الشاعر دخيل الخليفة

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. لا يُمكن الحديث عن المشهد الشِعريّ في (الكويت) من دون المرور باسم ضيفنا الكريم، لا مرور الكرام العابرين بل مرور القُرّاء المُحبّين المُعجبين والنُقّاد الدارسين والمُتفحّصين، وذلك لكونه يُعتَبرُ واحداً من ألمع شعراء جيله متّكِئاً على نِتاجٍ شعريٍّ مُتميّزٍ ومُتنوّع جرّب خلاله الأشكال الشعريّة على اختلافها، فكتب القصيدة العاموديّة وقصيدتيّ التفعيلة والنثر وظلّ في جميع حالاته أميناً للمضمون الإنساني العميق الذي لا يصحّ من دونه شعر ولا نثر. "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب يُسعَدُ بالإضاءة على تجربة مُبدعٍ من (الكويت) العزيزة ويُضاء، ولو عبر الأثير، بحضور الشاعر المُتميِّز الأُستاذ "دخيل الخليفة"، أهلاً وسهلاً في "بيت القصيد"

دخيل الخليفة: يا هلا، مرحباً عزيزي "زاهي" فيك وفي كلّ متابعيك ومُشاهدي هذا البرنامج المعروف

زاهي وهبي: نحن سُعداء بوجودك معنا، إن شاء الله نُسعَد باستقبالك في (بيروت) لاحقاً بعد أن تنتهي جائِحة "كورونا" والشروط التي فرضَتها على حياتنا. سؤالي الأول، لماذا تكتب الشِعر؟ ما الذي أضافه الشِعر إلى حياتك، إلى شخصك، إلى تجربتك في هذه الدنيا؟ 

دخيل الخليفة: "زاهي"، سوى محبّة الناس ما الذي يُمكن أن يُضيفه الشعر؟ نحن الذين نُضيف إلى الشِعر بما نمتلكه من معرِفةٍ ومن رؤيةٍ بحيث نستخدمه لعمل توازن، إن كان هناك من منفعة فهي عمل توازن ما بين الخارِج وما بين ذاتك أنت وبالتالي تستطيع عبر هذا الشِعر، إذا كان ثمّة منفعة أو إضافة، تُعيد تشكيل ذاتك من الداخل وبالتالي استيعاب هذه القضايا الخارجية لمُحاولة إعادة صوغها وطرح أسئِلة عبرها 

زاهي وهبي: ما الذي أغواك حتى تكون القصيدة هي الشكل التعبيري وليس أيّ شكل كتابي آخر؟ 

دخيل الخليفة: أعتقد أنّ هذا ليس خياراً شخصياً مطروحاً يُمكِّن الفرد من اختيار الشِعر في فترات مُبكِّرة، إنّما يجد نفسه هكذا وقد انغمس في الشيء كونه ينبع من موهبة

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: وبالتالي أعتقد إنّها لن تكون خياراً شخصياً لرغبة الإنسان وإلا لكان الكثير من البشر أصبحوا شعراء وروائيين وقصّاصين وغير ذلك

زاهي وهبي: تقول حضرتك إنّ الهمّ الإنساني في كل مكان هو قضيّتك

دخيل الخليفة: نعم 

زاهي وهبي: لماذا تُحمِّلُ نفسك كل هذا العبء؟ 

دخيل الخليفة: أنا وغيري، لأننا مسؤولون عن قضايا الناس، لأنني أعتقد أنّ الشاعر رسول البشرية يا "زاهي"، وبالتالي الشاعر لا يعيش على القمر ويرى كل هذا الدمار ويقف صامتاً، إلا ويكون ممثلاً للناس، يحمِل قضاياهم، تنعكس على ذاته ثمّ يطرحها على شكل نصّ. هذا النصّ يحمل رؤية، يحمل همّاً إنسانياً، يحمل الكثير من الأسئِلة التي يُمكن طرحها 

زاهي وهبي: في هذه الحال يُمكننا أن نقولنّ قصيدتك هي إبنة المكان والزمان؟ إبنة الواقع الذي نحياه؟ 

دخيل الخليفة: من دون شكّ هي إبنة المكان والزمان، لكن أيضاً من خلال قصيدتي لا أُريد لها أن تكون آنيّة، أريدها أيضاً أن تكون إبنة المستقبل. أنا أفتح نافذة عبرها للمُستقبل 

زاهي وهبي: كيف؟ 

دخيل الخليفة: من خلال إعطائِها بُعداً حَداثياً أكثر، أعني بُعداً إبداعياً. الحداثة الشعريّة لها شروط، أن تُبعِدها أولاً عن الحدث، ألا تكون انعكاساً لحدث، لا تكون انعكاساً مباشراً لهذا الحدث. أن تستلهم هذا الحدث وتُخرِجه في شكل نصّ عابِر للزمان والمكان وإن كنت أنت تعيش واقعاً لأنّ كل واقع يا "زاهي" هو واقع مُتغيِّر. واقعك الآن يختلف عن واقعك خلال خمس دقائِق أو عشر دقائِق

زاهي وهبي: وربما هذا سرّ الشِعر، أنّه قادر على أن يقول الآن ويقول الغد في نفس الوقت، ولهذا عاشت قصائِد الشعراء الخالدين عبر العصور وعبر الأزمنة 

دخيل الخليفة: لكن ليس كل شِعر وليس كل شاعر 

زاهي وهبي: طبعاً ليس كل شِعر وليس كل شاعِر 

دخيل الخليفة: الشاعر الذي يمتلك بُعدَ نظر، الذي يمتلك رؤية هو الشاعر الذي يعيش نصّه 

زاهي وهبي: نعم. أعرف من خلال قراءتي لدواوينك أُستاذي، كأنّك تكتب الحُزن والأسى والفُقدان أكثر مما تكتب الفرح والسعادة واللحظات التي ينغمِس فيها الإنسان ربما أكثر من سواها، يعيشها بدل أن يكتبها. لحظات الحبّ ربما يعيشها، وربما الشاعر يُفضِّل أكثر أن يعيشها من أن يكتبها. هل هذا الأمر وهذه المُلاحظة في مكانها؟ 

دخيل الخليفة: في مكانها لأنّ الفرح قصيدة لا تُكتَب يا "زاهي". أنا لا أعتقد أنّ هناك شاعراً يكتُب عن حال فرح، لكن حتى الحب هذا حينما نعكسه في نصّ إنّما هو يحمل مُعاناة. العشق والحب مُعاناة، نوع من المُعاناة، نوع من المشاعِر المُتَدفِّقة التي تتكوَّن داخلك لكن الفرح كفرح لا يُمكن أن ينعكس. طوال عُمره الإبداع هو نتيجة مُعاناة 

زاهي وهبي: هل يُعوِّض الشِعر أو الفنّ عموماً، ونحن هنا نتحدَّث مع شاعر، هل يُعوِّض الشِعر، هل تعوِّض القصيدة الخسارات، الفُقدان، الانكسارات التي يعيشها الشاعِر في حياته؟ 

دخيل الخليفة: نكتُب لنوازِن "زاهي". كتعويض مباشر لا يوجد تعويض مباشر لكن نحن نكتب لنوازِن بين عالمين، هذا العالم الخارجي في كوارثه وخسائِره وعوالمنا الداخليّة لكي نبقى على الأقل، لكي نتوازِن

زاهي وهبي: إذاً الشِعر يمنحك التوازن وتكتب حضرتك أشكالاً مُتعدّدة أو كتبت القصيدة العاموديّة، كتبت التفعيلة، كتبت قصيدة النثر في زمن الأصوليّات الشعريّة إذا صحّ التعبير، بمعنى شعراء العامودي مُتعصّبون جداً للشعر العامودي وشعراء النثر لا يقلّون تعصّباً لقصيدتهم وهكذا. هذا التنوُّع هل كان مع سَبْق الإصرار؟ 

دخيل الخليفة: أنا أجد هذا التعصّب نوعاً من الجهل في الفنّ الشعري

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: يُفترض أنّ الشكل كشكل هو إطار، هو زيّ لا علاقة له بالنصّ، بمعنى لا علاقة له بالشعر داخل هذا الشكل. هذا الشكل، إن كان الشكل القديم فأنت تأتي لتُعبِّئه بالشعر، وإن كان الشكل الحديث سواءً كتفعيلة أو قصيدة نثر فأنت تبنيه خلال الكتابة، وهذا الأسلم. حينما أكتُب لا أنظُر تماماً إلى الشكل، أنظُر إلى الشعر أولاً إن جاء في هذا الشكل أو في الشكل الآخر، هذه نُقطة. النُقطة الأُخرى، يُفترَض بنا أن نبتدئ من حيث انتهى الآخرون. بمعنى عندنا تيّارات رائِعة بنَت لنا أمجاداً شعريّة رائِعة وأدخلتنا في تيّارات الحَداثة من حيث انتهى العالم. إذاً، لماذا نعود لنبدأ من جديد في قضيّة تأصيل الأصول؟ لماذا لا نبدأ من حيث انتهى جماعة الستّينات أو الخمسينات أو السبعينات ونُكمِل نحن المشوار في نَفَسٍ مُختلِف؟ 

زاهي وهبي: نعم، وهكذا تفعل حضرتك ويفعل شعراء كثيرون. إذاً أنت لا تؤمِن بنموذجٍ أو قالبٍ مُحدَّد للقصيدة

دخيل الخليفة: لا، أنا أؤمن بالشِعر فقط داخل هذا القالب، لكن القالب لوحده لا يُمثِّل لي شيئاً أبداً

زاهي وهبي: ما هو تعريفك للشِعر في هذه الحال؟ ما الذي يُميِّز الشِعر هنا عن النثر؟ 

دخيل الخليفة: الِشعر هو اقتناص حال عابرة للزمان والمكان، اقتناص حال إبداعيّة عابِرة للزمان والمكان، هكذا أفهم. أعتبِر الشِعر فنّاً لغوياً، حُلُماً، هكذا أعتبر الشِعر، هذا ما يجعله مختلفاً عن الكلام العادي، الكلام الذي نستخدمه في التواصل. الشِعر فنّ إشارة، لغة إشارة 

زاهي وهبي: مَن هم الشعراء الذين شكّلوا ذائِقتك؟ أنا أعرِف أنّ "محمود درويش" قد يكون أبرز هؤلاء، لكن في أيّ مناخ شِعري تشكّلت اللبنات الأولى لتجربتك الشعرية، أو لذائِقتك الشِعريّة عفواً 

دخيل الخليفة: والله "زاهي" أنا قرأت الكثير، قرأت الشعر وفق العصور وهذا هو الواجب، أن تتشرَّب موروثك أولاً لكي تستطيع أن تبني على هذا الموروث. لكن أنا مع كل قصيدة أجد فيها اختلافاً، كل قصيدة أجد فيها إبداعاً، أنا أكون معها، أكون مع كل شاعر يستطيع أن يُقدِّم الجديد. أنا قرأت لـ "أدونيس"، لـ "محمد بن نيس" لـ "قاسم حدّاد"، لـ "محمود درويش"، لـ "سعدي يوسف" ولـ "وديع سعادة" ولـ "جوزيف حرب" ولـ "أحمد فرحات"، ولكل هؤلاء قرأت. لكن أنا دائِماً كل شاعر أقرأ له لا بدّ من أن أكتسب منه شيئاً جديداً. الشاعِر الذي لا أرى فيه جديداً لا يُمثِّل لي شيئاً، هو تجربة عابرة ككل التجارب 

زاهي وهبي: ما الذي جعلَ "محمود درويش" أقرب من سواه؟ 

دخيل الخليفة: ليس أقرب من سواه، أنا أقول إنّ هذا الذي تشعُره أحياناً بأنني مُتأثّر به أو أنّه أقرب لي هو موضوع الهوية. الهويّة متوافرة في موضوع "محمود درويش" أو أغلب شعراء (فلسطين)، وهو الموضوع الذي أصلاً أنا معني فيه وهو موضوع الهويّة، أو جرح الهويّة، هو الشيء الذي يُحرِّكني أكثر كوني أُمثِّل فئة تعاني من موضوع الهويّة. لذلك تجد أنت هذا التقارُب مع "محمود"، وهو تقارُب يُشرِّفني 

زاهي وهبي: وهي فئة "البُدون" في (الكويت) الذين لا يحملون جنسيّة الوطن الذي ينتمون إليه، وهي فئة قدَّمت الكثير من المُبدعين في كل المجالات. وأنا كان لي حظّ محاورة عمالقة من الكويتيين "البُدون". هل تؤمن بمُصطلح "أدب البُدون" بما أنّك تُشير إلى الاشتغال على الهوية وجرح الهويّة؟ 

دخيل الخليفة: والله أؤمن به كثيراُ وربما أكون من أكثر الناس الذين يتحدَّثون عن مُصطلح "البُدون"، لكن للأمانة التاريخية، أول من أطلق مُصطلح "أدب البُدون" كان الروائي المعروف "وليد الرجيل" في مجلّة "الطليعة" عام أعتقد 1994. لكن بقيت أُكرِّر هذا المُصطلح لأنّ هذا المُصطلح "أدب البُدون" يُعطي خصوصيّة لاشتغالات "البُدون" داخل المشهد الشِعري الكويتي 

زاهي وهبي: ما هي هذه الخصوصيّة؟ ما هي أبرز السِمات؟ 

دخيل الخليفة: السِمات هي الاشتغال على موضوع الهويّة وعلى موضوع المُعاناة وعلى كل الأشياء التي تُمارَس أو تواجهها فئة من البشر، هم عددهم تقريباً 150 ألفاً 

زاهي وهبي: نُحيي الجميع، جميع أهل (الكويت) وجميع شرائِح أهل (الكويت). نسمع شعراً أُستاذي لو تكرَّمت؟

دخيل الخليفة: 

ونطلّ من نبغ الحروفِ إلى لقاءٍ عابرٍ 

لا تسألين عن الغيابِ ولا يمرّ بيَ العتاب

ندور في معنى الكنايةِ سائِحين يمثّلان على بُعيضِهما 

سؤالٌ عن هروب القلبِ من صَدَفٍ يُجّففه مرور الوقت

أُغنيةٌ هناك عن الخديعة والسهر

وأنا بصوتكِ زورقٌ هيمان أغرَقه النهر

أنتِ السخيّةُ في غيابِكِ والسبيّةُ في حضوركِ 

والرهينةُ في ارتعاش الليل متّكئاً على شفة القمر 

كم صيغةٍ للحبّ تكتبها الرموش 

مساؤها ولهٌَ يذوبُ مع الصباحِ كأنّه لا شيء

ثمّ يسيل نحو جراحه أقصى الغياب 

كدمعةٍ مِرآتُها الذكرى، محطّتها السفر 

وأنا حصانُ الغيم أركضُ أينما تلدُ الفصول حكايةً 

من نجمةٍ منسيّةٍ في الليل بين قصيدتين لشاعِرٍ ماتت حبيبته

وراحَ يُعيدُ ترتيبَ الحكاية من جديد 

ثمّ علّقَ بين قافيتين حبلاً وانتحر 

وأنا وأنتِ كضفّتينِ تناغيانِ الماء 

ثمّ تراوغانِ مرارةَ العطشِ المُفاجئِ 

أنتِ كنتِ تلوّنين الليل بالمُدنِ المُضيئة  

والأساطيرَ التي سهرت على أجفانِ بابِلَ 

ترسمين خريطةً لملامحِي وأنا هنا لا غُربتي بلدٌ 

ولا منفايَ عشٌّ في الشجر 

زاهي وهبي: جميل، وجميل أنّك بدأت بشعر حبّ، عِلماً أنّ بعض الذين قرأوا وكتبوا عن مجموعاتك الشعرية يسجّلون أنّ المرأة أقلّ حضوراً مما ينبغي لدى شاعِر. هل هذا الانطباع صحيح؟ 

دخيل الخليفة: لا غير صحيح. الكثير من قصائِدي كانت قصائِد للمرأة، لكن حتى قصائِد المرأة تتمثّل فيها الأرض، يتمثّل فيها الوطن الحلم. أحاول دائِماً أن يكون نصّي مزيجاً من كل هذه الأشياء لأنني أعتقد أنّ هناك تشابُهاً في حُضن الأرض أو حُضن المرأة، في قلب الأرض وقلب المرأة، الكثير من التشابُه 

زاهي وهبي: نعم. لماذا اعتبرت، وهذا الرأي أثار الكثير من الآراء والجدل، أنّ خشونة القصيدة العاموديّة لا تُناسِب المرأة وأنّ الشكل العامودي هو شكل رجالي بامتياز؟ بينما نحن نُلاحظ في تاريخ الشِعر العربي أنّ هناك العديد من النساء اللواتي كتبن قصائِد عاموديّة باهِرة 

دخيل الخليفة: أولاً أنا تحدّثت عن الشكل كشكل لا يُناسب المرأة وقلت: رغم إجادتها كتابة النصّ العامودي، ولكن حُرِّفت هذه التغريدة وأُزيلت منها "رغم إجادتها" واشتغلوا عليها كثيراً، بمعنى أنّ الردود استمرت لأُسبوع وربما أكثر، وحضرتك رأيتها أكيد

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: أكثر من سبعمئة ردّ أو أكثر. أنا أعتقد أنّ النصّ العامودي نصّ خشِن ونصّ رجالي إلقاءً وكتابةً لسبب. أنت لو تُلاحِظ على مرّ التاريخ المُتميّزين في القصيدة العاموديّة سواء في الزمن القديم أو إذا جئنا إلى الزمن الحديث لا يتجاوزون عشرة أسماء. ستقول "المُتنبّي " ثمّ تقول "المعرّي" ثمّ تقول "الجواهري" و"عبد الرزّاق عبد الواحد" و"سعيد عقل" إلى أن نصل إلى "جاسم الصحيِح" و"جمال المُلا" و"حسين القاصد" و"محمد البغدادي" إلى آخره. قلت أنّ هذا النصّ يحتاج إلى فنّ إضافي، إلى خصوصيّة. هذه الخصوصيّة لا تُناسب المرأة أولاً، والشكل العامودي لا تستطيع المرأة أن تُحمِّله مشاعِرها لأنّه نصٌّ خشِن بُنيَ عليه المدح والهجاء والرثاء وكذا أكثر حتى من بناء العاطفة. المرأة غير قادرة 

زاهي وهبي: ماذا تقول عن "الخنساء" وعن "رابعة العدويّة" وعن "ليلى الأخيليّة" وعن "جليلة بنت مُرّة" وعن إلى آخره؟ 

دخيل الخليفة: لا نتحدّث عن ألفيّ سنة من الشِعر ونذكُر أربعة أسماء سابقة يفصلنا عنها أيضاً ألف ومئتي سنة، لكن أتحدَّث عن الآن، عندما تحدَّثت في تغريدتي تحدَّثت عن الوضع الآن. الوضع الآن، أعطني من الأسماء التي تكتُب عامودياً إذا استثنينا تجربة إلى الآن قدَّمت أشياء جميلة مثل "هيفاء الجَبري" و"عائِشة السِيفي 

زاهي وهبي: "سارة الزين"

دخيل الخليفة: "سارة الزين" نعم صحيح 

زاهي وهبي: "أسيل صقلاوي"

دخيل الخليفة: هذه أسماء قليلة "زاهي" قياساً بهذا العدد الرجالي، وأنا أعتقد أنّ 

زاهي وهبي: "شميسة النعماني" 

دخيل الخليفة: "شميسة" نعم، إذا أنت قرأت لـ "عائِشة السيفي" و"شميسة"

زاهي وهبي: طبعاً أتابعهما

دخيل الخليفة: أقصِد إذا قرأت قصيدة التفعيلة عند الشاعرات ستجد أنّهنّ متفوّقات تماماً حتى على الكثير من التجارب الرجّاليّة، عند "سارة" وعند "عائِشة السيفي" و"شميسة النعماني" و"هيفاء" و"أسيل" وكلّهنّ عندهنّ نصوص تفعيلة مُذهِلة لكن هنّ، لأنّهن يجدن الكثير من التشجيع في "تويتر"، مستمرّات في النصّ العامودي. لكن أنا شخصيّاً اطّلعت على قصائِد تفعيلة عندهنّ، وأنت أكيد اطّلعت على قصائِد "شميسة" و"عائشة"، لكن "ساره" تحديداً عندها نصّ تفعيلي مُذهِل لكنّها لا تنشره في العلن 

زاهي وهبي: في رأيك إذاً، هي وجهة نظر طبعاً قد نناقشها طوال اللقاء لكن في رأيك قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر هي أقرب إلى المزاج الأُنثوي وإلى الحساسيّة الأُنثويّة 

دخيل الخليفة: نعم. ثمة إمكانية أن تُعبِّر عن مشاعرها لسبب، أنّ في النصّ العامودي ستُفكِّر في الشكل وكيفية تعبئة الشكل لكن في النصّ الحديث سواء تفعيلة أو حتى قصيدة نثر هي تكتُب والنصّ يُبنى أثناء كتابتها. إذاً هي لا تُفكِّر في الشكل بينما في العامودي تُفكِّر في الشكل

زاهي وهبي: في رأيك عبر التاريخ أليس من الممكن أن يكون المُجتمع والعقليّة الذكوريّة طمست نتاج المرأة في كثير من الأحيان؟ في الشعر العامودي أتحدَّث 

دخيل الخليفة: من دون شك، المرأة مظلومة في قضيّة الشِعر، مظلومة مُجتمعياً حتى. أنا الآن أعرف الكثير من التجارب الرائعة جداً لكن لا يُمكن للشاعرة أن تنشُر في جريدة ولا تستطيع أن تنشُر صورتها ولا يمكننا أن نُجري معها لقاءً، شاعرات رائِعات يكتبن نثراً وتفعيلة وعامودياً. طبعاً المُجتمع كان قاسياً على مرّ التاريخ على المرأة وتحديداً المرأة الشاعرة رغم أنّها في الزمان القديم كانت أفضل 

زاهي وهبي: كانت أكثر حريّة في التعبير عن مشاعِرها وعن أفكارها وعن آرائها 

دخيل الخليفة: حتى في الشعر الشعبي في (الجزيرة العربيّة)، إلى أوقات قريبة كانت تُعبِّر وتكتب باسمها الصريح، من "بخوت المريّة" إلى شاعرات أُخريات، كلّهن يكتبن بأسمائِهنّ الحقيقية ويتغزّلن، يكتبن الشعر عادي يعني  

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: الآن فقط مع اشتداد التيارات الدينيّة والأوضاع الاجتماعيّة الصعبة وقضايا القابليّة والعادات والتقاليد فقدنا شاعرات، مثلاً "دلال جاسم"، شاعرة تكتب قصيدة نثر في شكلٍ مُختلف ومُذهِل. توقّعنا أنّها قد تكون أهمّ شاعِرة عربية في قصيدة النثر، أينها الآن؟ تجربة واحدة واختفت، راحت 

زاهي وهبي: عندنا "سعديّة مفرِّح"، نكتفي بـ "سعديّة مفرِّح" صديقتنا العزيزة 

دخيل الخليفة: "سعديّة" من أُسرة تُشجِّع على الإبداع وبالتالي رحمة الله على "سعد مفرِّح"، كان خير رجل وخير أخ وخير سند لـ "سعديّة مفرِّح" 

زاهي وهبي: نعم. أُستاذي إسمح لنا أن نتوقف مع تقرير نستعرِض فيه بعض ملامح تجربتك ثمّ استراحة سريعة نتابع بعدها "بيت القصيد" 

تقرير: صوتٌ متميزٌ ومُجدِّدٌ في المشهد الشعريّ العربيّ والكويتي. احترف القراءة قبل الكتابة وبَرَعَ باكراً في الشِعر وعَروضِه. كويتيّ المولِد، إنسانيُّ الهمّ والانتماء. نَشَرَ ما يزيدُ عن ستّة دواوين شعريّة منها: "أعيدوا النظر في تلك المقبرة" و "ما يكفي لتأمين طائِر" و "صاعداً إلى أسفل البِئر" و "عيونٌ على بوّابة المنفى". احترَف "الخليفة" العملَ الصحافي والتحريريّ لأكثر من ثلاثين سنة، وإن كانت الحياة وهمومها قد أثقلت عليه فإنّ الشِعرَ أبقاهُ على قَيْد الأمل ووصلَه بجمهورٍ عريضٍ كان له عائِلةٌ ووطنٌ بديل. "دخيل الخليفة" شاعِرٌ مُجدِّدٌ طليعيّ، موسوعيّ المعرِفة، يكتُبُ بثبات العارِفِ عن العملِ والألمِ بلُغةٍ غضّةٍ فيّاضة      

المحور الثاني 

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الشاعر الكويتي القدير الأُستاذ "دخيل الخليفة". أُستاذ "دخيل"، أُلاِحظ من متابعتي لحضرتك على "تويتر" أنّك تحرِص على نشر مُقتطفات شعريّة أو شَذَرات شعريّة إذا جاز التعبير مكتوبة بخطّ يدك، وهو خطّ جميل، لماذا تتعمّد أن تُصوِّر النصّ الشعري مكتوباً بخطّ اليد؟ 

دخيل الخليفة: هذا لسبب. أولاً أنا "زاهي" الحمد لله أكتُب الرُقعة وأكتب النسخ والديواني والفارسي إلى حدٍّ ما 

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: وهذه نِعمة من الرحمَن، لكن كنت في السابق أُغرِّد في شكلٍ عادي مطبوع، لكنك تكتشف حينما تغرِّد تغريدة أنّ شباب جماعة الـ Copy - Paste من الأسماء المستعارة ينسخون تغريدتك التي تذهب إلى عشرين أو ثلاثين أو أربعين إسماً، ولا كأنّك أنت كتبتها 

زاهي وهبي: نعم 

دخيل الخليفة: ووجدت أنّ الأفضل أن أكتِب النصّ بيدي لأنه لن يُنسخ Copy – Paste. وبالفِعل، نجحت بنسبة 95 إلى 99 في المئة بأن يبقى نصّي لي على "تويتر". ووجدت أيضاً قبولاً من جماعة المُغرّدين والمُتابعين في أن أكتب بخطّي أفضل، واستمرّيت على هذه الطريقة 

زاهي وهبي: حماية لحقوق الملكيّة الفِكريّة يُمكننا أن نقول. نسمع المزيد من الشِعر لو سمحت أُستاذ "دخيل". تفضّل  

دخيل الخليفة: 

جرفتكَ المسافةُ بين غيابين 

أيقظكَ الجمرُ من ضِحكة الأمسِ يا نادِلَ الخيبةِ المُستبِدّةِ 

خذنا لهمسِ الفتيلةِ يكسوه ليلٌ بطيءٌ يهفُّ رمادَ المواويل 

ماذا تُخبّئ في نظرةٍ لم تكُن لأحد؟ 

وجَلٌ من هزيز الفراغ تسللتَ خارِج قلبك 

لكي تهِب العُمرَ رائِحة امرأةٍ تتردّد في الحُب

كُن مثلها وَعلاً غافياً في جسد 

نِمتَ مثلَ القنافِذِ وحدكَ تلتحفُ الحُزن 

تندسُّ تحتَ ضلوعِك كي تذبح الوقت 

في خيمةٍ أنكَرَت حبّها للوتَد

بين قوسين أثّثتَ كل الخسائِرِ بالوَهم 

تحلُمُ أن ينضجَ الزمنُ الخشبيُّ 

تنادي على الشمسِ في صدأ العُمرِ حتى تهدّلَ غُصنُك

مُنتظراً أن تُصافِحها من دون يدّ، واهنٌ، بينما الحظُّ قِنطرةُ الخائِنين 

كأنّك جرحُ طريدٍ على جسد الأرض أغواكَ بُروازها 

فانغمستَ تشُدُّ نِطاقكَ في سنوات المتاهة 

لكنّهم أوهموك وأنت على شِحّةِ العُمر، صرتَ الأبد

ما انتبهتَ لنابِ النهايات تنحتُ نعشكَ يا طيِّبَ النبع 

حتى تآكلتَ في خُوذة البحرِ، ثوبُك جزرٌ وعُرُّك مدّ 

صِحتَ في سهوة الغُرباء قُبيلَ انتحارِكَ 

نحن ضحاياك، نحن ضحاياك 

نحن ضحاياك خُذنا إلى الحرب إن شِئت 

واترُك لنا لوعةَ الحُبِّ يا سيّدي يا بلَد 

شكراً 

زاهي وهبي: جميل جداً. واضح أيضاً وجود قلق الشاعِر الوُجودي، القلق الوُجودي المُعتاد لدى الشُعراء، طبيعي أعني 

دخيل الخليفة: صحيح

زاهي وهبي: تفضل إن أردت أن تُضيف شيئاً 

دخيل الخليفة: أنا أقول إنّ النصّ في شكلٍ أو في آخر هو انعكاس لواقِع مأساوي، أنا هكذا أشتغِل نصوصي في هكذا طريقة. أُحاول أن أكون صوت الآخر، وهذا عهدٌ بيني وبين نفسي باستمرار أنّ كلّ قضيّة تخُص هذا الآخر، تخُصّ هذا الإنسان، لا بدّ من أن تتفاعل في كيمياء روح الداخل وتخرُج إلى العلن في قصيدة تمثّلني وتُمثِّل الآخر

زاهي وهبي: صحيح، وكلّما اقترب الإنسان من ذاتِه كلّما اقترب من الآخر. كلّما كان الشاعر صادقاً مع نفسه كلّما كان صادقاً وعبّرَ عن الآخر. دعنا نسمع رأياً في تجربتِك أُستاذ "دخيل" من الشاعِر والكاتب والصديق العزيز، صديقنا المُشترَك الأُستاذ "عبد الرزّاق الربيعي" 

رأي - عبد الرزّاق الربيعي: تجمعني بالصديق الشاعر "دخيل الخليفة" قواسِم مُشتركة عديدة. هو يُخاطبني بـ "خالي" ونستذكِرُ معاً بيت الشاعر " خالي لأنتَ ومَنُ جريرٌ خاله ... ينل العلاء ويكرِم الأخوالَ "، وهو حميم جداً. من القواسم المُشتركة التي تجمعني به الشعر والصحافة، أيضاً الألم وعناوينه، مجامِعه تضُجّ بالألم. هو أيضاً يطرح العديد من الأسئِلة في شِعره. "أعلِّقُ القلب على مسمارين وأعدّ للعشرةِ لأعرِفَ أيُّهما وطني" أو مثلما في قوله " كم من الموتِ يُلزِمنا لنهلَ أسئِلة مفتوحة وحزينة وتحمِلُ من الأوجاعِ والآلام الكثير"؟ بدوري أسأله: كم أكلت الصحافة من جُرف الشاعر "دخيل الخليفة"؟ شكراً 

زاهي وهبي: شكراً للشاعر الصديق الأُستاذ "عبد الرزّاق الرُبيعي". شهادة مُحِبّة كعادته، تفضّل. سؤال وجيه، حضرتك عمِلت كثيراً في الصحافة في عدّة منابر مختلفة ومُتنوِّعة؛ كم أكلت من جرحِك؟

دخيل الخليفة: دعني أشكُر الخال الشاعر العزيز "عبد الرزّاق الربيعي" على هذا التقييم. الصحافة هي مهنتي ومهنتك "زاهي" ومهنة "عبد الرزّاق" وآخرين، أكلت الكثير من أعماقنا صراحةً. لكن ماذا نقول إذا كانت مُرتبِطة بلُقمة العيش؟ نحن نشتغِل في حقل اللغة، ولا أعتقد أننا نصلَح أن نكون تجّاراً ولا أن نكون شيئاً آخر ولا عُلماء كيمياء. نحن لا نمتلِك هذه الصنعة، صنعة اللغة، وبالتالي ليس هناك من مجال أمامنا سوى أن نعمل في الصحافة سواءً صُحُف أو مجلات أو كذا. وأيضاً أكلَت ما أكلَت من عُمري وأخذت الكثير من وقتي وربّما حتى أخّرت كثيراً عمليّة القراءة وعمليّة الكتابة. لكنّي أيضاً أتذكّر أنّ الصحافة طبعاً 

زاهي وهبي: أعطت تعني؟ 

دخيل الخليفة: طبعاً إذا قلنا أنّك أنت تعتاش من الصحافة لكن أتذكّر أنني كتبتُ ديوانين في الجريدة. "يدٌ مقطوعةُ تطرُق الباب" كتبته في جريدة "الأنباء"، كنت إذا جئت في وقتٍ مُبكِّر ووجدت أنّ الحال تستدعي الكتابة كتبت، أو أبقى إلى وقتٍ متأخِّر وأكتُب أحياناً. وفي مجلّة "آراء"، هذا كان إسمها، كتبت "صاعداً إلى أسفل البئر" لأنني لا أدري ما صار عندي، ما يُشبه الحال، أنني حينما أجلس في المكتب أستطيع أن أكتُب. وبالفِعل كتبت، لا أقول ديوانين في الكامل لكن سبعين في المئة من " صاعداً" وسبعين في المئة من "يد مقطوعة" كُتِبت في مقرّ العمل في الصحيفتين 

زاهي وهبي: أشار الأُستاذ "عبد الرزّاق الرُبيعي" إلى بعض عناوين كُتبك وهي عناوين جميلة للحقيقة وغريبة في نفس الوقت، "عيون على بوّابة المنفى" "بحرٌ يجلس القرفصاء" "صحراء تخرُج من فضاء القميص" "يدٌ مقطوعة تطرُق الباب" "صاعداً إلى أسفل البئِر" "أعيدوا النظر في تلك المقبرة" وكتاب مُختارات بعنوان " ما يكفي لتأبينِ طائِر". سؤالي: كيف تولَد عناوين الدواوين لديك؟ وهل هناك نَفَسٌ سُريالي في بعض العناوين؟

دخيل الخليفة: والله شوف، فيها إلى حدٍّ ما نَفس لكنه يتّضِح أكثر عندما تقرأ المضمون. أنا عندي وجهة نظر في ما يخُصّ العنوان، أنا أجِد أنّ العنوان ليس شارِحاً بل مُكمِّلاً للمضمون. أعني يأتي العنوان لا يشرح الداخل بقدر ما يكون مُكمِّلاً. لذلك أختار جملة شعريّة أحياناً تكون موجودة في الداخل وأحياناً تكون غير موجودة بل من عندي لكي تكون مُكمِّلة لنصوص الديوان. لذلك أتعب كثيراً في اختبار عناويني وأحياناً أحتار بين عنوانين وأطرح على أصدقائي المُقرَّبين جداً أن أختار بين هذا وذاك عِلماً أنني أميل إلى هذا العنوان مثلاً أكثر بقليل وبالتالي يتمّ الاختيار 

زاهي وهبي: أي لا نستطيع أن نقول كما يقال "المكتوب يُقرأ من عنوانه"، الكتاب لا يُقرأ من عنوانه 

دخيل الخليفة: لا، بالنسبة لي أعترِض على هذه المقولة في ما يخصّ الشِعر، في ما يخصّ الشِعر لا أعتقد أنّه يُفتَرَض أن نمشي في هذه المقولة القديمة أنّ "المكتوب يُقرأ من عنوانه". أعتقد أنه في الشِعر لا، يُفتَرَض أن يكون العنوان مُكمِّلاً لما هو داخل المجموعة الشِعريّة، عفواً يأتي مُكمِّلاً 

زاهي وهبي: نعم. يرى بعض النُقّاد أنّ في العديد من قصائِدك وخصوصاً في "صحراء تخرُج من فضاء القميص" نوع من ذاكرة بدويّة أو ذاكرة بداوي إذا جاز التعبير، هل هذا الانطباع صحيح؟ وما هي ذاكرة البداوي لديك؟ الشعر العربي إبن البداوي يُمكننا أن نقول في راحة ضمير  

دخيل الخليفة: أنا أعتقد أنّ في الصحراء هناك بيئة وقاموس لم يقع عليه الآخرون. لاحِظ أنّ خصوصيّة "سليمان فليِّح" رحمة الله عليه 

زاهي وهبي: الله يرحمه 

دخيل الخليفة: كانت من هذا القاموس الصحراوي. بالتالي أنا أجِد أنّ أهمّ ما لدى الشاعر هو ما يُقدِّمه من قاموس تحديداً في أيّة مجموعة شعرية لأنّ التكرار يحدُث أحياناً حينما أنت تُكرِّر في قاموسك الشعري. لجأت إلى الصحراء ولاحقاً إلى "سليمان فليِّح" لأنّ هذه الصحراء فيها مناطق بِكر لم تُكتَشف بعد على صعيد النصّ الشِعري وذلك عبر الاستفادة من قاموس، كيف يُمكن أن تمرِّر عبر هذا القاموس ما لديك من أفكار حداثيّة، من رؤيا، من فِكر لا يُخفى عليّ. وجدت أن الحال هنا غنيّة يُمكن أن نستخدمها. بالتالي استخدمتها في "صحراء"، والآن إشتغل ديوان على قصاِئد مدوّرة غالباً أيضاً فيه الكثير من مُفردات الصحراء وكثير من المناطق من البيئة الصحراوية

زاهي وهبي: نعم. أشرت إلى شاعِر متميِّز جداً الله يرحمه "سليمان الفليِّح"، وهو يستحقّ كل تقدير ونذكُره بحبّ وإعجاب شديدين. هذا يجعلني أسألك، اليوم مَن هم شعراؤك؟ غير الذين ذكرناهم من القامات، الذين ممكن أن يكونوا شكّلوا ذائِقتنا جميعاً 

دخيل الخليفة: والله أنا مع النصّ الشِعري يا "زاهي"، أنا مع النصّ الشِعري الجميل. صحيح عندنا شباب موهوبون تحديداً في الخليج، شباب موهوبون كُثُر. في النصّ العامودي ذكرت لك "جاسم الصحيّح " و"جمال المُلا" و"محمد البغدادي" العراقي وآخرين مُتميّزين في النص العامودي 

زاهي وهبي: لكن أُلاحِظ أنّ عندك على الشباب دائِماً عَتَب، على جيل اليوم ربّما الذي ينشُر في وسائِل التواصل. هناك الكثير اليوم حتى من الكُتُب تُطبَع وتُنشَر ملأى بالأخطاء الإملائية والقواعديّة وفي ركاكة لغوية إذا جاز التعبير

دخيل الخليفة: صحيح. أوّلاً أنا ضدّ نشر قصيدة نكتبها الآن وننشرها مباشرةً. معي "زاهي"؟ 

زاهي وهبي: نعم معك طبعاً 

دخيل الخليفة: أنا ضد أن أكتب قصيدة الآن وأنشُرها مباشرةً، ويفعل هذا الكثير من الشباب. الأهم لدى الشاعر هو اللغة، وبالتالي يُفتَرَض فينا أولاً أن نتسلّح بأساسيّات اللغة. أعني هناك شعراء لا علاقة لهم في النحو ولا يفهمون في قضيّة المجاز ويريدون أن يكونوا شعراء فقط لأنّ قصيدة النثر فيها متّسَع. مَن قال إنّ قصيدة النثر سهلة؟ قصيدة النثر هي أصعب الأشكال الثلاثة 

زاهي وهبي: لأنّ قواعدها غير واضحة 

دخيل الخليفة: نعم؟ 

زاهي وهبي: لأنّ قواعدها غير واضحة، غير 

دخيل الخليفة: لا لا أبداً، لها أدوات والله، والله لها أدوات. هم يعتقدون أنّ قواعدها غير واضحة لكن لها أدوات مُحدَّدة، أعني أنا قمت بأربع وِرَش فيها 

زاهي وهبي: على سيرة الوِرَش التدريبية، هل يُعلَّم الشِعر؟ هل نتدرَّب على الشِعر؟ 

دخيل الخليفة: لا أبداً. أنت لا يُمكنك أن تُعلِّم الشِعر تعليماً، لكن هناك خبرات اكتسبها الشاعِر ويريد أن يختصر الوقت على الموهوبين لكي يقول لهم إنّ الموضوع كذا وكذا، وإنّ أدوات قصيدة النثر من دون أن تمكثوا لعشر سنوات، دعوني أشرح لكم مثلاً بعض الأشياء التي تكتسبونها الآن. مثلاً قضيّة التقديم والتأخير داخل النصّ وداخل الجُملة، قضيّة فجوات التوتُّر أو الدهشة، أشياء من هذا النوع يُمكن أن تُقرِّب لهم الفِكرة. قضيّة البناء، بناء النصّ كيف يتمّ، كيف تبدأ وكيف تختُم. أنّ هناك بداية قد تكون عن طريق الحال نحوياً، هناك بداية قد تكون ظرف المكان أو ظرف الزمان، جُملة فعليّة أو جملة إسميّة، هكذا نعطيهم في الورشة أشياء لكن لا يُمكن تعليم الشِعر. نجمع بعض الموهوبين الذين نتوسّم بهم الخير ونُقدِّم لهم خلاصة ما عرفناه نحن. غداً سيزداد عددهم أكثر مما علّمناهم ويكتسبون خبرة أكثر مما علّمناهم لكن نحن نختصر عليهم الزمن لا أكثر. لا يُمكن أن نعلِّم الشِعر، مستحيل 

زاهي وهبي: لطالما كانت (الكويت) والمشهد الثقافي في (الكويت) مشهداً حيوياً، هناك الكثير من "المسرح الكويتي" في السابق أي في الستينات والسبعينات، وهناك النشر ومجلّة "العربي" وسلسلة "المعرِفة" إلى المسرح الحديث إلى آخره. اليوم، كيف ترى المشهد الثقافي والشِعري على وجه الخصوص في (الكويت)؟ 

دخيل الخليفة: شوف، على صعيد المسرح كان عندنا ظاهِرة عربيّة إسمه "صقر الرشود" الله يرحمه في تعاونِه مع الأُستاذ "عبد العزيز السريع"، ولكن قدّر الله وفقدنا "صقر الرشود" في منتصف السبعينات، في 1976 أو 1978 وكذا، وخسرنا رائداً في المسرح الكويتي. غير ذلك على صعيد المسرح، المسرح هابط، المسرح تجاري. لكن على صعيد الشِعر، أعتقد أنّ الشِعر أفضل بكثير وهناك أصوات متعدّدة الآن وحاله أفضل بكثير من الأوّل. نحن بقينا إلى أن جاءت صدمة الاحتلال العراقي لـ (الكويت)، كان الشعر تقليدياً وكان الشاعِر عندما يُلقي قصيدة تفعيلة حتى وليس قصيدة نثر في أيّ تجمُّع شعري، في أية أُمسية، تكون غريبة. الآن قصيدة النثر دخلت مع جيل التسعينات والآن هي المُتسيِّدة تكاد تكون هي والتفعيلة، أعني من النادر أن تسمع قصيدة عاموديّة في أُمسية إلا إذا كانت الأُمسية كلّها مُخصَّصة للشِعر العامودي، وكما تعلم هناك مناسبات وطنيّة وهكذا أشياء

زاهي وهبي: من أبرز الأسماء اليوم؟ من الأسماء اللافِتة في الشُعراء الشباب؟ من الجنسين طبعاً 

دخيل الخليفة: نعم، جيل التسعينات "علي الفيلكاوي" و "نشمي مهنّا" و"صلاح دبشة" و"إبراهيم الخالدي"، هذا جيلنا، و "سعديّة" و"عالية شعيب" وطبعاً فقدنا الراحل "علي الصافي" وفقدنا "أحمد النبهان" ولا أنسى الشاعر الرائِع "محمد النبهان" أيضاً، شاعر رائِع وعنده تجربة أيضاً رائِعة في قضيّة الهويّة. ومن الأجيال الجديدة، قلت لك وذكرت لك أنّ "دلال جازي" كانت رائِعة وعندها نفسٌ خاصّ في قصيدة النثر. عندنا "عائشة العبد الله " شاعرة تكتُب التفعيلة وتكتُب النثر وعندنا أيضاً " زكية الفضلي " وعندنا " أمل العايذي " و"مريم العبدلي" و "منايِر الكندري" وكلّهم يكتبون قصائِد رائِعة وجميلة والله

زاهي وهبي: على كل حال أُستاذي نُحيّي جميع مَن ذكرت بكل حبّ وكل احترام، ومن خلالك نُحيّي (الكويت) وشعب (الكويت) ونستذكر دائِماً الدور الطليعي لذي لعبته (الكويت) على المُستوى الثقافي والصحافي والمسرحي والنشر في مُحيطها الخليجي وفي مُحيطها العربي في شكلٍ عام، ونختُم شِعراً هذا اللقاء الحيوي والجميل مع حضرتك 

دخيل الخليفة: تسلم

زاهي وهبي: تفضّل 

دخيل الخليفة: 

وجعي على مهلٍ يُأرجحني 

وأعبر هازئاً من سكرة الضجر العميق

أنا هنا وأنايَ من ألمٍ هناك 

كأننا عدمٌ يُقاتلُ عُمرَه في خيبة العَبث الطويل

طرقتُ باب القلب

قنطرتي غرامٌ لا يُلائِمه الغيابُ

فظلّ يبحثُ فيَّ عن معنىً، سؤالي

بابٌ يدُقُّ يدي، أنا يأساً أدُقُّ الباب 

أومئُ كي يراني بعضيَ المنفيّ خلف الوَهمِ 

تُربِكني ظلالُ الأمس، أستلقي على ليل الكآبةِ 

لم أمُت من خيبةِ الترحال، لكنّي طُعِنتُ برُمحيَ المكسور

أوجعني احتفالُ الظنِّ حين هُزِمتُ من غيبِ المتاهةِ ها هنا 

أمشي ورائي حاملاً قلبينِ من عتبٍ ومن تعبٍ 

أطيحُ على ظلالي 

لي نخلةٌ تبكي بلا معنى وتجمحُ عن مُعانقةِ المساءات 

ارتمت ما بين جدران الشجونِ تُذيقها 

صُوَرُ السرابِ فتوصِد الأبواب 

لا عذقاً ولا ماءً تراهُ ولا شموعاً تستحِثُّ خياليَ المنفيّ 

أحبوا نحوها وجداً وأسرُق بين سطوتها ونغمة دمعها 

ليل البنفسج والكلام العذب

أحضُنُ طيفها مثل الغريب بشارِعٍ خالٍ فيطردني خيالي 

الآن وحدي في المهبّ، يمور بي جمرُ الحنين 

أتيهُ مثلَ الراحلين إلى النهايةِ ها هنا 

وحدي أخطُّ نوافِذَ الضوء الجديد 

أخطُّ أيّامي وأمسحُ هازِئاً جُرحَ الليالي 

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً، نوّرت "بيت القصيد"، على أمل أن نلتقي في استديو "بيت القصيد" يوماً ما ويكون يوماً ليس بعيداً بإذن الله 

دخيل الخليفة: إن شاء الله يا حبيبي وألف شكر لك يا "زاهي" على الأسئلة، أتمنّى أن نكون وُفِّقنا في الإجابة

زاهي وهبي: ما من شك، وُفِّقت ودائِماً موفّق بإذن الله. شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله 

 

 

     

                 

                                                  

              

 

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل