أو يقول اللهمّ اجعله خيراً، وبالتالي هو فاقِد القُدرة على التجديد، وعلى الاجتراح، وبالتالي تظلّ حياته راكِدة بهذا الطريق.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حيدر إبراهيم علي كل التوفيق نتمنّى أن نراكم معنا قريباً ها هنا، شكراً جزيلاً لك كنت معنا من الخرطوم.

دكتور محمد المُتخصّص في الأناسة والإنسان، هل الإنسان العربي يختلف عن الإنسان الآخر الذي حقَّق ما يُسمّى بالفاعلية الحضارية الكبيرة. إذا قلنا إنّ الحضارة قوامها الإنسان زائد وقت، زائد تراب بتعبير مالك بن نبي هل هذا الإنسان العربي اليوم اليوم مُهَّيأ لصناعة الحضارة والنهضة؟ أم أنّ أرخص وأرخص وأرخص شيء في الوطن العربي هو الإنسان؟

 

محمد الحاج سالم: في الحقيقة هذا سؤال إشكالي، وكثيرٌ منّا يطرحه على الدوام. المسألة لا تتعلّق بمسألة جينية مثلاً، أو مسألة تتعلّق بالعِرق، كلّ النّاس سواسية، وأعدل الأشياء قِسمة بين البشر كما يقول رينيه ديكارت هي العقل، وعندنا من الإمكانات الذهنية والفكرية والعقلية ما شاء الله، ولست بوارِد الاستشهاد بعباقرة حقيقة، وأنا ضد الرأي الذي يقول إنّ الحضارة العربية الإسلامية تعاني من حال عُقم، بل هي تعاني من حال انسداد بالأحرى. والتاريخ كفيل بإبراز الإمكانيات الموجودة عند الشعوب العربية لو سمحت أعطيك مثالاً، مسألة التطبيع التي نُعاني منها الآن، وهذه الهَرْوَلة نحو العدو الصهيوني، النظام المصري مثلاً كان قد طبَّع، والنظام الأردني كذلك قد طبَّع، ولكن الشعوب رافِضة وكأنّ كلّ فعل وهذه من قوانين الطبيعة. كلّ فعل لا بدّ من أن تقابله ردّة فعل تساويه في القوّة وتُعارضه في الاتجاه، وكأنّ التطبيع الآن مسألة نراها سلبية، لكن قد تكون له إيجابية في تجذير موقف الرفض والمقاومة عند الشعوب العربية. ما معنى أن تطبِّع الطبقات الحاكمة مع كيانٍ غاصبٍ؟ لا معنى له في التاريخ، هذا إن لم يكن التطبيع مُتَجذّراً، فالطبقات الشعبية هي من يصنع التاريخ ونحن ما نراه الآن من حركات اجتماعية ومن محاولات في إعادة تشغيل العقل العربي الإسلامي دلالة وإشارة واضحة في أنّ هناك قُدرة، وهناك إرادة في تجاوز كل العراقيل التي نعيشها وعلى رأسها المسألة السياسية.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد في هذه النقطة تحديداً الخوف ليس من التطبيع، وربّك الخوف لإفرازات ما بعد التطبيع. فعندما تقوم نُظُم بتغيير مناهج كُتُب التاريخ، وعندما تقوم نُظُم بتحديد الأولويات الأمنية والسياسية والاستراتيجية، وعندما تُعطى أموالاً طائلة مثلما دعم الإرهاب من قِبَل النفط الأسود الأعمى سيدعم مشروع وأد المقاومات، وقرارات الرفض تصبح أنت كمُثقَّف تونسي مقاوِم في تونس مُلاحَق وربك؟

 

محمد الحاج سالم: لا معنى لهذا الحديث إذا رأينا ما عانته أمَّتنا العربية والإسلامية من مِحَنٍ طوال في تاريخها، وخرجت منها سالمة. مَن كان يظنّ أنّ اللغة العربية ما زالت تُدرَّس وتُقرأ ويتكلّم بها في الجزائر الحبيبة، وهي بلدك أستاذ أبو زكريا بعدما فعله الاستعمار، قرن وربع قرن من الاحتلال. كذلك مَن كان يظنّ أنّ الشعب الفلسطيني ما زال يحيا، وما زال قادراً على أن يفرز مقاومة بعد سبعين سنة من الغَصْب والاحتلال والقتل والتشريد والحَرق الخ. بالتالي هناك إمكانيات، ولا بدّ من أن نؤمن بها شرط أن تكون لدينا رؤية واسعة لواقعنا، ونستشرف مستقبلنا، ونُسطّر استراتيجيات عمل على كل المستويات بغضّ النظر عمّا تفعله الأنظمة الحاكمة. خذ مثلاً تونس، ما سطّره نظام بن علي بجرّة قلم فسخه، وقضت عليه هبّة شعبية وانتفاضة، وبالمناسبة أحيّي الشعب التونسي بمناسبة هذه الذكرى العزيزة ذكرى الثورة. بالتالي الشعوب لديها قُدرة رهيبة على الفعل، وعندها عبقرية هي تستبطن التاريخ بغير ما يستبطنه المُثقّف. المُثقّف يُعَقْلِن الأشياء، لكن التاريخ أثبت أنّه لا عقل يُسيّره، بل فيه قفزات، وفيه حِيَل كما يقول هيغل حِيَل العقل في التاريخ، وبالتالي ربما نحن نعيش مرحلة مخاض تنتج منها نقلة، وهذا ما نتمنّاه ونعمل عليه، والشعوب هي التي تدفع نحو ذلك لا الأنظمة الحاكِمة. وبالتالي لا مجال للمزيد من الإحباط، والإحباط هو الذي يقتل روح المسؤولية عند الشعوب، والشعوب لا تنتظر إشارة من الحُكَّام كي تُسطّر تاريخها.

 

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور محمد حيَّيت تونس الحبيبة، وأنا أُحيّيها لأنّ تونس أنا أحبّها إلى أقصى درجة، وأحيّي أبا قاسم الشابي فيها الذي قال إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر.

دكتور عبد الرحمن بالعودة إلى الأفكار الكبرى التي تصنع التغيير، حركة التاريخ بُنِيَت على أفكار منذ بداية عصر العقلانية، والتفكير مع آدم عليه السلام إذا قلنا إنّ آدم هو أبو الدورة البشرية الأولى، وإلى يومنا هذا كانت الأفكار الكبرى أفكار الأنبياء والرُسُل وأفكار الفللاسفة أيضاً الذين ساروا على النُظُم القائمة والوضعية آنذاك. هل هنالك مساقات لهذه الأفكار؟ هل عالمنا العربي أنتج أفكاراً تليق بالشعوب قادِرة على صناعة نهضة كما قال الدكتور محمد من تونس؟

 

عبد الرحمن طيبي: إشارة طيّبة لطيفة في هذه المسألة هي يمكن حَوْصَلتها في تلك العلاقة الوطيدة بين جغرافيا الأفكار وجغرافيا البلدان والأمصار، بمعنى أنّ الحاضنة  الشعبية أو الحاضنة عموماً التي تحضن هذا الإنسان، الإنسان الحيادي، الإنسان الفطري الذي يتلوَّن بلون الحاضِنة التي ينتمي إليها، فإذا كانت العلاقة علاقة سليمة بين جغرافيا الأفكار وجغرافيا الأمصار ستنتج إنساناً في حاضِنة يروم من خلالها الدفاع عن كيان وخصوصية هذه الحاضِنة، لكن إذا تلوَّنت الحاضِنة بألوان غير الأفكار التي أُنشِئت على أساسها فانتظر الخراب بعدها.

على هذا الأساس العالم العربي والإسلامي، أو جغرافيا الأوطان جغرافيا الأمصار في هذه المنطقة، وجغرافيا وَحي الأنبياء، وجغرافيا أفكار العلماء والعباقرة والمُفكّرين، وهي التي أنتجت لنا الحاضِنة الحضارية التي سادت هذا العالم، وأثبتت نجاعتها في فترةٍ سابقة، وأثبتت نجاعتها في فترةٍ سابقة دليل على إمكانية إثبات نجاعتها مستقبلاً، وهو ما يخوِّف المُخالِف، وما يُخوِّف العدو على مختلف أصنافه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الرحمن ليس مقاطعة عُذراً عُذراً فعُذراً كرَّرت مقولة جغرافيا العالم الإسلامي، جغرافيا الإسلام ولأنّني أريد أن أحيي الذاكرة العربية دعنا نترحّم على الدكتور جمال حمدان رحمة الله عليه الذي قتله الموساد الإسرائيلي في القاهرة في مصر بإحراق شقّته هو صاحب كتاب "جغرافيا العالم الإسلامي"، والذي أبان عن دور الجغرافيا في صناعة الأدوار الكبيرة، أراد ليُنبّه المسلمين إلى أنّكم تملكون مواقع قادرة على الريادة والحضارة، تفضّل سيّدي أكمل.

 

عبد الرحمن طيبي: شكراً سيّدي الكريم. إذاً هذه العلاقة الوطيدة التي أنتجت، أو التي لوَّنت هذه الحاضِنة بخصوصية مُعينة جعلت من المسلمين والعرب يمتلكون حضارة أفادت الإنسانية أيّما إفادة، ويمكن استئنافها بتوفّر جملة من المعايير أو جملة من الشروط. على هذا الأساس هذا الخَلَل الذي أصاب الأمَّة اليوم ناتج من تعدّد الحواضِن داخل الحاضِنة الواحدة. يمكن أن تجد حاضِنة تحت رعاية سلطة وظيفية تابعة للأعداء، وتجد حاضِنة شعبية مقاوِمة للحاضِنة الرسمية التي تروم التطبيع وما شاكَل ذلك وآثاره.

إذاً ما دام هنالك تدافع بين الحواضِن داخل الحاضِنة الإسلامية والعربية بسبب الظروف التي نعيشها اليوم هي حاضِنة مقهورة ضعيفة لا تمتلك أدوات القوَّة، ولا تمتلك سُلطة القوَّة، وسُلطة الفعل المباشر. لكنّها تمتلك فكرة القوَّة، وفكرة الفعل المباشر قد تعجز عن تجسيده، لكن من خلال الأفكار التي تمتلكها ومن خلال مقاومتها للحواضِن الدخيلة التي تروم صناعة جسور للآخر العدو المُسْتَلِب المُحتل في أوطاننا، ومجتمعاتنا تبقى فُسحة الأمل، أو يبقى باب فُسحة الأمل مفتوحاً للردّ ومقاومة هذه الآثار ويكفيك العودة إلى التاريخ القريب. كم من أفكار فشلت في الحواضِن الإسلامية بسبب الحواضِن الشعبية التي قاوَمت تلك الحواضِن، أو تلك الألوان للحواضِن المُسْتلبة، أو الحواضِن الغربية التي أرادت أن تصنع إنساناً عربياً ومسلماً على مقياس الآخر، أو على معيار الآخر على خلاف هويّته على خلاف تاريخه، وعلى خلاف حضارته وتُراثه. وهذا ما يُنبّىء بفشلها، قد تنجح لسنةٍ أو سنتين أو عقدٍ أو عقدين، لكن مادامت الأفكار تدافع بعضها البعض، وما دام الخيّرون والأناسي التي لم تتلوَّن، والتي لم تتلطّخ بتلوينات الحواضِن الوافِدة إلى الحاضِنة العربية والإسلامية يبقى الأمل مفتوحاً أيضاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الرحمن، وخير مِصداق على ما تفضّلت به ثورة الجزائر المُقدَّسة التي صفعت فرنسا وطردت فرنسا والحلف الأطلسي من الجزائر، فكان فجر الجزائر وفجر الجزائريين، وأنت تعلم أنّ عبد الحميد بن باديس عندما طُلِبَ منه أن يصدر فتوى لدعم فرنسا في مُحاربتها للألمان قال والله لو طلبت منّي فرنسا أن أقول لا إله إلا الله لما قلتها، هذا قرار الرجال الرجال.

دكتور محمد إذا عدنا إلى ما طرحته أنت والدكتور عبد الرحمن من أفكار أفهم أنّ نافذة الأمل القائمة اليوم في العالم العربي الفكر المُقاوِم، ما زال الفكر المُقاوِم حاضراً بقوَّة في المشهد العربي بين الأجيال، الشعوب. أيضاً من النوافذ التي ذكرتها أنّ بعض الدول كتونس مثلاً حقّقّت نقلة إلى الأمام زال العهد البوليسي، ونتمنّى أن يبني التونسيون دولة عادلة قائمة على التعدّدية والتنوّع الفكري والسياسي. ما هي نوافذ الأمل الأخرى التي تراها بمنظورك ويمكن أن نبني عليها لغدنا؟

 

محمد الحاج سالم: حقيقة هناك ثلاث مناحٍ، وأنا استشرف أنّها قد تمكّن من تحقيق ما نرجوه.

أولًا مسألة وحدة الشعوب والتكامُل في المنطقة العربية على الأقل إحياء بعض المشاريع الوحدوية وحدة الجغرافيا، ووحدة التاريخ واللغة والمصير المشترك تقتضي إعادة مثلاً تنشيط منطقة المغرب العربي اتحاد المغرب العربي، وهو مُجْهَض وميّت ومؤسّساته لا وجود لها. التعويل على الجوار، وحلّ مشاكل الجوار مشاكل المغرب مع الجزائر ومشاكل ليبيا ومصر والسودان حلايب، وكل هذه الإشكالات. ثانياً هناك في الغرب قوى خيِّرة، ليس الغرب كلّه شر مَحْض، هناك إنسانية في الغرب، هناك أناس تفكّر وتريد مصلحة البشرية، وتعمل من أجل ذلك. وعلينا أن نتعاون معها لا يجب أن نضع الغرب كلّه في سلَّة الأعداء، لا هناك أصدقاء امتداداً من أميركا إلى جنوب شرق آسيا. ثالثاً هنالك هذا البُعد الأفريقي المنسي والمُغيَّب لا بدّ من توظيفه، وهو على الأقلّ تجمعنا الجغرافيا معه، وتجمعنا المصالح، ويجمعنا كذلك التاريخ، وكذلك الدين الإسلامي االمنتشر في دول ما تحت الصحراء.

هناك هذه الإمكانية الحضارية الكبرى للقيام من جديد، لا يجب أن نضع كل بيضنا في سلَّة واحدة، وكأنّ الغرب هو الفاتِق الراتِق. لا، هناك إمكانيات أخرى، ولا بدّ من أن نعمل عليها، وأن نستشرف إمكانيات التعاون معها. لِمَ نعادي بعض الشعوب وبعض البلدان المحيطة بنا؟ نحن كعرب لا بدّ من أن نتعاون معها، ونربح منها، ونحقّق المصالح العربية، وتُحقِّق هي بالطبع مصالحها. لماذا كل شيء مرتبط بالغرب؟ أنا أريد من الشعوب العربية، أو من المُفكّرين العرب بصفةٍ خاصةٍ اكتشاف مثل هذه الإمكانيات المُعطَّلة والمُغيَّبة إلى حدٍ الآن، هذا برأيي السبيل الوحيد الذي قد يُتيح لنا إعادة أمجادنا إن صحَّت العبارة.

وأختم بأنّ القول أإّنا نعيش في أزمةٍ في حدّ ذاته، هذا دليل خير على أنّنا واعون بالأزمة، وأنّنا نُفكِّر في كيفية الخروج منها. وقديماً قال الشاعر الأندلسي اشتدي أزمة تنفرجي، قد أذن صبحك بالبلج. ونحن ننتظر مثل هذا الانبلاج مادامت الشعوب حيَّة، وقائِمة ومقاوِمة فلا خوف على أمَّتنا بإذن الله.

يحيى أبو زكريا: وربّك دكتور محمد القائد العظيم يصنع الأمَّة العظيمة، وربّ قائد رزقناه في فترات تاريخية تسبَّب في نقلة رهيبة، وهنا أعود إلى فلسطين، وأقول إنّ فلسطين هي الشرف العربي، ومَن تخلّى عنها أصبح بلا شرف.

دكتور عبد الرحمن الأجيال الراهِنة، وأنت تُدرِّس في الجامعة وتُعاشِر طلاباً وطالبات، هل يحملون هذا الهمّ النَهْضَوي؟ أم أن وسائط الاتصال أخذتهم إلى عوالم أخرى؟

 

عبد الرحمن طيبي: بدايةً انتساب الطلاب في حدّ ذاته إلى الجامعة هو دليل وفي غالبيّتهم يمتلكون هذه القوَّة وهذه الإرادة من أجل تغيير واقع الحال، وتغيير واقع البلد، وتغيير واقع الأمَّة. فالتمكّن من تخصّصات مُعيّنة واستيعاب الدرس التاريخي والدرس العِلمي تقني، والدروس الإنسانية أو التخصّصات الإنسانية يدخل في هذا الجانب. لكن في جُملةٍ من المفاتيح التي يحتاجها هؤلاء الطَلَبة من أجل تنويرهم بخصوص جُملة من المُتغيِّرات الدولية المُعاصِرة جُملة من القضايا الشائِكة كالردّ على بعض التلبيسات السائِدة في وسائل الإعلام العالمية، وللأسف الشديد بعض وسائل الإعلام المحلية تضخيم بعض المشاكل البينية بين البلاد العربية على حساب القضايا الأساسية، القضايا العادِلة، القضايا الأمّ التي تهمّ الأمَّة العربية والإسلامية، هذا التضخيم الذي يهدف الترويج حلول لإشكالات بوجهات نظر غير أصيلة، أو لا تخدم مصالح الشعوب العربية. هناك بذرة تطلّع لدى طلبة الجزائر، وطلبة العالم العربي والإسلامي من أجل غد أفضل من أجل فقهٍ حقيقي لواقع الأمَّة المأزوم، وهذا الفقه لواقع الأمَّة المأزوم بداية الطريق لتصحيح مسار القضية الفلسطينية التي هي قضية رُكن ركين في الضمير الجَمْعي للمجتمع الجزائري وللشعوب العربية والإسلامية جمعاء، وتمثّل حضوراً يومياً لدى عموم الشعوب العربية والإسلامية، يتجلّى ذلك من خلال المقاييس التي تدرس المواد التي تدرس والبحوث الماستر والدكتوراه التي تتناول هذه القضية والقضايا العادلة التي تهدف من خلالها إلى إعادة الأمَّة إلى سابق عهدها.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً دكتور عبد الرحمن هو الوَعي، ودعنا نؤذّن جميعاً حيّ على الوَعي، حيّ على الوَعي، حيّ على الوَعي في أوطاننا والوَعي هو الطريق نحو الحضارة نحو النهضة.

الدكتور عبد الرحمن طيبي شكراً جزيلاً لك، دكتور محمد الحاج سالم من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك.