• معالم في الطريق مؤلف من12 فصل منهم ثمانية كتبهم سيد قطب في السجن كيف مجرد لفتات لكاتب تصيغ كل هذه الحركات وتصبح الهام لها فيما بعد
    8:12 د.
  • سيد قطب علامة فارقة في تاريخ الفكر العربي الاسلامي الحديث شئنا ام ابينا... سيد قطب كان كاتبا واديبا
    14:07 د.
  • جمال عبد الناصر كان له علاقة بالاخوان، الاخوان عاملوا عبد الناصر بعد حركة الظباط الاحرار كأنه عضو في التنظيم فطالبوه بتطبيق الشرعية وهنا حصل نوع من المفاصلة بين الطرفين
    26:12 د.
  • معالم في الطريق هو عصارة العصارة.. وهو من اخر ما كتب سيد قطب...
    31:24 د.
  • معالم في الطريق فصّل فيه الحاكمية...
    37:41 د.
  • اعدام سيد قطب كان خطيئة كبرى... خطره عليهم انه دعى الى تنوير الشباب ...
    45:50 د.

معالم في الطريق... بدايات التأصيل للعنف

الإرهاب أو التطرف الديني ليسا فقط أعمالا متوحشة أو قتلا على الهوية أو إقصاء للآخر، بل هي أيضا فكرة مغالية وقصوية مؤسسة لكل ما سبق إيراده. درجت الإنسانية على الاحتفاء بالأفكار الكبرى الطامحة للتغيير الاجتماعي أو الاقتصادي، والتي على اختلافها كانت هديا للساسة ولرجال الاقتصاد ولغيرهم، وكل تلك الأفكار الكبرى كانت تبحث عن تحسين عيش الإنسان أو تخليصه من هنات سابقة في التاريخ. لكن للتطرف أيضا “أفكاره الكبرى” المؤسسة له، والتي يمكن اعتبارها، بدورها، مناهل أو سنن الإرهابيين أو دساتيرهم. من الكتب التي لا تموت في هذا الصدد، كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب.. سيد قطب وسر التحولات الكبرى من الأدب إلى التنظير للإسلام السياسي والحاكمية.. كتاب معالم في الطريق وبدايات التأسيس للحاكمية والجاهلية وبدايات التنظير للتكفير؟ الواقع المعاصر يشبه المجتمع الجاهلي وبالتالي لابد من العودة للإسلام، تشريح كتاب معالم في الطريق وأبرز الأفكار التي وردت فيه كيف تحول معالم في الطريق إلى دستور ورسالة عملية لمعظن تنظيمات العنف؟

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم.

في عالم نقد الأفكار والكتب نحتاج إلى مجموعة شروط علمية وموضوعية تكون إعادة القراءة أو المراجعة تتسمّ بالهوى أو الطائفية أو الافتراء والتحامُل. ولذلك عندما نستحضر بعض الأسماء، أو ربّما كلّ الأسماء في المشهد الثقافي والفكري والتنظير العربي والإسلامي فإنّ لا أحد يسلم من التّهم الجاهزة، فهذا يرى أنّ هذا الكاتب كان شهيداً عملاقاً، وآخر يراه زنديقاً مٌخرِّباً، وهكذا دواليك. وحتى لا تكون الأهواء هي الراسِمة لخط المراجعات وإعادة القراءة، فلا بدَّ من إعمال العقل وقراءة الكتاب مرة ومرتين من الغلاف إلى الغلاف.

وفي سلسلة حلقاتنا هذه التي سنخصِّصها للكُتب التي هيَّأت المشهد العربي والإسلامي للعنف، وسنبدأ بكتاب "معالم في الطريق" لسيّد قطب رحمه الله. وفي هذا الكتاب يتحدّث سيّد قطب عن واقع خط طنجة جاكرتا حاكماً على العالم الإسلامي بالجَهالة والعودة إلى عهود الأصنام والأوثان. والإسلام لا يمكن أن يؤدِّي دوره إلا إذا تمثّل في مجتمع، والعالم الإسلامي والبشرية يعيشان في جاهلية جهلاء، وهذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سُلطان الله في الأرض، وعلى أخصّ خصائص الألوهية، وهي الحاكمية. إنّها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً لا في صورة البدائية الساذِجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، هذا كلام سيّد قطب.

وقد ردّ الشيخ محمد الغزالي الداعية المعروف رحمه الله تعالى هذا الغلوّ في فكر سيّد قطب إلى فترة السجن التي فُرِضت عليه، وتجاوز السلطة المصرية آنذاك على حقوقه. وللإشارة فقد طلب الشيخ حسن مأمون الإمام الأكبر وشيخ الأزهر العام 1965 من الشيخ محمّد عبد اللطيف السكّي إعداد تقرير عن كتاب "معالم في الطريق" لسيّد قطب على خلفيّة الكشف عن التنظيم الإخواني الذي استهدف تخريب وتدمير مؤسَّسات الدولة واغتيال مجموعة من الشخصيات العامّة. جاء في التقرير: "لأول نظرة في الكتاب يُدرك القارئ أنّ موضوعه الدعوة إلى الإسلام، لكنّ أسلوبه أسلوب استفزازي يُفاجئ القارئ بما يُهيِّج مشاعره الدينية، وخاصة إذا كان من الشباب والبُسطاء الذين يندفعون في غير رؤية إلى دعوة الداعي باسم الدين، ويتقبَّلون ما يوحي إليهم من أحداث، ويحسبون أنّها دعوة الحق الخالِصة لوجه الله، وأن الأخذ بها سبيل إلى الجنّة. وكان سيّد قطب يدافع في تنظيراته في "معالم في الطريق"، أو بقيّة الكُتب بقوله: "الاسلام دين واقعي يُدرك أنّ النواهي والتوجيهات وحدها لا تكفي، ويُدرك أنّ الدين لا يقوم من دون دولة، ومن دون سلطة، وإنّ الدين هو المنهج أو النظام الذي تقوم عليه حياة الناس العملية، وليس مُجرَّد مشاعر وجدانية تعيش في الضمير بلا سلطة ولا تشريع وبلا منهج مُحدَّد ودستور معلوم".

"معالم في الطريق" بدايات التأصيل للعنف عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور والأكاديمي الباحِث والخبير في الحركات الإسلامية كمال حبيب، ومن الجزائر الحبيبة الدكتور خليل قاضي أستاذ العقيدة ومُقارَنة الأديان في جامعة الجزائر.

وأذكِّر مشاهدينا الكرام أنّ الحلقات المقبلة في خضمّ هذه السلسلة ستعالج عشرة كُتب مهَّدت للعنف في العصر المعاصر لمنظّرين إسلاميين، ونحاول جاهدين أيضاً ربطها بمصادر ومراجع أسَّست للعنف في تاريخنا الإسلامي القديم.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال حبيب، بين عصرين بين زمنين لا شكّ أنّك في شبابك قرأت معالم في الطريق، واعتبرته فكرة راقية حضارية وعندما تقدَّمت بك التجربة انتقدت هذا الكتاب. وكما يقول المثل كلّما ضعف البصر أي كبر الإنسان قويت البصيرة. لماذا أعجبت به؟ ولماذا ردَدَت عليه؟

 

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم ما تفضَّلت به هو صحيح. نحن أيام ما كنّا في الجامعة سنتي 75 و76 أذكر أنّني رأيت كتاب "في ظلال القرآن" لسيّد قطب كان خارجاً من نسخة قديمة، كان أعطاه لي صديق من الإخوان وقتها، وكانت كُتب الإخوان القديمة هذه ورسائلهم كأنّها كانت مخزونة في مكان ما. ثمّ ظهرت وقرأت الظلال، ووجدت مَن كان قد قرأه قبلي قد وضع على بعض الأماكن في سورة الأنعام وفي سورة يوسف وفي غيرها علامات ورقية، هذه العلامات الورقية جعلتنا نقرأ الكتاب وننبهر بأسلوبه الأدبي وأسلوبه الذي يبدو حالماً ومخاطباً لوجدان الشباب أكثر طبعاً من مخاطبته لعقولهم حتى أنّني أذكر ونحن في كلية الاقتصاد وفي المدينة الجامعية آنذاك أيام الصعود الإسلامي الكبير في هذا الوقت كنّا نلتقي كمجموعاتٍ من الطلبة، ونجلس نقرأ الظلال والظلال يصيغ وجداننا، ونحن كما عبَّرت مفتونون حتى أنا أسميتها الأيديولوجيا الفاتِنة التي تأخذ باللبّ، وتسحره عن المقاصد الحقيقية، أو عمّا يمكن أن تأخذ الإنسان إليه بعد ذلك. وكنا نقرأ أيضاً "معالم في الطريق"، وأنت تعرف أنّ المعالم أصلًا هو 12 فصلاً، منها أربعة فصول استلّت من الظلال، وثمانية فصول أخرى أضافها سيّد قطب في السجن في فترة السجن سنة 64، هذه الثمانية فصول التي أضافها يقول هي تبعاً اللفتات المختلفة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: وأنا هنا مع هذه الفترة التي اكتملت فيها رؤيتي، أقول كيف للفتات مجرَّد لفتات لكاتب تصيغ كل هذا الوجدان، وكل هذا العقل وكل هذه الحركات وتصبح إلهاماً لها في ما بعد. طبعاً في فترة من الفترات، أنا كتبت سنة 2004 كتاباً عن سيّد قطب حاولت أن أفلسف فيه كيف أنّه لا يقرأ سيّد قطب قراءة واحدة، فمثلاً الماليزيين والأتراك يقرأونه قراءة مختلفة عن القراءة العربية له. القراءة العربية لسيّد قطب وللمعالِم على وجه الخصوص وللظلال بعد أن عدَّله سيّد قطب أنّه كما تعرف أنّ في ظلال القرآن أعاد سيّد قطب نظرته له بعد تأثّره بفكرة الحاكمية، وبعد تأثّره على وجه الخصوص بكتاب المُصطلحات الأربعة الذي كان قد تُرْجِم للعربية سنة 1955، ولذلك أقول إنّ سنة 55 هي سنة مهمّة جدًا بالنسبة إلى التحوّل الفكري لسيّد قطب. في هذا الوقت بدأنا نعيد قراءة سيّد قطب من جديد سنة 2004، ولكن مع ظهور حركات العنف الكبيرة مثل القاعدة وظهور العنف العَدَمي والوحشي، وحتى أن يكتب الإسلاميون عن إدارة التوحّش، وهذه كلمة غريبة جداً أن يكتب منتسبون إلى الدين الإسلامي وهو دين الرحمة ودين العدالة ودين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" أن يكتبوا عن إدارة التوحّش لأنّ هذا أمر مُفْزِع لي شخصياً. هنا بدأنا نعيد قراءة سيّد قطب من جديد، لماذا؟ لأنّ الأمَّة عندي كما فهمت أرقى وأهمّ من سيّد قطب، ومع احترامي الكبير له بمعنى أن نلقي الضوء على فكره، وأن يتحوَّل كتاب المعالَم إلى كتاب عادي لا يتحوَّل إلى كتاب موجِّه لسلوك الشباب بالذات نحو العنف ونحو مُحاربة مجتمعات أخرى ومواجهتها. هنا بدأنا نتحدَّث ونلقي الضوء على كتاب معالِم في الطريق وعلى كتاب الظلال لسيّد قطب.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً دكتور كمال في هذه السلسلة، بل في كل حياتنا نحن مؤدَّبون مع الجميع حتى عندما نذكر إبليس نتكلَّم عنه بطريقة ربَّانية كما أوصانا المولى عزّ وجلّ "ما منعك أن تسجد" ما قال الله لإبليس أيّها الحقير، أيّها الذميم. نحن علماء، نحن مثقّفون، نحن مؤدَّبون ونريد أن نورِث لأجيالنا الأدب فينتقدون الفكر من دون التطاول على الشخص، هذا ما سوف نفعله في مستقبلنا، وحتى في ماضينا بحمد الله.

دكتور خليل أنت لديك أطروحة عن سيّد قطب، والجزائر تأثّرت بسيّد قطب في مرحلةٍ من المراحل. ما أودّ أن أعرفه تحديداً أنّ سيّد قطب كان أديباً، وكان يُدَغْدِغ الكلمة العربية، ويملك حساً أدبياً راقياً جداً، بل هو الذي كشف نجيب محفوظ، والكثير من كتّاب مصر وروائيي مصر، وكان تلميذاً روحياً للأستاذ الفاضل عباس محمود العقّاد صاحب العبقريات، وصاحب التفكير فريضة قرآنية. لماذا تحوَّل سيّد قطب من الأدب وهو خرِّيج كلية دار العلوم وكان زميلاً للشيخ حسن البنا في نفس الكلية من الأدب إلى التنظير الإسلامي الذي أوقعه في تلكم الأفكار التي هيَّجت الشباب لاحقاً؟

 

خليل القاضي: بارك الله فيك أولًا بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد إبن عبد الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه تحية طيّبة لك شيخ أبو زكريا أصررت أن أسمِّيك شيخاً ولضيفك الكريم والمشاهدين الكرام السلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور خليل قبل أن تبدأ شيخ من المشيخة أو من الشيخوخة حدِّد؟

 

خليل القاضي: من المشيخة.

 

يحيى أبو زكريا: حيَّاك ربي.

 

خليل القاضي: شيخ الإعلاميين.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربي إن شاء الله.

 

خليل القاضي: بارك الله فيك. 

سيّد قطب هو علامة فارِقة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي الحديث شئنا أم أبينا. هناك مَن يرفعه إلى مقام عليين، وهناك مَن يهبط به إلى أسفل الدَرَكات، وهذا شأن العظماء من قديم الزمان. والعقَّاد نفسه أستاذ سيّد قطب يقول في كتابه في العبقريات "في عبقرية الإمام علي رضيَ الله تعالى عنه يقول العظماء دائماً يُغالي فيهم الناس إلى أن يصلوا بهم إلى درجات العَصْمة والقداسة، ويفتري عليهم آخرون ويضعونهم إلى أسفل الدَرَكات، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه" في كتابه هذا فصَّل تفصيلًا كبيراً عن هاتين الننظرتين المُتضادّتين، وكذلك الحال في شأن سيّد قطب. 

سيّد قطب هذا الجدل وهذا اللغط الذي ثار حول أفكاره هل فعلاً كان يقصد ما كتب؟ أم أنّ كتاباته أوَّلت تأويلاً؟ هو في بداياته كان أديباً ناقداً، كان من الأدباء المُفلقين كانت الرسالة تفتح له أبوابها ومجلة الرسالة التي يديرها أحمد حسن الزيات هذه كان لا يكتب فيها أين كان، وإنّما يكتب فيها الفطاحل من الأدباء الذين شهد لهم، وسيّد قطب على فتاوة سنه كان يكتب في هذه الرسالة في الأربعنيات، وفيها نشر فصولاً من كتابه التصوير الفنّي في القرآن، ثمّ نشره على شكل سلسلة في مجلة المسلمون التي كان يصدرها سعيد رمضان. وسيّد قطب كان متّجهاً إلى الأدب بكليّته في بداياته حتى أنّهم كادوا أن يبايعوه على أنّه صاحب نظرية جديدة في الأدب كما يقول علي الطنطاوي الأديب السوري الشهير، يقول في كتابه "فكر ومباحث" يقول كدنا أن نُبايع سيّد قطب على أنّه صاحب نظرية الصوَر والظِلال بعد أن كان عبد القاهر الجرجاني في القرنين الخامس والسادس الهجري صاحب نظرية النُظم، بمعنى أنّه أبدع في ما كتب خاصة في كتابيه هذين اللذين كانا فاتحة خير له، وقد وَلَج في التفسير، فهو في البدايات كان يهتمّ بالقرآن الكريم كأسلوبٍ أدبي راقٍ يستفيد منه ويكتب حوله، ولكن في ما بعد لمّا رحل إلى أميركا سيّد قطب ولِدَ سنة 1906 لمَن لا يعرف سيّد قطب في قرية موشا في محافظة أسيوط في مصر، ودرس الأطوار هذه العادية له. ثمّ دخل الجامعة إلى كلية دار  العلوم وتخرَّج من كلية التربية، وكان أستاذاً لمدّة سبع سنوات، ثمّ مفتّشاً للتربية، ثمّ أرسل ببعثة إلى أميركا ليدرس المناهج، ذهب إلى أميركا سنة 1948 وعاد سنة 50 حوالى ثلاث سنوات أمضاها في أميركا، ولم يحترق بهذه الحضارة التي أبهرت غيره وإنّما عاد وكلّه عزيمة وإصرار على أن يكتب في الإسلاميات، وهناك حادثتان يرويهما هو في كتابه أميركا التي رأيت وأورد نتفاً منها صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه "أميركا من الداخل بمنظار سيّد قطب". يقول سيّد قطب: "دخلت إحدى المستشفيات في أميركا، فوجدت فرحاً وابتهاجاً غير عادي، فلمّا سألت عن السبب قيل لي أنه قُتِل اليوم عدو الغرب الأول حسن البنا سنة 1949، قال فهزَّتني هذه الحادثة كيف يفرح ناس في أقصى الغرب لرجل مفرد في أقصى الشرق، لا بدَّ أنّ لهذا الرجل ما له". قال والحادثة الثانية أنّ أحد أعضاء المخابرات الإنكليز سمّاه بدجون هيوارد قد كان يأتي يزورني مراراً، يحاول أن يفهمني أن هؤلاء الإخوة هذه الحركة الإخوانية هي خطر على مصر نفسها قبل أن تكون خطراً على الغرب، قال فهذا كله جعلني أعيد النظر في اتجاهه، كان اتجاهاً أدبياً لمّا عاد إلى مصر انضمّ إلى الإخوان المسلمين بعد سنة 52 وانتصار الثورة المصرية على الملكية. بمعنى أنّ سيّد قطب في البدايات كان أديباً، ثمّ صار مفكّراً إسلامياً في فكره الإسلامي. في البدايات كان مفكّراً مُسالماً، لم يكن له مثل هذه الدرجة التي يوصَف بها من العنف لقارئ كتب إقرأ الظلال إن شئت لا تجد هذه الدعوة إلى العنف، واقرأ كتبه الأخرى إلا فقرات مهمة وردت في كتاب "معالم في الطريق" فقد استلّت أربع مقالات من الظلال في تفسير سورة البروج التي لم يكن يجيزها الشيخ محمّد الغزالي رحمة الله عليه، والذي كان رقيباً على ما كان يخرجه سيّد قطب من مراسم الظلال لتُطبَع خارج السجن، فأجاز له الظلال كلّه. ليس هناك شيء يدعو إلى المُصادرة أو إلى الرقابة، وإنّما حفاظاً على سيّد قطب لم يجز له هذه التي كتبها في تعذيب الإخوان داخل السجون في تعقيبه على صورة البروج.

 

يحيى أبو زكريا:  لا شكّ أنّنا سوف نواصل ونفكِّك النص القطبي في معالم في الطريق.

دكتور كمال لا شكّ أنّ المفكّر عندما يكتب في السجن يكون متأثّراً بقسوة الجلاد، والشهادة لله تعالى كان الأمن المصري في تلك الفترة قاسياً غليظاً باعتراف كل الضباط الذين كتبوا مذكّراتهم أنّنا تعاملنا بعنفٍ وبقسوة في سجن تورا في سجن اللمان في السجون التي صارت رموزاً معروفة اليوم في العالم العربي. هل كان السجن سبباً في انفجار أفكار قطب؟ علماً أنّ معالم في الطريق ليس كله سيّئ، فهو عندما يتكلّم عن الغرب صدق في ما ذهب إليه. هل السجن له تأثيراته على الإنتاج الفكري والإبستمولوجي والمعرفي للإنسان المسجون؟

 

كمال حبيب: طبعاً لا شكّ، سيّد قطب أولًا كان أديباً مُرهفاً، كان حساساً جداً، وكان من مدرسة أبولو وكان تلميذاً للعقّاد، وخاض معارك كثيرة أدبية معروفة. وكان أسلوبه أسلوباً رقيقاً جداً، وأسلوباً في طاقة ضخمة جداً جداً، وطبعاً اختلافه مع أصدقائه لأنّه كان صديقاً لعبد الناصر، كان صديقاً لمجلس قيادة الثورة، وكان له مكتب في مجلس قيادة الثورة، وكان مؤمناً بالثورة، وعبَّر عنها، واعتبرها شكلاً من أشكال التحرّر لمصر في مواجهة الملكية، وكان يُراهن على أن تكون تعبيراً عن آمال المصريين ومثل هذه الأمور. ولمّا حصلت مسألة الخلاف مع أصدقائه، ومع مَن كان اعتبرهم أملاً له حتى أنه تحدّث عن الديكتاتورية المؤقّتة لمدّة ستة أشهر يبرِّر فيها فكرة القبضة الحديدية لمجموعة الضباط، وربط بحركة يوليو ولكن مع اختلافه مع عبد الناصر والقبض عليه سنة 54 لمدّة ثلاثة أشهر، وإعادة اعتقاله سنة 54 بسبب المحاولة المنسوبة للإخوان باغتيال عبد الناصر وبقائه حوالى تسع سنوات في السجن، والقبض عليه مجدّداً سنة 65 مع تنظيم 65 كل هذا الكلام غيَّر فكر سيّد قطب الذي نظَّر لحركة الإخوان، إنّها حركة مُترهّلة، وعلى أنّها حركة لا ملامح لها، وعلى أنّها حركة تقبل داخلها كل مَن هبّ ودبّ. ولذلك بدأ يتحدَّث عن فكرة العقيدة وأهميّتها في بناء الإنسان المسلم، ثمّ آمن هو نفسه بأنّه لا بدَّ من وجود تنظيم طليعي، أو عُصبة مؤمنة هذه العُصبة تكون مبنية على أساس العقيدة التي تربَّى عليها المسلمون الأوائل في الفترة المكّية.

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور كمال إذا سمحت سأمضي إلى فاصل، ثمّ أواصل الحوار. طبعاً أشرت إلى النقطة الأخيرة سيّد قطب يتحدَّث عن جيل الصحابة جيل الصحابة الذي انتصر للرسول، وأوصل الإسلام إلى الصين.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. عدنا والعود أحمدُ، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج كتاب "معالم في الطريق" لسيّد قطب، والذي يُعتبر واحداً من الكُتب التي هيّأت المشهد العربي والإسلامي للعنف والإرهاب الأعمى.

دكتور كمال كنت تتحدَّث عن العلاقة بين الإخوان وبين النظام المصري آنذاك بقيادة الثوّار جمال عبد الناصر ورفاقه. علماً أنه عندما تعود لأدبيات جمال عبد الناصر، هو كان يشيد بالإخوان وحتى محمّد أنور السادات في كتابه "العودة إلى الذات"، وهو مذكَّرات في الواقع يقول أنا نشأت نشأة إخوانية، واستقيت من الإخوان. فكيف وقعت الوقيعة؟ علماً أنّ جمال عبد الناصر كان يستقبل سيّد قطب في مكتبه، وكان قطب يدخل عليه مباشرة.

 

كمال حبيب: نعم ما قلته صحيح، لكن جمال عبد الناصر كانت له علاقة بالإخوان، وأغلب المعلومات تقول إنّه كان عضواً في التنظيم، ولكن طبيعة جمال عبد الناصر كانت له علاقة  بمصر الفتاة، وكانت له علاقة أيضاً بالإخوان، وكان يتجوَّل في هذه الفترة. فلمّا قامت حركة الضبّاط، وجاء الإخوان، وكانوا هم الذراع المدنية التي حولهم، وكان هناك بعض العسكريين منهم كعبد المنعم عبد الرؤوف وغيره الإخوان عاملوا جمال عبد الناصر خاصة المُرشد الثاني حسن الهضيبي بنوع من الاستعلاء، وظلّوا يعاملونه كأنّه عضو في التنظيم، ولم يدركوا الفارق بين حال جمال عبد الناصر كعضو فاعل سياسي قبل أن يصل إلى السلطة، وبعد ذلك فطالبوه بما كانوا قد اتفقوا عليه في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن تكون مصر دولة إسلامية، وشيء من هذا القبيل. في هذه الحال جمال عبد الناصر قال لهم بوضوح أنه لا يوجد اتفاق بالمعنى الذي تلزمونني فيه، المهم حصل هنا نوع من المُفاصلة بين الطرفين وهيئة التحرير كان جمال عبد الناصر يريد أن يكون الإخوان مدّتها لاستعابهم داخل الدولة المصرية، لكن جماعة الإخوان كجماعة مُعبّأة بثقل نصوصي مُتمثّل في نصوص حسن البنا، وبعد ذلك نصوص سيّد قطب وإن كانوا يتقبّلون نصوص سيّد قطب بنوع من التحفّظ على فكره، لكن هذا الثِقل النصوصي والطابع العقدي جعل الإخوان يضعون أنفسهم دائماً في مواجهة مع أيّ نظام سياسي في مصر، سواء كان نظام الملك، أو نظام جمال عبد الناصر، أو نظام السادات  أو حسني مبارك في التسعينات، أو الفترة الحالية.

بالنسبة إلى سيد قطب فقد اعتبر أنّ الأمَّة الإسلامية التي يجب أن تقود العالم والعالم بحاجة إلى قيادتها، واعتبر أنّ وجودها انقطع، والناس المسلمون حتى لو كانوا مسجّلين في شهادات الميلاد تسجيلهم في شهادات الميلاد لا يعني أنّهم مسلمون، وأنّه لا بدّ من إعادة تربيتهم العقدية من جديد، وكأنّنا نعيش في مكّة أثناء بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم وهؤلاء الموجودون في العالم الإسلامي الذين يشهدون بأن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله من عامة المسلمين، هؤلاء اعتبرهم كأنّهم في مقام مكّة، ولا بدَّ من إعادة تربيتهم عقدية من جديد. وهذه مشكلة أنّك في مجتمع غالبيّته مسلمة، وتجعل من منهج التغيير فيه إعادة تربية الناس على العقيدة الحقَّة باعتبار أنّهم لم يحقّقوا معنى شهادة أن  لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال سنناقش في كل الأفكار، دعنا نُشرك أيضاً الدكتور خليل في الموضوع. لكنّي أعتقد جازماً لو أنّ السلطة المصرية أخلت سراح سيّد قطب، لكان معالِم في الطريق كتاباً كأيّ كتاب في المشهد الثقافي الإسلامي. وإعدام سيّد قطب هو الذي أعطى الشرعية المُطلقة لسيّد قطب كشهيد فكر وشهيد الإسلام، وهو الذي حوَّل الأنظار إلى كتابه.

دكتور خليل كونك شرحت المعالم، ما هي معالِم المعالِم؟ ما هي مُرتكزات المعالِم دكتور خليل؟

 

خليل القاضي: معالم في الطريق هو من آخر ما كتب سيّد قطب، كتبه في السجن وكتب قبله كُتباً، كتب هذا الدين، وكتب المستقبل لهذا الدين، وكتب الإسلام ومشكلة الحضارة. كُتباً كثيرة من الظلال في السجن.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهد القيامة في القرآن الكريم.

 

خليل القاضي: بدأه خارج السجن، مشاهد القيامة قبل دخوله السجن الظلال كتب أجزاء منه، وقبل أن يدخل السجن وتعاقد مع دار نشر هي دار إحياء الكتب العربية على أن تنشر له الظلال كاملاً، فلمّا دخل السجن رفعت هذه الدار دعوة قضائية على الحكومة، فسمحت الحكومة لسيّد بأن يخرج ما يكتبه من السجن ليُطبَع في هذه الدار شاء الله تعالى أن يخرج الظلال، ولا يُعدَم مع إعدام سيّد قطب.

"معالم في الطريق" هو عُصارة العُصارة إن صحّ التعبير، وهو من آخر ما كتب بعد أن دخل السجن رأى واقعاً مختلفاً عن الواقع الذي خارج السجن، هؤلاء الجلاّدون هؤلاء الذين يعذّبون إخوانهم، وكأنّهم أعدى أعدائهم، هؤلاء المسعورون، هؤلاء الذين يتلذَّذون برؤية هذا التعذيب، هذا بعث في نفسه هذه الأفكار التي من خلالها نظر مثل هذه الحال إن صحّ التعبير، وجعلها جاهلية كأنّ هؤلاء لا علاقة لهم بالإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل من فضلك فقط لم يُسْجَن الذكور فقط حتى نكون منصفين أمام الله والتاريخ حتى النسوة لم يسلمن،  السيّدة زينب الغزالي النساء والرجال معاً.

 

خليل القاضي: أخواته قبل غيره حميدة ونفيسة وأمينة سجنّ كلّهن، آل قطب كلهم في السجن زينب الغزالي لم يقتصر الأمر على أفراد معدودين، وإنّما كل مَن يشكّ فيه رائحة الانتماء إلى الإخوان يُزجّ به في السجن، بل زجّوا بـ 18000 منهم في يوم واحد، وتفاخرت الصحافة في ذلك الحين حول هذا الرقم الكبير في يوم واحد. هذا بعث بسيّد قطب أفكاراً تخالف ما كان يفكّر به وهو خارج السجن، فكان أسلوبه نوعاً ما أسلوباً مندفعاً، وإن كان متدفقاً في ما يكتب، ولكن اندفاعه هذا جعل أسلوبه يؤول هو نفسه حين سئل في الملازم الأخيرة التي كتبها، وهو في المحكمة قبل الإعدام، ثمّ جمعت في ما بعد في كتيّب نشرته مجلة المسلمون في العربية السعودية سنة 86.

 

يحيى أبو زكريا: لماذا أعدموني؟

 

خليل القاضي: سمّي لماذا أعدموني؟ هذا الكُتيّب هو آخر ما كتب سُئِل مباشرة هو عبارة عن حوار بينه وبين المباحث، فقيل له هل كنت تكفِّر المجتمع؟ قال لم أكفِّر يوماً إنساناً، ولا يحقّ لنا أن نكفّر أعيان الناس بأعيانهم، وإنّما نكفِّر الأنظمة وهياكل الأنظمة، ولا نكفِّر حتى الحكّام، قيل له هل تكفِّر عبد الناصر قال كعبد الناصر لا أكفِّره، ولكن كفكر يحمله أكفِّر فكره، وهذا تطوّر في ما بعد الذين كانوا معه في السجن لم يكونوا على مستوى واحد من الثقافة، حتى إنّ زينب الغزالي في مذكّراتها تقول إنّ سيّد قطب كان في سجن ليناً  طوراً، وزعيم الهجرة والتكفير مصطفى شكري كانا في سجن واحد قال سمع سيّد بأنّ هذا الرجل يقول بما لا يقول به سيّد قطب ويؤوله بمعنى يقول سمعنا عن سيّد كذا وفهمنا من كتبه كذا، فاضطر سيّد لأن يكتب بخط يده بياناً وشرحاً لما يتأوّل عليه في سجن الواحات هذه لماذا؟ لأنّ الناقل لم يكن أميناً، أو أنّ الناقل لم يكن في مستوى يؤهّله لأن يفهم عن سيّد قطب ووعد زينب الغزالي بأن تكون له سلسلة ثانية من معالم في الطريق، ولكن القدر لم يمهله لكي يكملها كتبه وأعدم فوراً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل أعطني أبرز نقاط معالم في الطريق ندخل في عمق الموضوع لأنّ الوقت التلفزيوني ضاغط كالصواريخ. النقاط البارزة في معالم في الطريق؟

 

خليل القاضي: أبرز النقاط أنّه وصف المجتمع الذي عاش مع النبي صلّى الله عليه  وسلّم وصفه بالرعيل الأول منهج فريد فيه لأنّهم كانوا يكونون عصبة مسلمة ملتزِمة بهذا المنهج، وهذا الفصل بين التنظير والعملي، هذا من قديم موجود أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري كان يشكو من هذا حتى أنّه ألَّف إحياء علوم الدين وكأنّ علوم الدين وكأنّ علوم الدين اندرست وأحياها بكتابه. هذا بحيث جمع بين الشكل والمضمون، سيّد قطب نفس الأمر سار على هذا المنوال في كتابه معالم في الطريق أراد أن يقود هؤلاء الشباب عقدياً. العقيدة أهم شيء دافعاً للسلوك، والسلوك لا ينشأ من فراغ، قال هؤلاء الأعداء الغربيون جميعاً الصهيونية العالمية، هؤلاء الذين يتألّبون على الإسلام فكرياً، وقال هؤلاء لا يمكن أن يجابهوا إلا بالعقيدة الصافية النقيّة العقيدة التي تتمثّل في شعاب الحياة كلّها وليس عقيدة الآباء والأجداد، "إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون" بمعنى لا تبحثوا في إسقاطات العقيدة على الحياة العملية. لذلك كانت كتابات سيّد قطب كلّها محاولة إسقاط هذا التنظير هذه الأمور التي يدرسها العلماء في مكاتبهم عن الحياة العملية، فتجده في الظلال مثلاً يتحاشى هذه الخلافات النحوية والفُقهية والفُقهية والكلامية، هذا الذي يغوص فيه كبار المُفسّرين. فأراد أن يربط المسلم بواقعه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل القاضي: لذلك يقول أحد الباحثين وهو عدنان زرزور مُتخصّص في علوم القرآن، يقول في ظلال القرآن لسيّد قطب يُغني عن جميع التفاسير، ولا يُغني تفسير واحد عنه لماذا؟ لأنّه يربط المسلم مباشرة بقرآنه هذا القرآن يصبح واقعاً عملياً. ومعالم في الطريق أثبت فيها وفصل في الحاكمية والحاكمية الحقّة هي بإجماع علماء الأصول أنّه لا يجوز لأحد أن يشرِّع من دون الله،  وهذا مَن يقرأ كتب الفقه كتاب المصطفى لأبي حميد الغزالي مثلاً يقول هناك الحاكم، وهناك المحكوم عليه، وهناك المحكوم فيه الحاكم هو الله تعالى والمحكوم عليه هو المُكلَّف والمحكوم فيه هو عمل المكلّف. يقول ليس هناك من له الحق في أن يشرِّع من دون الله حتى ولو كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا يشرِّع الإنسان للإنسان، ولا السيّد للعبد، ولا الأب لبنيه، ولا الزوج لزوجه، وإنّما هذه طاعات الله تعالى هو الذي أمرنا بها وإلا لو لم يكن هناك أمر بوجوب الطاعة، ولما كان هناك واحد أولى من الآخر لماذا لا يُطيع الأب إبنه؟ ولماذا لا يُطيع الزوج زوجته؟ ولماذا لا يُطيع الأب أبناءه؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل قلت في سياق حديثك إنّ سيّد قطب سُئِل بالفعل، وهكذا جاء في كتابه هكذا أعدموني هل تكفّر جمال عبد الناصر قال لا أكفِّره، لكن هنالك جملة في معالم في الطريق مفادها أنّ الأنظمة الطاغوتية الراهنة تحارب المسلمين وتحارب المجتمع لا لطمع اقتصادي ولا لطمع سياسي، إنّما هنالك مُحاربة عقائدية بمعنى أن مَن يصنع القرار ومَن يحكم لا يجسّد عقيدة الأمَّة هو في عقيدة أخرى الاشتراكية، الرأسمالية وما إلى ذلك.

دعني أنتقل إلى الدكتور كمال مُجدّداً، دكتور كمال أتصوَّر أنّ المشاهد العربي سيُعيد قراءة معالم في الطريق بعد شهادة سيّد قطب صار الكتاب منتشراً، وطُبِع حتى في السعودية بالمناسبة وكان سيّد قطب يحاضر ويقدّم محاضرات إذاعية في الإذاعة السعودية، وانتشر الكتاب في المغرب العربي في تونس، في الجزائر، في موريتانيا، في ليبيا، وفي كل العالم العربي والإسلامي. ما يهمّني في هذه العقدة كما يقول أهل الدراما العقدة الفنية كيف تلقّف الخَلَف فكرة سيّد قطب معالم في الطريق وجعلوها نهجاً لتفجير الأمن القومي العربي. وقبل هذا هل تعتقد أنّ سيّد قطب كان يريد تفجير الأمن القومي العربي؟

 

كمال حبيب: طبعاً كما تفضّلت أنّ إعدام سيّد قطب بسرعة والحُكم عليه من محكمة عسكرية، وهي محكمة الدجوي وإعدامه سريعاً بعد أسبوع جعل لكلماته معنى مختلفاً لأنّه في النهاية رجل ضحّى من أجل كلمات، وضحّى من أجل أفكاره. وبالتالي في فترة السبعينات ومع الصحوة الإسلامية الجديدة، ومع إحياء الإسلام من جديد كان هناك نوع من البراءة، ودعني أقول حتى من الغفلة لدى أبناء الحال الإسلامية، كانت هناك حركة نشر واسعة ودار المعلم هنا في القاهرة دار الشروق طبعت مئات الطبعات والشباب كان ملهوفاً للقراءة، وأخذ يقرأ وهذا في كل العالم الإسلامي كان أحد ملامحه هذا الكلام. والمسائل لم تبدُ ذات خطر لأنّ كتاب في النهاية يقرأه الناس لكن مع ظهور حال أفغانستان ومع دخول أجهزة مخابرات عالمية على توظيف الحركة الإسلامية الجديدة وتوجيهها ناحية تحقيق أهداف دولية مثلاً الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الاتحاد السوفياتي كما قال برجينسكي نصنع لهم فيتنام في أفغانستان، وذهاب الشباب الإسلامي إلى هناك في أفغانستان. هنا بدأت أفكار سيّد قطب يُعاد تخليقها من جديد، أنا أقول تخليق أفكاره مع أفكار إبن تيمية لصناعة ما أطلق عليه بعد ذلك السلفية الجهادية، لكن أنا أذكر أنّ فترة السبعينات وأواخر الستينات وما بعدها سيّد قطب لم يكن مشروعاً للحركة الإسلامية بالمعنى المفهوم لأنّ هذه الحركة كان يغلب عليها الطابع  السلفي، والإخوان المسلمين أنفسهم وأذكر شخصياً أنّه سنة 78 بدأت حركة الإخوان كجماعة على الطلبة في الجامعات سنة 78 وجاء مصطفى مشهور إلى كلية الاقتصاد، وأنا كنت أحبّ سيّد قطب وسألته عن موقفهم من سيّد قطب لم ينظر إلى أفكار سيّد قطب بعين الارتياح، وكذلك نفس الأمر الجماعة الإسلامية الجماعة الإسلامية الجهادية حتى أيمن الظواهري رغم ما كتبه بعد ذلك في فرسان تحت راية النبي أنّ البداية كانت توجيه سيّد قطب لا أيمن الظواهري كانت مجموعة سلفية مغلقة متأثّرة بأفكار سلفية خالصة. أنا أقصد أن أقول أنّه في مرحلة أفغانستان كان العامل الأفغاني هو العامل الخطير في توجيه وتشكيل العقل المسلم، بعد ذلك أنا أسمّيها عَسْكَرة العقل المسلم أو عَسْكَرة السلوك الإسلامي في أفغانستان. هنا استدعي سيّد قطب كفيلسوف أو مفكّر معاصر، واستدعي إبن تيمية رحمه الله وهذا الخلط أدّى إلى السلفية الجهادية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال من أجل تعميم الوعي في العالم الإسلامي أدعو الشباب والمتابعين إلى قراءة بريجنسكي ثعلب السياسة الأميركية لأنّه كان صاحب ورشة في الفكر الإسلامي في نيوجرسي وهناك كانت تولَد الأفكار. والذي يظنّ أنّ المخابرات الأميركية لصناعة الأفكار السياسية هو مُخطئ مُخطئ مُخطئ المخابرات الأميركية مطبخ فكري بامتياز، ومَن يقرأ مذكّرات وليام كيسي مدير المخابرات الأميركية يقول إذا دخلت مقرّنا لا تتعجّب إذا وجدت مَن يتقن عشرين لغة بما في ذلك اللغة العربية، وهو كان يُجيدها، بل إنّ فينا مُنظّرون للإسلام، ومفكّرون في القانون الإسلامي.

دكتور كمال أرجو أن تبقى معي. أعود إلى الجزائر الحبيبة دكتور خليل. دكتور خليل رجل بلغ من الكِبَر عتياً، وصدر فيه حكم الإعدام وحيثيات القضية مُدَكْدَكة بالمبنى القانوني واقعاً. العالم الإسلامي كلّه تحرّك بشقّيه السنّي والشيعي حتى مرجعية النجف بعثت من يتوسَّل جمال عبد الناصر لعدم إعدامه وحواضَر العالم الإسلامي قاطبة. هل ترى في إعدام سيّد قطب حقاً مشروعاً؟ أم كان خطيئة كبرى للنظام الرسمي المصري في ذلك الوقت؟

 

خليل القاضي: والله إعدامه هي خطيئة كبرى حقيقة لأنّهم أعدموه كما يقول أحمد شلبي في التاريخ الإسلامي في موسوعته التاريخ الإسلامي في الجزء التاسع يقول، وهكذا أُعدِم سيّد قطب كما يُعدَم قُطّاع الطُرُق والمجرمون. مُفكّر كبير كهذا منشئ الظلال والمعالم والكتب الأخرى، هذا الطراز العالي جداً هذا يُعدَم هكذا بجرّة قلم. ولكن خطره عليهم أنّه دعا إلى توعية الشباب، ودعا إلى أن لا تلتمس المناهج من الخارج ومصر في ذلك الوقت كانت مُتّجهة بقدّها وقديدها حكومة إلى الاتجاه الاشتراكي، فسيّد قطب كان يزعجهم بكتاباته هذه، بل كان يزعج نظام الإقطاع من قبل لما كانت الملكية كان يكتب مقالات ثائرة في عهد الملكية حتى أنّه بعد انتصار الضباط الأحرار قال في إحدى جلساته وكان القيادي الوحيد المدني الذي يحضر جلسات مجلس قيادة الثورة، قال لهم إذا كنت في عهد الملكية مهيّئاً نفسي لأن أدخل السجن، ففي هذا العهد أي عهد الثورة هيّأت نفسي لأن أدخل السجن أكثر من ذي قبل. فردّ عبد الناصر قال له نفديك بأرواحنا يا سيّد، والغريب في الأمر أنّ هذا الذي زعم أنه سيُفديه بروحه هو الذي قتله في ما بعد. إعدامه شكّل وعياً جمعياً عند المسلمين كما تفضّلت الشيعة وعندما في الجزائر أرسلت جمعية القِيَم التي كان يرأسها الهاشمي التيجاني استعطافاً لجمال عبد الناصر ليُطلق سراحه، وفي السعودية أيضاً الهيئة الدينية الملك فيصل شفع لسيّد قطب، ولكن لم يشفع له.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل طبعاً بودّي أن أفتح حلقات عديدة لأفكار كل هؤلاء، لكن الغرض الإعلامي هو أن نقدّم ما يقدح العقل ويدفع إلى البحث وتجديد المراجعات. ويروى أنّ الشيخ الذي كان يريد أن يلقّن الشهادة لسيّد قطب قبيل إعدامه بقليل وهو في الثوب الأحمر، قال له يا سيّد قطب قل لا إله إلا الله فردّ عليه سيّد قطب قائلا أنت لا إلا إلا الله تأكل بها خبز أمّا نحن نموت من أجلها. هل كان سيّد قطب مُنظّراً ربّانيًا أصاب؟ هل كان مُنظّراً أوجد العنف في العالم الإسلامي؟ لا شكّ أنّ البشر لا يتّفقون على رأي، والمسلمون انفرط الإجماع لديهم.

كل ذلك سيُعاد في محكمة العدل الإلهي يوم القيامة، فيلتقي عبد الناصر بسيّد قطب والمسلمون، بل البشرية شاهد لمَن الحق اليوم.

طبعاً مشاهدينا هذه السلسلة سنكملها. كتابنا المقبل هو رسالة الإيمان للدكتور صالح سريا لنرى الفكرة التي أطلقها قطب كيف تفتّقت وكيف تطوّرت، ونحن ننتمي إلى مدرسة إعلامية تقول لا تكتفي بنشر الخبر، بل ادفنه يعني صل معه إلى النهاية.

الدكتور كمال حبيب من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور خليل قاضي من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل