التحدي الحضاري العربي بين المثاقفة والتفاعل

التثاقف والتفاعل في السياق الانساني والحضاري، الإشكاليات والإيجابيات... ومسببات الخلاف بين الشرق والغرب، وموقع الدين منها... وأين دور العرب ومقاربتهم للتثاقف في عصر المعلومات.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أُحيّيكم، من إشكاليات العلاقة بين الشرق والغرب مسألة التثاقُف والإنفتاح وذلك في سياق تطوّر الحضارة الإنسانية، ولأنه لا تطوُّر حصل في الحضارة إلا عبر التثاقُف منذ عملية التدجين الزراعي والحيواني الأولى إلى مُقارَبة العمارة والفكر، وحتى أن المُفكِّرين يجدون فعل التثاقُف في الديانات أمراً ضرورياً، الديانات التي جبّ بعضها بعضاً، من هنا ضرورة طرح مسألة التفاعُل والتثاقُف ومُنْدَرَجاتها ومفاعيلها وارتداداتها بين الجهتين المُتقابلتين الشرق والغرب، بين شرقٍ بمضمونه الإسلامي منذ 14 قرناً ونيّف والغرب المسيحي. الدكتور إبراهيم فضل الله قارَبَ هذا الموضوع في كتاب "التحدّي الحضاري الغربي بين المُثاقَفة والتفاعُل"، وهو أستاذٌ في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، ومن كُتبه أيضاً "المقاومة في الروابة العربية"، قبل الحوار تقريرٌ عما قدَّمه العرب للغرب قبل أن ينكفئوا.

تقرير:

يقول المؤرِّخ السوري شاكر مصطفى إن العرب أنشأوا عشرات المدن خلال حُكمهم وتوسُّع إمبراطوريّتهم، فيما تؤرّخ الفلسفة العربية بالكندي أبي يوسف بن إسحق من قبيلة كندة، فيما قدّم الذين أسلموا من غير العرب إضافات حضارية مثل الفارابي المُتأثّر بأفلاطون الذي كتب "المدينة الفاضلة"، وإبن سينا الذي كان نموذجاً للتفاعُل بين الثقافتين العربية والفارسية، وبقي طبّه يُدرَّس في أوروبا حتى مرحلةٍ مُتأخِّرة.

وتُنْسَب للعرب والمسلمين روح البحث العلمي وهي أساس عمل الجامعات حيث مثّلوا التفكير العلمي في القرون الوسطى، ونقلوا الورقة من الصين إلى أوروبا، وكان لهم نحو عشر جامعاتٍ في إسبانيا تستقبل طلاب أوروبا، ولخدمة عِلم الملاحة أنشأوا الكليّة البحرية في لشبونة وقشتالة والكلية الحربية في غرناطة وكلية الموسيقى ومعهد التجميل في قرطبة.

وقد تخرَّج البابا سلفستر الثاني من جامعة قرطبة، فيما تخرَّج الإمبراطور الألماني فريديريك الثاني حاكِم صقلية وإيطاليا وألمانيا من جامعة باليرمو الإسلامية في صقلية، فيما درَّست جامعة نابولي التي أسَّسها الإمبراطور فريديريك مؤلَّفات إبن رُشد، وتخرَّج من هذه الجامعة القدِّيس توما الأكويني.

نقل العائدون من الحروب الصليبية نماذج العمارة المُختلفة وأساليب الفنون في المشرق، ومن دون رَيْب فإن إسبانيا وصقلية كانتا نقطتي انطلاق الحضارة الغربية، وحتى القانون الروماني نفسه فإنه يعود في أصوله إلى مدرسة بيروت، كما أن فُقهاءه الأوّلين هم من المشرق.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، دكتور إبراهيم فضل الله أهلاً بك سيّدي ضيفاً عزيزاً على أجراس المشرق. 

إبراهيم فضل الله: الشكر لكم طبعاً.

غسان الشامي: كيف تؤرِّخون مسألة التثاقُف. 

إبراهيم فضل الله :بدايةً لا بدَّ من شُكرك على هذا البرنامج القيِّم وعلى هذا الحراك الثقافي الذي يُحْدثه في العالم العربي. بالعودة إلى التثاقُف دائماً أرى أن هناك مُصطلحات عامة أو مُبْهَمة نأخذها ونسير بها، إذا أردنا أن نقول التثاقُف، تحديد المُصطلح في البداية، دائماً عندما نُحدِّد أيّ مُصطلح نرى الطريق الذي يجب أن نسير به. مُصطلح التثاقُف في اللغات اللاتينية الإنكليزية والفرنسية بما معناه حركة ثقافة من مكانٍ إلى مكانٍ أو من ثقافةٍ إلى أخرى. الثقافة أيضاً بما معناه الزراعة والنمو وإلى ما هنالك، في العالم العربي أو في الحضارة العربية ما معنى الثقافة أو التثاقُف؟ التثاقُف هو الخصام.  

غسان الشامي: هو عملية تسنين الرُمح. 

إبراهيم فضل الله: أحسنتم، هو تسنين الرُمح حتى يُصيب، فإذاً هناك نوعٌ من العُنف في الثقافة وهذا أمرٌ يلتقي إلى حدٍّ بعيدٍ بالحركة، معاني الحركة التي تقول بها عن التثاقُف في اللغات، بغضّ النظر عن مفاهيم ودلالات المُصطلح لنعتمد أن المُصطلح هو تفاعُل أو تعاون الحضارات أو الثقافات في ما بينها. كتاب"التحدّي" الذي ذكرته حضرتك أنا قصدت بين المُثاقَفة والتفاعُل أو التحدّي الحضاري الغربي هل بين العُنف والتصدّي أو بين التكامُل والتفاعُل المطروح في الحضارات العربية. فإذاً الثقافة والتثاقُف بداياته التثاقُف بين السماء والأرض، منذ نزل آدم عليه السلام إلى الأرض ترك السماء وأتى إلى الأرض.  

غسان الشامي: وترك إبنين يقتتلان. 

إبراهيم فضل الله :تثاقفا أيضاً، هو تثاقُف، هو قتله وعفا الله عنه بغضّ النظر عن هذه السرديات الدينية وإلى ما هنالك، ولكن تثاقفت السماء والأرض، التثاقُف موجود منذ أن وُجِدت البشرية كما ذكرت حضرتك، شعوب ما قبل التاريخ والشعوب القديمة منذ الفراعنة إلى غيرهم كانت هناك عمليات تثاقُف بين هذه الشعوب، وهذا التثاقُف هو الذي أنتج الحضارة، مفهوم الحضارة الآن أيضاً غائم لدينا. 

غسان الشامي: لنعترف أننا نعيش في تغييم وفوضى المُصطلحات، لذلك إذا كان شرط الوضوح التعيين فلنقل إن التثاقُف كما قلت هو تلاقٍ؟ 

إبراهيم فضل الله :أنا دعوت كما الحضارة العربية الإسلامية إلى التعاون بين الحضارات وليس الحوار. 

غسان الشامي: هذا يدفعنا إلى السؤال عن مراحل تطوّر الحضارة الإنسانية وهذا أيضاً في كتابٍ لك. 

إبراهيم فضل الله :مسيرة الحضارة الإنسانية بعض المُفكِرين يأخذون بالنظرية العلمية، أنا أفصل دائماً بين المفهوم الديني للخلق والإنسان والمفهوم الوَضْعي أو العِلمي لكن هناك مفهوم وَضْعي وضعه الإنسان ومفهوم ديني تلقَّاه الإنسان عبر الأنبياء والرُسل. الإنسان منذ أن وُجِد مع هذه الكائنات كما يُقال في الغابة في وسط أفريقيا عندما نشأت الحياة، كان هناك فرس وحصان وأسد بالإضافة إلى الإنسان، هذا الإنسان تطوَّر، البعض يقول إن الإنسان تطوَّر أو انشقَّ عن الحيوان.   

غسان الشامي: المملكة الحيوانية. 

إبراهيم فضل الله :نعم، كان مثل هذه الوحوش إذا جاع يأكل الثمار أو يفترس فريسة أو يُفتَرَس كما تعيش الحيوانات، لكن المسؤول عن حضارة الإنسان يُقال هذه الكفّ، هذه الكفّ بهذه الحركات عندما استهدى الإنسان والتقط حَجَراً وقتل حيواناً أو دافع عن نفسه أمام الحيوان بهذا الحَجَر بدأ عقله يُفكِّر، فكلّما عملت يده تطوَّر عقله وأصبح يُفكِّر، هذا الحَجَر سنَّه في ما بعد وصنع منه سهماً وهكذا نشأ الخيال والتطوّر، هذا التطوّر استمرّ مع الحياة الإنسانية إلى أن اكتشف الزراعة، وباكتشاف الزراعة نشأ المجتمع، وعندما اكتفى الإنسان مادياً رفع حاجاته المادية من مأكل ومشرب إلى ما هنالك وبدأ يتَّجه إلى النواحي المعنوية أو الأخلاقية، فإذاً أصبح هناك قضايا مادية وأخلاقية وهكذا تطوَّرت الحياة، نشأت الزراعة، نشأت السُلطة، نشأ المجتمع، الدين، الأخلاق، فأصبح الإنسان يعيش حضارياً بين خطّين أو يسير في خطّين مادي ومعنوي.

غسان الشامي: هذا هو السياق الإنساني لمفهوم التثاقُف في سياق الحضارة؟

إبراهيم فضل الله: هذا السياق الحضاري.

غسان الشامي: لكن أين التثاقُف منه؟ 

إبراهيم فضل الله: نحن ما قبل التاريخ البشري لدينا بعض الإشارات من الآثارات، ما بعد التاريخ والتدوين لدينا الحركة أو الحضارة الفرعونية التي سجَّلت حضارتها.

غسان الشامي: السومريون قبلهم. 

إبراهيم فضل الله :السومريون في منطقة ثانية، هذا ما أريد أن أقوله، كيف تثاقَف الفينيقيون والفراعنة، سكان وادي النيل تثاقفوا مع بلاد ما بين النهرين وهكذا، فإذاً من المؤكَّد أنه لدينا حَجَر الأساس في هذا وهو الحضارة الفرعونية، لدينا شيء واضح يُعتدُّ به، قد نكتشف في الغد ما يؤكِّد لنا أن الفراعنة أخذوا حضارتهم عن أناسٍ قبلهم بكثير.

غسان الشامي: ولكن هناك أمر مُلْفِت في مسألة التثاقُف وهو ما سُمِّي الحضارة الهلّنستية وهي حضارة هذا المشرق البلاد شامية على الغالب والحضارة اليونانية، وأنتجت مُنتجاً لامِعاً طيلة فترة طويلة، هل هذا شكَّل علامة فارِقة وإذا كان قد شكَّل علامة فارِقة ما هي صفات هذا التثاقُف؟ 

إبراهيم فضل الله :حتى الثقافة اليونانية جذورها فرعونية، فهنا صار التثاقُف، حتى أرسطو ذهب إلى فارس وأخذ منهم، هذا التثاقُف الحضاري إذا اصطلحنا على تسميته هو مستمر من حضارةٍ إلى أخرى. برأيي أن الحضارة الهلّنستية بما أنها شملت المشرق لكنها في الحقيقة كانت حضارة يونانية، قد تُشابه إلى حدٍّ بعيدٍ ما نعيشه اليوم، نحن نعيش جميعاً في ظلّ حضارةٍ غربيةٍ وهذه الحضارة الغربية امتدَّت إلى العالم كلّه تقريباً. 

غسان الشامي: لا يمكن أن ننسى زينون الرواقي، لوقيان السميساطي.

إبراهيم فضل الله: صحيح لكن الوعاء كلّه هو الثقافة والحضارة اليونانية. لم تبرز قضايا فارِقة أو علامات فارِقة خارج الإطار الثقافي اليوناني، حتى أن البعض يقول إن الحضارة العربية والإسلامية وبالطبع أنا أُميِّز بين الحضارة العربية والإسلامية لأن الحضارة العربية هي ما قبل الإسلام، إذا أردنا أن نتحدَّث عن حضارةٍ عربيةٍ فهي الحضارة التي أنشاها العرب قبل احتكاكهم بالأقوام المُحيطة بهم أو بالقوميات والجماعات المُحيطة بهم. هناك رأي عند الغرب وهو أنه حتى الحضارة العربية الإسلامية لم تخرج من الثوب اليوناني، أي أنهم ينفون عنا كل هذه الإنجازات، ويقولون إننا لم نفعل شيئاً سوى ترديد الأقوال اليونانية، حتى في الفلسفة والطب ترجمنا من اليونانية وكرَّرناها ولم نأتِ بشيءٍ من عنديِّاتنا. 

غسان الشامي: ما هو أثر حروب الفرنجة على المشرق، على التثاقُف والتفاعُل بين الشرق والغرب؟

إبراهيم فضل الله :التثاقُف هوعسكري أيضاً، هو تثاقُف عُنفي وتثاقُف مدني، بدايات التثاقُف كانت عسكرية، عندما نقول الغرب والشرق نقصد به الغرب المسيحي والشرق المسلم ولا نقصد العلاقة بين الشرق مع الصين والهند، الآن نقصد الغرب المُلْحِد والشرق المسلم أو العربي تحديداً الآن.   

غسان الشامي: هل الغرب مُلْحِد؟ 

إبراهيم فضل الله :غير ديني، عِلماني.  

غسان الشامي: بعضه أما بعضه الآخر فديني.

إبراهيم فضل الله: طبعاً وهذا ما كنا نقوله دائماً، عندما تكون مُرتاحاً تفكِّر وتُخطّط وعندما تجد أيّ خطر تعود إلى ذاتك، وهذا ما حصل في أوروبا وفي أميركا من خلال هذه القرارات التي ألغت ما يُسمَّى بحقوق الإنسان والحريات وإلى ما هنالك. فإذاً التثاقُف العسكري يجب أن نُضيء عليه، التثاقُف العسكري أدَّى إلى الحضارة الأوروبية التي وُلِدَت بعد القرون الوسطى، عندما وصل العرب أو المسلمون إلى قلب أميركا، إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، إلى الأندلس، هناك استنفر هذه العقلية الغربية الدينية التي كانت تحت سلطة البابوات والتي جمعت نفسها ولم تقف مكتوفة الأيدي وقاوَمت، لاحظ هنا التثاقُف العسكري، بدايات المقاومة كانت بحركة الاستشهاد في الأندلس، ما هي حركة الاستشهاد؟ أن يأتي راهب وهذه ابتدعها أحد الرُهبان الذي سيمَ في ما بعد قدِّيساً ويسبّ النبي محمَّد في ساحة مدينة أو بين المسلمين فكان يُعَدم، وهذه الحركة أدَّت إلى وفاة أكثر من شخص قاموا بها في عزّ الدولة الأندلسية، فهذه المقاومة بقيت إلى أن أتت الحروب الصليبية، ما هي الحروب الصليبية؟ هي تثاقُف مع حركات الجهاد الإسلامي والفتوحات الإسلامية.   

غسان الشامي: هل يعني أن مُسبِّبات الاختلاف الذي تحوَّل في أحيانٍ كثيرةٍ إلى خلافٍ عميقٍ واحترابٍ بين الشرق والغرب هي حروب الفرنجة لأنني لا أحبّ مُصطلح الحروب الصليبية؟ 

إبراهيم فضل الله: مُصطلح الفرنجة كان يُطلَق على بلاد الشام وبالأخصّ البيزنطيين لكن نحن نتكلَّم عن التاريخ وكانت هذه الحملات الصليبية بقيادة البابوات. 

غسان الشامي: حتى المؤرِّخين العرب يُفضِّلون مُصطلَح الفرنجة.  

إبراهيم فضل الله :نحن نتكلّم عما حدث، عن الواقع كما هو من دون تزيينه، حتى أن المؤرِّخين الأوروبيين لا ينفون هذا الأمر.

غسان الشامي: هل هذه الحروب هي سبب هذا الخلاف العميق الذي حصل بين الشرق والغرب؟ 

إبراهيم فضل الله: طبعاً، هذه الحروب أدَّت إلى تثاقُفٍ فكري، نظرة الإنسان الغربي أو نظرة المُثقَّف التي بثّتها الكنيسة وشارك بها الكثير من المُفكِّرين الغربيين خصوصاً في العصور الوسطى، النظرة إلى الآخر المسلم، نظرة البربري الهَمَجي الشرّ، ومعروف فولتير في مسرحية "محمّد"، "الكوميديا الإلهية"، وهذه من القضايا الواضحة للعيان والآن في القرن الواحد والعشرين لا تزال النظرة الغربية هي نفسها التي كانت في القرون الوسطى، هذه هي التي رسَّخت العداء وتلاحظ العداء بكل صراحة ولا نقول ذلك تعصّباً. نحن ننظر إلى الإنسان الغربي بعكس ما ينظر هو إلينا، نحن لا ننظر إليه كآخر عدو، ربّما نختلف معه كمختلفٍ عنا ولكن لا ننظر إليه كآخر يجب إزالته.    

غسان الشامي: ذكرتَ موضوع الأندلس التي احتُلَّت من قِبَل العرب، العرب كانوا مُحتلّين وفاتحين لهذه البلاد التي هي ليست لهم. 

إبراهيم فضل الله:أنت تُدرِك ماذا وجد العرب في الأندلس في الكنيسة القوطية، قبل القوط كان الفينيقيون، التثاقُف كان من هنا، الفينيقيون كانوا في الأندلس قبل القوط. أحدهم يقول وكأن الأمم تأخذ مساحتها الجغرافية، فالفتوحات الإسلامية عندما وصلت إلى أقصاها باتت وكأنها أرضنا، نحن أخذنا أرضنا.  

غسان الشامي: لو استطاعوا لأكملوا، لو استطاع عبد الرحمن الداخل..  

إبراهيم فضل الله: عبد الرحمن الغافقي خاض معركة بلاط الشهداء، هذه أيضاً من القضايا الخلافية. 

غسان الشامي: هذه من قضايا التثاقُف العسكري.

إبراهيم فضل الله :حتى هذا التثاقُف العسكري أنتج تثاقُفاً مدنياً كبيراً.

غسان الشامي: إسمح لنا أن نتوقّف مع فاصل، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور إبراهيم فضل الله، موضوعنا المُثاقفة والانفتاح، انتظرونا. 

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، دكتور فضل الله ماذا قدَّم العرب للغرب؟ 

إبراهيم فضل الله: ماذا قدَّم العرب للإنسانية؟ 

غسان الشامي: للغرب.

إبراهيم فضل الله: ارتكزت الحضارة الغربية على ما أخذوه من العرب، والملاحَظ أن الحضارة الإسلامية هي تثاقُفية من اليونان، هذه الترجمات التي هضمها العرب والمسلمون، المسلمون بمعنى القوميات المشرقية التي دخلت في الإسلام، حتى المسيحيين المشرقيين هم أصحاب ثقافة إسلامية كما يُقال. هذه الحضارة هضمت الحضارات العربية السابقة وبنت منهجاً جديداً ارتكزت عليه بما يتوافق مع دينها ورسالتها وقِيَمها وسارت به على المنحيين اللذين قلناهما قبل قليل، هناك الخطّ الديني الأخلاقي المعنوي والخطّ المادي وهو الصناعة والتجارة وإلى ما هنالك. البعض يقول إن قمَّة الحضارة العربية حتى في الأندلس ليست عربية بمعنى من المعاني، البربر والأمازيغ وكل القوميات كانوا موجودين. في الأندلس وصلت هذه الحضارة إلى قمَّتها كا يقول البعض وهناك بدأ التثاقُف الحقيقي أو حركة الثقافة العربية إلى الغرب، وكان يأتي الطلبة من الغرب ويدرسون في مدارس أو جامعات قرطبة وحتى طُليطلة وإشبيلية، وكان الإنسان الحضاري والمُثقَّف عليه أن يكون مُتمكِّناً من اللغة العربية وهنا أتحدَّث عن الإنسان الحضاري والمُتقدِّم في الغرب، وعليه أن يمتلك مكتبةً كبيرة من الكُتب العربية وأن يعرف بالأزياء والثقافة العربية، حتى أن البعض منهم كان يلبس الأزياء العربية، هذا في بداية القوَّة الحضارية، وكانت كل هذه الكُتب والإصدارات الطبية والعلمية كانت تُنْقَل إلى الغرب، ارتكزت الحضارة الغربية في ما بعد على هذه الكُتب العربية.

غسان الشامي: لنبدأ بالأسماء.  

إبراهيم فضل الله: الرازي، إبن سينا، إبن رُشد، الخوارزمي، هو المنهج الذي اعتمدته الحضارة الغربية لكن هذا في ما بعد بدأ يؤتي ثماره بعدما وقع الصراع، حتى الصراع بين الكنيسة والعِلم هو نتيجة هذه الكُتب، نتيجة العقلانية لإبن رشد.

غسان الشامي: إبن رُشد الذي أحرقنا كتبه. 

إبراهيم فضل الله :نحن نبالغ في جَلْدِ الذات أيضاً لكن المهم أن ابن رُشد أثَّر تأثيراً كبيراً، الرازي في الطب، أُسَّست أولى مستشفى لتعليم الطب في كُتب الرازي وبقيت هذه الكُتب حتى أواخر القرن السابع عشر، الخوارزمي أيضاً في الجبر. 

غسان الشامي: لماذا انكفأ العرب عن العلوم؟

إبراهيم فضل الله: هذا سؤال جوهري ووجيه، نحن العرب عندما كنا نمتلك الحضارة كانت يدنا مبسوطة كل البسط، كنا نوزِّع المعرفة على الأقوام الأخرى، لم نكن نبخل عليهم، فلسفة الفتوحات كانت لهداية الناس وإرشادهم وتعليمهم بغضّ النظرعمَّا إذا كانت هذه هداية أم لا، المهم أنه عندما كنا نمتلك المُفردات الحضارية أو إنتاج المعرفة كنا نسمح بالمعرفة لكل الشعوب، والآن عندما امتلك الغرب إنتاج المعرفة منعها عن باقي الشعوب، فهناك إنتاجٌ للمعرفة ممنوعٌ عنا، وبدأ هو يتقدَّم ونحن مكاننا.   

غسان الشامي: هذا حصل مؤخَّراً ولكن نحن مُنكفئون منذ وقتٍ طويلٍ عن الإنتاج العلمي.   

إبراهيم فضل الله: إذا درستَ تاريخ هذه المنطقة فستجد أنه لم تهدأ قهقهة السلاح، من مئات السنين ونحن نقاتل ونردّ الغزوات والهجمات، هذه الأمَّة عندما ارتاحت نوعاً ما في عهد هارون الرشيد أو المأمون أنتجت معرفة، الآن كيف نُنتِج معرفة في ظلّ هذه الأوضاع الضاغِطة علينا؟

غسان الشامي: ولكن هناك بلدانٌ عربية تمتلك من المال ما يستجلب كل معارِف العالم ولا تُنتِج وهم ملوك أيضاً مثل هارون الرشيد.

إبراهيم فضل الله :صحيح ولكن هل يمتلكون أنفسهم؟ هل يمتلكون إرادة التصرّف؟ لا يمتلكون. 

غسان الشامي: أنا أسأل كي نضع أسباباً توفيزية لكي نقول أين نحن ذاهبون؟ العرب ليس لديهم عُلماء إلا عُلماء الدين، ما علاقة الدين بالعُلماء، كيف هذا؟ قل لي.

إبراهيم فضل الله: هذه هي المشكلة لدينا، التخلّف لدينا أصبح عندما بدأنا نتَّجه نحو الغيبيات لاعتقادنا أن هذه الغيبيات هي التي تحمينا، لكن كما قلتَ ليس لدينا إنتاج معرفي، كيف يكون لدينا عُلماء ونحن لا نُنتِج المعرفة، نحن نُنتِج الدين ولذلك لدينا عُلماء. لو كنا اليوم نُنتِج كما في السابق لكنَّا وجدنا مئة خوارزمي ومئة إبن سينا لكن لا توجد سلطة تخطيطية أو حضارية تفكِّر في رَدْمِ الهوَّة الحضارية بيننا وبين الآخر لتفتح لنا قوَّة أو لنقول من الآن سنتحرَّك، عندما نقول سنتحرَّك من الآن لا نستطيع أن نتحرَّك لأننا نُضرَب، ولاحظ الأمثلة التاريخية، يمنعوننا من ذلك وعلينا إما أن نأخذ بالقوَّة أو نأخذ خِلسةً.  

غسان الشامي: أو نخضع للقوَّة. 

إبراهيم فضل الله :كلا أو خلسةً، نحن نريد أن ننهض.

غسان الشامي: مئات آلاف العُلماء العرب في الغرب وأنت تعلم جيّداً وأنت أستاذ جامعي وعميد كلية. 

إبراهيم فضل الله :رئيس قسم.

غسان الشامي: كم نحن شاطرون في "تطفيش" العُلماء.

إبراهيم فضل الله: صحيح، الأزمة الحضارية لدينا هي أزمة مُتشابكة عامّة، أزمة في السلطة، في السياسة، في المجتمع. برأيي أنه عندما يتسنَّى لنا سلطةً معرفية وسلطة سياسية تفكِّر في المجتمع وفي ناسها حقيقةً نستطيع أن ننهض بوسائل على السلطة أن تبتكرها، وأقصد هنا السلطة العلمية والسياسية والفكرية وإلى ما هنالك من أنواع السلطات لكن كل هذه الأنظمة تدور في فلك الغرب، كما نبكي دائماً أو نقف على أطلال ملوك الطوائف في الأندلس، ليتنا ملوك طوائف.

غسان الشامي: نحن أقلّ من أمراء، مشايخ طوائف، لكن لا أستطيع أن أخرج من التثاقُف وتحديداً العربي من دون أن اسأل حضرتك عن إبن خلدون، هذا الرجل الذي يُعتَبر المحور لعِلم الاجتماع المُعاصِر.

إبراهيم فضل الله :مؤسِّس عِلم الاجتماع.

غسان الشامي: لقد توفّى منذ أكثر من 600 سنة ولم نأخذ منه شيئاً في مجتمعاتنا العربية وإنما أخذ منه الغرب مع أنه وصَّفنا توصيفاً يليق بحاضرنا، كيف تقرأ في المُثاقفة ال 600 عام الماضية؟  

إبراهيم فضل الله :تصديقاً لكلامك لاحِظ كيف استفاد الغرب من إبن خلدون، إبن خلدون أوّل مَن أتى بقراءةٍ جديدةٍ للتاريخ، لم يسرد التاريخ مع أنه اشتُهِر من كتابه "المُقدِّمة"، في المُقدِّمة كتب المنهج التاريخي أو الفكر التاريخي أي كيف يتطوَّر الإنسان، أخذ العصبية والقضايا المعروفة، عندما ترجمه الغرب استفاد منه، البعض ذهب إلى التاريخ بالمناخ بمعنى أن سبب حضارة الإنسان وتقدّمه هو المناخ، والآخرون ذهبوا بالاقتصاد، كيف استفادوا من المنهج وإلى أين ذهبوا، فرويد قال بالجنس، ماركس معروف، فإذاً كيف استفادوا من هذا، لم ينقلوا حرفياً وكرَّروا هذا الأمر لأنه قد لا يكون حصل هكذا في أوروبا. فإذاً عدم أخذنا بقضايا إبن خلدون لأن الوضع العام لدينا في القاع الحضاري حتى الآن، لكن يبقى هناك أمل وهناك بوادر قد تُنتِج لنا حضارة إن شاء الله.

غسان الشامي: على أمل، هنا أريد أن أسألك ما هو أثر الدولة القومية التي ظهرت في الغرب ومعها ظهرت سطوة العقل بالمفهوم الإبن رُشدي وسطوة العِلم على مسألة التثاقُف بين الشرق والغرب؟ هل أثّرت؟ 

إبراهيم فضل الله: حتى العقل ارتُكِز عليه من الشرق، نحن نتحدَّث عن الفترة التي ترجم فيها الغرب العلوم العربية أو الكتب العربية واستفاد منها، هذا العقل من أساس التشريع الإسلامي، فعندما فُهِمَ من الكتب بغضّ النظر عن إبن رُشد الذي أراد أن يوفِّق بين الشريعة والفلسفة، هم كانوا يقيسون على الدين الإسلامي، يريدون أن يطوِّروا الكنيسة وهنا أتحدَّث عن الفترة التي أدَّت إلى النهضة الغربية.

غسان الشامي: فترة الحراك ضدّ سطوة الكنيسة.

إبراهيم فضل الله :نعم، كيف يوفِّقون ما بين تعاليم الكنيسة لصالح الإنسان والعقل، هذه أُخذت من الحضارة الإسلامية التي كانت تقول وما زالت عند البعض إن العقل هو رُكن من أركان التشريع. 

غسان الشامي: عند الكثيرين النقل. 

إبراهيم فضل الله :طبعاً، لذلك أقول إنهم أخذوا هذا الجانب وطوَّروه إلى أن وصلوا بالشكّ إلى كل شيء، وحتى أنهم شكّوا في الإله نفسه وظهرت نظرية موت الإله، وأصبح العِلم هو الإله.

غسان الشامي: لا إمام إلا العِلم.

إبراهيم فضل الله :نظرية موت الإله أن الإله انتهى بمعنى أن لا نهتمّ بالغيبيات وألا نصدِّق إلا العِلم، ما يقوله العِلم هو الصدق. 

غسان الشامي: ولكن نحن ألا يجب أن نعود لأن يكون العقل هو إمامنا؟ 

إبراهيم فضل الله :نحن العقل إمامنا لكن يُمْنَع عليه أن يتحرَّك ولن نذهب إلى القول إن عقلنا أجدب ولم يعد يُنْتِج. 

غسان الشامي: سأعود معك إلى مفهوم الدولة القومية لأن كل الدول في العالم أخذت هذا المنحى، نحن في دولنا الحالية، دول هذا الشرق ألم نأخذ مُثاقفةً الدولة القومية أو الوطنية من الغرب؟  

إبراهيم فضل الله :طبعاً، مفهوم الدولة القومية وكل هذه الأمور التي لدينا هي غربية المنشأ والنمو، الفكر القومي بشكلٍ عامٍ اتُّخذ من النظريات الغربية والفكر القومي لكن التطرّف والنازية، القومية الألمانية والقومية الإيطالية وغيرها والعِرق الآري والسامي هي غربيّة، أخذناها ولكنها برأيي لم تنجح كثيراً في الشرق، إما أنها لم تنجح أو لم يُتَح لها الوقت كي تتجذَّر وتُعبِّر عن نفسها.

غسان الشامي: لأن الدين لم يستسغها؟

إبراهيم فضل الله :ربّما، لا زال الدين في الشرق يُشكِّل 90% من حراكنا في وعينا وفي لا وعينا.

غسان الشامي: هل نحن إذاً عُصاة على مفهوم الدولة؟ 

إبراهيم فضل الله :الدولة تأخذك إلى المجتمع، هل نحن فكر مجتمعي أم فُرادي؟ هل لدينا حسٌّ اجتماعي أو تفكير في الجماعة؟ هل نُفكِّر بالآخر؟ هل حريّتنا تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر؟ هذه مُثاقفة أيضاً. في اللاوعي العربي أعتقد إننا فرديّون فلذلك لم نصبح جماعة. 

غسان الشامي: هذا السؤال يُحتِّم سؤالاً آخر، انطلاقة الغرب عصر الأنوار أو التنوير، نحن شاهدنا نُذُراً له في بدايات القرن الماضي، كيف حصل التثاقُف برأيك أو التفاعُل بين عصر الأنوار الغربي ومرحلة التنوير في الشرق؟ 

إبراهيم فضل الله :بدايةً مُصْطلح عصر التنوير أو عصر النهضة في الشرق الذي بدأ مع حملة نابليون هناك إشكال فيه أيضاً، وأنا من الرافضين أصلاً لهذا المنطق، قياس ما حصل في الغرب على الشرق هو قياس باطِل. أين هي الحضارة التي حصلت، ثمّ لو كانت هناك حضارة حقّاً أو نهضة بمعنى النهضة، لو نهضنا فعلاً كنّا لا زلنا ناهِضين، أوروبا نهضت بعد القرون الوسطى فبقيت ناهِضة ولا تزال. 

غسان الشامي: ولكن دكتور فضل الله بعيداً عن أنها حصلت مع نابليون بونابرت أو لا ولكن كان هناك حشد من المُفكِّرين والكُتَّاب الكبار في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قاموا بثورةٍ، هل كانت فقط ثورة تنوير ضدّ التركي أم ثورة تنوير للمجتمع؟  

إبراهيم فضل الله: أنت لامستَ جانباً منها، هل كانت فقط للتنوير؟ تعرف تداخُلات القوى وتنازعها في هذه المنطقة، نحن نقول لو كان هناك نهضة حقيقية لماذا لم ننهض، تصوَّر نهضة من مئتي عام كان يجب أن نُسابق الغرب. 

غسان الشامي: هذا بحث آخر. لديّ سؤال أخير وبقليلٍ من الوقت، هذا التثاقُف في عصر المعلومات كيف يمكن أن نلحق به أو أن نُمسِك بتلابيبه؟

إبراهيم فضل الله :يجب أن نأخذ منهج المعلومة ونصل إلى إنتاج المعرفة، عندما نصل إلى إنتاج المعرفة خصوصاً في عصر المعلومات التي أصبحت أسهل بكثير ممّا سبق، وبمقدرونا أن نصل إلى إنتاج المعرفة في هذا العصر، لهذا أنا قلت إن هناك بوادِر وهناك أمل بنهضةٍ ما وهذا الأمل موجود لأن الإنسانية تصغر، العالم بالفعل يصبح قرية واحدة والفروقات تقلّ.

غسان الشامي: وهذه مُثاقفة.

إبراهيم فضل الله :هذا مسح للثقافة بالنهاية، نحن نقول مُثاقفة، هل الغرب يقول مُثاقفة؟ نعود إلى نفس المُصطلح، هل الغرب يقتنع بأنها مُثاقفة؟

غسان الشامي: ثقافة الغرب الآن هي تسويق المُنْتَج.

إبراهيم فضل الله: "تشييء" الإنسان وجعله شيئاً.

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك. علينا مُقارَبة مسألة التثاقُف بعقلٍ مُنفتحٍ لا بطريقةٍ قبليّةٍ وأنسابٍ وبطونٍ وأفخاذ، الحضارة سيلٌ مستمر ولكلٍّ دوره، ومَن أفل دوره عليه أن يلحق السَيل ويستعيده عبر التثاقُف والتفاعُل نفسهما لا غير، الوقوف على الأطلال لن يُجدي. الشكر للدكتور إبراهيم فضل الله على حضوره وإضافاته في أجراس المشرق، الشكر لزملائي في البرنامج والميادين، أيامكم مُثاقفةٌ وتفاعُل، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل