• العقل العلمي لدى ابن خلدون هو الذي يميزه ..
    6:47 د.
  • علينا ان نميز بين ابن خلدون المؤرخ ، المنظر لتواتر الدول ، وبين ابن خلدون باني علم الاجتماع
    15:12 د.
  • ابن خلدون شخصية متعددة الوجوه والمواهب....
    26:00 د.

إبن خلدون مفكّر عابر للأزمان

يعتبر ابن خلدون واحد من أركان الثقافة العربية والإسلامية الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، فهو مؤسس علم الإجتماع بلا منازع وأول من وضعه وفق رؤية علمية دقيقة, كما وضع نظريات ملفتة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية وأنبأ عن عمارة الدول وسقوطها وإنهيارها، وما يهمنا أكثر في حلقتنا هذه عن إبن خلدون هو قراءته الدقيقة للشخصانية العربية والإجتماع العربي وفهمه الدقيق لأبعاد السيكولوجية العربية... وللإشارة فإن إبن خلدون إبن البيئة العربية وتنقل بين تونس والجزائر وتوجه إلى مصر حيث أكرم وفادته سلطانها الظاهر برقوق.. كتاب “المقدمة” من أنفس ما كُتب من المراجع التي يتأسس عليها علم الاجتماع الحديث بكل مدارسه واتجاهاته. وفيه عصارة فكره ومعرفته في التاريخ ونشوء الأمم في عنوان طويل ومميز وهو “كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، والذي يُعرّف اختصارا باسم “كتاب العبر”.

 

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

يُعتبر إبن خلدون واحداً من أركان الثقافة العربية والإسلامية الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية. فهو مؤسِّس عِلم الاجتماع بلا مُنازع، وأول من وضعه وفق رؤية علمية دقيقة. كما وضع نظريات مُلفتة في هذا العِلم حول قوانين العُمران ونظرية العصبية، وأنبأ عن عمارة الدول وسقوطها وانهيارها. قال عنه المؤرِّخ الفرنسي المعروف فارنارد بردويل صاحب التنظيرات الشهيرة عن مجرى التاريخ البشري وحركته. 

إبن خلدون يُعتبر من قِبَل المُفكّرين المُعاصرين بمثابة أحد مؤسِّسي عِلم الاجتماع السياسي، وكانت فلسفته للتاريخ تقول بما معناه إنّ الإمبراطوريات والسلالات كالبشر تماماً لها حياتها الخاصة، فهي تولَد وتكبر حتى تصل إلى الذروة، ثمّ تنحدر وتموت لكي تحلّ محلّها امبراطوريات أخرى، وهكذا دواليك. 

أمّا المُستشرِق فانسان منتل الذي ترجم مُقدّمته الشهيرة فقال: "لقد سبق إبن خلدون فلاسفة التاريخ الأوروبي، وبخاصة العالِم المسيحي الشهير بوسوي بثلاثة قرون إلى فَهْم التاريخ وتفسير مغزاه ودلالته، ولكن إبن خلدون سبق أيضاً أوغست كانت إلى تأسيس عِلم الاجتماع بخمسة قرون". لقد طبَّق إبن خلدون وللمرة الأولى منهجية جديدة على دراسة المجتمع الإنساني والحضارة البشرية وكفاه بذلك فخراً. وما يهمّنا أكثر في حلقتنا هذه عن إبن خلدون هو قراءته الدقيقة للشخصانية العربية والاجتماع العربي، وفَهْمه الدقيق لأبعاد السايكولوجية العربية العامّة رغم أنّ بعض النقَّاد عدُّوه مُتحامِلاً على العرب، لكنّ أقواله طابقت فِعال العرب. فقال عن العرب إنّهم أصعب الأمم انقياداً لبعضهم للغَلَظة والأنفة وبُعد الهمّة والمُنافسة في الرئاسة، فقلّ ما تجتمع أهواؤهم. ومن أجل ذلك لا يحصل لهم المُلك إلا بصبغةٍ دينيةٍ من نبوءة أو أثر من دين على الجملة. ورفضاً لهذا القول عن العرب راح البعض يقول إنّه انطلق من أصله الأمازيغي مُتناسين دقَّة استنتاجاته العلمية. وللإشارة فإنّ إبن خلدون هو إبن البيئة العربية، وتنقّل بين تونس والجزائر، وتوجَّه إلى مصر حيث أكرم وفادته سلطانها الظاهر برقوق، وكتب المُقدّمة. والمُقدّمة من أنفس ما كتب من المراجع التي يتأسَّس عليها عِلم الاجتماع الحديث بكل مدارسه واتجاهاته، وهو عُصارة فكره ومعرفته في تاريخ ونشوء الأمم في عنوان طويل ومُميَّز هو كتاب "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، والذي يُعرَف اختصاراً باسم "كتاب العِبَر".

يقول إبن خلدون "عندما تنهار الدول يكثُر المُنجِّمون والشحّادون والمُنافقون والمُدًّعون والكَتَبة والقوَّالون والمُغنّون النشّاذون والشعراء النَظّامون والمُتَصَعْلِكون وضاربوا المندل وقارعوا الطبول والمُتفقّهون وقارئوا الكفّ والطالع والنازل والمُتسيّسون والمدَّاحون والهجَّائون وعابِروا السبيل والانتهازيون". أليست هذه حالنا اليوم في العصر المُعاصِر؟

"إبن خلدون مُفكِّر عابِر للأزمان" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش الدكتور الأكاديمي الباحث الدكتور حسن جابر، ومن تونس الحبيبة الدكتور منير سعيداني أستاذ التعليم العالي في عِلم الاجتماع في جامعة تونس المنار.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"دراسات عن مُقدّمة إبن خلدون" ساطع الحصري أبو خلدون 

يتناول الكتاب جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعُمران والاجتماع والسياسية والطب، وذكر فيه أحوال البشر واختلافات طبائعهم والبيئة وأثرها في الإنسان، كما تناول بالدراسة تطوّر الأمم والشعوب ونشوء الدولة، وأسباب انهيارها مركِّزًا في تفسير ذلك على مفهوم العصبية. في هذا الكتاب سبق إبن خلدون غيره من المُفكّرين إلى العديد من الآراء والأفكار حتى اعتبر مؤسّساً لعِلم الاجتماع سابقاً بذلك الفيلسوف الفرنسي أوغست كانت.

يحيى أبو زكريا: دكتو حسن نحن أمام عقلية فريدة من نوعها. إبن خلدون سبق عصره وبالمناسبة سنة 1996 جامعة تل أبيب عقدت مؤتمراً عن إبن خلدون، أحد الباحثين الصهاينة سُئِل لماذا إبن خلدون؟ وهو عربي لتدرسوا تُراثه الفكري، فقال لأنّ أفضل مَن قرأ الشخصية العربية هو إبن خلدون. ما الذي تقوله عن هذا العلاَّمة الذي استطاع أن يفضحنا يا سيّدي العزيز؟

 

حسن جابر: بسم الله الرحمن الرحيم. موضوع مهمّ وأهميته أنّه يكشف هذا البُعد في الشخصية العربية، والعقل العلمي لدى إبن خلدون هو الذي يُميِّزه. توالي الأحداث وتوالي الدول وسقوطها جعل من إمكانية صوغ نظرية حول العُمران الحَضَري هو العُمران البدوي قبل الدولة والعُمران الحَضَري هو مع الدولة أمر مُتاح، والسبب إنّ إمكانية الاستقراء مع وجود مادّة يستند إليها، وهي كثيرة باعتبار أنّها خصوصاً في المغرب العربي كان هناك تداول للسلطة كثير، وانقلابات وأحداث. ولذلك كانت تزوِّده هذه الوقائع، تزوِّده بالمادة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: واستطاع أن يستقرىء مسألة العصبية، وأمسك بها كرأس خيط في عملية تداول السلطة أنّه لا يمكن تداول السلطة إلا إذا كانت هناك ثمّة عصبية أقوى من العصبية السابقة الحاكمة تُطيح بها وتؤسِّس لدولةٍ جديدة، وهكذا دواليك. لكن هذه الأهميّة الاستثنائية لعقلٍ استثنائي استطاع أن يدرس هذه الظاهرة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: يجب ألا تنسينا أنّه كان يدرس ظاهرة تاريخية في وقتٍ مُحدَّد، وفي مرحلةٍ مُحدَّدة لها سِمتها الخاصة، وبالتالي لا يجوز تعميمها. لا يمكن القول إنّ نظرية إبن خلدون يمكن أن تنطبق على كل العصور، هي تنطبق على زمنها لأنّ العصبيات القبلية التي كانت موجودة. الآن انتفت وسواء إذا قلنا إنّ هذه النظرية عن الدولة هي عامة يعني يجب أن تنطبق على كل دول العالم، وإذا قلنا خاصة هي تنطبق فقط على الدول العربية، معنى ذلك أنّ العصبية لا تزال هي نفسها تحكم المجتمعات العربية، لكن لا يمكن أن نقول إنّ هذه النظرية يمكن تطبيقها على المستوى العالمي لأنّ تداول السلطة لا يتمّ عبر العصبية ما خلا ما يحصل لدينا لأنّ في منطقتنا الأُسَر هي التي تحكم، والأُسَر يعني العصبيات.

 

يحيى أبو زكريا: لكن إبن خلدون كان دقيق الملاحظة عندما ترك تلمسان وبسكرة وتزوَّج من الجزائر بالمناسبة، وذهب إلى مصر يقول إنّ انقلاباً وشيكاً سيحدث في مصر، وعلَّل ذلك بقوله لقد رأيت شعباً الآخرة لا تهمّه لكثرة الرقص والمِزمار هناك.

دكتور منير إبن خلدون في المشهد الثقافي العربي، وفي المشهد الثقافي الغربي الغربيون أشادوا به وتحدَّثوا عنه مطوَّلاً، وكتبوا عنه أيضاً كثيراً، بينما العالم العربي لم يكتشف إبن خلدون باكراً. هل هنالك صعوبة في الواقع العربي في استكشاف العباقِرة الذين ينتمون إلى جِلدتنا؟

 

منير سعيداني: شكراً على الاستضافة، أنا في اعتقادي يجب أن نعود إلى وقائع تاريخية مُحدَّدة حتى نُجيب على سؤالك. هناك دائماً إعادات قراءة لإبن خلدون، أنا في اعتقادي إنّ هناك لحظات واضحة يمكن أن نعتمدها في كيفيّة توطين إبن خلدون في مختلف مراحل الفكر ومن بينها الفكر العربي، وبشكلٍ أوسع الفكر العربي الإسلامي، وإن أردنا بشكلٍ أوسع الفكر الإنساني. وما أشرت إليه في حقيقة الأمر من وصول التُراث الخلدوني، أو الكتابة الخلدونية، أو الأثر الخلدوني إلى أوروبا مرَّ بمرحلتين سابقتين. المرحلة الأولى التي يمكن أن نعتبر من بين رموزها إبن حجر العسقلاني الذي أخذ عن إبن خلدون، وحاول أن يطوِّر بعض الأفكار. كذلك  إبن الأزرق أيضاً، وهما مُعاشِران لبعضهما، وكانا على بُعد بعض سنوات لا تتجاوز بعض العشريات من إبن خلدون.

هذا نوع من إعادة القراءة بالنظر إلى الأوضاع السائِدة حينها، ولكن بعد ذلك بقرنين تقريباً نحن هنا نتحدَّث عن القرنين الخامس والسادس عشر بدأت قراءات أخرى التي أشرت إليها منذ حين أنّها تندرج في الثقافة العربية الإسلامية، وكان ذلك عبر العثمانيين من بينهم حاجي خليفة مثلاً، ونعيمة اللذان عادا أيضاً إلى إبن خلدون.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

منير سعيداني: ولكن لا يمكن أن نمرّ على هاتين اللحظتين من دون أن نُعيرهما الاهتمام اللازم. إذاً هنالك الأثر الخلدوني بما هو اتّساع في الرؤية، بما هو محاولة من القُرب من الوقائع كما تحدَّث، وهناك إعادة قراءة التي تتأثّر بالأحداث.

إذاً أنا في اعتقادي أنّ لدينا إبن خلدون الأثر، وإبن خلدون كما تمّ تبنيه اللحظة التي تتحدَّث عنها، وهي لحظة التقبُّل الغربي كما أسميته أنت للتراث الخلدوني الذي مرّ عن طريق الترجمات، ثمّ بعد ذلك عن طريق الدراسة الخ. ولم يتمّ التفطّن إلى هذا الإبداع الخلدوني في عِلم العُمران الذي يُسمَّى عِلم الاجتماع، أو سُمِّي بلفظةٍ سوسيولوجي الفرنسية، أو الألفاظ الأخرى المقابلة لها في الألسُن الأوروبية. لم يتمّ التفطّن إلى هذا إلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما ابتدعت أوروبا بحدّ ذاتها عِلم الاجتماع.

إذًا علينا أن نُميِّز أيضاً بين إبن خلدون المؤرِّخ المُنظِّر لتواتُر الحضارات وتواتُر الدول وانهياراتها، وبين إبن خلدون بوصفه بانياً لعِلم الاجتماع. طبعاً علينا أن ننتبه أيضاً إلى هذه العودة لإبن خلدون إلى التراث العربي، أو إلى الثقافة العربية والثقافة العربية الإسلامية. ويمكن أن نعتبر إنّ هذه العودة كانت في لحظتين كبيرتين، اللحظة الأولى هي لحظة النهضة العربية حيث مثلاً في تونس مؤرِّخون عديدون من بينهم أحمد إبن ذي ثياث الذي عاد إلى إبن خلدون، وكانت هناك قراءات أخرى خير الدين التونسي أيضاً عاد إلى إبن خلدون. ولكن بإمكاننا أيضاً أن نشير إلى نوعٍ آخر من العودة مُتقدِّم بعض الشيء عن التاريخ الذي كنت أتحدَّث عنه، وهو العشريات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وهي العودة التي أتت من طريق أكاديمي جديد وعلامته البارزة هي رسالة الدكتوراه التي أنجزها طه حسين في فرنسا عن الفلسفة الاجتماعية لإبن خلدون، ويلاحظ أنّه استخدم الفلسفة الاجتماعية. وفي طيّات رسالة الدكتوراه يقول إنّ هناك نوعاً من الشكّ في أنّه بنى عِلماً يمكن اعتباره عِلم اجتماع، عِلماً أنّ طه حسين كان حينها على علاقة مع أكادميين وباحثين كانوا ذوي علاقة حتى بإميل دوركايم أحد مؤسِّسي عِلم الاجتماع، وأحد أوائل مَن كتبوا في منهج عِلم الاجتماع على الأقل في فرنسا، وكان في حوارٍ مع علماء الاجتماع المؤسِّسين الآخرين في أوروبا.

إذاً أردت أن ألخِّص ما كنت أقوله، علينا أن نُميِّز أولاً بين إبن خلدون ذي الأثر الأول، وإبن خلدون كما قرىء وكما أُعيد اكتشافه في كل المراحل التي أشرت إليها. وعلينا أن نُميِّز بين إبن خلدون في بيئته الأولى، وإبن خلدون عندما يدخل إلى بيئات ثقافية أخرى من بينها البيئة العثمانية والبيئة الأوروبية. وعلينا أن نُميِّز أيضاً بين إبن خلدون بوصفه مُفكّراً في الحضارات والثقافات، وانهيارات الدول، وما يُسمَّى الآن بعلوم السياسية وعِلم الاجتماع السياسي، وبين إبن خلدون مُبْتَدِع عِلم العُمران الذي تمَّت المُقارَبة بينه وبين عِلم الاجتماع. كل هذه الملاحظات لا تعفينا أيضاً من أن نعود إلى إعادات قراءة إبن خلدون الآن، وخاصة في مجالات هي المجالات العربية، والعربية الإسلامية، والمجالات الإسلامية التي تخرج عن النطاق العربي، وسنعود إلى تفاصيلها في حال سمح لنا الوقت.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً سنفصِّل أكثر دكتور منير، لكن بُعيد حين.

دكتور حسن الفرق بين الطبري وتقدّم إبن خلدون كما تعلم، وإبن خلدون قال إنّ الطبري كان نقَّالاً يسمع خبراً يدوِّنه وينقله، وقد أشكل عليه إبن خلدون وقال له أنت نقلت كل الإسرائيليات إلى التاريخ الإسلامي، وهنا نتحدَّث عن أهمية استخدام العقل في كتابات التاريخ، وفي تحليل التاريخ. إبن خلدون لم يكُ مُجرَّد ناقَل، كان مُشاهِداً، كان يعمل العقل في تتبّع هذه الحركة السياسية وهذه الحركة العمرانية، وتأثير العمران على المدنية، وعلى المسلكية الاجتماعية بشكلٍ عام.

طبعاً أشير إلى أنّ طه حسين الذي أشار إليه الدكتور منير هو مَن رمى إبن خلدون بالأمازيغية عِلمًا أنّ الأمازيغ رجال أحرار، وكانوا أبطالاً طردوا الرومان والوندال والفنيقيين من المغرب العربي. هل لأنّه أشار إلى العرب وتكوينهم الاجتماعي يكون أمازيغياً؟ وكل ما قاله عن العرب تحقَّق في عصرنا المعاصر، وفي الأعصر السابقة أيضاً.

حسن جابر: في إطار المُقارنة بين الطبري وإبن خلدون، إبن خلدون لم يختلف كثيراً عن الطبري في كتاب ديوان المُبتدأ والخبر، كتابه كان مليئاً بالأخطاء، وهو انتقد نفسه أهميّته في المُقدِّمة، أمّا ككتاب تاريخ لا يختلف كثيراً، كان يبالغ بالأرقام وكان يبالغ بالأحداث والوقائع الخ.

 

يحيى أبو زكريا: ما كان هنالك جهاز استطلاع وراءه؟

 

حسن جابر: نعم، لكن طفرة الوعي لديه بعد إنجاز كتاب التاريخ بدأت حين شرع بكتابة المُقدّمة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: تجاوز ما كتبه ومارس النقد على نفسه، وهذه أهمية إبن خلدون. لذلك كمؤرِّخ لم يكن يتميَّز كثيراً عن الآخرين، لكن في كتاب المُقدّمة لا، هو استطاع أن يؤسِّس لعِلم الاجتماع باعتراف الجميع باعتراف كل مَن اشتغل في عِلم الاجتماع. تبقى مسألة العرب وغير العرب في كتاباته، فهو كان منسجماً مع منهجه، كان يشاهد يقارِن يلاحظ، ثمّ يستنتج، وهذه أساليب أو مقدّمات لا بدّ منها في المنهج العلمي. ولذلك عندما خَلُصَ إلى استنتاجات منها العصبية، وهي استنتاج، وهي الأساس  عصب تداول السلطة هي الأساس وهي الدينامو الذي يُحرِّك المجتمع كان نتيجة المشاهدة. أيضاً عندما يصف العرب يصفهم بأنّهم كانوا فعلاً يتمسكَّون بالموقع والسلطة، وأنّه تصعب إزاحتهم عن الكرسي فهو نتيجة هذا الواقع. لذلك عادةً إذا أراد الواحد أن يحيد عن الموضوعية فيلجأ إلى هذه النعرة العصبية، لذلك إبن خلدون كان دقيقاً في عملية الوصف سواء في عملية قواعد العُمران، أو في عملية الظواهر الاجتماعية التي وصفها.

 

يحيى أبو زكريا: عندما تتأمَّل معي دكتور حسن بعض أقواله تجد كم كان هذا الرجل مُحقّاً ودقيقًا، الفِتَن التي تختفي وراء قِناع الدين تجارة رائِجة جداً في عصور التراجُع الفكري للمجتمعات. ونواصل بُعيد الفاصل إذا سمحت.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نواصل، فابقوا معنا

 

 

"إبن خلدون سيرة فكرية" روبرت إرفن.

يبدأ إرفن مقدّمة كتابه بسرد عدد من الاقتباسات من كُتَّاب وأكاديميين غربيين عن أهمية إبن خلدون ورفعته ومساهماته الفكرية والفلسفية. مثلاً المؤرِّخ مارشال هودجسون وصف مُقدّمة إبن خلدون بأنّها أعظم مُقدّمة موسوعية في تاريخ الحضارة الإسلامية. أيضاً الفيلسوف وعالِم الاجتماع البريطاني إرنست غلنر يعتقد أنّإ خلدون عالِم اجتماع استقرائي مُتميِّز مارس عِلم الاجتماع قبل اختراع عِلم الاجتماع ومفاهيمه. أرفن يعدّ أن مُقدّمة إبن خلدون تقدِّم منظوراً ثاقباً ليس فقط لفَهْم المجتمعات وتاريخها، بل أيضاً لرؤية وإدراك العالم ككل.

لقد أصبح إبن خلدون مرموقاً ومشهوراً ولاسيما في الغرب، فعلى سبيل المثال في فرنسا كان هناك اهتمام بفَهْم مساهمات إبن خلدون، فترجمة المُقدّمة إلى اللغة الفرنسية لاقت دعماً رسمياً من الدولة بحسب الكاتب، وذلك لأجل تسخير هذه المعرفة كأداة لتقوية الاستعمار الفرنسي، وتمكينه في جنوب أفريقيا.

المؤرِّخ والفيلسوف البريطاني توينبي قام بإشهار إبن خلدون عندما صرَّح بأهمية وعَظَمَة المُقدّمة. حيث قال" لا شكّ في أنّها أعظم عمل من نوعه أنشأه العقل الإنساني في أيّ زمان أو مكان".

 

 

 

المحور الثاني:

 

"منطق إبن خلدون" علي الوردي.

من الكُتب القيِّمة والغنية بمضمونها الفكري. فيه يطرح الكاتب الكبير علي الوردي آراء ومفاهيم أهمّ المدارس الفكرية التي تأثّر بها المُفكّر الكبير إبن خلدون. وبالتالي يناقش فكره من خلال استعراضه وفَهْمِه للحياة وتطوّرها. إنّ الكتاب يُغني القارئ الكريم عن مطالعة عدد كبير من الكتب والمصادر، وهو أقرب أن يكون الجامِع الشامل. لقد عوَّدنا الدكتور علي الوردي على طرح المسائل الاجتماعية والتاريخية والفكرية في عالمنا العربي بأسلوبٍ قلَّ ما نجد له نظيراً بموضوعيّته.

يُعدّ هذا الكتاب خروجاً عن المؤلّفات السابقة التي تناولت مُقدّمة إبن خلدون وسيرة حياته التي كانت ترتكز في أغلب مضامينها بحسب رأي المؤلّف على المُقارنة بين إبن خلدون وعمالقة علم الاجتماع الحديث ومناصريه من أمثال هيغل وميكافيلي وغيرهما، والتي يحاول بعض الباحثين ولاسيّما العرب منهم إثبات السَبَق لإبن خلدون في تأسيس عِلم الاجتماع، ووضع لُبنته الأولى.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نُحلّل شخصية إبن خلدون هذا العلَّامة الذي ترك بصمة كبيرة في المشهد الثقافي العربي. وهنالك مؤلّفات كثيرة وضعت في حقّه وفكره ومُقدّمته. الدكتور علي الوردي وهو لا يقلّ أهمية في المشهد الثقافي المعاصِر كتاب بعنوان "منطق إبن خلدون"، "مؤلّفات إبن خلدون" للدكتور عبد الرحمن بدوي أحد الفلاسفة المُعاصرين المهمّين رحمة الله عليه والذي حلَّل بالمنطق مؤلَّفات إبن خلدون. أيضاً "إبن خلدون (An Intellectual Biography)" لروبارت إروين، وهو كتاب مهمّ جداً باللغة الإنكليزية، وكتاب آخر "دراسات عن مُقدّمة إبن خلدون" لأبي خلدون ساطع الحصري مُنظّر العروبة في عصرنا المعاصر.

دكتور منير بالعودة إلى إبن خلدون، إذا قلت لك ما هو أبرز ما تميَّز به إبن خلدون؟ أو ما هو ذلك الشيء الذي إذا ذكرناه ذكرنا إبن خلدون؟ كيف سطع إبن خلدون؟ ما الذي ميَّزه غير عَلم الاجتماع وغير العمران وغير الحُكم العربي والبداوة في الحُكم العربي؟ هل تستطيع أن تصيغ لي معادلات مُخْتَصرة في قوّة إبن خلدون الفكرية؟

 

منير سعيداني: ربّما إن أردنا أن نواصل ما بدأناه بالإجابة على السؤال السابق، علينا أن ننتبه إلى أنّنا أمام شخصية مُتعدِّدة الوجوه، وربّما أيضاً حتى مُتعدِّدة المواهب. نحن أمام شخصية اشتغلت بالقضاء واشتغلت بالتدريس أيضاً، واشتغلت بالكتابة، واشتغلت بالتفكير أيضاً، وحتى بالتنظير للعلوم بصفة عامة وللعمران بشكل خاص. وفضلاً عن ذلك نحن أيضاً أمام شخصية مارست السياسة من مواقع مختلفة فيها ما كان قريباً من الصورة القائمة، وفيها ما كان بعيداً، أو في ما يمكن تسميته حديثاً، أو بشكل معاصر المعارضة. طبعاً لا يسلم الأمر من وجود بعض الأحداث البارزة في حياته، وربّما حتى المآسي في حياته، وكلّنا نعلم والسادة المشاهدون والمشاهدات يعلمون جيداً أنه عاش مآسٍ مُتعدّدة، وكان عُرضة للأسِر، وتلك المأساة التي عاشها في آخر حياته، وهو فُقدانه لعائلته الخ.

إذًا نحن أمام شخصية مارست الكثير من الأعمال في مستويات مختلفة، بل أيضاً كان مفاوِضاً لتيمورلانك عندما حصل الغزو الذي استهدف البلاد العربية والإسلامية. الآن ما الذي يمكن أن يحتفظ به من هذا؟ نحن إزاء شخصية تتميَّز بهذا الثراء، وهذا التنوّع الكبير، ولكن في ما يهمّنا أو في ما يهمّني أنا بشكلٍ خاص هو أنّه أحد الوجوه البارزة الذين يمثّلون نوعاً من الاستدارة أو المنعطف الكبير في بنية العلوم الاجتماعية، وبنية العلوم الإنسانية العربية بالتعبيرات الحديثة. حينها لم تكن هذه التعبيرات، أو هذه التسمية مُسْتَخْدَمة بطبيعة الحال. أنا أتحدَّث هنا عن تعبير العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، ولكن حينما بدأ هناك هذا التفكير في إعادة بناء ما يُسمَّى في تاريخ العلوم بشجرة العلوم. وتفكير إبن خلدون في الخروج من عِلم التاريخ أو الكتابة التاريخية إلى إيجاد هذا العِلم الجديد، أنا باعتقادي أنّه لا يمثل نوعاً من الفلتة إنْ أردنا الذهنية أو نوع من العبقرية، وإنْ كان الجانب العبقري موجود في اكتشافه، ولكن علينا أن ننتبه في اعتقادي إلى أنّه يمثل نوعاً من تتويج لمرحلة.

أنت ذكرت وحتى ضيفك الكريم ذكر المراجع التي عاد إليها ونقدها إبن خلدون سواء في الكتابات التاريخية، ويكفي أن نفتح المقدّمة حتى نجد قائمة طويلة عريضة في الكتابات التي عاد إليها. هذا التعمّق في مُنتجات الثقافة العربية التي كانت سابقة له مكَّنه من أن ينجز هذه الانعطافة ببنائه، علماً هو ذاته يقول هو عِلم غريب الصنعة غريب النشأة، ويقول إنّه نتيجة لإعمال الفكر الخ. هذا أمر بالغ الأهمية بطبيعة الحال، ثراء الشخصية قد لا يجعلنا قادرين على حصرها في صندوق واحد، أو في إطار واحد.

ولكن أريد أن أشير إلى أنّه علينا أن ننتبه إلى ربّما نوع من القراءة التبجيلية والتمجيدية لإبن خلدون التي تُخرجه عن إطاره التاريخي، هذا القول المُتكرِّر دائماً من أنّه بإمكانه أن يقرأ أحوالنا الآن، هو قول فيه الكثير من التجاوز لأنّه ليس بإمكان أيّ فكر قديم أن يقرأ الواقع الحديث. كيف نفهم إذاً بعض جُمله أو بعض فقراته أو ربما حتى بعض فصوله في المُقدّمة وفي غيرها التي تنطبق على الحال أو يتراءى لنا أنّها تنطبق على الحال؟

أعتقد أنّه كلّما كان هناك تعبير وصفي عام فيه نوع من التعميم، وفيه نوع من ذِكر الأحوال التي تمثل أمامه نكون إزاء نوع من الأفكار التي يُخيَّل إلينا أنّها تنطبق على واقع الحال. فعندما يتحدَّث مثلًا عن فترات انهيار الدولة، وهذه  فكرة يجب أن ننتبه إليها لأنّه علينا دائماً أن نقرأ إبن خلدون بالنظر إلى حالنا، نحن في حال ضعف في كثير من المؤسَّسات الدولية في أرجاء مختلفة من الوطن، والعالم العربي. نحن إزاء نوع من الانهيارات، نحن إزاء نهايات لبعض الدول ونشأة لأنظمة جديدة، وهذا الأمر مهمّ، وعند العودة إلى إبن خلدون نجد هذا الوصف الذي يتحدّث فيه عن نوع من الانتهازية الفكرية نوع من انقلاب القِيَم، ونوع من اضطراب القِيَم واضطراب أُسُس الحياة السياسية وأسُس الحياة الفكرية، ولكن ما علينا أن ننتبه إليه في قراءة إبن خلدون. لذلك هو يقول علينا أن ننتبه إلى أحوال الدول وإلى نوع من التطوّر الطبيعي، ويعود في ذلك إلى جملة القواعد الفكرية المنهجية المُسْتَخْدمة في مثل هذا التفكير. يقول هذا أمر طبيعي في معنى أنّه حتمي بالتعابير، ولذلك يتحدَّث عن أطوار الدول، ويتحدَّث عن أجيال الدول الخ.

في هذا الأمر يمكن أن نعتبر أنّ ما قاله نوع من التنبيه، وعلينا أن نعود في كلّ مرة إلى تحاليله حتى نحاول أن نكتشف منه ما الذي يمكن أن يمثّل نقطة انطلاق جديدة في هذه الأوضاع التي نعيشها الآن، وهي أوضاع مُضطربة، بل حتى يمكن أن نعود إلى بعض الفقرات التي كتبها والتي تتعلّق بآثار الأوبئة مثلاً في التوازن الديمغرافي للدول بالتعبير الحديث حيث أنّنا نعيش الآن في سياق نجد فيه هذا الاضطراب في التوازن الديمغرافي في علاقته بالقُدرات الاقتصادية، في علاقته بقُدرات الدول والملاحظات التي أتى بها موحية جداً في هذا السياق، وربّما تمكّنا من تفصيل بعض هذا في المناقشة خلال الحلقة.

يحيى أبو زكريا: لا شكّ أنّ واحداً من الذين استفادوا من نظرية أطوار الحضارة، هو أرنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية، لكن أشير دكتور منير إلى أنّ الأقوال التي أطلقها إبن خلدون لا أعرف، تتطابق جملة وتفصيلاً على واقعنا العربي، هل لأنّ الإشكالات هي الإشكالات؟ هل الشخصية العربية هي الشخصية العربية؟ أو هل أنّنا ورثنا نفس الجينات التي كانت عند أجدادنا عندما يقول إذا تعاطى الحاكم التجارة فسد الحُكم وفسدت التجارة، وإنّ الإنسان إذا طال به التهميش والإنسان العربي ليس مُهمَّشاً فقط مطحون مسحوق مقتول مذبوح من الوريد إلى الوريد. إنّ الإنسان إذا طال به التهميش يصبح كالبهيمة لا يهمّه سوى الأكل والشرب، ويقول عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والأفّاقون، وفي بداية 2021 رأينا كيف الجماهير العربية تشاهد المُنجّمين، ولا تسمع للمفكّرين والمُثقّفين. كيف تفسِّر هذا التطابق دكتور حسن بين ما قيل وبين واقعنا؟ هل الواقع التاريخي يشبه الواقع الحالي بمعنى أنه لم نتطوّر لا في الإشكالات ولا في المضامين ولا في المصاديق؟

 

حسن جابر: في الظواهر الاجتماعية يمكن أن تتكرَّر الظواهر الاجتماعية الناشئة من أحداث تاريخية إذا تشابهت الأحداث التاريخية من دون أن يكون بالضرورة أن نقول بمقولة إنّ التاريخ يُعيد نفسه، لا التاريخ لا يُعيد نفسه، لكن إذا تكرَّرت الأحداث التاريخية أو تشابهت الظواهر الاجتماعية قد تتماثل يمكن أن تتشابه بوجهٍ من الوجوه.

 

يحيى أبو زكريا: لكن قبل أن تسترسل دكتور، أليس في التاريخ قانون مَن أدركه يدرك حركة المستقبل؟ وجود قانون في التاريخ قوانين التاريخ السنة التاريخية السنة الربّانية؟

 

حسن جابر: القول هو علم علم الاستشراف.

 

يحيى أبو زكريا: علم، أحسنت.

 

حسن جابر: استشراف المستقبل، لكن هذا إذا كان هناك مقدّمات تاريخية معاصرة يمكن أن تستشرف من خلالها بعض ما يمكن أن يحصل في المستقبل القريب، لكن ليس على امتداد قرون من الزمن. لذلك الظواهر الاجتماعية التي وصفها في حال تبدُّل الدول وحدوث الفوضى وانهيار الدول الخ هي تحصل بالكثير من المجتمعات.

 

يحيى أبو زكريا: وربّما في كل الأمم أيضاً؟

 

حسن جابر: وفي كل الأمم الآن في أميركا اللاتينية كانت في لحظات التأزّم السياسي، كانت تكثر مسألة ظواهر مشاهدة رشح الزيت، أو في بلادنا عندما تتأزَّم أيضاً تظهر من هذا النوع. أنا سأذكر واقعة صغيرة حصلت معي بُعيد نكبة الـ 67 كنت صغيراً ويمرّ رجل غاضب وشاهد أمام باب المنزل حذاءً مقلوباً، واندفع ليضربني فيقول ألا يكفينا ما حلّ بنا حتى تقلب هذا الحذاء نتيجة قوّة الوقع الذي حصل لدى الشعوب العربية بعد نكسة الـ 67. لذلك حتى التنجيم والسحر والتعلّق بالخُرافات الخ، هذه يمكن أن تتكرَّر في المجتمعات، وهي موجودة. لكن هذه ظواهر مشتركة عند الناس في حال حصول أزمات سياسية.

 

يحيى أبو زكريا: أنا معك الأمم تتوارث الخُرافة، هنالك خُرافات في واقعنا العربي والإسلامي من أيام الكلدانيين والآشوريين خُذْ على سبيل المثال الشيء المُفْعَم بالأمل يقول صاحبه أضرب على الخشب، هذا سيدرأ أيّ خطر هو الخشب لم يحول بينه وبين النّجار الذي كوّره وحوّره وشكّله، ومازالت العادة قائمة إلى يومنا هذا، وهي عادة قديمة جداً أو التميمة الزرقاء وما شابه تفضّل.

 

حسن جابر: صحيح. لذلك لا ينبغي أن نفصّل بين الوقائع التاريخية الكبيرة التي تشكّل مفصلًا في حياة الشعوب، وبين الظواهر الاجتماعية الانفعالية مسألة الطائفية تحديداً هي مسألة أو العصبية. وبشكل عام العصبية  تكون خفيّة هي لا تكون ظاهرة أثناء ظهور المِحَن والمصائب تتكشّف هذه العصبية تخرج من مخبأها داخل الإنسان ويتمسّك بها لأنّه يريد هو أن يحتمي هو خائف.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: وخصوصاً إذا كانت النكبات كبيرة وعظيمة، فالعصبية تصبح ملجأ له، هذه ربّما لا تكون في وعيه قد تكون مغروزة في لا وعيه فتخرج إليه والكثير من الظواهر الموجودة مسألة العصبية أقصد بها أية عصبية القبلية المناطقية الخ.

 

يحيى أبو زكريا: لكن إبن خلدون أيضاً يقول أنّ أيّ نظام سياسي، أو دولة أقيمت على البداوة، ومفهوم البداوة هو العائلة أو المشيخة فهي سريعة الزوال لا تمكث هو يقول أكثر من مئة سنة لا يمكن أن تعمر.

 

حسن جابر: هي الأربعة أجيال، أو ثلاثة أجيال الجيل الرابع هو الجيل المُهدّم هذه لأنّها عصبية عصبية عائلية، وربما يكون سؤالك يخفي شيئاً آخر، لماذا هذه الأسَر قد طال بها الزمن؟

 

يحيى أبو زكريا: لقد تغلغلت في سرّي يا هذا، هل أنت عارف بالله؟

 

حسن جابر: هذه الأسَر لا تحكم مستقلّة، هذا الفرق بين مُعاينة إبن خلدون للوقائع في زمنه، وبين ما هو موجود لدينا الأسَر الآن، لا هي مدعومة من الخارج يعني قوّتها ليست ذاتية.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أعود إلى موضوع آخر مع الدكتور منير من تونس الحبيبة. دكتور منير رغم أنّنا نتّفق أنّ إبن خلدون هو رُكن علم الاجتماع العربي، إذاً لماذا لم يشهد العلام العربي ميلاد علماء اجتماع كبار؟ ربما نذكر علي الوردي، ربما نذكر بعض الطيّبين من تونس أو الجزائر أو من المشرق العربي لكن هذا العِلم خصوصاً عِلم الاجتماع السياسي لم نوليه اهتماماً بتاتاً. فإذا قلت لك مَن برع وبرز في هذا المضمار؟ من ترشح دكتور منير؟

 

منير سعيداني: إسمح لي أن أجيب بطريقة أخرى على سؤالك قضية الترشيحات إلخ... ربّما تكون من اهتمامات لجان الجوائز والترشيحات، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن ما أسميته أنا في إجابات على سؤالك الأول استعادة إبن خلدون مهمة لأنّنا ومنذ أواسط القرن العشرين لاحظنا نوعاً من الاستعادة الحديثة لإبن خلدون لأنّه أُدْخِل مرة أخرى إلى الدوائر الأكاديمية والدوائر البحثية بالمعنى الحديث  للكلمة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

منير سعيداني: عاد إلى الجامعات بوصفه مرجعاً أساسياً في الدراسات، وعلى الأخصّ في دراسة الاجتماع وربّما أيضاً في بعض التخصّصات الدقيقة في عِلم الاجتماع من بينها ما ذكرت أنت من عِلم الاجتماع السياسي. ولكن علينا أن نلاحظ أيضاً أنّ هذه الاستعادة متفاوِتة مثلاً في تونس إبن خلدون مرجع منذ أواسط الخمسينات مرجع أساسي في الدراسات الفلسفية، وفي الدراسات السسيولوجية والإنتروبولوجية وفي الدراسات التاريخية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

منير سعيداني: ولكنّه في الجزائر مثلاً لم يدخل إلى التداول الجامعي الأكاديمي إلا بشكلٍ متأخّر بعض الشيء، وكذلك الأمر في المغرب. واستعادة إبن خلدون في نفس هذا السياق الذي نتحدَّث عنه تمَّت أيضاً بطُرُق مختلفة حيث أنّنا ومنذ نهايات القرن التاسع عشر لحظنا طبعات جديدة لمُقدِّمة إبن خلدون ومُقتطفات صارت مادة للتدريس حتى في التعليم ما قبل الجامعي أقصد التعليم الإعدادي والتعليم الثانوي بالتعبير التونسي. هذه اللوحة تدلّ على كيفيّة إعادة التراث العلمي لدى العرب، وبطبيعة الحال يمكن أن يكون هذا نوعاً من الحال المقارنة مع حالات أخرى.

ما النتيجة؟ النتيجة أنّنا أخضعنا التراث الخلدوني إلى المناهج الحديثة، وهو ما يسمح لنا مثلاً بأن نقول أخطأ هنا،  أو أنّه في هذه النقطة يختلف عن المنظر الآخر، أو استعادته مثلًا لدى العرب كما كنت أتحدَّث الآن تختلف عن استعادته في ماليزيا مثلاً السيّد أبو بكر العطّاس والسيّد حسين العطّاس قبله استعاد أيضاً وأيضاً إبن خلدون، ولكن إبن خلدون أستعيد أيضاً في الدراسات الأفريقية، ونجده لدى منظّرين في الإنتروبولوجيا وعلم الاجتماع في الكثير من الأوساط الأفريقية في تنزانيا وفي جنوب أفريقيا. على ماذا يدلّ هذا؟

يدلّ هذا على أنّ هناك دائماً استعادات لإبن خلدون في علاقة بالسياقات التي نعيشها الآن بالعودة إلى سؤالك ما الذي ربما يُفسِّر أن هذه العبقرية بين مزدوجين الخلدونية لم تنتج مثيلاً لها الآن في هذه السياقات التي نعيش. هنا أنا أيضاً مرة أخرى أريد التنصيب لأنّنا في حقيقة الأمر وبصرف النظر عن التخصّصات الفرعية الدقيقة في عِلم الاجتماع، لنا قامات في عِلم الاجتماع ويكفي مثلاً أن نلاحظ أن نجد أسماءها تتكرَّر في الكثير من المراجع، وبغضّ النظر عن الأسماء، ولا أريد ذِكر أسماء حتى لا يبدو الأمر فيه نوع من التبجيل، ولكن استعادة هذه الأسماء حتى في مؤلَّفات خارج السياق العربي تدلّ على قُدرتها على أن تنتج عِلماً مُنيراً بالنسبة إلى أوضاعنا. هنا أريد أن أختم إجابتي بنقطتين أساسيتين: النقطة الأولى هي الربط ما بين الاستعادة الأكاديمية الحديثة لإبن خلدون، وتيار يمكن أن نعتبره تيار ديكونويلية في العلوم الاجتماعية من أجل إعادة تأسيسه على أسُس جديدة. أنا أتحدَّث عن الخمسينات وعن ستينات القرن الماضي التي بدأت فيها الجامعات العربية في النشوء، وفي نفس الوقت بدأ فيها حديث مُعمَّق عن استعادة لا فقط المصادر الفكرية العربية القديمة مثل إبن خلدون، بل أيضاً توطين المناهج العلمية الحديثة في الجامعات العربية. إذاً هذا نوع من البعث أو نوع من الاستعادة أو النهضة الجديدة بأسُس أكاديمية، وفي نفس الوقت هذه الحركة الوطنية التحرّرية الديكونوليّة التي تدلّ على حيوية المجتمع هذه نقطة أولى. النقطة الثانية الآن هناك مناقشات عالمية حول ما يُسمّى بالحَيْف الأبستمي أنّ اللوحة أو المشهد العلمي الاجتماعي العالمي يشهد طغيان غير مُبرَّر لكتابات بالألسن الإنكليزية والفرنسية، وبعض الألسن الأوروبية الأخرى هذا الحَيْف الأبستيمي يتمثل مثلاً في كون الكتابات باللسان الإنكليزي لا تعود إلا إلى الكتابات باللسان الإنكليزي والكتابات بالفرنسية لا تعود إلى إلى الكتابات بالألسن الفرنسية، أو الألسن الأوروبية، وهذا يعتبر نوعاً من التهميش وإسكات الأصوات التي تأتي من خارج المجال المعرفي الأوروبي الناطق بالإنكليزية أو بالفرنسية، هذا أمر يدعو إلى تفكير مُعمَّق في مدى عدالة هذا المشهد الأبتسيمي العالمي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح وللبحث صلة دكتور منير، لكن يهمّني أن أختم بمقولة لإبن خلدون عندما تنهار الدول، وتتهمّش الدول يقول "يتحوَّل الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل ويخفت صوت الحق وتظهر على السطح وجوه مُريبة، وتختفي وجوه مؤنِسة وتشحّ الأحلام ويموت الأمل وتزداد غُربة العقل".

إبن خلدون عزائي وعزاؤك وتزداد غربة العاقل.

دكتور حسن جابر من لبنان الحبيب شكراً جزيلاً لك.

دكتور منير سعيداني من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

 

 

 

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل