المغنّية الفلسطينية تريز سليمان

حلقة بيت القصيد تستضيف المغنية وكاتبة الاغاني الفلسطينية تيريز سليمان . الحلقة تتطرق لاطلاق البومها الاخير"موج عالي "عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، نظرتها الى دور الفن اليوم وكيف يترجم الحياة اليومية الفلسطينية ويحتفي بالعادي كما تتطرق لمشاريعها المختلفة ومعاناتها مع فقدان صوتها لسنة كامة. تيريز سليمان في هذه الحلقة من بيت القصيد تحكي عن الامومة ، الفن والجمال، الالم والموروث وغيرها من المواضيع المتنوعة .

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. إبنة الريح هي وشجرة لوزٍ تُزهِر أنغاماً وأغنيات. الفلسطينيّة الجليليّة صار صوتها مُرادفاً للحبّ والجمال، تُنشِدُ الخيرَ والعدالة رفضاً للظلمِ والاضطهاد وتحفُرُ بحثاً عن الجذورِ في كوكبٍ أفقدته العولمةُ المتوحِّشة توازنه وخصوصيّاته. معها يصيرُ الكلام العادي شعراً واليوميّ المُعاش غناءً. تمزُج الموروث بالمُعاصِر والأصالة بالحداثة وتُغنّي على ليلها وليلاها وعلى ليلِ البلاد الأسيرة التي لا بدّ من أن يتفتّح زهرُ لوزِها مهما تأخّرَ ربيعُ حريّتها. "بيتُ القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعَدُ بمحاورة الفنّانة الفلسطينيّة المُتميِّزة "تريز سليمان"، أهلاً وسهلاً نوَّرتِ "بيت القصيد" ولو عن بُعد 

تريز سليمان: مُنوَّر بوجودك

زاهي وهبي: تسلمين لي 

تريز سليمان: يسعِد مساءك وشكراً جزيلاً على هذه المقدِّمة التي تملأ القلب وأنا سعيدة إننا نتحدّث وأتأمّل أن نلتقي في المرة القادمة عن جد بالشحم واللحم

زاهي وهبي: طبعاً، نحن نرغب أن نراكِ في (بيروت). إسمحي لي أن أقول لك "مبروك" على ألبوم "موج عالي" ولو بعد مرور أشهُر على إطلاقه إلكترونياً أو افتراضياً. سؤالي هو، لماذا "موجكِ عالي"؟ 

تريز سليمان: "موج عالي" يختصر عالمي الداخلي والمُحيط وأسئِلتي تجاه كل شيء مررت به في الفترة الأخيرة وأسئِلتي تجاه كل ما يحدث حولنا، فهو موج عالٍ كثيراً فيه الكثير من التخبّطات والكثير من الفوضى والكثير من المشاعِر المُرتفعة والمُنخفضة مثلما كانت تماماً هذه السنة، 2020 كانت وجعاً 

زاهي وهبي: ما أبرز الأسئِلة أو أصعب الأسئِلة التي تواجهكِ أو علامات الاستفهام؟ 

تريز سليمان: إن كنت سأتمكَّن من المحافظة على الشعور في داخلي وأستطيع أن أُمرّره لإبني والجيل الجديد، أفعل كلّ جهدي لكنه يُصير أصعب. في كل مرّة تزداد التحديات 

زاهي وهبي: أكيد سنتحدَّث عن "مينا" الله يخلّيه وعن الأطفال عموماً واشتغالكِ على مواضيع لها صلة بالأطفال، ولكن إسمحي لنا أولاً أن نذهب بالكاميرا إلى (حيفا) حيثُ أنتِ ونستمع إليكِ في "قطع وصل"، مع الشُكر مُسبقاً لعزيزتنا "هناء محاميد"

قطع وصل - تريز سليمان: 

- أنا "تريز سليمان" من (حيفا). أُحب (حيفا) لأنّ فيها شيئاً يشبهنا. في (حيفا) كل شخص يمكن أن يجد نفسه، فيها من كل شيء 

- على الأغلب هي أغنيّة تقول "في جبال وراء جبال بسّ هي السماء واحدة". صحيح إنّها كُتِبَت لـ (مجدل شمس) لكنّي أحسّها هنا أيضاً وأنا أُدندنها

- هناك الكثير من المدن التي أرغب أن أصل إليها، أكيد (بيروت) أولها، (بيروت) والضواحي وليس فقط (بيروت)، أنا لا أعني (بيروت) بل (لبنان). ربما الآن أقول (بيروت) في الوعي وكأنّ الظروف ما زالت موجودة، وكأنني ما عُدت أُفكِّر أنني ما زلت أستطيع أن أذهب إلى (سوريا)، هناك شيء خرج لوحده وجعلني أقول (بيروت) لكن أنا دائِماً كنت أُجيب (سوريا) لكي أكون صادقة 

- لا أحب هذا المكان الذي بدأت أغنّي فيه عندما كنت صغيرة، كلنا نُغنّي عندما نكون صغاراً، كلنا عندنا هذه المواهب التي نصقلها ونُطوِّرها ونسندها بالدراسة وفي التجربة وما إلى ذلك. من اليوم الذي بدأت فيه بالتجارب مع أناس عن جدّ أهانوني كثيراً، أتحدّث عن فترة بداية العشرينات من عُمري، أنه خلص هناك أشياء جعلتني أدرِك وجودي وأقول هذه أنا، أنا هنا، أكيد أنا هنا 

- أُحب الكتابة كثيراً أيضاً لكن دائِماً كان أكثر ما يشدّني هو كتابة الأغاني 

- الألبوم الأخير لم يأخذ نفساً بعد وهو "موج عالي". كان المفروض أن أخرُج في جولة عروض الإطلاق وأتت حينها كل الظروف التي نعيشها الآن وانتشار فيروس "كورونا"، فتوقَفت الجولة بالضبط وأنا في طريقي إلى المطار. كأنني كنت أُطلِق الألبوم مع انطلاق الفيروس 

- "نَفَسي" أُغنية مُستقلّة كُتِبت قبل أسبوع وليس من زمان، "بعدها طفلة" تتحدّث عما تمرّ به "تيريز" الآن. شو حلوة، يا إلهي على هذا السؤال في هذه الفترة! أن أظل أتمكّن من أن أُعطي لـ "مينا" ما أٌفكِّر إنني من اللازم أن أُعطيه في كل الطاقة الموجودة عندي ولا تنطفئ الشعلة التي في داخلي، وعندما أقول "مينا" أعني" الجيل الجديدـ، الجيل الصاعد، أي الأمان 

- مسرورة جداً بالاستضافة عن جد وأتأمّل في المرّة القادمة أن أكون عن جد هناك، أكون عن جد هناك، أتأمّل. شكراً كثيراً 

زاهي وهبي: ونحن أيضاً طبعاُ نتأمّل أن نعاود رؤيتكِ مثلما قلنا وأكيد إن شاء الله سنراكِ في (بيروت). إطلاق ألبوم "موج عالي" عبر المنصّات الإلكترونيّة هل له نفس وقع إطلاق الألبوم سواء "موج عالي" أو ألبوم آخر واقعياً، أي من خلال حفل إطلاق والأمور التي تحدث عادةً في هكذا مناسبات؟ 

تريز سليمان: لا مجال للمقارنة. بالنسبة لي حتى عندما يسألوني كيف الألبوم؟ كيف تشعرين بعد إطلاق الألبوم؟ أنا أصفن، عن أيّ ألبوم تتحدّثون؟ بالنسبة لي، في إطلاق الألبوم، عامة الاحتفال به هي العروض، هي اللقاء الحيّ مع الجمهور، فيها نَفَس وفيها نبض وربما تأخذ وتُعطي مع المواد الخام العائِدة للألبوم لكنّها تأخذ شكلاً جديداً عندما يكون هناك لقاء حيّ مع الجمهور. هذا كلّه لم آخذ حقّي فيه وما زلت لم أُجرّبه مع هذا الألبوم، وبالنسبة لي غريب جداً وبعيد جداً شعورياً ولا أُحسِن الإحساس مع الألبوم بصراحة

زاهي وهبي: الألبوم "تريز" يضمّ تسع أُغنيات، سبعة من كلماتك وإثنتان تأليف الأُستاذ "ياسر خنجر" و"أسماء عزايزي" مع حِفظ الألقاب للشاعرين. سؤالي هو، كيف تختارين كلماتكِ سواء كانت هذه الكلمات من تأليفكِ أو من تأليف أيّ شاعِر آخر؟ أيمتى تقولين إنّ هذا النصّ يستحق أن يُغنّى؟ 

تريز سليمان: بدايةً فقط مُلاحظة صغيرة للتنويه، الألبوم كلّه من كلماتي. كانت هناك شراكة في نصَّين في مقاطع اقتبستها من شعر "أسماء عزايزي". أمّا الصديق الشاعر "ياسر خنجر"، فهو شاركني في كل الكتابة، في كل مسار كتابة الألبوم وكان بالنسبة لي هو نبض عن جدّ وأثّر عليّ كثيراً في الصيغة النهائيّة لكل الكلمات. كيف أختار النصوص، أولاً قليلة جداً النصوص التي غنّيتها من شِعر غيري مع أنّ هذا طبعاً على العكس فخر لي وأحب مشاركة الشعراء لكن هناك شيء وهو أنني أقرب شيء على نفسي وأعرِف أن أُخرِج ما عندي وأحكيه. أختار نصّ أيّ شاعِر عندما أحسّ أنّه يشبهني كثيراً في الهويّة اللغوية، في الهويّة الصُوَريّة، في أنّه سلِس نصيّاً بحيث تقرأ أحياناً النصّ وتحسّ أنّ في إمكانك أن تُغنّيه وأنّه يشبه كثيراً مُفرداتي، ليس مفرداتي كشخص يكتب، مفرداتي كإنسان. أبحث عن هذه التفاصيل الصغيرة وعندما أراها تلمع عيناي فوراً وأقول إنّ هذا الشيء من اللازم أن أُغنّيه 

زاهي وهبي: كم مُفرداتك تحاول أن تكون بعيدة عن المُكرَّر، عن المألوف أعني؟ لاحظت أنّ الكلمات التي تكتبينها حضرتكِ لا تشبه كثيراً كلمات الأغاني التي لا أُريد أن أقول السائِدة، حتى الأغاني البديلة، ما يُسمّى بالفنّ البديل أو الغناء البديل نرى عندكِ شيئاً آخر، شيئاً مُختلِفاً، هل هذا الأمر مُتعمّد أم تلقائياً تظهر معكِ هذه التفاصيل التي ربما لا أحد ينتبه اليها، قلائِل هم الناس الذين ينتبهون إليها فنيّاً 

تريز سليمان: أولاً شكراً على هذه الشهادة التي أعتزّ فيها، لكن ربما الشيء الوحيد الذي أُحاول أن أبحث عنه في الكتابات من خلال الألبومات التي اشتغلتها هو الخطّ الرفيع الذي يجمع بين الشخصي والعام. هذا دائِماً همّي الأساسي عندما أُحاول أن أكتب أغاني. أُحاول أن أجد هذا التقاطُع بين هاتين الدائرتين اللتين إحداها تُغنِي الأُخرى وإحداها تتقاطع مع الأُخرى وتُعزِّز ما أريد أن أقوله عندما أحكي. أنا وجدت هذا التسلسل بين ثلاثة ألبومات وما تغيّر حتى في طريقة كتابتي أنّه فقط مُحاولة مسح الغبار عن هذا الخطّ، أحاول أكثر وأكثر أن أجد هذا الخط الرفيع الأقرب إلى جمع هذين المكانين في أبسط كلمات ممكنة

زاهي وهبي: البحث عن البساطة والتفاصيل والأشياء التي ربما نحن نعيشها كل يوم ولكن نعتبرها تحصيل حاصل، كم هذا الأمر مُتعمّد؟ هذا الأمر لأيّة غاية، لأيّ هدف؟ 

تريز سليمان: أولاً هذه طبيعتي أكيد، في حياتي اليومية أنا إنسانة تفاصيل وبالتالي طبعاً هذا ينعكس على ما يفعله المرء، والذي أفعله هو الموسيقى فأُحاوِل أن آتي بهذه التفاصيل على الموسيقى التي أُقدِّمها لأنني أظن أنّ هذا أكثر شيء ينقصنا. مُشكلتنا أننا أصبحنا نرى الأشياء بعدسات واسعة وكبيرة جداً. نحن في حاجة لهذا الدفء، لهذه الهشاشة، لهذه الأشياء التي تحدُث على الهامش وليس في مركز الحدث، هذه التفاصيل التي في حياتنا اليومية هي التي للأسف تجعلنا نحن

زاهي وهبي: نعم. ربما ما تم تصويره من "موج عالي" هو "الجنرال أمل"، أوّل ما تصوّر من هذا الألبوم أغنية "الجنرال أمل"

تريز سليمان: صحيح

زاهي وهبي: أولاً عنوان هذه الأُغنية، "أمل" و"الجنرال" ليسا أصحاب كثيراً في الحياة عموماً. الأمل والرُتَب العسكريّة والرُتب الحربيّة كأنها أحياناً تتناقض مع بعضها البعض. لماذا اخترتِ أن تُسمّي هذه الأُغنية "الجنرال أمل"؟ 

تريز سليمان: لأنّ نحن جيل مُتّهَم بالأمل، مُتّهم بأنّه يُحب، مُتّهم بأنّه يبحث عن الجمال، كأنّ هذه تُهمة، كأنّ هذه إشارة إلى ضعفٍ ما، كأنّ هذا يدلّ على هشاشة ما فينا، فأنا أعتقد مع الوقت، كل الوقت مثلاً أتأكّد أنّ هذا تماماً بالعكس، هذا الذي يجعلنا نُكمِل. الأمل هي قوّة والحب هو قوة بالذات في هذا الزمن، بالذات في هذا الوقت. فهذا الجيل هو "جنرال أمل"، هذا الجيل هو جيش يُدافع عن هذه القِيَم ويطمح أن يقف في وجه الخراب وكمّ البشاعة الموجودة. أنا أعتقد أنّه آن الأوان لنتعامل مع كل هذا من موقع قوة وليس من موقع تُهمة 

زاهي وهبي: كم مُهمّ أن نُعيد الاعتبار سواء كتابةً غناءً أو سلوكاً لهذه القِيَم، بمعنى قلتِ حضرتكِ إنّه كأنّ الأمل تُهمة، كأنّ الحب تُهمة، كأنّ البحث عن الخير وعن الجمال وعن هذه القِيَم أصبح شيئاً غريباً ونادراً في ظلّ هذه العولمة المُتوحِّشة. كم مهم أن نعيد الاعتبار لقِيَم الخير والحبّ والجمال؟ 

تريز سليمان: أعتقد أنّ هذه هي مُهمّتنا المقبلة، أعتقد إنني لم أذكُر بالصدفة مرّتين إلى الآن في مقابلة قصيرة نسبياً أنني أتمنّى أن أتمكّن من أن أُحافِظ على هذه المسألة التي في داخلي التي لا تنطفئ وأن أُمرّرها إلى مَن يأتون بعدي، لأنّ هذا على قدر ما هو مسموع وبسيط على قدر ما يُصبِح صعباً في هذا اليباس الذي نحن فيه. فأنا أعتقد أنّ هذه إحدى مهمّاتنا التي من اللازم أن تكون أولوية في هذه المرحلة 

زاهي وهبي: كم يصير أصعب في الحال الفلسطينية؟ بمعنى اليوم الإنسان الفلسطيني يواجه الضغوط الموجودة على الكوكب التي يواجهها أيّ إنسان على هذا الكوكب ويواجه الضغوط التي يُسبّبها الاحتلال والتي تسبّبها الحال الفلسطينيّة، كم يصير أصعب على الإنسان الفلسطيني أن ينتصر أو أن يُعلي شأن هذه الأمور في حياته اليوميّة؟ 

تريز سليمان: أولاً عندما نقول الفلسطيني، أظن أيضاً السوري وأيضاً كل الشعب العربي في هذه المرحلة يعيش معاناة ليست أقل من التي يعيشها الفلسطيني. لكن أنا أعتقد أنّ كل إنسان يمرّ بهكذا مآسٍ على صعيد شعب كامل، يمرّ بمآسٍ ويمرّ بحصار ويمرّ بخنق على جميع الأصعِدة، هذا الأسى نفسه يجعلك تقدِّر كل شيء صغير، يجعلك تُقدِّر هذه التفاصيل الصغيرة التي نتحدّث عنها. هناك صديق لي قال إنّه بالذات في هذا الوقت لم يعُد يبحث كيف سيزرع في الخارِج وصار يزرع في داخله، وأنا أعتقد أنّ كل إنسان صاحب همّ، صاحب قضيّة هو أكثر شخص يُقدِّر البسمة الصغيرة والوردة الصغيرة ومعنى الضحكة ومعنى الأمل وهو نفس الإنسان الذي إلى هذا الحد يحمل غضبه وحزنه

زاهي وهبي: قال "محمود درويش" يوماً: "نفعل ما يفعله العاطلون عن العمل، نُربّي الأمل". يعني قدرنا أن نُربّي هذا الأمل وأن نحرِص عليه. ربما بعيداً قليلاً عن الألبوم وسأعود إليه، حضرتكِ غنّيتِ الكثير من الأُغنيات التي يُمكننا أن نعتبرها أُغنيات في الذاكرة الشعبية لكثير من البلدان العربية وليست فقط لـ (فلسطين) أو (لبنان) أو (سوريا) أو (مصر) أو (تونس) إلى آخره. سؤالي، في ظلّ هذه العولمة التي تحدّثنا عنها كم العودة إلى الجذور، العودة إلى الخصوصيّات، وحضرتكِ تعلمين أنّ العولمة اليوم تمحي خصوصيات الكثير من الشعوب والكثير من البلدان. كم العودة إلى الينابيع الأولى إذا صحّ التعبير أمر مهم وأمر مقصود في تجربتك وفي تجربة مشروع "مينا"؟ 

تريز سليمان: أنا أظن أنّ الدافع الأساسي لاختيار هذا الـ Theme في مشروع "مينا" والعودة إلى الأساس كانت القصص التي وراء هذه الأغاني، القصص التي لم تُكتَب بالصدفة، كلّ أُغنية هي قصّة وكل قصّة لها أصحاب، وكل أصحاب هذه القصص مرّ على جلودهم كمّ من التفاصيل التي أورثونا إياها، وأنا أعتقد أن الرجعة إلى هذا المكان، الرجعة إلى جدّتي، الرجعة إلى أجدادنا وإلى أُمّي وأبي وأجداد أجدادنا، إلى طريقة تقدير أصغر التفاصيل التي نتحدّث عنها. هم مَن مرّروا لنا هذه القِيَم، هم الذين يعرفون ما معنى انتظار الحبيب في بعض الأيام، هم الذين يعرفون ما معنى أن تجلس وتنتظر ما زرعته لوقت طويل إلى أن يُصبح نباتاً، هم الذين يعرِفون أنّ هناك شيئاً في العودة إلى هذا المكان النقي، إلى المكان البدائي النظيف، إلى البساطة، إلى الرضا. هناك شيء نحن في حاجة للرجوع إليه لنعود ونشعُر بالرضا 

زاهي وهبي: أرجعينا بصوتكِ قليلاً إلى هذه الأشياء كلّها

تريز سليمان: ربما أكثر شيء أحسّه في هذه الفترة هو الأُغنية التي كُتِبت لمسرحيّة إسمها "شرق أوسط جديد" وصدرت في ألبوم " زهر اللوز" وإسمها "تيجي نِحلَم". (تغنّي) 

زاهي وهبي: جميل وشكراً. الحلم من اللازم أن يظل يُرافقنا وإلا تُصبِح الحياة شبيهة بالموت إذا كانت من دون أحلام. العودة إلى الجذور، العودة إلى الينابيع، العودة إلى التراث. كم أيضاً في الحال الفلسطينيّة، كون الذاكرة الفلسطينيّة دائِماً مهدَّدة بالطَمْس، دائِماً مُهدَّدة بالمحو، دائِماً مُهدَّدة بالاستيلاء عليها وسرقتها من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي وللأسف مُهدَّدة بالطَمْس من قِبَل كثيرين آخرين في هذا العالم العربي، كم تصير العودة إلى الجذور هنا شكلاً من أشكال تأكيد الهويّة والتمسُّك بهذه الهويّة؟ 

تريز سليمان: أظن أنّ مُهمّة الفنانين أن يكشفوا عن هذه الكنوز الموجودة عندنا، أن يبحثوا ويحفروا عميقاً ليجدوا هذه الكنوز وينشروها. أظن أنّ هذا أكثر شيء يُمكننا أن نفعله ومن اللازم أن نُكمل في القيام به في الأدوات الموجودة عندنا 

زاهي وهبي: ما أكثر ما تُحبّينه في الموروث الفلسطيني الغنائي؟ أو موروث بلاد الشام في شكلٍ عام؟  

تريز سليمان: أنك تستطيع رؤية تشقّقات الوجه حتى وتتمكّن من شمّ رائِحة العَرَق حتى من الأغاني. الإيقاع البسيط هذا الموجود في الأغاني والذي إلى هذا الحدّ حقيقي والذي إلى هذا الحدّ يَمَسَّك. هناك شيء في هذه البساطة التي تُسحِر وتُمسكك وتقول لك، غير مهم كيف أعرِف أُغنّي، غير مهم ما هي التقنيّات التي عندي لكن هناك شيء يلمسك فوراً وهو حقيقي جداً، هناك قصص إلى هذا الحدّ تحضن وتُعلِّم وتقوّي في أصعب اللحظات 

زاهي وهبي: حلو جداً ما تتفضّلين به، على كلّ حال بعد الاستراحة التي سنأخذها نريد أن نتحدّث عن "ورشة مَغلي" التي تشتغلين عليها، والمَغلي هو الحلو الذي نشتغله حين الولادة، صحيح؟ نحن نُسمّيها "مَغلي" 

تريز سليمان: ونحن أيضاً نقول لها "مَغلي" 

زاهي وهبي: سنتحدّث عن المغلي ونتحدّث عن "مينا" ونتحدّث عن علاقتكِ بالأطفال والأُمّهات ولكن إسمحي لنا أن نسمع مقتطفاً من أعمالكِ ونتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد" مع حضرتك "تريز سليمان" 

المحور الثاني            

زاهي وهبي: نستمع غناءً لـ "تريز سليمان"، نُصغي إلى ما تقوله وإلى آرائها في الكثير من الأمور. قلنا قبل الاستراحة أنّ حضرتكِ تشتغلين على ورشة جديدة أو على مشروع بعنوان "مغلي"، ما هو الـ "مغلي"؟ وأيمتى سترسلين لنا مغلي على كل حال؟ 

تريز سليمان: أولاً هذا المشروع الذي جاءت فكرته بعد ولادة "مينا" 

زاهي وهبي: إبنكِ الله يخلّيه 

تريز سليمان: إبننا بالأحرى، فكانت الفِكرة بصراحة منذ البداية لحاجة شخصيّة. كوني أصبحت أمّاً لأول مرّة هو شعور لا يُقارَن بأيّ شيء. شعرت، وهذا طبيعي جداً، أنّ هناك طريقة تعاطي مع موضوع الولادة، حدث الولادة، كأنّه شيء طبيعي جداً، هذا الذي يحدث. تصبحين امرأة وتتزوّجين وتنجبين، هذا شيء يحدُث مع الكلّ. فكأنه لا توجد مساحة حتى تقفين لوحدك كامرأة وتفهمين ما حدث معكِ، تفهمين كل التغيّرات على جميع الأصعِدة التي مررت بها. فأحسست أنّ الأمر كان غريباً جداً، منذ ساعة ولادة هذا الطفل أصبحت كليّاً مع "مينا"، كلّي مع الطفل جسدياً فكرياً وشعورياً على الرغم من كل العاصفة في داخلي، فأحسست أنّه كان في ودّي أن أجد هذا المنفس لكي أتناول كوب المغلي وأُشارِك قصّتي في الولادة من دون كلام. أشارك قصّتي مع أحد يُساعدني كي أفهم ما الذي مررت به 

زاهي وهبي: إلى هذا الحدّ غيّرت بكِ جذرياً هذه التجربة؟ أي تجربة الأُمومة غيّرت في نظرتكِ إلى الحياة؟ إلى الوجود؟ 

تريز سليمان: لا شيء على الإطلاق يُشبه هذه التجربة في رأيي، من أجل هذا أحسّ أنّني أُريد هذه المساحة التي نقف فيها ونصغي، وكأن "مغلي" نوع من ديوان نسائي لمُشاركة وتبادل قصص الولادة من دون كلام، عن طريق الموسيقى والكلمة والفنون

زاهي وهبي: أنت نقلت التجربة من الخاص إلى العام، هكذا تحوّلَت التجربة الذاتيّة إلى مشروع عام يُشتَرك فيه وهو مُخصّص للأمّهات في هذه الحال. ماذا تغنّي لـ "مينا" عادةً؟ الله يخلّيه صار عُمره ثلاث سنوات وثمانية أشهُر أليس كذلك؟ سيُصبح أربع سنوات بعد وقتٍ قصير إن شاء الله 

تريز سليمان: أربع سنوات بعد فترة قصيرة صحّ 

زاهي وهبي: العُمر كلّه 

تريز سليمان: تسلم

زاهي وهبي: ماذا تغنّين له؟ 

تريز سليمان: أغنّي له كل شيء. أُغنّى له أغنيته، أغنية "مينا"، التي غنّيتها من دون قصد وغنّيتها في شكلٍ طبيعي في اليوم الذي ولِدَ فيه. هل أهلّل لها لك؟

زاهي وهبي: يا ليت 

تريز سليمان: كان من اللازم أن يكون الآن "مينا" معي لكي يغنّيها، أوكي (تغني)

زاهي وهبي: جميل جداً، ربّي يحفظ "مينا" وكل أطفال العالم. الذي لفتني "عجبينو يغفى الحمام"، أليس هذا ما تقولينه حضرتك؟ 

تريز سليمان: نعم 

زاهي وهبي: كنّا زمان نغنّي " يلا ينام يلا ينام لدبح له طير الحمام" ولا ينقصنا ذبح في هذا العالم وخصوصاً في بلادنا العربيّة. في موضوع آخر، مررتِ حضرتكِ في تجربة كدتِ تفقدين فيها صوتكِ صحيح؟ 

تريز سليمان: صحيح جداً

زاهي وهبي: مشكلة في الأوتار الصوتيّة ما حصلَ مع حضرتكِ؟ 

تريز سليمان: مُشكلة صحيّة مررت بها في عام 2010، وحينها لم أكن أفهم ماهيّتها وما حجمها ولم أكن أعرِف كيف أتعامل معها أصلاً ولا مَن يُساعِد. هي حُبيبات بكل بساطة، هي حبيبات على الأوتار الصوتيّة وهي مُشكلة صحيّة تُسمّى عند المُغنّيين "عُقدة المُغّنيين". فربما مرّة واحدة في حياتي تحدَّثت عن هذه التجربة لكن اليوم بعدما مرّ هذا الكم من الوقت وبعد أن تجاوزت المشكلة وأصبحت لي درساً كبيراً. جرّاء ما صار معي، جرّاء أنني كنت في مرحلة لا أدري ماذا سيحدث معي في الغناء، ذهبت لأتعالج في الصوت والحركة وهذا فتح لي نافذة على عالم كبير جداً وواسع وهو العلاج في الصوت والحركة. لهذا أنا قرَّرت لاحقاً أن أدرسه وأدرس مرافقة تطوُّر الطفل 

زاهي وهبي: أصعب شيء أن يفقد المُغنّي صوته. ما هي الأفكار، ما هي الأحاسيس التي عشتِها في تلك المرحلة؟ وهل كانت الفترة طويلة أم قصيرة؟ 

تريز سليمان: ما هي الأحاسيس؟ الآن أنا أهرب مما أحسست به وتعاملت معه كي أتمكَّن من تجاوزه لكن حينها هذه كانت أداتي. المشكلة الأساسيّة بالذات، ونحن لماذا أصلاً نتحدّث عن هذا الموضوع الآن، لأنني أعتقد أنّ شيئاً فظّاً كثيراً كان في الأشخاص وكان قاسياً جداً تعامُل الطبيب حينها مع هذه النقطة، مع كيف يقول لي أنني لا أستطيع أن أُغنّي لفترة. أنا أمضيت حوالى نصف سنة في البداية ثمّ نصف سنة أُخرى، على مدار سنة تقريباً لم أُغنِّ لكن في المرحلة الأولى لعدّة شهور سكتت تماماً وهذا كان من اللازم أن أفهمه وأظن أنّ أي أحد يمرّ في هذه المُشكلة من اللازم ان يتعاطى مع الموضوع بجديّة وينتبه إلى نفسه ويُحافِظ على نفسه ويؤمن أنّ في استطاعته أن يشفى ولا يذهب إلى حلوله السريعة وعمليات وأدوية ولا أدري ماذا. هناك دائِماً طُرق بديلة رغم قساوة الناس الذين من الممكن أن يكونوا أطباء لأنّ هذا من الممكن أن يكسِر في لحظات الضعف والغرابة والخوف. أظن أنّ في تلك اللحظات أهم شيء أن نسمع إلى أنفسنا لأننا نعِرف تماماً أنّ هذا هو الذي نقوم به وهذا الذي سنُكمِل في القيام به 

زاهي وهبي: من الصعوبات الصحيّة التي يُمكن أن يواجهها أيّ إنسان منّا إلى الصعوبات التي يواجهونها الفنانون الفلسطينيون خصوصاً الفلسطيني المُقيم في الداخل الفلسطيني لجهة انتشاره، لجهة علاقته بجمهوره العربي إلى آخره، إسمحي لنا قبل أن نسمع رأيكِ في الموضوع أن نسمع رأيين أحدهما من الفنّان مُدير مسرح (القصبي) الأُستاذ "جورج إبراهيم" ومن الفنان والنجم الفلسطيني "عمّار حسن". نستمع إليهما ثمّ نعود إليكِ سيّدتي

رأي - جورج إبراهيم: أولاً، الصعوبة الأساسية التي يواجهها الفنان الفلسطيني في شكلٍ عام أنّ الفنّ الفلسطيني لم يُصبح جزءاً أساسياً في حياتنا اليوميّة. السينما تحتاج إلى الكثير من المال ولا يوجد أحد يُمكن أن يستثمر في الأعمال السينمائية ولا الأعمال المسرحيّة. في المسرح مُعظم شغلنا يعتمد على الأجانب، على مؤسّسات الدعم الأجنبيّة، وعندما مؤسّسات الدعم الأجنبيّة تُوقف هذا التمويل لا يعود في إمكاننا أن نُنتِج لأن الدعم الحكومي غير موجود كما يجب للأعمال الفنيّة. بالتالي نحن مرهونون بأجندة المموِّل الأجنبي، لكن يظل الفنان الفلسطيني يُعاني من شحّ الأموال التي يُمكن أن تُساعده في إنتاج أعماله، يُمكن أن تُساعده في النهوض والعمل أكثر لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بسبب عدم وجود المال. أنا تحت احتلال، الاحتلال كما تعلم يضغط على نَفَسنا ولا نستطيع أن نتحرّك إلا بموجب تصاريح. مثلاً إذا أردت أن آخذ مسرحية من (رام الله) وأذهب بها على (الناصرة) أو على (حيفا) لا أقدر أن أذهب لآنّ الممثلين الموجودين عندي كلّهم من (الضفّة) وليس لديهم تصاريح للتنقّل بها

رأي - عمّار حسن: للفنان الفلسطيني خصوصية وهي أنّه ينتمي إلى قضيّة، وهذه القضيّة عادلة وهي قضيّة الشعب الفلسطيني. كنّا في الماضي نتغنّى بالعروبة ونتغنّى بالقوميّة العربيّة ونتغنّى بهذا الانتماء وهذا التواصل العربي – العربي لكن للأسف اليوم هذه الظواهر التي تظهر وهذه الخيانة والتطبيع، بالنسبة لي مُستحيل أن أُفكِّر في الغناء في تلك العواصم لأنني أعتقد أيضاً أنّ هذه خيانة كُبرى. للأسف، انحرفت البوصلة بعيداً عن الموقف العربي الحقيقي، فالذي صار كأنّه ضرب في العُمق العربي. بالنسبة لي هذه تحُدّ أولاً من انتشار الفنّان لأنّ هناك ضريبة، من اللازم أن يدفع الإنسان ضريبة مواقفه أو الفنّان الفلسطيني الحقيقي 

زاهي وهبي: إذاً استمعتِ "تريز" إلى وجهتيّ النظر. ما هو تعليقكِ وما هي الصعوبات التي تواجهكِ كفنّانة مُقيمة في (حيفا)، مُقيمة في الداخل الفلسطيني؟

تريز سليمان: ربما أستطيع أن أُحاول اختزال هذه الصعوبات في محورين لكل محور منهما انعكاساته طبعاً. الأول هو الفرق بين طريقة تعريفنا نحن فلسطينيي الداخل لهويّتنا وبين كيف الآخر يرانا وكيف يُعرِّفنا، لهذا طبعاً كلّ موضوع له ما ينطبق عليه. إذا أردت أن أحكي عن موضوع الدعم المادّي الذي تطرّقوا إليه وموضوع حرية التنقّل وأين ينفع أن أعرِض وأين لا ينفع أن أعرِض أو أية بلدان أنا مسموح لي أو ممنوع عليّ أن أعرِض فيها وأين حدودي وخطوطي الحمر مع نفسي، موضوع التطبيع والمقاطعة هو موضوع لوحده شائِك. قبل أن أنتقل إلى شيء آخر، بالنسبة إلى موضوع التطبيع والمُقاطعة أنا أفهم وأعي أهمية وضرورة المُقاطعة سياسياً وفي الوقت نفسه أعي ضرورة وأهمية انتمائنا الطبيعي إلى العالم العربي وتواصلنا. هذا موضوع شائِك جداً ونحن للأسف ما زلنا نتعامل معه في شكلٍ حسّاس جداً وأجد صعوبة حتى في مناقشته ولا نتعامل معه، أعني هو شائِك بما يكفي وأنا أُفكِّر أنّه من اللازم أن يُفتَح حوار يشبه تركيبته. النقطة الثانية 

زاهي وهبي: عفواً، أنا فقط أُريد أن أقول شيئاً هنا لو سمحتِ لي "تريز"، فقط أريد أن أقول شيئاً. حتى إن كنّا نرفض التطبيع رفضاً قاطعاً من الضرورة فتح جسور مع الفنّانين الفلسطينيين والمُثقفّين الفلسطينيين الملتزمين بقضيّتهم والذين من خلال عملهم يُساهمون في أن تبقى الهويّة الفلسطينية حيّة وتبقى موجودة رغم كل الصعوبات ورغم كل القيود التي يفرِضها الاحتلال. تفضّلي، النُقطة الثانية

تريز سليمان: فقط مُلاحظة واحدة على ما نتحدّث فيه. أنا اليوم لا يُمكنني أن أنفصِل عما كان مهماً لي كفنانة وأنني كنت أقدر أن أسمع "الشيخ إمام" و"زياد الرحباني" و"فيروز"  و"أمّ كلثوم". لو لم تكن هناك هذه الجسور لما كنت نفسي اليوم، هذا جزء من هويّتي الفنيّة. لذلك أعتقد أنّ هناك موضوعاً من اللازم أن يتم الحديث عنه من دون تهجّم ومن دون تخوين، هذا مهم جداً لنا، نختلف ولكن نبقى نفهم أننا كلنا نتحرّك في نفس الدافع. النُقطة الثانية التي تبدو كأنها من الصعوبات هي موضوع الرقابة. الرقابة المُجتمعيّة، الدينية، السياسيّة، التي مثلاً على صعيد إذا أردت أن أقول العالم العربي هناك موضوع التابوهات ومواضيع معيّنة ممنوع أن أقترب منها أو إذا اقتربت منها من اللازم أن تكون هناك فلترة لما سأقوله وفي أية طريقة أطرح وجهة نظري وهل في إمكاني أن أُغنّي كل أُغنياتي في كل الأمكنة. وهناك موضوع مثلاً على صعيد الرقابة في التعامل مع المؤسَّسة الإسرائيلية مثلاً، أنّ في إمكاني بين قوسين أن أغنّي بحريّة وثمة حريّة التعبير عن الرأي إلى أن نصل إلى نُقطة تتعلّق بتهديد للأمن الدولي، حينها لا يعود في مقدورك أن تفهم أيمتي يقرّرون أنّ الآن هنا خط أحمر وأنهم الآن واعون لما تفعلينه. هم لا يهمّهم جدياً أن تُغنّي عن كل المشاكل الداخلية اجتماعياً أو دينياً، هذا الموضوع لا يهمّهم طبعاً لكن مثلاً في حال قرّرت أن أُغنّي على سبيل المثال لتمجيد أبطال مُعيّنين مثل "باسل الأعرج" على سبيل المثال تجد وَهْماً داخل وَهَم حريّة التعبير في أنّ في إمكاننا أن نغنّي أيمتى نريد وكيفما نريد وأينما نريده من دون رقابة ومن دون

زاهي وهبي: لكنّها رقابة شديدة بالفعل وديمقراطية مزّيفة ونحن نعرِف هذا الأمر. في موضوع آخر، بدأ الوقت يداهمنا لو سمحت فلتكن الأجوبة سريعة، تعاونك مع الموسيقيين الأجانب، النروجيين في شكلٍ خاص، كم أضاف إلى تجربتكِ أبعاداً جديدة وأبعاداً مختلفة؟ 

تريز سليمان: أولاً أُريد أن أشكُر شكر وحب للمنتج " إيريك هلسيد" وتجربتي معه ومع الموسيقيين النروجيين حينما اشتغلنا في الألبوم الأخير مع الزميل "ريمون حدّاد" وهو مُلحِّن الألبوم 

زاهي وهبي: أنا كنت قد وضعت سؤالاً خاصاً عن "ريمون"، سبقتِني

تريز سليمان: بالفعل هذا شيء مهم، علّمتني هذه التجربة أنه مهما كنت أعرِف أنا لا أعرِف شيئاً. هؤلاء الأشخاص الموسيقيين الذين كانوا في ألبوم "موج عالي" كانوا أساتذة بالنسبة لي ونعمة الشغل معهم. يكفي أنني في أيام التسجيل كنت أرى كيف يتعاملون مع هذه المواد. هم سمعوا المواد فقط في الأستديو ونحن كان معنا خمسة أيام كي نُسجِّل ألبوماً كاملاً، فطريقة تعاملهم والتعاطي مع هذه المواد لم تكن أنهم موسيقيون مع تجربة كبيرة ويأخذون الأغاني ويتعاملون معها من دون حساسية، على العكس، كأنّهم أخذوا هذه الأغاني وأعطوها كل ما عندهم تماماً كما لو كانت أغانيهم. الدرس الكبير لي أنّ هؤلاء الفنانون الذين نراهم كبار جداً وسبقونا في التجربة ليس بالصدفة وصلوا إلى هذا

زاهي وهبي: الوقت يُداهمنا للحقيقة، الوقت اقترب من أن ينتهي ولا تزال معنا دقيقة فقط. في كلمتين لو سمحت، مشروع "مينا" وصل إلى خواتيمه أم هو مستمر؟ 

تريز سليمان: لا، باقٍ حيّ ويتمدَّد 

زاهي وهبي: ويتمدَّد إن شاء الله إلى الأبد. نختُم لو سمحتِ لي، نختم غناءً مع حضرتك ويكون مسك الختام صوتك. دعيني أشكر أولاً فريق العمل وأشكر المشاهدين وأشكرك على الوقت الذي أعطيتنا إياه ومسك الختام بصوتك  

تريز سليمان: أشكرك جزيلاً. (تغنّي)