التوجهات الخارجية الجزائرية بعد الانتخابات

بعد الانتخابات الجزائرية كيف سيكون توجه الجزائر خارجيا؟ من ملفات العالم العربي وعلى راسها قضية فلسطين وعودة سورية الى الجامعة العربية.. الى مقاربات ملف الجوار المغاربي واولها ليبيا ودبلوماسية الساحل الافريقي في التعامل مع فضاء الامن القومي الجزائري.

 

كمال خلف: سلام الله عليكُم مُشاهدينا من هنا، من العاصمة الجزائِريّة، في هذه الحلقة الجديدة من "لعبة الأُمم" التي تأتيكم من هنا من (الجزائِر). في هذه الحلقة مُشاهدينا كان من المُفترض أن يطلّ معنا وزير الخارجيّة الجزائِريّة السيّد "صبري بوقادوم" لكنّه اعتذر في الساعات القليلة الماضية، في الساعتين الماضيتين تحديداً، لظروف لا نعرِفها؛ نتمنّى له التوفيق والسلامة. مُشاهدينا، في إقليمٍ مُلتهبٍ تتقاذفه أزماتٌ عَمَّرَت لعقود وأُخرى طارِئة عادت (الجزائِر) للتحرُّكِ في عُمقِها الإفريقي. زياراتٌ مكّوكيّة قادها وزير الخارجيّة الجزائِري واهتمامٌ بالملفّات الإفريقية على مُستوى الرئاسة الجزائِريّة. من (ليبيا) إلى (مالي) إلى (بوركينافاسو) و(تشاد)، تُقارِب الدولة الأزمات الدبلوماسيّة من منظورِ حماية سيادة الدولة وتحجيم التدخّلات الخارِجية للدول التي تُحاول التدخُّل في (الجزائِر). القضيّة الفلسطينية في صُلب الأمن القومي الجزائِريّ وأدبيات (الجزائِر). ما بعد الحراك انتقلت (فلسطين) من القضيّة الأولى إلى القضيّة المُقدّسة والتعامُل مع التطبيع وحلفُ المُطبّعين تجاوز التحفُّظ والرفض. طُرِحت فكرة اعتبار تسلّل الكيان الإسرائيلي إلى المنطقة المغاربيّة تهديداً أمنياً و جيو- سياسياً جدّيّاً يقتضي ترتيب أوراق الحلفاء والخصوم. مُشاهدينا، السياسة الخارجية الجزائِريّة في توجّهات (الجزائِر) الجديد تبدأ من تحصين الجبهة الداخليّة وتعزيز مؤسّسات الدولة وسحبِ الذرائِع من الأطرافِ والقوى التي تترصّدُ بـ (الجزائِر) الدور والوظيفة. مُشاهدينا، في هذه الحلقة الجديدة من "لعبة الأُمم" التي تأتيكم من (الجزائِر) سنتّحدثُ عن الدبلوماسيّة الجزائِريّة في ظلِّ التهاب الإقليم وسنتوقّف بالتحليل عند العلاقات مع الجوار ومُستقبل ملفّات الذاكرة مع (فرنسا) وانهيار الأوضاع الأمنيّة في منطقة الساحل وتمدّد الجماعات المُتطرِّفة في وسطِ وغربِ (أفريقيا)، والأهمّ عن تحرّكات (الجزائِر) في القضيّة الفلسطينيّة والأزمة الليبية وإصلاح الجامعة العربيّة وتطوير العمل العربي المُشترك ومُحاصرةِ مِحور التطبيع           

المحور الأول: 

كمال خلف: مُشاهدينا، يُسعِدنا في هذه الحلقة أن نستضيف معنا هنا في الاستديو سعادة اللواء "عبد العزيز مجاهِد" رئيس مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية، سيادة اللواء حيّاك الله 

عبد العزيز مجاهِد: بارَكَ الله فيكم. أهلاً بـ (لبنان) وأهل (لبنان) 

كمال خلف: حيّاك الله.  أيضاً دكتور "مصباح منّاس" أستاذ العلاقات الدولية في (جامعة الجزائر) حيَّاك الله دكتور، أسعد الله أوقاتك 

مصباح منّاس: حيَّاك الله 

كمال خلف: الملفات التي طرحناها في المُقدِّمة ملفّات واسِعة وكبيرة لكن الحدث الأبرز اليوم الذي يُمكن أن يكون ربما مدخلاً للحديث عن السياسة الخارِجيّة الجزائِريّة وتأثير العوامل الخارجية والدوليّة في (الجزائِر) هو القمّة التي عُقِدت اليوم بين الرئيس الأميركي "جو بايدن" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين". كيف يُمكن سيادة اللواء أن تؤثِّر هذه على (الجزائِر) وعلى منطقة شمال (أفريقيا) في شكلٍ عام والدول العربيّة كذلك؟ 

عبد العزيز مجاهِد: أولاً (أفريقيا) هي آخِر قارّة أصبحت ساحة لصراعات القوى العُظمى. كل القارّات الأُخرى انتهت تاريخياً الصراعات فيها والآن انتقل الصراع التشابكي بعد (سوريا) و(العراق) إلى القارة الأفريقية هنا. قمة مجموعة الدول السبع، ست دول منها يتحالفون ضد (الصين)، لماذا؟ لأنهم أحسّوا بتهديد لمصالِحهم في (أفريقيا) وبداية زوال نفوذهم وهيمنتهم على (أفريقيا)، لذلك أصبحت (أفريقيا) ساحة مفتوحة للصراع بين القوى العُظمى الغربيّة التي هي متراجعة ومُتقهقرة لكنها تريد أن تؤخِّر إلى أقصى مدى إعلانها خسارتها لهذا الصراع 

كمال خلف: هنا دكتور "مصباح"، من متابعتكَ لمُجريات القمّة اليوم والتصريحات التي صدَرت والتي كانت بعضها تُنقل على شاشة "الميادين" قبل أن ندخل إلى الاستديو في أخبار عاجلة عن تصريحات الرئيس الأميركي "جو بايدن"، الانطباع العام عن هذه القمّة، ماذا يُمكن أن نقول في شكلٍ عام؟

مصباح منّاس: هذه القمّة أعتقد أنّ توقيتها جاء بعد قمّة "الناتو" والتصريحات العدائِيّة وتصنيف (روسيا) مع (الصين) على أنّهما ربما العدوّان اللدودان لحلف "الناتو" والالتزام الأميركي بحماية الدول المنضوية مما أسمته هي طبعاً بـ الخطر الروسي والخطر أيضاً الصيني، تأتي بعدها القمّة وربما هنالك دلالة وأنت تعرِفها أُستاذ "كمال"، دلالة في ما يتعلّق بالمُدّة التي استغرقها لقاء "بوتين" مع "بايدن". ربما كان يتوقّع البعض أن يطول لساعات لكنه لم يدُم أكثر من ساعتين أو ثلاث، هذا له دلالة في اعتقادي على أنّ تداعيات قمّة "الناتو" كان لها تأثير على لقاء "بايدن" 

كمال خلف: القمّة بين الرئيسين 

مصباح منّاس: نعم، القمّة بين الرئيسين. لكن في كلّ الحالات، أنا من الدارسين في ما يتعلّق بالحلقة الدوليّة خاصّةً في مُستوى القمّة. نحن نتّجه إلى نظام تعدّد الأقطاب، (الولايات المتحدة الأميركية) من خلال هذا اللقاء نحن نعلم أنها تُدرِك، كما قال "كيسنجر" وزير الخارجيّة الأميركي الأسبق، أنّ عصراً أُحادياً انتهى منذ فترة ولم ندخُل بعد إلى ما يُسمّى بتعدّد الأقطاب، ويرشّح الجميع أن يكون هناك أربع قوى عُظمى طبعاً بعد (الولايات المتحدة الأميركية)، عودة الدبّ الروسي والتنّين الصيني وتدخُل (الهند) أيضاً على الخط، هذا التحوُّل نحو ما يُسمّى بنظام مُتعدّد الأقطاب. (الولايات المتحدة الأميركية) تُريد أن تذهب إلى هذه الخارِطة وهي الرقم واحد في العالم في العلاقات الدوليّة. فعمليّة التصعيد في رأيي هي تعزيز المركز التفاوضي لـ (الولايات المتحدة الأميركية) في ما يتعلّق بمواجهة الخطرين اللذين أراهما دائِماً واللذين هما طبعاً (روسيا) و(الصين). أنا أستبعِد (الهند) بل على العكس أُرجِّح أننا سنشهد ثنائيّتين، ثنائيّة صينية – روسية في مواجهة هندية – أميركية في المُستقبل عندما يولد النظام الدولي الجديد، نظام تعدّد الأقطاب، الذي الكثيرون يتوقعون أن الولادة النهائية له ستكون عام 2025 

كمال خلف: نعم. هنا سيادة اللواء نعود إلـى (الجزائِر). (الجزائِر) يُمكن توصيفها ضمن المحاوِر الدوليّة، ضمن حال الاستقطاب الدوليّة الحالية؟ (الجزائِر) هي الحليف الاستراتيجي لـ (روسيا) ولـ (الصين)؟

عبد العزيز مجاهِد: (الجزائِر) هي الحليف الاستراتيجي للحق عبر التاريخ، (الجزائِر) دائِماً كانت حليفة الحق، وهذه ما قبل "المسيح" إلى يومنا هذا، أهل الحق. أين الحق وأين الباطل؟ مَن الذي يُريد أن يُهيمن على العالم؟ مَن يُريد أن يُسيطر على العالم؟ ومَن يُريد أن يوقِف هذه الهيمنة الغربيّة؟ في القمّة الأخيرة الرئيس الصيني قالها بكل صراحة: "انتهى عهد الدول الأوروبية التي تفرِض وتُملي إرادتها واستراتيجيّتها على العالم". الحق لكل الدول مهما كان حجمها أن تُشارِك في بناء العالم الجديد. هذا النظام العالمي الجديد الذي تنادي به اليوم (الصين)؛ الرئيس "هوّاري بومديان" سنة 1974 نادى بنظام عالمي جديد زلزل الكون. خطاب "هوّاري بومديان" 

كمال خلف: في السياسة الخارجية سيادة اللواء، في التصريحات الرسمية الجزائِرية خلال الفترة الماضية، رئيس الجمهورية ووزير الخارجية وأكثر من مسؤول جزائري يتحدّثون عن (الصين) باعتبارها القوّة الصاعِدة التي ستتجاوز (الولايات المتحدة الأميركية) 

عبد العزيز مجاهِد: هذا لا شكّ فيه سيّدي. منذ سنة 1955 حين برزت (الصين) برزت معها "حركة عدم الانحياز". منذ عام 1955 من "باندونغ" إلى يومنا هذا نستطيع أن نلمس التطوّر والتقدّم الذي حقّقته (الصين) والتي اليوم يُحاول الغرب أو الدول الغربيّة احتواءها ومنعها من نشر نفوذها حول العالم. "طريق الحرير" وكل المشاريع التي تقوم بها (الصين)، هذه بالنسبة لهم تهديد مباشِر لمصالِحهم، هم يشعرون بذلك ولذلك يلقون بكل ثِقَلِهم لعرقلة هذا التقدُّم وهذا التقارُب بين (الصين) والقوى التحرّرية في العالم 

كمال خلف: هنا إسمحا لي ضيفيّ العزيزين أن أبدأ بملفّات السياسة الخارِجية الجزائِريّة ونبدأ في المحيط العربي حالياً. دكتور، في المُحيط العربي ثمّة سياسة ثابتة وخط ثابت هو الموقف الجزائِري من القضيّة الفلسطينية. في المعركة والعدوان الأخير على (قطاع غزّة) أيضاً كان لـ (الجزائر) موقف حاسم من هذه المسألة. اليوم أيضاً، بعد زيارة وزير الخارجية الجزائِرية إلى (الدوحة) يوم أمس وعودته اليوم، الكلام الأبرز كان يتعلّق بإصلاح "الجامعة العربية". ماذا تريد (الجزائِر) بالضبط من تكرار المُطالبة بإصلاح "الجامعة العربية"؟ أكثر من ذلك، (الجزائِر) تُطالب بأن تكون الأمانة العامّة لـ "الجامعة العربيّة" دوريّة بين الدول العربية وليست حِكراً على (القاهِرة). لماذا تطرح (الجزائِر) هذه المسألة؟

مصباح منّاس: نعم، لماذا! لأنّ الدور المنوط بـ "جامعة الدول العربية" نحن نعرِف أنّه انحرَفَ، خاصةً مع بدايات ما يُسمّى بفوضى "الربيع العربي" عندما أصبحت "الجامعة" أداة عِوضَ أن تخدُم الدول العربية وتُدافع عن الدول العربية، استعملت كأداة لتدمير الكثير من الدول العربية. بمعنى تحويل الملفّ الليبي نحو مجلِس الأمن وتحت البند السابع، هذه كانت سابقة خطيرة في العمل العربي المُشترك، وأنت تعرِف، يأتي الضغط الخليجي، الذي لم يعُد كما يُقال سرّاً، في تلك الفترة لتصفية حسابات مع العقيد "القذّافي" رحِمه الله. أيضاً مُحاولات لنقل الملفّ السوري إلى مجلس الأمن واستنساخ التجربة الليبيّة في الحال السورية لولا الفيتو طبعاً الصيني وأيضاً الروسي الذي استفاد من التجربة في (ليبيا) وعدم تكرارها طبعاً في الحال السوريّة. جامعة الدول العربية بَعُدَت بُعداً كبيراً في ما يتعلّق بميثاق الجامعة العربية الذي تأسّست من أجله. تدوير رئاسة الجامعة العربية، هذا ما طرحته (الجزائِر) عام 2005 في قمّة (الجزائِر) هنا، في القمّة العربية 

كمال خلف: صحيح

مصباح منّاس: و(الجزائِر) تُريد تفعيل هذا الدور 

كمال خلف: ما هو مغزى التدوير هنا؟ بمعنى، إذا كنّا نتحدّث عن جامعة عربيّة، وأنت وصفت بعض صفاتها، هي جامعة في نهاية المطاف لا تُحقّق آمال الشعوب العربية على أقل تقدير

مصباح منّاس: نعم

كمال خلف: ما هو مغزى أن تسعى (الجزائِر) لأن تكون الأمانة العامّة لجامعة الدول العربية ليست حكراً على دولة واحِدة؟ 

مصباح منّاس: (الجزائِر) لا تبحث على زعامة للعالم العربي والجميع يعرِف، حتى رئيس الجمهوريّة أكّد على ذلك. نحن مثلاً في الملفّ الليبي، ليس بالضرورة أن تحتضن (الجزائِر) كما يُقال، المهم أنّ المُشكل الليبي يُحلّ. نبدأ التدوير، نحن دائِماً نأخذ الحِكمة ممن؟ نأخذها من (الاتحاد الأوروبي). عندما نجد أنّ مبدأ التدوير يُعمَل به نجد أنّ دولاً صغيرة جداً، لا تزِنُ شيئاً مثلاً مُقارنةً بـ (ألمانيا) أو (فرنسا)، يتمّ فيها كما يُقال رئاسة (الاتحاد الأوروبي). لِمَ لا نعمل بنفس المبدأ؟ هذا لا يعني أنّ (الجزائِر) تريد سحب البساط خاصةً من (مصر). (مصر) هي الدولة القلب في النظام الإقليمي العربي بحُكم الجغرافيا، بحُكم التاريخ، بحكم اعتبارات كثيرة، لكن لكي هذا المبدأ يجعل كل الأطراف العربيّة شُركاء في ما يتعلّق بالقضايا العربيّة. أنت تعرِف أنّه في عام 1949 كانت هناك اتفاقيّة للدفاع المُشترك العربي، يعني إذا ما تعرّض أيّ طرف عربي لاعتداء كل باقي الدول العربيّة تُدافِع عنه. عوَض أن توظّف هذه الاتفاقيّة نجد أنّ الجامعة العربية أصبحت أداة كما يُقال لتدمير دول عربيّة، والسابقة الأخطر خاصة هي الحال الليبية. عندما تذهب إلى "الناتو"، "الناتو" ليست مؤسّسة خيرية. "الناتو" هو، كما جاء في بيان البارِحة، تأكيد على أنّ "الناتو" الذي قال فيه "بوتين": "أنا لا أفهم ما مُبرِّر بقاء حلف من الحرب البارِدة إلى يومنا هذا"؟ مجرّد بقائه هو حماية المصالِح الغربيّة والانتقال، خاصةً في قمّة (واشنطن) لعام 1999، من الدفاع إلى الهجوم، وما يُسمّى بسياسة الأمن الوقائي، وأيضاً حماية (إسرائيل). يجب ألا نغفل هذا، لماذا؟ لأنّ

كمال خلف: لأنّ أمن (إسرائيل) هو أولويّة في السياسة الخارِجيّة الأميركية، هذا معروف. دكتور، لا أُريد أن آخُذ وقتاً للجامعة العربية في النقاش، لكن سيادة اللواء، مُقارنةً بالجامعة العربية الآن والجامعة العربية قبل عشر سنوات تقريباً وموقف (الجزائِر) في كِلتا الحالين وموقف الدول العربيّة. عندما تمّ تجميد عُضويّة (سوريا) في الجامعة العربية اعترَضت (الجزائِر) على هذا التجميد واعترَضت معها دول عربيّة أُخرى مثل (لبنان) و(العراق) ودول اُخرى عربيّة، لكن قرار التجميد مرّ رُغم اعتراض هذه الدول ومنها (الجزائِر). وعندما نتحدّث عن (الجزائِر) نتحدّث عن دولة عربيّة وازِنة وكبيرة، لا نتحدّث عن دولة هامشيّة. اليوم، إعادة (سوريا) إلى الجامعة العربية، (الجزائِر) تُطالب به من خلال الجامعة العربية، لكن كما عرِفنا، كما سمِعنا بأنّ هناك دولة واحِدة فقط تعارِض عودة (سوريا) إلى الجامعة. هذا قاله وزير الخارجيّة السوريّة في مقابلته مع "الميادين"، قال: "دولة واحدة أو دولتان تُعارضان عودة (سوريا) إلى الجامعة العربية". كان هناك دول تعترِض على التجميد لم يؤخذ برأيها ومنها (الجزائِر)، هنا دولة واحدة تعترِض على عودة (سوريا) لكن يُعطّل هذا القرار. كيف يُمكن مُقاربة هذه المسائِل بالنسبة لكم أنتم كنُخب جزائريّة؟

عبد العزيز مجاهِد: سيّدي، لعلَّ مقاربتك أو طرحك هذا يكشِف لنا عُمق الإشكاليّة في الجامعة العربية. مَن الذي أنشأ الجامعة العربية وماذا فعلت الجامعة العربية منذ نشأتها إلى يومنا هذا؟ مَن الذي طلب التدخُّل الأجنبي ضدّ (العراق)؟ مَن الذي طلبَ التدخّل في (اليمن) ضدّ (ليبيا) وضدّ (سوريا)؟ هذه هي الجامعة. مَن صنعها، صنعها لخدمة مصالِحه ونحن ما زِلنا، لعلّ الدبلوماسيّة تمنع الناس من قول الحقيقة أو كشف الحقائِق. هذه جامِعة لا تخدِم المصالِح العربية، لم تخدم ولن تخدِم مصالِح الشعوب العربية ومَن يُديرها ومَن يوجِّهها ليس له مصلَحة في ذلك. هذه الجامعة وقضية الإدارة فيها، احتكار الجامعة العربية مُخالِف للقوانين الإنسانيّة، قوانين العدالة، المساواة، أين المُساواة بين الدول؟ هل هناك دول أعظم من دول أخرى؟ إذا كانت (الصين) العُظمى اليوم تقول لشعوب الدول الصغيرة أنّ عندها الحق في أن تُعطي رأيها وتُشارِك في إدارة النظام العالمي الجديد. مَن الذي يمنع الدول العربية من أن تُدير الجامعة العربية؟ هل ننتظر خيانة "السادات" وخيانات أُخرى كي ننقُل إدارة الجامعة العربية من (مصر) ومن (القاهِرة)؟ هذه تجعلنا ربما نكون صريحين لأننا إذا لم نواجه مشاكلنا بكل صراحة 

كمال خلف: اليوم يُقال سيادة اللواء أيضاً أنّ تأجيل (الجزائِر) لعقد القمّة العربيّة التي سوفَ تُعقَد في (الجزائِر) ليس مردّه إلى جائِحة "كورونا" إنّما لأنّ (الجزائِر) لا تُريد أن تُعقَد هذه القمّة من دون (سوريا). هذا صحيح؟

عبد العزيز مجاهِد: هذا أكثر من صحيح، و(الجزائِر) لن تُعقد فيها قمّة لإدانة أيّة دولة عربية. إذا كان المبدأ الأساسي للجامعة العربية لم يُحْتَرَم وانتهكناه عدّة مرّات، فـ (الجزائِر) لن تكون طرفاُ فيه ولن تقبل أن تكون طرفاً فيه لأنّ للتاريخ، هذه وصمة عار على جبين كل هذه الأُمم وكلّ هذه الشعوب 

كمال خلف: توجد أيضاً مسألة دكتور في الملفّات العربيّة، قضيّة (فلسطين) الموقف الجزائِري ثابت منها لكن على المُستوى العربي بدأت حال غير طبيعيّة تتمثّل بالتحالُف مع (إسرائيل)، أعني ما يُسمّى بالتطبيع وهو أكثر من تطبيع في كل الأحوال، ما شاهدناه أكثر من تطبيع أعني، هو عمليّة تحالُف مع (إسرائيل) لبناء حلف اقتصادي وشراكة اقتصاديّة وعسكريّة وأمنيّة بين دول عربيّة عضو في الجامعة العربية وبين (إسرائيل). هل في تقديرك (الجزائِر) يتعرّض وسيتعرّض لضغوط بناءً على موجة التطبيع الجديدة الحاليّة؟ هل ستكون هناك بوّابة للضغط على (الجزائِر) لتتّخِذ موقفاً أو على الأقل لتقف في وجه هذا التيّار المُطبِّع العربي؟

مصباح منّاس:     كلامُك صحيح ودقيق أُستاذ "كمال"، لماذا؟ لأنه عندما نجِد موجة التطبيع فأكيد أنّه يكون هناك عامِل ضاغِط. نجِد أنّ الطرف المغربي قام بعمليّة التطبيع، نجد أنّ أيضاً هناك ضغوطات على الحكومة الوليدة أيضاً في (ليبيا) بعد كما يُقال ولادة المؤسّسات، أعني الرئاسة والوزراء ومجلس الوزراء، ستكون هناك ربما ضغوطات على (ليبيا) لكي تلقى المنظومة التطبيع. هناك ضغوطات على (تونس)، هناك ضغوطات أيضاً على (موريتانيا). المُستهدف الأكبر في المغرب العربي هو (الجزائِر)، لماذا؟ لأنّ (الجزائِر) كما تعلم هي قِبلة الثوّار، وعندما نقول قبلة الثوّار، الإخوة في (فلسطين) وأنت تعرِف ذلك، يعتبرون أنّ التجربة وكفاح الجزائِريين ربما هو المُرشِد بالنسبة للفلسطينيين في كفاحهم طبعاً 

كمال خلف: ويعتبرون (الجزائر) ظهيراً لـ (فلسطين) 

مصباح منّاس:     أكيد 

كمال خلف: ويعتبرونها عمقاً كذلك 

مصباح منّاس:     هناك نُقطة أُخرى، أنّه في ظلّ هذه الظروف وفي حال التردّي العربي، أنا أُسميّها أسوأ مرحلة في تاريخ النظام الإقليمي العربي منذ أن تأسّس عام 1945 إلى يومنا هذا، وهي أزهى مرحلة في تاريخ (إسرائيل) منذ أن تأسّست عام 1948، و(الجزائِر) ما زالت في موقفٍ ثابت ولن تُغيِّر كما قال سيادة الرئيس. مَن يراهن على تغيير موقف (الجزائِر) فهو واهِم 

كمال خلف: صحيح، لكن هنا المسألة ربما لها علاقة بالمسألة الأمنية والأمن القومي. سيادة اللواء، الربط بين التطبيع، أعني في الخطاب الرسمي الجزائِري هناك ربط واضِح عضوي بين موجة التطبيع في العالم العربي وبين مخاطِر على الأمن القومي الجزائِري. هذا الربط ما مردُّه؟ لماذا (الجزائِر) تربُط بين أمنها القومي وبين موجة التطبيع العربي؟ 

عبد العزيز مجاهِد: يا سيّدي، لعلّ علينا الذهاب إلى أعماق الأعماق. قضيّة (فلسطين) لم تولد مع إنشاء الكيان الصهيوني. من اللازم أن تعود إلى معاهدة "سايكس - بيكو" وترجع إلى مُعاهدة "لويس هوبير ليوطي" هنا في (المغرب). القوى الاستعماريّة القديمة وضعت استراتيجية طويلة الأمد، "سايكس – بيكو- ليوطي"، ما هي الترتيبات التي تلتها؟ كم دولة نشأت بعد اتفاقيّة "سايكس – بيكو"؟ مَن الذي أنشأها ولخدمة مَن ولمصلحة مَن؟ "ليوطي"، لمَن منظومة المخزن عند جيراننا الأشقّاء؟ ليخدِم مصلحة مَن؟ هذا يخدِم الشعب المغربي؟ هذا شيء من اللازم أن نذهب ونبحث عن الحقيقة في أعماق التاريخ. من اللازم أن ننبش أعماق التاريخ. بعد اتفاقيّة "سايكس بيكو" كان مشروع "روجرز"، كم دولة نشأت بعد مشروع "روجرز"؟ حرب الاحتلال أو الغزو المُخزني لـ (الصحراء الغربيّة) سنة 1975، ماذا حدثَ في الشرق الأوسط؟ الحرب الأهليّة اللبنانية تزامنت في نفس الوقت، لماذا؟ علينا أن نربط بين هذه الأمور لأنّ بالنسبة للقوى الاستعماريّة القديمة لا توجد قضايا محليّة. هم ينظرون إلى هذا العالم كأسياد لهذا العالم ويُسيِّرونه ويخلقون الأزمات في كل مكان ويُطوّرون الأمور في اتجاه مصالِحهم. نحن عندما نتحدّث عن (فلسطين)، أنظر إلى (فلسطين)، نفس استراتيجية الكيان الصهيوني هي استراتيجية المخزن في (المغرب)، التوسُّع وقهر الشعوب 

كمال خلف: سنتحدّث عن الجوار المغاربي سيادة اللواء و(ليبيا) أيضاً في شكلٍ خاص حيثُ سعت (الجزائِر) مُشاهدينا إلى لعب دور في الملف الليبي. سنتوقّف مع فاصل قصير بعده نعود مرّة أُخرى إلى "لعبة الأُمم" 

المحور الثاني        

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا من هنا، من (الجزائِر) العاصمة ونتحدّث عن السياسة الخارجيّة الجزائِريّة والتحدّيات التي تواجهها (الجزائِر) في المرحلة المُقبلة. أعود وأُرحِّب بضيفيّ سيادة اللواء "عبد العزيز مجاهِد" رئيس "مركز الدراسات الأمنيّة والاستراتيجيّة" وأيضاً الدكتور "مصباح منّاس" أُستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة (الجزائِر). دكتور "مصباح منّاس"، ونحن نتحدّث عن ملفّ الجوار المغارِبي مُباشرةً تقفِز إلى الذِهن (ليبيا) بشكلٍ أساسي. التطبيع في (المغرِب) أشرنا إليه بأن (الجزائِر) تنظر إليه في ريبة كبيرة وتعتبر أنّ (إسرائيل) اقتربت من حدودها كثيراً، لكن في الموضوع الليبي دكتور ما الذي جعل (الجزائِر) بعدَ كل هذه السنوات تتقدّم في موقفها الدبلوماسي وتطرح مُبادرة استقبال مؤتمر المُصالحة الليبيّة ومن ثمّ يخرُج رئيس الجمهوريّة ليقول (طرابلس) خط أحمر. ما هي الأسباب والعوامل التي دفعت (الجزائِر)، وهي حالياً في مرحلة انتقال دستوري وانتقال سياسي داخلي وتحصين جبهة داخليّة، للاهتمام بهذه القضيّة في هذا الشكل؟ 

مصباح منّاس: لماذا أُستاذ "كمال"، لأن هناك ترابُطاً بين الملفّ الجغرافي والحال الداخليّة. أنا أُسمّي ما يحصل في المحور الجغرافي منذ سنوات بأنّه تطويق استراتيجي لـ (الجزائِر)، وسيادة الرئيس أيضاً تكلّم عن هذا في أحدى المُناسبات. بمعنى، إسقاط (ليبيا) كان أحد أهدافه هو قطعَ حلقة الربط بين (الجزائِر) وبين (مصر)، وأيضاً زيادة الضغط على (الجزائِر) من جبهتها الشرقيّة تضاف إلى ذلك أزمة الساحل أي (مالي) وما يتبعها، وأيضاً قضيّة الصحراء الغربيّة. كل هذه اللعبة هي لعبة تطويق وخنق لـ (الجزائِر). أكيد الآن مع التوجُّه الجديد ومع الرئيس "عبد المجيد تبّون" هناك إنْ صحّ التعبير عودة للدبلوماسيّة الجزائِريّة بقوّة، لماذا؟ لأنّ استتباب الأمن والاستقرار في الحال الليبيّة يعنينا مُباشرةً وهناك ترابُط بين الملفّ الداخلي والملفّ الخارِجي. لا يُمكن لدولة أن تلعبَ أو تقوم بدورِها كما ينبغي إذا كانت هناك حال من الضغط والخنق لأن (ليبيا) كما تعرِف إذا بقيت في هذه الحال، وأنا كنت دائِماً أُسمّي الوضع الليبي بأخطر مما يُسمّى بالدول الفاشلة. هناك الدول الفاشلة التي فيها مؤسّسات وغير قادرة على أداء دورها، وهناك حال اللا دولة وهو الوضع الذي كانت عليه (ليبيا) إلى أن أصبحت الحكومة الحالية. و(الجزائِر) لعِبت دوراً مُهمّاً في إيصال (ليبيا) إلى ما هي عليه الآن وكانت أيضاً هناك مُحاولات في الأشهُر السابقة لتعطيل حتى هذه الولادة الجديدة. (الجزائِر) ستلعب دوراً أكبر حتّى في ما يتعلّق بالجانب الأمني، في تأسيس جيشٍ قويّ بالنسبة إلى (ليبيا) لتأمين الجغرافيا الليبية الكبيرة، لماذا؟ لأن هناك قراءة وهي قراءة صحيحة، أنّ أمن الدول يبدأ خارِج الحدود وأنّ استقرار الدولة حتى الداخلي وتنميتها الداخليّة مُرتبِط بتأمين جوارها الجغرافي، ناهيك عن أنّ (ليبيا) هي دولة شقيقة، ناهيك عن أنّ (ليبيا) كان لها دور في مساعدة (الجزائِر) في الثورة الجزائرية وما بعد، وبالتالي من حق أيضاً (الجزائِر) كردّ جميل ولأمنها أيضاً لأنّ هناك ترابُطاً مُشتركاً، أن نساعد الحال الليبية 

كمال خلف: دكتور، مَن يريد أن يكون راعياً لمُصالحة ليبيّة بين الأشقاء الليبيين لا يقف مع طرف ضدّ طرف آخر. الناطق باسم المشير "خليفة حفتر المسماري" قال إنّ (الجزائِر) تتحالف مع "الإخوان" والمنظمات الإرهابيّة وإلى آخره ووجّه انتقادات لـ (الجزائِر) بسبب تصريحات رئيس الجمهورية حول (طرابلس)، بمعنى أنّ (الجزائِر) ليست مُحايِدة حتى تجمع الأطراف على طاولة واحدة 

مصباح منّاس: (الجزائِر) هي الطرف الوحيد في جوار (ليبيا) الجغرافي الذي ليس لديه أطماع في الحال الليبيّة. هناك مصالِح وهذا طبيعي لكن ليست لديها أطماع. عندما نتكلّم على "خليفة حفتر"، لم يعُد سرّاً أنّ هناك دعماً مصرياً ودعماً حتى قطرياً في بعض الحالات بالنسبة لـ "خليفة حفتر". أكيد عندما كان "خليفة حفتر" قاب قوسين أو أدنى من دخول (طرابلس)، معناها أنّ هذا يخدُم أجندة مُعيّنة. (الجزائِر) تُريد أجندة وطنيّة بالنسبة لليبيين، ليس لديها مُشكل لا مع طرف ولا مع آخر، لا مع الجهة الشرقيّة ولا مع الجهة الغربيّة، واحتضان أيّ مؤتمر بالنسبة لـ (ليبيا) لا يعني إقصاء طرف آخر، لأننا نعرِف أنّ كل الذين تدخلوا في الحال الليبيّة لديهم أطماع وهذا ليس سرّاً. (الجزائِر) هي الحال الوحيدة وهي الدولة الوحيدة التي ربما يثق فيها أغلب الليبيين. نحن نعرِف أنّ "حفتر" لا يُمثِّل الليبيين ويريد طبعاً الآن خلط الأوراق ويريد "حفتر" أن يكون على رأس الجيش الليبي خدمةً لمصالِح مُعيّنة. (الجزائِر) تُريدُ حلاً ليبياً- ليبياً من دون أن يكون هناك تأثير خارِجي

كمال خلف: سيادة اللواء، ممكن أن تتدخّل (الجزائِر) عسكرياً في (ليبيا)؟

عبد العزيز مجاهِد: لو سمحت لي أن أعود إلى "خليفة حفتر"، مَن هو "خليفة حفتر"؟ مَن الذي يُسيِّر "خليفة حفتر"؟ وموقف "حفتر" من "الإخوان المُسلمين"؟ موقف "حفتر" من "الإخوان المُسلمين" هو موقف "السيسي"، هو موقف (السعودية). نحن في (الجزائِر) 

كمال خلف: هناك أيضاً أطراف أُخرى، تُسيِّرها (قطر) وتُسيّرها (تركيا) سيادة اللواء. ليس هناك طرف في (ليبيا) يسير 

عبد العزيز مجاهِد: لا، نحن لا نتحدّث عن أطراف، أنت تحدّثت عن "حفتر" لأنه يقول لك إننا لم نقف موقف الحياد. شوف، في الأزمة الليبيّة، في أزمة (مالي)، في القضيّة الفلسطينية، مَن هي البلد التي تستقبل كل الأطراف الفلسطينية من دون استثناء؟ لا يوجد عندنا استثناء، الطرف الوحيد الذي يحكُم على تيار سياسي هو شعبه وليس نحن. نحن لا نحكُم على "الإخوان المُسلمين" بل الليبيون هم الذين يحكمون على الإخوان المُسلمين. نحن استقبلنا هنا كل الأطراف الليبيّة من دون استثناء، استقبلنا الأطراف الماليّة من دون استثناء، استقبلنا عدة مرات الإخوة الفلسطينيين من دون استثناء. هذه الاتهامات، نحن عندنا مبدأ هو عدم التدخُّل في شؤون الشعوب. الليبيون هم الوحيدون الذي عندهم الحق في اختيار مَن يُسيِّرهم، والسوريون هم الوحيدون الذين عندهم الحق في اختيار مَن يُسيِّرهم، وهذا موقفنا دائِماً وأبداً وفي كل القضايا. إذا، أشباه الرجال هؤلاء نحن لا نمشي في أعقابهم 

كمال خلف: لكن ما أُريد قوله سيادة اللواء إنّ هل في تفكير (الجزائِر) وفي حسابتها تدخُّل عسكري في حال احتاجت إلى ذلك في (ليبيا)؟

عبد العزيز مجاهِد: لو تأخذ الدستور الجزائِري وتقرأه قراءة عميقة ودقيقة، إذا كانت الأمم المتحدة، قرار مجلِس الأمن يطلُب تدخُّل قوّات بطلب من الليبيين، ممكن، وهذا احترام للشرعية الدولية واحترام لخيارات الشعوب. نحن لا نقبل أن نكون قوّة أجنبيّة تفرِض إرادتها على أيّ شعبٍ كان. إذا كان الشعب يطلُب مُساعدة، في الصراع العربي الإسرائيلي لم تتوانَ (الجزائِر) في يومٍ من الأيام، وعندما يقع صراع مع العدو الصهيوني تكون دائِماً في خطّ الجبهة، هذا ليس جديداً عندنا في تاريخنا ولكن كيف؟ نزولاً عند طلبات إخواننا والتوافُق مع القوانين الدوليّة والمنظمات التي نحن أعضاء فيها سواء "منظّمة الوِحدة الأفريقيّة" أو "منظّمة الأُمم المتّحدة". إذا كانت هذه قراراتها وإذا كان بطلب من شعبها نحن لا نتأخّر عليها

كمال خلف: دبلوماسيّة (الساحل الأفريقي) دكتور "مصباح"، واسمح لي أن أتحدّث عن الخطر أو شبه الخطر أو المخاطِر المُحتملة القادِمة من (مالي). الفرنسيون أوقفوا العمليّات العسكريّة شمال (مالي) و(الجزائِر) وقفت ضدّ الانقلاب العسكري هناك، يبدو ثمة قلق جزائِري مما يحدُث في (مالي). هل تعتقد أنّ الأمور تحت السيطرة بالنسبة للجزائِريين في تلك المنطقة؟

مصباح منّاس:     هذه المنطقة هي منطقة (قلاقل). (الجزائِر) كما قالها رئيس الجمهوريّة، تسعون في المئة من الحلّ في (مالي) يجب أن يكون جزائِرياً. نحن دائِماً في نفس المقاربة وهي أنّ أمننا يبدأ خارِج حدود دول الجوار، والجغرافيا أنت تعرِف، نحن دولة كبيرة مساحتها حوالى 2,381,741 كلم مُربّع، الحدود البريّة تتجاوز ستّة آلاف كيلومتر ولديك جوار جُغرافي مع حوالى سبع دول. هذا يُشكِّلُ عليك ضغطاً كبيراً، وأن تؤمِّن هذا الستة آلاف كيلومتر من الحدود البريّة ليست عمليّة سهلة. وعندما تكون هناك لعبة دوليّة وأنت تعرِف أنّ خطورة منطقة الساحل هي أن هناك رهانات دوليّة. بدأنا من (أفريقيا) وبدأنا من نفوذ القوى العُظمى ومنطقة الساحل لا تشذّ على هذه القاعِدة. لماذا (فرنسا) بالذات؟ لأنّ (فرنسا) كما قالها الرئيس الفرنسي السابق "جيسكار ديستان"، قال: "إذا كان هناك مكان تستطيع فيه أن تُغيِّر (فرنسا) مسار التاريخ فهو القارة الأفريقية". أيضاً "فرُنسوا ميتران" يقول إنّ (فرنسا) في القرن الواحِد والعشرين مستقبلها مرهون ببقاء نفوذها في القارة الأفريقية. منطقة الساحل هي منطقة غنيّة بالمعادن، باليورانيوم، بالنفط، بأمور كثيرة

كمال خلف: لكن دكتور، لماذا تداعى الوضع الأمني فيها بهذا الشكل وتدهور في شكلٍ كبير؟ وهل هذا التداعي في نهاية المطاف قد يصبّ نتائِج سلبيّة في الداخل الجزائِري؟ 

مصباح منّاس:     هذا التداعي، هناك مَن يُحرِّك طبعاً اللعبة في (مالي) 

كمال خلف: في (مالي)، في (التشاد)، في (النيجر)، في (بوركينافاسو)، هذه المنطقة يبدو أنّ الأزمات بدأت تتسلّل لها واحِدة تلو الأُخرى 

مصباح منّاس:     نعم، أنا سأُجيبك بأنّ توجّه (الجزائِر) في السياسة الخارِجية الجزائِريّة مُهمّ وله علاقة أيضاً في العلاقات مع (فرنسا) ومع (غيرها). نحن عندما يكون هناك توجُّه، والآن تكلّمت أنت عن العملاق الصيني في البُعد الاقتصادي وفي أبعاد أُخرى، (روسيا) بحُكم علاقاتنا التاريخيّة خاصةً في البُعد العسكري وأبعاد أُخرى، هناك توجُّه نحو التنويع الشراكات والعلاقات. طبعاً هذا الأمر لا يُرضي أطرافاً كثيرة ومن ضمنها (فرنسا). أكيد أنّ (فرنسا) كردّة فعل تُحاوِل خلط الأوراق في هذه المنطقة وزيادة الضغط على (الجزائِر) من جبهتها إذا صحّ التعبير الجنوبيّة، منطقة السهل هذه تدخُل في هذه اللعبة وبالتالي ما يحصل في الساحل واضح أنّ البصمة الفرنسيّة موجودة وموجودة بقوّة لزيادة الضغط على (الجزائِر) ومُحاولة فرملة إن صحّ التعبير التوجُّه الجزائِري نحو تنويع الشراكات. أنت تعرِف أنّ هناك حتى توجُّهاً نحو (ألمانيا)، و"أنجيلا ميركل" مُستشارة (ألمانيا) قبل سنوات كان لها تصريح شهير، قالت نحن مستعدّون لدخول السوق الجزائِريّة في كل المجالات وبأسعار تنافسيّة وفي نقل تكنولوجيا

كمال خلف: أنت تعرِف دكتور، وهنا هذه المسألة قد تكون أمنيّة أكثر منها سياسيّة لذلك نستعين بسيادة اللواء. أنت تعرِف أنّه عندما تصل "داعِش" و"القاعِدة" إلى منطقة، هذا يعني بأنه توطِئة للدخول الأميركي، وهذا يبدأ في غرب (أفريقيا). في (أفريقيا الوُسطى) بدأت هِجرة "داعِش" و"النُصرة" والجماعات المُتطرِّفة من مناطق الشرق الأوسط ومن الشرق عموماً إلى (أفريقيا)، وقبل أيّام أعلنت "الولايات المتحدة الأميركية" عن مُكافأة ماليّة للقبض على "أبو عُبيدة العنّابي" زعيم الجماعات الإرهابيّة أو "القاعِدة" في (أفريقيا). هل تعتقد بأنّ (الولايات المتحدة الأميركية) ستزيد من اهتمامها في (أفريقيا) في إطار مواجهة (الصين) كما ذكر الدكتور لكن من بوّابة إدخال "داعِش" إلى هذه المناطق"؟ بمعنى أننا سنشهد المزيد من التطرُّف والإرهاب في مناطق أفريقية مُتعدّدة لأغراض سياسيّة تتعلّق بالصراع مع (الصين)؟ في مناطق تعتقد (الولايات المتحدة) أنّها أصبحت حليفة لـ (الصين) في المنطقة وأوّلها (الجزائِر) على البحر المتوسِّط

عبد العزيز مجاهِد: هذه ضمن الاستراتيجية غير المباشرة للدول الغربيّة التي تُريد أن تُسيطِر وتُهيمِن على العالم. "جاك برجيس"، شهد شاهد من أهلِها، "جاك برجيس" يقول: "نزعوا القبعة الاستعماريّة ولكن الأفكار لم تتغيّر" هؤلاء أبناء وأحفاد "فيكتور هيغو" الذين قال لهم: "الله وهَبَ (أفريقيا) لـ (أوروبا)". هذا إيمان راسِخ عند الاستعماريين ولم يُغيِّروا طبعهم. بالنسبة لـ "داعش" والإرهاب، هذه أداة هم صنعوها وهم الذين يوجِّهونها ويستغلّونها كما استخدموا الدين. عندنا في الشرق الأوسط، أنت رأيت عندما كنا نتحدّث عن (فلسطين)، أُنشئ الكيان الصهيوني على أساس ديني من طرف مَن؟ من طرف (بريطانيا) التي أنشأت (باكستان) على أساس ديني، معنى ذلك أنّ الدين عبارة عن أداة ووسيلة. في الشرق الأوسط عرِفنا الحروب الصليبية تحت لواء الدين وخلق الكيان الصهيوني تحت لواء الدين ولمّا لم ينجحوا في تحقيق السيطرة الكاملة خلقوا "داعش" وخلقوا هذه القوى التي تُستثمر وتوجَّه وتخدِم مصالِحها

كمال خلف: هنا سؤالي سيادة اللواء، مدى مخاطر وصول التنظيمات الإرهابية

عبد العزيز مجاهِد: مخاطر كبيرة 

كمال خلف: إلى مناطق مُتعدّدة من (أفريقيا)، إلى غرب (أفريقيا)، إلى (أفريقيا) الوسطى، حتى إلى الساحل الأفريقي؟ بمعنى، وصول هذه الجماعات ورحيلها وانتقالها من الشرق الأوسط إلى مناطق في (أفريقيا)، هذا يعني بأنّ هناك استراتيجيّة جديدة يُعمَل عليها في هذه المنطقة وأن الجماعات لا ترحل لوحدها. رأينا في (سوريا) كيف جلبوها ببطاقة السفر One Way إلى (سوريا) وكيف دخلت ومن هي الدول التي أدخلتها وأشرفت عليها وإلى آخره؟ هذه الجماعات لا تنتقل إلا لبناء استراتيجيّات في مناطق مُحدّدة من العالم وهي لا تنتقل لوحدها 

عبد العزيز مجاهِد: هي لا تنتقل، هي تُنقَل

كمال خلف: نعم تُنقَل 

عبد العزيز مجاهِد: لا تنتقل بل تُنقَل. أنا قلت لك بأنّ هذه استراتيجيّة غير مُباشِرة، هذه عبارة عن مناورة يناورون بها كما يناورون في القوّات. نحن لو نمسك مثالنا في (الجزائِر)، سنة 1999 في (ليبيا) أنشأنا حلفاً محورياً قوامه (الجزائر -  أبوجا – بريتوريا). حاولت (فرنسا) بكلّ الطُرق أن تُدخِل عملائها في هذا الحلف فتصدّينا لها. ماذا فعلوا؟ خلقوا "بوكو حرام". متى نشأت "بوكو حرام"؟ نشأت "بوكو حرم" عندما قرّرت الدول الثلاث الأساسيّة في (أفريقيا)، (الجزائِر) و(نيجيريا) و(بريتوريا) أن يقيموا حلفاً محورياً من أجل أن ينهضوا بـ (أفريقيا). شوف، متى نشأت "بوكو حرام"؟ ولماذا تستهدف قلب هذا المحور وهو (نيجيريا)؟ لم يتمكّنوا عندنا في (الجزائر) قبلاً فنقلوها إلى (نيجيريا). إذاً، علينا أن نُحلّل ونتعرّف على استراتيجيات الآخرين ولا نُقدم على ما ينتظرونه منّا، نحن من اللازم أن نُلقي كل الأضواء ونكشف كل الأدوار. نحن عندما نتحدّث عن "بوكو حرام"، يا أخي يتكلّمون باسم الدين. مَن الذي يموِّلهم؟ مَن الذي يُسلِّحهم؟ مَن الذي يوجّههم؟ الإعلام يجب أن يلقي الأضواء ويكشف الأدوار  

كمال خلف: هذه الأجوبة يجب أن يكون العالم العربي والدول العربية والعالمية قد وصلت إلى هذه النتائِج، يجب أن نكون وصلنا إلى هذه النتائِج. دكتور "مصباح"، (فرنسا)، عندما نتحدَّث عن السياسة الخارجيّة الجزائِريّة في العالم العربي وفي الجوار المغاربي والساحل الأفريقي لا بدّ من أن نتحدَّث أيضاً عن (فرنسا)

مصباح منّاس:     نعم

كمال خلف: إسمح لي أن أبدأ من بوّابة العلاقة الحاليّة المتوتِّرة للغاية مع (فرنسا) خاصةً ما شهِدناه أثناء فترة الانتخابات، ونحن نتابع الانتخابات التشريعيّة، هجوم غير مسبوق من الإعلام الفرنسي على العمليّة الانتخابيّة. أكثر من هذا، الإعلام الفرنسي يتحدّث عن زيارة سريّة للفريق "شنغريحا" إلى (فرنسا) تنفيها وزارة الدفاع الجزائِريّة في بيان رسمي وتقول: هذا لم يحدُث. هناك عمليّة تشويش وتشويه وهجوم على (الجزائِر) في فترة الانتخابات غير مفهومة. كيف يُمكن تقييم العلاقة وما هي هذه الأسباب التي تدفع (فرنسا) إلى كل هذه الإشارات السلبيّة التي تُرسلها (باريس) تجاه (الجزائِر)؟ 

مصباح منّاس:     نعم، هذا سؤال جيّد أُستاذ. التأسيس للمرحلة الجديدة، أكيد أنّ (فرنسا) للأسف الشديد كما قال حتى رئيس الجمهوريّة، أنّ هناك اندساساً يُسمّى بالحراك هنا لأيادٍ تعمل وفقاً لأجندات طبعاً خارجيّة. هذه المرحلة التي نؤسّس لها نحن الآن أكيد أنّها لا تُرضي الكثير من الأطراف. عندما نجِد أنّ وسيلة إعلاميّة من دون أن نُسمّي الأمور تدخُل في هكذا لعبة لمُحاولة ضرب الاستقرار والتدخُّل في الشؤون الداخليّة بالنسبة إلـى (الجزائِر)، هذا تجاوز طبعاً للخطوط الحمراء وكان ردّ فعل السُلطات الجزائِريّة كما تعلم. هذا ينعكِس على هذه العلاقة 

كمال خلف: سحَبَت اعتماد إحدى القنوات الحكومية الفرنسيّة 

مصباح منّاس: نعم. الحكومة الفرنسيّة، يجب عليهم أن يعرِفوا جيداً لأنّ التوجُّه الذي بدأت فيه (الجزائِر)، هذا التوجّه لن يتوقّف، وبالتالي نحن لسنا ضدّ بناء علاقات جيِّدة مع (فرنسا)، حتى رئيس الجمهوريّة تكلّم في أكثر من مناسبة بأنّ العلاقات في الكثير من المراحل هي علاقات جيِّدة. لكن هناك جناحان أو ثلاثة أجنحة في الإدارة الفرنسيّة، هناك جناح استعماري ما زال لديه فكر استعماري ويعتبر أنّ (الجزائِر) ما زالت أو هو يحلم بـ (الجزائِر) المستعمرة، هذا أمر انتهى. على (فرنسا) إذا أرادت، أنا أقول، إذا أرادت أن تُبقي على مصالِحها الثابتة والاستراتيجية في (الجزائِر) عليها أن تُعدِّل من نظرتها

كمال خلف: دكتور، مستقبل العلاقة مع (فرنسا) في ضوء هذا التوتُّر الحاصل الآن بينها وبين (الجزائِر)

مصباح منّاس: أنا أرى أنّ (فرنسا) في نهاية المطاف ربما ستذهب إلى التعقُّل بمعنى مختلف. في ظلّ أنّ الآن هناك بدائل كثيرة، تكلّمنا عن العملاق الصيني، تكلّمنا على (ألمانيا)، هناك الكثير من الشُركاء وليس لدى (فرنسا) إلا خيار واحد هو الدخول في تصوُّر لبناء علاقات نديّة وشراكات مع (الجزائِر). (الجزائِر) التي يريدونها أن تبقى فقط سوقاً وحيدة للبضائِع أو للشركات الفرنسيّة، هذا الأمر يجب أن ينتهي

كمال خلف: هنا دكتور، الفرنسيون بدأوا يشعرون بأنهم يخسرون (الجزائِر) لصالِح شُركاء آخرين؟ 

مصباح منّاس:     نعم، أكيد. هذا أكيد، بل في القارّة الأفريقية أنا أتوقّع شخصياً أنّ (فرنسا) ستفقِد الكثير من نفوذها في القارّة الأفريقية، لماذا؟ لأنّ ليس لديها القُدرات الاقتصاديّة والعسكريّة التي تمتلكها (الصين) و(الولايات المتحدة الأميركية). أعطيك أرقاماً فقط، الآن هناك منتدى (الصين – أفريقيا) منذ سنوات، هناك مُنتدى "أميركا - أفريقيا" منذ عهد أوباما، هناك مُنتدى الآن "روسيا – أفريقيا"، و(فرنسا) أيضاً بَنَت منتدى جديداً، لماذا؟ لمُحاولة مُجاراة أنّ النفوذ التاريخي بدأ يتآكل، وعلى (فرنسا) أن تُعدِّل من سياستها. في السابق كانت (فرنسا) تُسمّي الأفارِقة بمثابة أرقام تابعة والآن تقول شركاؤنا الأفارِقة. هناك تعديل في الخطاب السياسي، وبالتالي (فرنسا) أنا أتوقّع أنّها ستخسر الكثير من النفوذ لصالِح (الصين) و(الولايات المتحدة الأميركية) 

كمال خلف: دعني آخذ تعليقاً سريعاً من سيادة اللواء حول موضوع (فرنسا) قبل أن نختم الحلقة

عبد العزيز مجاهِد: يجب أن تُردَع (فرنسا). هذه القوى الفرنسيّة الاستعماريّة يجب ردعها، من اللازم التصدّي لها بكلّ قوّة وكشفها وكشف دورها 

كمال خلف: أشكرك سيادة اللواء "عبد العزيز مجاهِد" رئيس مركز الدراسات الأمنيّة والاستراتيجيّة، دكتور "مصباح منّاس" أُستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة (الجزائر) شكراً جزيلاً لك. مُشاهدينا، "لعبة الأُمم" انتهت، أشكُر فريق عمل "الميادين" المتواجِد هنا، زميلنا "علي دُغمان" وأيضاً زملاؤنا في مكتب (الجزائِر)، من (بيروت) "زاهر أبو حمدة" و"بترا أبي نادر" وإلى اللقاء 

 

 

تونس إلى أين؟

الفصل الثمانون من الدستور التونِسيّ، هو المفتاح والمعضلة في الوقت نفسه، اليها استند الرئيس قيس سعيّد في قراراتِه وعليها يختلف المعارضون في تأويلِها، فرئيس البرلمانِ وزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي عدَّ إجراءات سعيّد انقلابية على الدستور والديمقراطية، أما الرئيس سعيّد، فيدافع عن قراراته ويعدُّها إنقاذيةً وغير انقلابية، محذّراً منَ استخدامِ الرصاص والعنف، ويؤكّدُ أنَّ هناك لصوصاً يحتمُونَ بِالنصوص، ووسط كلّ ما يَجري في البلادِ بين مؤيِّد ومعارض، السؤال الأهمّ هو: تونِس الى أين؟ تونس البلد الناجي ممَّا عرفَ بحريق الربيعِ العربيّ، الذي انتهج خارطة طريق ديمقراطيةٍ وحوارٍ وطنيٍّ تكللَت بجائزة نوبل للسلام، يقف حالياً أمام ما يسمّيه البعض قرارات ثورية، وآخرون يسمُّونَه ثورة مضادة، هل ما زال هناك إمكانية للحوار بين الفرقاء؟ أمْ أنّ الانقسام كبير وسيؤثر في المَنطقةِ برمّتها؟ وهنا نسأل عن البعد الإقليميِّ والدَوليِّ لما يجري؟

المزيد