مع جمال بن عمر

مما لا شك فيه أن قرار الحرب على اليمن وفيه كان دوليا وإقليميا نحو ربع مليون يمني قتلوا، وهُجر أكثر من ثلاثة ملايين آخرين ناهيك عن انهيار مؤسسات الدولة وتفشي الامراض والبطالة والفقر وازدياد الانقسام بين أهل اليمن هذا حصل بعد عرقلة جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة جمال بن عمر عام 2015، من يتحمل المسؤولية؟ ومن لديه جرأة الاعتراف بالأخطاء؟ وحالياً هل الانفراجات الإقليمية تؤدي لوقف النزيف؟ هل التقارب الإيراني السعودي سيكون تأثيره ايجابياً؟ لا سيما بعد الكلام الاخير لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ما هي الحلول الممكنة للصراع الدائر؟ وهل تتناقض الاجندات الإقليمية في اليمن لا سيما الإماراتية والسعودية؟ وما الذي يمكن ان تفعله أميركا بعد حديث جو بايدن عن عودة الدبلوماسية ووعوده بوقف الحرب؟

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". مما لا شك فيه أن قرار الحرب على (اليمن) وفيه كان دولياً وإقليمياً. نحو ربع مليون يمني قتلوا، وهُجّر أكثر من ثلاثة ملايين آخرين ناهيك عن انهيارٍ في مؤسّسات الدولة وتفشّي الأمراض والبطالة والفقر وازدياد الانقسام بين أهل (اليمن). هذا ما حصل بعد عرقلة جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة "جمال بن عمر" عام 2015، لكن مَن يتحمّل المسؤولية؟ ومَن لديه جرأة الاعتراف بالأخطاء؟ وحالياً هل الانفراجات الإقليمية تؤدّي إلى وقف النزيف؟ هل التقارب الإيراني السعودي سيكون تأثيره إيجابياً لا سيما بعد الكلام الأخير لوليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان؟ 

وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: نتمنّى أن يجلس "الحوثي" على طاولة المُفاوضات مع جميع الأقطاب اليمنية للوصول إلى حلول تكفل حقوق الجميع في (اليمن) وتضمن أيضاً مصالِح دول المنطقة. العرض المُقدّم من (المملكة العربيّة السعودية) بوقف إطلاق النار والدعم الاقتصادي وكلّ ما يريدونه، مقابل وقف إطلاق النار من قِبَل "الحوثي" والجلوس على طاولة المُفاوضات. نتمنّى، أنا أعتقد أنّ "الحوثي" ما من شك له علاقة قويّة بالنظام الإيراني، لكن أيضاً "الحوثي" في الأخير يمنيّ ولَدَيه نزعته العروبية واليمنية التي أتمنّى أن تحيا فيه في شكلٍ أكبر ويراعي مصالحه ومصالِح وطنه قبل أيّ شيء آخر  

كمال خلف: ما هي الحلول الممكنة للصراع الدائر هناك؟ هل تتناقض الأجندات الإقليمية في (اليمن) لا سيما الإماراتية والسعودية؟ وما الذي يمكن أن تفعله (أميركا) بعد حديث "جو بايدن" عن عودة الدبلوماسية ووعوده بوقف الحرب؟

المحور الأول: 

كمال خلف: مُشاهدينا، ضيفنا في "لعبة الأُمم" لهذا الأُسبوع البروفيسور "جمال بن عُمَر" مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى (اليمن). دكتور "بن عُمر" حيّاك الله 

جمال بن عُمَر: أهلاً وسهلاً 

كمال خلف: حيّاك الله. مُشاهدينا "جمال بن عُمر" هو: 

- دبلوماسي مغربي ومُعارِض ومُعتَقل سياسي سابق

- قادَ الوساطة بين أطراف الأزمة اليمنية الرئيسيين عام 2011 ومن ثمّ مُفاوضاتٍ أُخرى للخروج باتفاقِ تقاسُمٍ للسُلطة عام 2015 

- عُيِّنَ مُستشاراً خاصاً لـ "بان كي مون" في مستوى وكيلٍ للأمين العام للأمم المتّحدة في نوفمبر 2015 لشؤون منع النزاعات قبل أن يتقاعَد في 2017 

- عمِلَ في منظّماتٍ دوليّةٍ متعدّدة منها مُنظّمة العفو الدوليّة و"معهد جيمي كارتر"

- التحقَ بمجلِس حقوق الإنسان التابع للأُمم المتحدة وعمِلَ مع مكتب المُفوّض السامي لحقوق الإنسان وبرنامج الأُمم المتحدة الإنمائي وإدارة الأُمم المتحدة للشؤون السياسية 

- كذلك قدّمَ المشورة في شأن قضايا حلّ النزاعات في أكثر من ثلاثين دولة بما في ذلك (اليمن) و(أفغانستان) و(العراق) وشاركَ في تسوية نزاعاتٍ دولية في (كوسوفو) و(البوسنة) وجنوب (أفريقيا) و(بروندي) 

- لديه عدد من الكتابات المنشورة تتناول قضايا الحوكمة وسيادة القانون وصوغ الدساتير وبناء السلام 

- أسّس مع مجموعة دبلوماسيّة "المركز الدولي لمُبادرة الحوار" ويرأس إدارته 

أعود وأُرحِّب بك دكتور "جمال بن عُمر". اليوم كل الأنظار شاخصة في الإقليم وربّما في العالم على ما يجري في (اليمن) حالياً وعلى المُفاوضات الدائِرة في (مسقط) وهذا الحراك الإقليمي والدولي الدائِر هناك. كيف يُتابع "جمال بن عُمر" هذا الحراك وهل لديك تقييمك الخاص لما يحدُث هناك من مُفاوضات؟ 

جمال بن عُمَر: أنا سعيد أنّ هناك تحرُّكاً الآن من أجل وقف الحرب. الإدارة الأميركية قالت مرّات عديدة الآن أنّ هذه الحرب يجب أن تتوقّف وهذا تطوُّر إيجابي، سمِعنا كذلك تصريحات من (الرياض) ومن عواصم أُخرى كلّها تصبّ في نفس الاتجاه. بدأنا نسمع الآن وفي شكلٍ واضح أنه ليس هناك حل عسكري للأزمة اليمنية، وهذا بالضبط ما أكّدناه في 2015 عندما عارضنا تدخُّل التحالف بقيادة (السعودية)، هذا التحالف العسكري الذي عمّقَ هذه الأزمة. الموقف الذي دافعت عنه آنذاك هو موقف مبدئي وأنّ النزاعات يجب أن تُحلّ عن طريق التفاوض وليس عن طريق العُنف ولا عن طريق التدخّلات الأجنبية. بعد مقتل تقريباً ربع مليون يمني، الآن أشقاؤنا في (السعودية) وفي دول أُخرى يُقِرّون على أن الحلّ يجب أن يكون عبر التفاوض، والتفاوض مع الأطراف الرئيسة ومنها جماعة "أنصار الله" أو "الحوثيين". هذا الآن، وبعد ستّ سنوات مع الأسف، استغرق وقتاً طويلاً لكي يعتبروا هذا الموقف وكان الثمن غالياً جداً، لكن ما دامت هناك رغبة عند الأطراف الآن في البحث عن السلام يجب تشجيع هذه المُبادرات 

كمال خلف: دكتور "بن عُمر"، تعتبر أنّ ستّ سنوات ضاعت هباءً من الوقت، طبعاً ضاعت هباءً من الوقت ولكن لأثمان كبيرة دُفِعَت على المُستوى الإنساني في (اليمن). هل تعتبر أنّه تمّ هدر ست سنوات في هذه الحرب بما تحمِله تلك السنوات الستّ من مآسٍ؟ 

جمال بن عُمَر: هذه حرب عبثيّة. هذه الحرب بدأت عندما كان اليمنيّون على وشك توقيع اتفاق تقاسُم السلطة. المشاكل بين اليمنيين كانت موجودة لكن كانت هناك عمليّة سياسيّة، العمليّة السياسيّة بدأت في عام 2011، بدأت في اتفاق نقل السلطة، كذلك تطوّرت العمليّة السياسيّة عندما بدأ "مؤتمر الحوار الوطني" ودام لمدّة عشرة أشهُر. تمّ الاتفاق على عدد من المُخرجات وعلى عدد من المبادئ الدستوريّة التي شكّلت في ما بعد قاعدة بناء الدستور الجديد، لكن حصلت كذلك خلافات أُخرى كان يُمكن حلّها في الطرق السياسية. التجأ البعض إلى العُنف ورغم ذلك، رغم التجاء "الحوثيين" بالضبط إلى العُنف واستيلائهم على (صنعاء)، رغم ذلك كان هناك تواصُل بين جميع الأطراف السياسية. وعندما تعمّقت الأزمة بدأت مشاورات، ما يُسمّى بمشاورات فندق الـ "موفنبيك"، واستمرت هذه المُشاورات والمفاوضات لمدّة عشرة أسابيع تقريباً وكنت الميسِّر لهذه المُفاوضات، وتمّ الاتفاق عملياً على مسودّة اتفاق تشمل جميع القضايا المتعلِّقة بتقاسُم السُلطة. وفجأةً بدأ التدخّل العسكري

كمال خلف: أنت الآن دكتور "بن عُمر" مررت على مراحل وسنوات كثيرة، مراحل متعدّدة، إسمح لي في هذه الحلقة أن نُفصّلها وأن نتحدّث في كواليسها وفي المفاصل الرئيسة فيها. قبل ذلك، هل كان يُمكن تفادي الحرب بروفيسور "بن عُمر"؟ هل تعتقد أنّه كان يُمكن الا تحدُث هذه الحرب سنة 2015؟

جمال بن عُمَر: طبعاً، هذا مؤكّد لأنّ اليمنيين كلّهم كانوا على طاولة الحوار، كانت هناك مُفاوضات وكانت هناك اتفاقات وكانوا على وشك توقيع الاتفاق. كانت هناك نُقطة واحدة فقط ممكن أن ندخل في تفاصيلها في ما بعد لكن نقطة موضوع الرئاسة، شكل السلطة التنفيذية وشكل السلطة التشريعية، كيفية التعامُل مع مؤسّسات الدولة والهيئات الوطنية، بمعنى الترتيب لانتخابات جديدة، هذه كلها مسائِل كان متّفق عليها. الحقيقة المرّة هي أنّ اليمنيين كانوا يتفاوضون وعلى وشك الوصول إلى اتفاق، وفي هذا السياق تدخّلت (السعودية)، وهذا ما عقّدَ الشأن اليمني وتعمّقت التدخّلات الخارجية ليس فقط من (السعودية)

كمال خلف: من عقدةٍ أُخرى

جمال بن عُمَر: نعم

كمال خلف: لكن دكتور قبل أو عشيّة شنّ الحرب في (اليمن)، ما سُميت بـ "عاصفة الحزم"، كانت لديك مهمة خطيرة أو حسّاسة وكانت هناك لحظات أخيرة للوصول إلى اتفاق كما ذكرت، وكنت حضرتك موجوداً في (الرياض) ربما قبل يوم أو قبل أربع وعشرين ساعة من شنّ الحرب. ألم تكن تعلم أنّ السعوديين أخذوا قرار الحرب عندما كنت في (الرياض)؟ 

جمال بن عُمَر: أنا كنت في (الرياض) قبل يومين من بداية الحرب وكان هدف زيارة (الرياض) هو التشاوُر مع القيادة السعودية حول الحلول الممكنة، وكذلك القيام بالترتيبات العمليّة من أجل توقيع الاتفاق لأنّ السعوديين آنذاك كانوا يُطالبون بأن يكون التوقيع في (الرياض)، وكان الحوثيون وآخرون لا يقبلوا بهذا. لهذا، في هذه الزيارة قدّمت نظرة متكاملة حول الحلول التي تمّ التوصُّل إليها، كذلك ناقشنا موضوع الترتيبات العمليّة للتوقيع على اتفاق. في هذه الزيارة لم يُشِر أيّ مسؤول سعودي آنذاك إلى إمكانيّة دخول (المملكة العربيّة السعودية) في الحرب بل على العكس، كان التأكيد دائِماً على أنّ الحلّ السلمي يجب أن يكون قاعِدة جميع الاتفاقات وكنّا نتكلّم في تفاصيل الاتفاق السلمي

كمال خلف: لكن دكتور، أنت مبعوث دولي، والمبعوث الدولي هو مُفوّض من المُجتمع الدولي، من مجلس الأمن والأُمم المتحدة التي تُعبِّر عن مجموعة دول في العالم. بالتأكيد كثير من دول العالم، منها (الولايات المتحدة) ودول أُخرى، كان لديها عِلم بهذه الحرب، وهناك دول تحالفت أيضاً في البداية لأنّ السعوديين تحدّثوا عن خمسين أو اثنتين وخمسين دولة اشتركت في هذه الحرب. هذه الدول كانت كما المبعوث لا تعلَم بنوايا الحرب؟ أم هي لم تُخبِرك؟ أي الدول لم تُخبِر مبعوثها بأنّ هناك حرباً وبالتالي لا داعي للجهود، أو كثِّف الجهود من أجل منعها؟ هكذا تسير الأمور في شكلٍ طبيعي

جمال بن عُمَر: أنا لا أظن أنّ هذه الحرب تمّ الإعداد لها لمدّة فترة طويلة، على العكس، خلال زيارتي لـ (السعودية) كان المسؤولون السعوديون دائِماً يؤكِّدون على ضرورة متابعة دعم العمليّة السياسيّة والبحث عن الحلول السلميّة. قرار الدخول في الحرب جاء مفاجئاً ولم يكن مدروساً، ومع الأسف دول شقيقة ودول صديقة لـ (السعودية) لم تنصحها بعدم الانسياق في هذه المغامرة، كما أنّ حرب (اليمن) فتحت آفاقاً جديدة لدول مجلس الأمن، الدول الكُبرى، الدول العُظمى. هذه الآفاق هي آفاقBusiness Opportunity كما نقول بالإنكليزية، أي هي فرصة تجاريّة لأنّ صفقات عسكرية بدأت، صفقات بيع الأسلِحة لـ (السعودية)، كل هذا على حساب (اليمن) واليمنيين. لهذا، المُجتمع الدولي لم يُساعِد كذلك وهذا واضح، لأنّه عندما بدأت الأزمة اليمنية وبدأ بالأخصّ التدخُّل السعودي، بدأت تتسابق دول مجلِس الأمن كلّها على العقود التجارية، عقود بيع الأسلِحة، وكذلك عندما صدر القرار 2215 كان قراراً غير متوازِن. هذا القرار عقّدَ العمليّة السياسيّة كذلك لأنّه طالب في شكلٍ واضح أن يستسلم طرف لطرف آخر، أن يستسلم الحوثيون وهم يحتلّون ربما نصف مساحة (اليمن)، طُلِبَ منهم أن يستسلموا لحكومة موجودة في فنادق في (الرياض). هذا شيء غير واقعي، لهذا مجلس الأمن في الحقيقة لم يُساعِد على حلّ الأزمة اليمنية، وأنا كان رأيي، عندما تغيّرت الأحوال أي عندما كنت في فترة عام 2011 – 2015 المبعوث الدولي للأمم المتحدة كان في شكلٍ عام هناك إجماع في مجلس الأمن على دعم العمليّة السياسية ولم تكن هناك خلافات عميقة، لكن بين عشيّةٍ وضُحاها 

كمال خلف: اختفى كل شيء 

جمال بن عُمَر: تغيّر كل شيء 

كمال خلف: ذكرت أمرين مهمّين دكتور، كل كلامك طبعاً مهم للتوثيق وللتاريخ، وكثير من الرؤى التي تحدّثت بها في تلك الفترة الآن ربما تعود إليها الأطراف منها القرار الذي أشرت إليه 2215 والقرار 2216. هذا القرار اليوم كما علِمنا، هناك مناقشات تجري في (مسقط) لإعادة صوغ قرار دولي جديد يُلغي هذا القرار الذي تُشير إليه ويُنهي في ما يُنهيه شرعيّة الرئيس "عبد ربُّه منصور هادي" وحكومته. هذا الكلام يبدو مؤكّداً حالياً في (مسقط). هل أنت تؤيِّد تغيير هذا القرار؟ أنت قلت إنّ هذا القرار لم يكن متوازناً أو أنه كان غير واقعي لأنه طالب طرف يتقدّم على أرض الواقع بتسليم السلطة لآخرين موجودين في فنادق (الرياض). هل الآن تعتبر ذلك تصحيحاً أن يُعيد مجلس الأمن إصدار قرار جديد يُلغي السابق؟ 

جمال بن عُمَر: في عام 2015، عندما صدَرَ هذا القرار كان موقفي واضحاً وكنت ربما الوحيد الذي عبَّرَ عن موقفه في شكلٍ واضح ومبدئي لأنني اعتبرت هذا القرار غير متوازن وسيُعقِّد العمليّة السياسيّة لأنّ المشاورات السياسية والتفاوضية في (اليمن) كانت دائِماً ما بين المُكوِّنات السياسية، جميع الأحزاب التقليدية منها حزب "الإصلاح" وحزب "الإخوان المسلمين"، منها حزب "المؤتمر الشعبي العام" الذي هو حزب "علي عبد الله صالِح" و"الحزب الاشتراكي الناصري"، وكذلك كان هناك إلحاح من طرفِنا على دور مشاركة المرأة وكذلك مُشاركة شباب شاركوا في شكل قوي وفعّال في "مؤتمر الحوار الوطني". في هذا القرار، قرار 2215، تمّ التركيز على جهتين، جهة هي (صنعاء) بمعنى "الحوثيين" والجهة الثانية هي (الرياض). العمليّة السياسية كانت تشارُكيّة، تُشارِك فيها جميع الأطراف، لكن بحكم هذا القرار اقتصرت على طرفين فقط. يجب العودة إلى عمليّة سياسيّة شاملة يُشارِك فيها جميع الأطراف، جميع الأحزاب السياسية التقليدية وجميع الأطراف الموجودة على الأرض وكذلك الأطراف التي نأت بنفسها عن المُشاركة في هذه الحرب. يجب أن يكون هناك ترتيب آخر وإلا ستستمرّ نفس الحلقة المُفرَغة التي رأيناها الآن خلال ستّ سنوات. يجب العودة إلى عمليّة سياسيّة كما كانت في السابق قبل بداية الحرب

كمال خلف: دكتور "بن عُمر" لو كان الموقف السعودي شبيهاً بالموقف الذي عرضناه لوليّ العهد السعودي في بداية الحلقة، الذي اعتبرَ أنّ الحوثيين عروبيون ويُمكن الحوار والتفاهُم معهم وإلى آخره، كما تحدّث عن (إيران) في نفس السياق؛ لو كان الموقف كذلك دكتور "جمال بن عُمر" قبل بدء الحرب هل كان يُمكن لمهمّتك أن تنجح وأن تُنجِز ما كنت تريد إنجازه؟ 

جمال بن عُمَر: طبعاً، الهدف المُهمّة التي كلّفني بها مجلِس الأمن هو تشجيع اليمنيين على الوصول إلى صِيَغ توافقيّة لحلّ الأزمة وهذا ما سعينا من أجله، لهذا كانت هناك مُفاوضات ومُشاورات وأنا كنت المُيسِّر وقدّمنا اقتراحات وحاولنا التوفيق ما بين آراء متضاربة، لكن توصّل اليمنيون كما توصلوا من قبل إلى مُسودّة كانت تُشكِّل قاعِدة لحلّ سياسي مبني على تقاسُم السلطة ما بين جميع الأطراف. بدأ التدخّل العسكري وأجهض هذه العمليّة السياسيّة وأجهض الحلّ السياسي، لكن إلى الآن بعد ويلات الحرب هذه وبعد مقتل تقريباً رُبع مليون يمني يتوجّه المُجتمع الدولي والأطراف الإقليمية نحو ما قلناه آنذاك في 2015، وهو الحوار المباشر بين الأطراف السياسية. هذا تطوَّر متأخّر لكنه إيجابي رغم ذلك ونسعى أن يتحقق

كمال خلف: دكتور ما قُدِّم الآن، (الولايات المتحدة الأميركيّة) أرسلت مبعوثاً بالتوازي مع المبعوث الأُممي "مارتن غريفيث" والسيّد "تيموثي ليندركينغ". الرجل قدّم عرضاً لوفد "الحوثيين" في (مسقط) وهو وقف المعارِك في (مأرِب) مقابِل تدفّق المُساعدات الإنسانيّة عبرَ ميناء (الحُديدة) ومطار (صنعاء)، هكذا تتوقّف الحرب ثمّ نذهب إلى مُفاوضات سلام أو مُفاوضات حلّ نهائي. حتى هذه اللحظة هذه الصيغة غير مقبولة من قِبَل "الحوثيين" وآخر المعلومات من هناك تقول إنّ هناك نوعاً من التعثُّر. أنت كيف تُقيِّم هذا العرض وهذه الصِيَغة؟ هل تراها مدخلاً معقولاً لوقف الحرب هناك والبدء في مفاوضات مُباشِرة جادّة؟ هل تعتقد أنّ طريقة العرض موفّقة، مدخل موفّق لوقف الحرب؟ أم يُمكن لك أن تقترِح أشياء أُخرى أو تعديلات أُخرى على ما تمّ طرحه؟ 

جمال بن عُمَر: أولاً يجب أن يكون هناك وضوح، (الولايات المتحدة) هي طرف في هذا الصراع. (الولايات المتّحدة) هي التي زكّت المُبادرة السعودية للدخول في حرب على (اليمن) ودعَمت (السعودية) و(الإمارات) بالسلاح والدعم اللوجستي إلى آخره. الآن (الولايات المتحدة) تسعى إلى أن تقول والرئيس نفسه يؤكِّد هذا، تسعى إلى إيجاد حلّ للأزمة اليمنية. نرحِّب بهذا لكن يجب ألا ننسى أنّ (الولايات المتّحدة) كانت ولا تزال طرفاً في هذا الصراع. هذه مسألة أولى، المسألة الثانية، أنا قلت مرارا ً أنّ الحلّ لا يُمكن أن يكون إلا حلاً يمنياً- يمنياً. على اليمنيين ألا يعوّلوا على الخارِج كما هو التقليد مع الأسف في (اليمن) وفي المنطقة ككل، الخارِج سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي له مصالِح. العمليّة السياسيّة في (اليمن) يجب أن يقودها اليمنيون أنفسهم ونرى الآن تحرّكات لكن في نهاية المطاف هناك مُقترحات مشروطة. عندما تُقدِّم (السعودية) مُقترح وقف إطلاق النار أو رفع جزء من الحصار المشروط بمسائِل أُخرى، الحوثيون كذلك عندما يتكلّمون عن السلام لهم كذلك شروط للبدء في نقاش الحلّ السياسي. أظنّ أنّ هذا النقاش الذي طال الآن حول الحصار وحول وقف إطلاق النار في مناطق مُحدّدة، أحياناً في (الحُديدة) والآن الكلام على وقف إطلاق النار في (مأرِب)، هذه كلّها انعكاسات مترتِّبات الحرب، نتائِج هذه الحرب العبثيّة. كان من الأحسن أن يكون النقاش حول الحلّ المُمكن للأزمة اليمنية وما هو التصوُّر الأميركي مثلاً لحلّ الأزمة اليمنية وماذا سيكون موقع الحوثيين في هذا الحلّ. إذا طرَح الأميركيون أو السعوديون رؤية للحلّ السياسي الشامل سيكون النقاش مثمراً. أمّا الآن ما هو مطروح هو كذلك فقط 

كمال خلف: حلّ جزئي

جمال بن عُمَر: يتعلّق بوقف إطلاق النار وهذا لا يكفي. يجب الدخول في صلب الموضوع، وصلب الموضوع هو كيف يُمكن حلّ الأزمة اليمنيّة عن طريق تقاسُم السلطة 

كمال خلف: لكن ألا تعتقد دكتور "بن عُمر" أنّ ما يجري في (اليمن) هو عمليّة تسكين وقف الحرب والذهاب إلى مُفاوضات إلى ما شاء الله في ما يتعلّق بالحلّ النهائي في (اليمن)؟ الأميركيون يُحاولون التسكين في (اليمن)، تسكين المنطقة في شكلٍ عام، إعطاء قرص "Panadol" أعني لأنّ هناك أولويات أُخرى في جنوب شرق (آسيا)، في بحر (الصين) الجنوبي هناك تحديات وفي أماكن أكثر أهمية من منطقة الشرق الأوسط. بالتالي، ما يجري في (اليمن) هو تسكين أم بحث عن حلول حقيقيّة لوقف الحرب والذهاب إلى حلول نهائيّة للوضع اليمني؟ 

جمال بن عُمَر: أظنّ أنّ هناك رغبة لحلّ الأزمة اليمنيّة، لكن الغائِب مع الأسف هم اليمنيون من هذه التحرّكات كلّها، نسمع بتصريحات من (أميركا)، من (أوروبا)، ربما اجتماع مُقبِل في مجلس الأمن لكن ما هو غائِب الآن هو التشاوُر ما بين الأطراف الرئيسة التي يُمكن لها أن تحلّ الأزمة اليمنية ويجب أن نكون واضحين مَن هي هذه الأطراف. أولاً الحوثيون هم الآن أمر واقع يُسيطرون على مناطق شاسِعة في (اليمن)، لكن قلت لهم مراراً وتكراراً منذ بداية الأزمة في 2014 – 2015 على أنّهم لن يستطيعوا أبداً أن يحتلّوا (اليمن) ويبسطوا سيطرتهم كلّها على (اليمن)، هذا لن يحصل. كما قلت نفس الكلام للرئيس "عبد ربّه منصور هادي" عندما كان في (عدن)، قلت له: "إذا كنت تظنّ أنّ في إمكانك بناء جيش جديد والزحف على الشمال وطرد الحوثيين من (اليمن)، هذا لن يتحقّق. هناك الآن أطراف أُخرى، كان دائِماً هناك حراك جنوبي لكن هناك أطراف متعدّدة في الحراك الجنوبي. هناك أطراف تدعمها دولة (الإمارات) أصبحت لها ميليشيات، وميليشيات عددها كبير ولها وزن. هناك مجموعات سلفيّة تدعمها كذلك (الإمارات)، هناك "طارق صالِح" موجود على الساحل الغربي وله جيش متكامِل. هناك كذلك أُمراء حرب في مناطق أُخرى من (اليمن)، هناك الآن مَن أصبح مستفيداً من هذه الحرب ولا يُريد أيّ حلّ لهذه الحرب وهذه ظاهرة لاحظناها في (اليمن) وكذلك موجودة في دول أُخرى مع الأسف. ما استمرّت حرب إلا وظهرت شخصيات جديدة هي من أمراء الحرب في نهاية المطاف 

كمال خلف: يعيشون على هذه الحرب. دكتور، بين الماضي والحاضر واقتراحاتك للمُستقبل سنتابع معك في ملفّ (اليمن). إسمح لي بعد فاصل قصير أن أتحدّث عن سبتمبر/ أيلول 2014 وماذا جرى في ذلك الوقت. أيضاً "مؤتمر الحوار الوطني" ومُخرجاته الذي تمّ التحضير له لفترة طويلة وكان هناك تعويل كبير عليه ولكنّه للأسف لم ينجح. نُفصِّل في ذلك لو سمحت لنا بروفيسور وأيضاً مُشاهدينا بعد فاصل قصير 

المحور الثاني                                                                  

كمال خلف: تحية من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم" نستضيف فيها الدكتور "جمال بن عُمر" المبعوث الأُممي السابق لـ (اليمن). أعود وأُرحِّب بك دكتور "بن عُمر"، وقبل أن نُكمِل في ما جرى في (اليمن)، توجد ظاهرة اليوم أو حتى عبر مسار عملك هي مسألة انتقاد "جمال بن عُمر" وأيضاً انتقاد المبعوثين الدوليين الذين عادةً ما يُنتقدوا من جميع الأطراف وكل طرف يتّهمهم بالانحياز للطرف الآخر. لكن كثير من الانتقادات وُجِّهت إليك كمبعوث أُممي ولطريقة عملك. أنا سآخذ مثالاً ما كتبته صحيفة "الرياض" السعودية تحت عنوان "حتّى الكلمات الأخيرة - جمال بن عُمر يُزيِّف وجه المأساة". صحيفة "الرياض" تقول: "المبعوث الأُممي السابق "جمال بن عُمر" الذي جاء بمهمّةٍ أُمميّةٍ لرعاية حوار سياسي يمني وفقاً لمرجعيّات سياسية تمثّلت في المبادرة الخليجيّة وآليّتها التنفيذية وتنتهي بانتخابات، إلا أنّه استبدل هذه المهمّة الأُمميّة بمهمّةٍ أُخرى هي إعادة تقسيم السُلطة بين الأقوياء والمُستندين إلى قوّة السلاح فيما الشعب اليمني يخرُج من المُعادلة تماماً. فالمُشكلة اليمنية نتَجت في الأساس من سيطرة طرفٍ سياسيٍّ على السلاح واستخدامه لتثبيت وجوده في السُلطة بعيداً عمّا يُريده الشعب، وهنا تحدُث المُفارقة، فالرجُل الذي جاء في مهمّةٍ أُمميّة من أجل نزع السلاح من أيدي المُتصارعين وإبطالِ تأثير ما يجري في (اليمن) أشرَفَ على تنامي حركةٍ ميليشويّة مُسلّحة أسقطت المُدن حتى وصلت إلى العاصمة وأسقطت الدولة ولاذ الرجل بصمته إزاء كلّ هذا وكأنّ مهمّته كانت خنقَ السياسة بالعُنف وليس توسيع التعامل بها". دكتور "جمال بن عُمر"، كثير من الانتقادات توجَّه إلى مهمّتك، وأمر طبيعي أنّ مبعوثاً دولياً يُنتَقد. لكن كان دائِماً يُشار إلى أنّك مع طرف ضدّ طرف آخر أو أنّك خرجت عن مهمّتك كمبعوث دولي

جمال بن عُمَر: ظاهرة عاديّة. جميع البلدان التي فيها صراعات وفيها مبعوثون أُمميون دائِماً هنالك انتقادات. عندما كنت في (العراق)، في (السودان) وفي دول أُخرى هناك أطراف سياسية إذا لم تتبنّ برنامجهم السياسي فمعنى هذا أنّك مُتحيِّز ضدّهم. كلام فارِغ في الحقيقة مسألتهم في هذا المقال. المبعوث الدولي يعمل في إطار قرارات مجلس الأمن والمُهمّة الرئيسية هي مُحاولة تقريب وجهات النظر. الإعلام العربي في 2015 أصبح بصراحة إعلام حرب، يُطبِّل للحرب، يدعو للحرب ولم يكن يريد أن يسمع كلمة سلام أو تفاوُض، لكن فكرة الأُمم المتحدة قامت على فكرة بسيطة هي فكرة حلّ النزاعات في الشكل السلمي. لا يُمكن لـ "جمال بن عُمر" أو أيّ ممثل للأمين العام أن ينضمّ إلى طرف يريد تأجيج الحرب والقيام بحملة عسكريّة على (اليمن)، هذه ليست مهمّة الأُمم المتحدة. مهمّة الأُمم المتحدة هي البحث عن حلول وكذلك التواصُل مع جميع الأطراف مهما كانت شراسة أو خبث أو نفاق هذه الأطراف. في جميع الدول التي نعمل فيها تعاملنا مع أطراف كثيرة بعضها مسؤول عن خروقات حقوق الإنسان، بعضهم يمثِّل نظاماً سابقاً، البعض الآخر مجموعات مُسلّحة. تعاملنا مع "طالبان" كأمم متحدة في (أفغانستان)، تعاملنا مع مجموعات مُسلّحة أُخرى في (العراق) وفي دول أُخرى. هذه هي مهمّة الأُمم المتحدة، أن تبحث مع جميع الأطراف وتقف على نفس المسافة من جميع الأطراف لمُحاولة البحث عن الحلول المُمكنة. بالنسبة لـ (اليمن) كان المطلوب منّي كمبعوث أُممي أن أنحاز للجهة التي تريد الحرب على (اليمن) وهذا لم يحصل ولن يحصل أبداً. كما أنّ الأطراف كلّها انتقدت الحوثيين مراراً. قلت وأكّدت كم من مرة على أنّ الخطيئة الأصليّة، أكبر خطيئة ارتكبها الحوثيون هي أنّهم التجأوا إلى العُنف. كان ممكن أن يُحقّقوا في طُرُق سياسيّة ما يُمكن تحقيقه من دون اللجوء إلى العُنف وإلى انهيار الدولة والتطوّرات التي حصلت في (اليمن) 

كمال خلف: هل كانت هناك ضغوط دكتور "بن عُمر" عليك كمبعوث دولي لتتخذ موقفاً إيجابياً من الحرب؟ أعني هل مورِست ضغوط؟ وهل كان هذا سبب الاستقالة؟ 

جمال بن عُمَر: طبعاً مورِسَت عليّ ضغوط منذ بداية مهمّتي في عام 2011. عندما نزلت إلى الساحات وتحاورت مع الشباب، أطراف انتقدتني آنذاك وكان موقفي واضِحاً وصريحاً وهو أنّ طموحات الشباب في التغيير هي طموحات مشروعة وإذا تعتبرونني منحازاً، فعلاً أنا منحاز لطموح الشباب في التغيير، وأنا أعتزّ بهذا الانحياز. عندما تفجّر الوضع فعلاً أنا كنت منحازاً للحلّ السلمي، وبقيت على نفس المبدأ لحدّ الآن، والآن سعيد أن أرى (المملكة العربيّة السعودية) نفسها تريد الحلّ السلمي والتحاور مع الحوثيين، هذا ما دعيتُ إليه قبل ست سنوات لكن كان آنذاك المنطق السائِد في الإعلام العربي ككُل هو منطق الحرب والتطبيل للحرب. فعلاً في هذا السياق كانت هناك انتقادات 

كمال خلف: إسمح لي دكتور أن أسألك سؤالاً واحداً ولن أسألك في تفصيله، فقط سؤال وخلص. هل عُرِضَت عليك رشاوى ماليّة؟ 

جمال بن عُمَر: كمبعوث أُممي تعاملت مع جميع الأطراف وكان كلّ طرف منهم يريدك أن تتبنّى برنامجه طبعاً. فعلاً، عدّة أطراف حاولت في طُرُق مُختلفة الضغوطات، لن أدخل في التفاصيل لأنّ هذا سيتطلّب ساعات. ممكن أن أكتب كتاباً حول هذا السؤال الذي طرحته عليّ لكن ما يُمكن أن أؤكِّد عليه أنّه فعلاً كانت هناك ضغوطات من أطراف متعدّدة منذ بداية مهمّتي. كانت هناك انتقادات شديدة لطريقة عملي من طرف الأميركيين في 2011 – 2012. عندما توافق اليمنيون على فكرة اليمن هذه كانت (فرنسا) تُحرِّض اليمنيين على عدم الاتفاق على هذا المبدأ وتمّ انتقادي في هذا السياق. عندما كذلك أكّدت على ضرورة الحلّ السلمي، طبعاً الموالون لـ (السعودية) وزبائنهم كلّهم انتقدوني في ذاك الوقت لأنني أكّدت على الحلّ السلمي وكنت ضدّ الحرب. على أيّة حال كانت هناك دائِماً ضغوطات من أطراف محليّة ومن أطراف دولية 

كمال خلف: ضغوطات ومُغريات 

جمال بن عُمَر: ممكن أن تسمِّها هكذا فعلاً 

كمال خلف: دكتور، أيضاً أشارت صحيفة "الخليج" تحت عنوان "أخطاء وخطايا" إلى زيارتك لجبال (صعدة) ولقائك مع زعيم حركة "أنصار الله" "عبد الملك الحوثي". تقول الصحيفة وسأعرِض بسرعة لأنني أريد أن أسألك عن اللقاء، تقول الصحيفة: "جمال بن عُمر صعد إلى جبال (صعدة) فيما نزل منها  الحوثيّون لاحتلال العاصمة (صنعاء) ، ليلتقي زعيمهم "عبد الملك الحوثي" ويُبرِم معه اتفاقاً إضافياً يُسبِغُ شرعيّة استثنائية على الانقلابيين لا تتناسب مع عددهم وسَط السكّان ولا قوّتهم السياسيّة؛ لذلك لم يكن غريباً أن تتكشّف حقائِق تؤكِدُ أنّ المبعوث الذي وظّفه المُجتمع الدولي لأداءِ مهمّة محدّدة بتجرُّدٍ تام كان يعمل لحساب أجندة نظام "الَحَمدين" الحاكِم في (قطر)". لا أدري، حينها لم يكن هناك خلاف دكتور بين (قطر) و(السعودية) وانقسام على ما أعتقد أدّى إلى خروج (قطر) من الحرب في (اليمن). أعني عندما ذهبت إلى (صعدة) لم يكن هناك تنظيم "الحَمَدين" في ذلك الوقت كما يُسمّى في الإعلام الخليجي أليس كذلك؟

جمال بن عُمَر: أنا زرت (صعدة) عدّة مرّات، زرت (صعدة) والتقيت السيّد "عبد الملِك الحوثي" في إطار البحث عن حلولٍ للأزمة اليمنيّة وكانت اللقاءات منذ عام 2011. في هذا السياق ساعدنا الحوثيين على الانضمام إلى العملية السياسية بعد أن كانوا مَقْصيين في البداية من العملية السياسية لأنّ ما سُمّيَ بالمُبادرة الخليجية أقصت الحوثيين والحراك منها. لكن على أيّة حال، قَبِلَ الحوثيون بالمشاركة في "مؤتمر الحوار الوطني" وكان هذا بطلب منّا، من الأُمم المتحدة، وشارك الحوثيّون في هذا المؤتمر وكانت مُشاركتهم في المؤتمر إيجابيّة وكان من أنشط المُشاركين من الحوثيين في المؤتمر الدكتور "شرف الدين" رحِمه الله الذي تمّ اغتياله في آخر يوم من "مؤتمر الحوار الوطني". كانت مُساهمته قيِّمة ويشهد له الجميع بها، ساهم في إنجاح "مؤتمر الحوار الوطني" وفعلاً نجَحَ "مؤتمر الحوار الوطني". بدأت الخلافات بعد انتهاء "مؤتمر الحوار الوطني". معنى هذا أنّه في هذا السياق تعاملنا مع جميع الأطراف خصوصاً الأطراف التي كانت مقصيّة من العمليّة السياسية من "الحوثيين". كان دائِماً التأكيد أنّ على جميع الأطراف المُشاركة في عمليّة سياسية وأن تنبُذ العُنف وألا تلجأ للعُنف كوسيلة لحلّ الخلافات. في هذا السياق تواصلنا مع القيادات الحوثيّة، وفي هذا السياق تواصلنا مع قيادات "الإخوان المُسلمين"، وفي هذا السياق كذلك تواصلنا مع الانفصاليين في الجنوب وآخرين

كمال خلف: التقيت دكتور مع 

جمال بن عُمَر: وكان الهدف من هذه المشاورات هو الدفع بالعمليّة السياسية إلى الأمام والتوفيق ما بين الآراء 

كمال خلف: التقيت بالسيِّد "عبد الملِك الحوثي" على مدار يومين، ما هي وجهة نظرك الشخصيّة به دكتور كشخص؟ هل كان مُستقلاً في قراره أم كان يستشير مَن هُم خارِج الحدود؟ 

جمال بن عُمَر: أنا التقيت بالسيّد "عبد الملك الحوثي" في عام 2014 في (صعدة) بطلب من الرئيس "عبد ربّه منصور هادي" وبطلب من جميع رؤساء الأحزاب السياسيّة الذين كانوا آنذاك يبحثون عن حلٍّ سياسي. ذهبت إلى (صعدة) بمُسودّة كانت قد صاغتها آنذاك أطراف يمنيّون محسوبون على الرئاسة والحكومة، مستشارو الرئيس صاغوا ورقة وعلى هذا الأساس بدأتُ أبحث عن إمكانيّة إغناء هذه الورقة لتكون أساس الحلّ السياسي. في هذا السياق تمّت كتابة مُسودّة ما سُمّيَ في ما بعد "اتفاق السِلم والشراكة"، وكانت أوّل مُسودّة، مسودّة لم تُقدِّمها الأُمم المتحدة وجاءت من الرئيس نفسه، وكان مضمون هذه المُسودّة في الحقيقة هو صياغة يمنيّة لما هو الآن معروف كقرار 2215 لأنّ أهم نُقطة في "اتفاق السلم والشراكة" هي تسليم السلاح للدولة، السلاح الذي تمّ الاستيلاء عليه بالقوّة. كذلك أن تحتكر الدولة العُنف والسلاح وأن تكون هناك عمليّة لتُصبِح الدولة أكثر حضوراً وفاعِليّة على المُستوى الأمني

كمال خلف: تماماً

جمال بن عُمَر: هذا هو أهمّ ما كان مطروحاً في ما سُمّيَ آنذاك بالمُلحق الأمني 

كمال خلف: وهذا ناقشته في (صعدة) مع "عبد الملك الحوثي". أنا سألتك عن انطباعك الشخصي حول الرجُل وإن كنتَ شعرتَ بأنّه مُستقِلّ في ما كان يتحدث به معك 

جمال بن عُمَر: إذا كان سؤالك هو: هل الحوثيون عملاء لـ (إيران)؟ 

كمال خلف: لا، أنا أُريد انطباعك الشخصي، أريد رأي حضرتك الشخصي. أنت كيف وجدت هذه الشخصية؟ 

جمال بن عُمَر: علاقة طيبة، علاقة مهنيّة، دخلنا في صلب الموضوع. كلّ مرة كان هناك اجتماع تناقشنا بأمور جوهريّة. كانت هناك خلافات أكيد دائِماً في جميع اللقاءات التي تمّت لكن حاولنا إيجاد صياغة مُلائِمة ممكن أن تُساعِد (اليمن) واليمنيين على التقدّم في العمليّة السياسيّة. اليمنيّون لم يأتوا من الخارِج، اليمنيون ظاهِرة يمنيّة. هناك البعض الذي عندما يتكلّم مع الحوثيين وكأنه يتكلّم عن (إيران). اليمنيون لم يأتوا من المرّيخ، اليمنيون لهم وجهة نظر، كيف تبلورت وجهة النظر هذه ورؤيتهم للمُستقبل وكذا هذه قصة طويلة تحتاج إلى نقاش طويل

كمال خلف: صحيح

جمال بن عُمَر: لكن هُم طرف يمني. انتقدت هذا الطرف عندما دخل في حرب وفي عُنف لتحقيق أهداف سياسية وشجّعت هذا الطرف لكي ينخرِط في العمليّة السياسية وفي مؤتمر حوار وطني وأُشجِّع هذا الطرف لأنه تعاون من أجل إيجاد الحلول المُمكنة لحلّ الأزمة اليمنيّة. أنا لم أُسانِد أيّ طرف في هذه الأزمة، أي طرف يمني، وقفت على نفس المسافة من جميع الأطراف وهذه الأطراف انتقدتني

كمال خلف: جاءتك من كل اتجاه. لكن دكتور في المقابل التقيت بالرئيس "عبد ربّه منصور هادي". أيضاً أُريد أن أسألك عن انطباعك حوله وأيضاً عن أدائه في التفاوض السياسي، خاصةً وأنني يوماً ما قرأت لحضرتك، لا أتذكّر أين حقيقةً، أنّك أشرت في شكلٍ أو في آخر إلى طريقة انتخاب "عبد ربّه منصور هادي" كرئيس لـ (اليمن)

جمال بن عُمَر: الرئيس "عبد ربه" واجه مهمّة صعبة جداً، تحمّلَ المسؤولية في ظروف خاصّة. انتخابه كان في إطار اتفاق نقل سلطة. كان الاتفاق آنذاك أنّ نائِب الرئيس "عبد ربه منصور هادي" يكون مرشّحاً لـ "حزب المؤتمر الشعبي العام"، حزب "علي عبد الله صالِح"، وكذلك مُرشّح أحزاب "اللقاء المُشترك"، قدّموا مُرشّحاً مُشتركاً لكن هذا في الاتفاق لم يمنع من أن تكون الانتخابات تنافسيّة. لكن الرئيس أصرّ على أن يكون هو المُرشِّح الوحيد، وفعلاً كان المُرشّح الوحيد، هذا ما حصل في الواقع لكن مهمته كانت صعبة، لم تكن سهلة. "عبد ربّه منصور هادي" عندما قبِل أن يكون نائِبه هو مَن يأخذ السلطة بعد انسحابه كان يظن أنّه سيكون فقط رئيساً صوَرياً. الحقيقة، ما حصلَ في (اليمن) أنّه كان فعلاً هناك اتفاق نقل سُلطة لكن لم تُنقَل هذه السُلطة لأنّ "حزب المؤتمر الشعبي العام"، حزب "علي عبد الله صالِح" كان يتحكّم في نصف الحكومة، خمسون في المئة من أعضاء الحكومة كانوا من "المؤتمر الشعبي العام". كذلك الجيش بقيَ، حسب ما فهِمنا عندما وصل الحوثيّون إلى مشارِف (صنعاء)، كذلك الجيش بقيَ موالياً لـ "علي عبد الله صالِح"، كذلك المجالِس المحليّة كلها كان يتحكّم فيها حزب "علي عبد الله صالِح". السُلطة في الحقيقة، وهذه إحدى المشاكل

كمال خلف: ظلّت كما هي 

جمال بن عُمَر: ظلّت كما هي. ونقطة أُخرى

كمال خلف: تفضل

جمال بن عُمَر: أُريد أن أؤكِّد لك أنّ الثورة في 2011 لم تكن فقط ثورة شبابيّة وثورة من أجل التغيير. هذا صحيح، كانت هناك ثورة من أجل التغيير السلمي وأنا كنت معجباً بهذه الحركة الشبابية، لكن في نفس الوقت كان هناك انفجار داخل الطبقة السياسية، داخل النظام نفسه. عدد من الأطراف التي انضمّت إلى الثورة جاءت من النظام السابق، كلّها نظام سابق

كمال خلف: دكتور، هناك الكثير من الأسئِلة حقيقةً وربما تحتاج تلك الفترة، تلك السنوات، سنوات الجمر في (اليمن) إذا جاز لنا أن نُسمِّها كذلك، عدداً كبيراً من الحلقات حتى نُفصِّل فيها. لكن إسمح لي أن أختار بما تبقّى من وقت، أعتقد أقلّ من دقيقتين، أريد أن أسألك عن فكرة الأقاليم. فكرة الأقاليم في (اليمن)، الأقاليم الستّة، هذا المشروع أعتقد كان محلّ إجماع وبذلتم جهوداً كبيرة فيه. هل تعتقد أن تعود الأطراف مرة أُخرى إلى هذا المشروع؟ هل يرى "جمال بن عُمر" أنّ الحلّ هو في تقسيم (اليمن) كحلّ واقعي نتيجة جغرافيا السيطرة الآن في (اليمن)؟ 

جمال بن عُمَر: هذه الفكرة هي فِكرة يمنية خالصة توافق عليها اليمنيون من خلال "مؤتمر الحوار الوطني" الذي دام عشرة أشهُر. تمّ الاتفاق ما بين جميع الأطراف بمَن فيهم الحوثيون والجنوبيون على بناء نظام حُكم اتحادي، وانتهى المؤتمر بهذه الفكرة و"مؤتمر الحوار الوطني" لم يتفق على فكرة الأقاليم الستّة. فكرة الأقاليم الستّة هي فكرة كان قد طرحها "حزب الإصلاح" و"حزب المؤتمر" لـ "علي عبد الله صالِح" و"الإخوان المُسلمين" في شكلٍ مُشترك، قدّموا فكرة ستّة أقاليم، وأنا كنت في اللجنة وأُيسِّر عمل اللجنة التي من خلالها تمّ طرح هذه الفِكرة واعتنق الرئيس فكرة الأقاليم الستّة ودافع عنها، لكن المُشكلة أنّ الحوثيين لم يقبلوا بهذا التقسيم الجغرافي الذي كان مطروحاً لأنّه في نهاية المطاف يحصرهم في مناطق جبليّة ليس لها منفذ على البحر وليست لها موارِد طبيعية. كذلك الجنوبيون رفضوا فكرة الأقاليم الستّة لأنّها تُقسِّم (اليمن) إلى قسمين، وحاولوا جميع الوسائِل أن يُقنِعوا الآخرين ويقنِعوا الرئيس والحكومة على خطأ هذا الطرح لكنهم لم ينجحوا في هذا وتمّ تمرير فكرة الأقاليم الستّة بعد انتهاء "مؤتمر الحوار الوطني". تمّ تشكيل لجنة في تشكيلة خاصّة ساعدت الرئيس على تمرير فكرة الأقاليم الستّة 

كمال خلف: دكتور انتهى الوقت تماماً لكن في ختام الحلقة، أطلقتم "المركز الدولي لمبادرة الحوار". فكرة هذا المركز على ماذا تقوم حالياً؟ ماذا تبتغون منه؟ بعُجالة دكتور لأن انتهى الوقت 

جمال بن عُمَر: الفكرة الرئيسة أنّ هذه الحروب الموجودة الآن في (سوريا)، في (اليمن)، في (ليبيا) فرضت تدخلات كثيرة. الجميع يريد حلّ هذه الأزمات لكن كل الذين تدخلوا كانوا من الخارِج ودُوَل عُظمى ودول كبرى لها مصالح. الغائب من كل هذا هم سكّان المنطقة الذين يتحمّلون تبِعات هذه الحروب. الفكرة هي تعزيز القُدرات المحليّة والإقليمية من أجل حلّ النزاعات 

كمال خلف: نتمنّى لكم التوفيق دكتور في هذا المشروع وأشكرك على تلبيتك الدعوة في أن تكون معنا اليوم في "لعبة الأُمم". بروفيسور "جمال بن عُمر" المبعوث الأُممي السابق إلى (اليمن) من (نيويورك) شكراً جزيلاً لك

جمال بن عُمَر: شكراً 

كمال خلف: شكراً لكم مُشاهدينا على المُتابعة وشكراً لـ "يترا أبي نادر" في الإخراج، "زاهِر أبو حمدة" مُنتِج هذه الحلقة وإلى اللقاء

 

                               

          

                    

 

التوجهات الخارجية الجزائرية بعد الانتخابات

بعد الانتخابات الجزائرية كيف سيكون توجه الجزائر خارجيا؟ من ملفات العالم العربي وعلى راسها قضية فلسطين وعودة سورية الى الجامعة العربية.. الى مقاربات ملف الجوار المغاربي واولها ليبيا ودبلوماسية الساحل الافريقي في التعامل مع فضاء الامن القومي الجزائري.

المزيد