الشباب الفلسطيني ودورهم

فلسطين الأرض والإنسان والهويّة... والنضال المتراكم لنيل الحقوق رغم ضغوط الأسرلة منذ النكبة حتّى الساعة، والشباب ودورهم في الدفاع عن الأرض والهوية.

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، ما حدث في فلسطين عموماً وفي أراضي عام 1948 خصوصاً من انتفاضةٍ شعبيةٍ يدفع المرء إلى التفكّر عميقاً في البنيان الإنساني الفلسطيني، هذا الشعب الذي لم تستطع كل محاولات الأسْرلة منذ 73 عاماً طًمْس وجدانه، ولم يستطع القمع والتزييف والضغط أن يطمر عُمق انتمائه، ولم تستطع أوسلو سوى اختراق قشرةٍ رقيقةٍ تتساقط كلّما طال الوجود الفلسطيني قمعٌ وعسف. ما حصل والتفكّر فيه يدفعنا نحو محاورة مَن تمسّك بالأرض داخل الخط الأخضر، والمحامي محمد ميعاري واحدٌ من أوائل الذين تنكّبوا مسألة إبقاء جذوة الهوية حارّة منذ أن تهجّر طفلاً عام النكبة والتحاقاً بحركة الشباب العربي في يفاعته وإسهامه في تأسيس حركة الأرض قبل النكسة بعامين وصولاً إلى يوم الأرض وحتى عمله في الكنيست إلى لجنة المتابعة العربية والحركة التقدّمية وصولاً إلى حركة "كفاح" وحتى الساعة. حوارٌ معه عن 60 عاماً نستهلّها بتقريرٍ عن حركة الأرض.

تقرير: 

أنشأ عددٌ من الفلسطينيين عام 1958 الجبهة العربية التي سُمّيت في ما بعد الجبهة الشعبية الديمقراطية في المناطق التي احتلّتها إسرائيل عام 1948.

وعقد عددٌ منهم كمنصور كردوش وحبيب قهوجي ومحمد ميعاري في نيسان عام 1959 الاجتماع التأسيسي لحركة الأرض للدلالة على تعلُّق الفلسطينيين بأرضهم، وصدر عن الاجتماع بيانٌ يطالب إسرائيل بالاعتراف بأن الحركة القومية العربية هي الحركة الحاسمة، وبأن تقطع إسرائيل صلاتها مع الحركة الصهيونية، وطالبوا بعودة اللاجئين.   

رفض الاحتلال منح الحركة تصريحاً لإصدار جريدةٍ فأصدرت نشراتٍ تحت أسماء مختلفة، فاعتبرت السلطات الإسرائيلية أن الأرض تشكّل خطراً على أمن الدولة وأغلقت الجريدة وصادرت أعدادها بعد صدور 13 عدداً منها. 

أعدّت الحركة عام 1964 مذكّرةً عن أوضاع العرب والمظالم التي يتعرّضون لها، وأرسلت نسخاً منها إلى الأمين العام للأمم المتحدة والصحف العالمية وشخصياتٍ دولية، وحاولت تسجيل نفسها كحزبٍ سياسي وقيام حركة الأرض بأهدافها التي تنصّ على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وأنشأت 15 نادياً ثقافياً في القرى الفلسطينية.

رفض الاحتلال السماح لحركة الأرض بالتسجيل كحزبٍ سياسي واعتقل قياديّيها وأصدر قراراً بحلّها واعتبارها خارجةً على القانون.

وعشيّة حرب 1967 أعاد الاحتلال اعتقال قادتها وبعض أعضائها وطرد آخرين.

أما يوم الأرض فهو انتفاضةٌ وطنيةٌ فلسطينية انفجرت في الثلاثين من آذار عام 1976 في أراضي ال 48 بكاملها احتجاجاً على التعسّف الصهيوني ومصادرة الأراضي وسياسة التمييز العنصري، وبات يوماً وطنياً وإضافةً نوعيّةً للنضال الفلسطيني.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أستاذ محمد نحيّيك سيّدي، هل نبدأ معك بذكرياتك، ذلك الطفل الذي تهجّر عام 1948. 

محمد ميعاري: أولاً تحيّةً لكم وللإخوة في الميادين وما يقومون به خدمةً للقضايا المُلحّة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولك شخصياً أستاذ غسان، نحن نتابع برنامجك الثقافي التاريخي الذي له قيمة أدبية وتاريخية ووطنية أيضاً.

غسان الشامي: أهلاً بك. 

محمد ميعاري: في الحقيقة كما تفضّلتَ أنا تهجّرت من قرية البروة مع أن إسمي محمد ميعاري والكثيرون يقولون إني من ميعار، هذا صحيح لكنه ليس كاملاً. أنا أصولي من ميعار وكما هو معروف أن الفلاحين كانوا ينتقلون من قريةٍ إلى قرية، ومَن يرد إلى قريةٍ من قريةٍ أخرى يأخذ اللقب الأساسي، ميعاري يأتي إلى البروة يصير إسمه ميعارياً، وواحد من كفر ياسيف يذهب إلى عكا يصبح عكاوياً وهكذا. أنا بلا شك لغاية الآن وعلى مدى حياتي وقد اقتربتُ من سنّ الثمانين مسكونٌ في هذه اللحظة، لحظة النكبة، لا مجال لأستعرض كل الأحداث، بالمناسبة والدي كان وطنياً وشارك في ثورة 1936 وكان المُنسّق العام بين القيادة التي كانت في قرية كوكب أبو الهيجاء الجبلية والفصائل في المنطقة، كما أنه شارك في حرب 1948 مع المُجنّدين ومع جيش الإنقاذ وهكذا، ولكن مع كل ذلك ما جرى لنا في التهجير وتفاصيله هو الذي كوَّن وبلور حياتي ونظرتي للحياة وارتباطي بالقضية الفلسطينية كقضيّتي الشخصية وقضيّة عائلتي ثم قضيّة شعبي بشكل عام، كما ذكرت أنها تسكنني كلياً. أنا مُهجّر، انتقلنا من قريةٍ إلى قرية، عشنا فتراتٍ طويلة تحت أشجار الزيتون والخروب في عدّة قرى، خرجنا من البروة إلى ميعار، وعندما احتُلّت ميعار انتقلنا إلى البقيعة، وعندما احتُلّت البقيعة انتقلنا إلى دير حنا، كل هذا حصل خلال ثلاثة أشهر تحت أشجار الزيتون مع عائلتي ومن دون أن يكون والدي معنا، كنا ننتقل مع عمي الكبير المسؤول عن كل العائلة حيث كنا حوالى 15 فرداً من عائلتي وعائلة أعمامي الإثنين وأولادهم وزوجاتهم، والدي كما ذكرتُ كان مع المدافعين والثوّار والتقينا به بعد مدة طويلة. أنا كنت في تلك الفترة طفلاً فتح عينيه على هذا الواقع ولا زال أثر ذلك عميقاً جداً في نفسي ولكن لحُسن الحظ أنه تحوّل من شيءٍ سلبي إلى أمرٍ إيجابي هو التحدّي من ناحيةٍ ومحاولة إصلاح هذه الحال والتخلّص منها وبناء حاضر ومستقبل أفضل لي ولعائلتي ولشعبي بقدر الإمكان.

غسان الشامي: أستاذ محمد في الخمسينات كنتَ من أوائل الطلبة الذين درسوا المحاماة في الجامعة، أولاً كيف كانت هموم الطلبة الفلسطينيين؟ هل كان عددهم كبيراً؟

محمد ميعاري: في تلك الفترة من 1948 إلى 1958 كانت الأوضاع كما هو معروف، عدد الفلسطينيين الذين بقوا في الأرض الفلسطينية كان حوالى 156 ألفاً معظمهم من القرى، ولأن الطبقة المدنية في المدن كانت قد هاجرت لم يبقَ من مدن فلسطين في 1948 سوى مدينة الناصرة، عكا وحيفا كانتا تضمّان أقلّيات من بقايا السكان الأصليين الذين تعرّضوا للطرد والتهجير. لذلك فإن عدد المُثقفين ضمن هذه الفئة الصغيرة من بقايا الشعب الفلسطيني كان قليلاً جداً ومعظمهم كان من الفلاحين الذين يعملون في الزراعة إلى آخره، وهذا أثّر على الوضع الداخلي لكن مع السنوات بدأت تظهر بعض المدارس، المدارس الإبتدائية الضعيفة كانت موجودة، مثلاً في كل الجليل لم يكن هناك سوى ثانوية واحدة في كفر ياسيف، وأنا استطعت بقدرة قادر أن ألتحق بها رغم أنني كنت مُهجّراً في قرية المكر التي تبعد 8 كيلومترات عن كفر ياسيف، وكان عليّ أن أذهب إلى المدرسة كل يوم صباحاً سيراً على الأقدام في طريقٍ ترابي ذهاباً وإياباً من الصف الرابع لأنه لم يكن في المكر مدرسة أصلاً حتى أنهيت الصف الثاني عشر. حراكي وبدء استيعابي لما يحدث في ما يخصّ القضية الفلسطينية بدأ في مدرسة كفر ياسيف وخاصة بعد حرب 1956 حيث كنت حينها في الصف العاشر أو أوائل الحادي عشر، وهناك حدث الزلزال بالنسبة لنا عند الاعتداء على مصر وعبد الناصر وتعرّفنا على ما يجري. الحراك الوطني الأوّل لي الذي أستطيع أن أتحدّث عنه كان في المدرسة الثانوية في كفر ياسيف، وكانت معي مجموعة استمرّت حتى الجامعة. حينما وصلتُ إلى الجامعة أخي العزيز فإن عدد الطلاب العرب في الجامعة في القدس وكان إسمها الجامعة العبرية كان 56 طالباً، اليوم ربّما هناك مئة ألف طالبٍ فلسطيني، هذه كانت نواة للطلاب وفي السنة الأولى لي في الجامعة أقمنا لجنة الطلاب العرب، أنا لم أُنتخَب حينها لأنني كنت في السنة الأولى، بعض الزملاء الشباب الذين كانوا قبلي وأذكر منهم للتاريخ الدكتور أنيس كردوش، إلياس معمّر وآخرون أقمنا لجنة الطلاب العرب في الجامعة وكان لها نشاط على المستوى الطلابي وعلى مستوى التعليم ثم على مستوى العمل الوطني. المُفارقة أن حركة الأرض أُقيمت سنة 1959 عندما أقيمت حركة فتح في الكويت من دون أن يكون هناك أيّ اتصال بين العملين، وكان فرع حركة الأرض الأكبر هو فرع الطلاب العرب في الجامعة العبرية واللجنة التي كنا في خدمتها، أنا انتُخبت في السنة التالية كعضو في هذه اللجنة وأدرتُ أنا وزملائي المعروف منهم صبري جريس والدكتور حسن أمّون، استلمنا اللجنة على مدى أربع سنوات، أنا درستُ القانون في الجامعة أربع سنوات وحصلت على درجة الماجستير.

غسان الشامي: إسمح لي أن أذهب إلى حركة الأرض، أنت تقول إن الانطلاقة منذ العام 1959 ولكن تأريخياً ما عُرف عنها بشكلها الكبير سنة 1965، ماذا حصل في هذه السنوات؟  

محمد ميعاري: سأحاول أن أختصر، في العام 1958 أقام فلسطينيّو الداخل حركة الجبهة الشعبية التي أسميناها اللجنة القومية، ولكن بناءً على القانون التركي الذي استعملته السلطة الإسرائيلية منعت إقامة التنظيمات القومية رغم أن كل ما قام في "إسرائيل" والحركة الصهيونية كان على أساس الانتماء اليهودي الذي هو دين وليس قومية كما هو معروف. مع كل ذلك هذا كان بناءً على أحداث جرت في الناصرة في العام 1958، ومع الأخوة الرفاق في الحزب الشيوعي والحركات الوطنية التي بدأت تتبلور في حينه أقمنا الجبهة الشعبية وبدأنا نشاطنا، ولكن قامت الثورة في العراق في تموز وحدث الانشقاق في الحركة الوطنية والصدام بين عبد الناصر والحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم، الرفاق في الحزب الشيوعي انضمّوا إلى عبد الكريم قاسم والعراق، ومن داخل هذه الحركة انفصلت عنها حركة قومية تقديراً للحركة الناصرية والرئيس جمال عبد الناصر. حركة الأرض هي الفرع الناصري داخل الجبهة الشعبية التي أقيمت في حينه وأخذت تمارس نشاطها وأصدرت جريدة، وبدأت هنا الملاحقة ولا داعي للتفصيل، تقدّمنا بطلب لإصدار صحيفة ورُفض، ثم تقدّمنا بطلب لتسجيل الجمعية كحزب ورُفض، طالبنا المشاركة في الانتخابات كقائمة فُرفضت، وهذه كانت مرافَقة في تقديم دعاوى إلى محكمة العدل العليا، وقد قال أحد المُعلّقين القانونيين إن حركة الأرض أثرت القوانين والمحاكم في "إسرائيل" من ناحية القانون الدستوري والإداري بحوالى أربعة أو خمس قرارات حيث نجحنا بتسجيل شركة تجارية إسمها شركة الأرض وبدأنا نمارس العمل السياسي بإسمها. مع كل ذلك ما جرى في العام 1965 كما تفضّلتَ أنه حين أُعلنت في شهر 12 من العام 1964 بعد نضال طويل وبعد أن استطاعت حركة الأرض أن ترسل مذكّرة إلى  الأمم المتحدة عن أوضاع فلسطينيي ال 48 في الداخل ونالت شهرةً كبيرة، هذه المذكّرة التي صغناها أعدّها المرحوم صالح برانسي وهو شخصية مشهورة في حركة الأرض، والمرحوم الأستاذ منصور كردوش من الناصرة، حبيب قهوجي، إلياس معمّر وآخرون. 

غسان الشامي: أنت تتكلّم عن أسماء تاريخية ولكن دعني أسألك بعد 1965 كيف كان قرار الذهاب إلى الكفاح المُسلّح؟ 

محمد ميعاري: في العام 1965 طالبنا المشاركة في الكنيست بعدما تمّ إعلان كل المشاريع التي اقترحناها خارج القانون ورغم ذلك مُنعنا من هذه العملية، فلذلك أصبحت حركة الأرض حركة غير قانونية ومُنِعت من ممارسة أي نشاط، نحن استمرينا بلا شك كلٌّ من موقعه كأفراد وعلاقات شخصية وليست تنظيمية. في فترة النكبة عام 1967 كانت حركة فتح قد أقيمت في أوائل 1965، أريد أن أقول أمراً تاريخياً هنا لو تسمح لي أخي العزيز. 

غسان الشامي: تفضّل، حديثنا معك تاريخي. 

محمد ميعاري: أريد أن أطمئنكم أنني سجّلت كل هذه العملية وهي موجودة لديّ من خلال مؤسّسة الدراسات الفلسطينية ولكن هذه مناسبة لكي نتحدّث باختصار. تقييمي أن بداية العمل المسلّح والمبادرة كانت من حركة فتح وأوّل فدائي وصل إلى فلسطين في أوائل سنة1965، أريد أن أقول إن العمل الفدائي بدأ قبل ذلك بأشهر عندما زار شخص إسمه خالد أبو عيشة الذي كان في قرية المكر وهو صديقي الشخصي، بعد حرب 1956 بدأت ظاهرة خروج شباب ال 48 إلى لبنان وقرّرت أنا وخالد الذهاب إلى لبنان وكنّا حينها في الخامسة عشر أو السادسة عشر من العمر، كنت لا أزال حينها في المدرسة الثانوية، خالد خرج في حين لم أخرج أنا، وهناك انضمّ إلى حركة القوميين العرب وحركة الثأر، وفي شهر 11 من العام 1964 أتى لزيارة المكر حيث كان له إبن عم إسمه محمد عبد الرحمن وهو من قادة حركة الأرض التي كنا فيها، أتى مع مسلّحٍ آخر لاستكشاف ما يمكن القيام به في هذه العملية. إبن عمّه كان ذكياً جداً وأتى لكي يلتقي بي كصديق طفولة ولكن إبن عمّه منعه أن يلتقي بي لأن هذا سيسبّب خطراً كبيراً عليّ، وعندما غادر خالد أبو عيشة تصادم مع دورية إسرائيلية واستشهد وجُرح مرافقه. توصّلوا إلى أن محمد عبد الرحمن استقبل إبن عمّه وحوكِم وكنت أنا محاميه، وخالد أبو عيشة أتى لكي يطّلع على الأوضاع وكيفية إقامة عمل مسلّح، وإذا قرأنا للدكتور حبش يقول عنه:" كان عندي كفرد من عائلتي" لأنه انضمّ إلى حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية، لقد مدح به كشخص فلسطيني وتدرّب على السلاح.

غسان الشامي: إسمح لي أن نذهب إلى فاصل أستاذ ميعاري، سنتابع ولكن بعد الفاصل، أعزائي انتظرونا إذا أحببتم، لقاؤنا هو مع المحامي أستاذ محمد ميعاري أحد مؤسّسي حركة الأرض في فلسطين. 

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ محمد ميعاري بين حركة الأرض ويوم الأرض هل نضج بوضوحٍ مفهوم الهوية لديكم؟ 

محمد ميعاري: ممّا لا شك فيه أن يوم الأرض كان أحد المعالم التاريخية والنضالية التي نقلت فلسطينيي ال 48 من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ أخرى إنْ كان من المفهوم للذات من ناحية وإنْ كان الارتباط بالقضية الفلسطينية. أسمح لنفسي بالقول إنه حتى يوم الأرض تقريباً علاوةً على أن حركة الأرض هي التي طرحت القضية القومية والفلسطينية والأبعاد وعودة اللاجئين بما كان يتناقض مع ما يجري من أمورٍ سياسية داخل هذا المجتمع الفلسطيني الضيّق من ناحية، والذي هو على مرحلة ليست من التطوّر المطلوب. كان يقود العمل تيّاران، تيّار السلطة والمخاتير ومن الناحية الأخرى الرفاق في الحزب الشيوعي المعروف أن نضالهم كان نضالاً مدنياً في الداخل، الحق المدني، ضدّ نظام التصاريح الذي كان قائماً، والرغبة في الدخول إلى الهستدروت، هذا هو النضال الذي كان قائماً في تلك الفترة. كما ذكرتُ أن حركة الأرض فجّرت نضالاً آخر على المستوى القومي والفلسطيني والعروبي أيضاً. بكل تواضع كان لي دورٌ كبير جداً في يوم الأرض، كانت المصادرات قد أخذت فعلها في الفترة السابقة ولكن في العام 1976 بدأوا يصادرون المزيد من الأراضي في الجليل، ولذلك كانت هناك ردّة فعل، وبالفعل هم أعلنوا في الجريدة الرسمية عن مصادرة 22 ألف دونم من منطقة الجليل منها حوالى سبعة أو ثمانية آلاف تابعة لقرى عربية مُحدّدة ومعروفة، وبدأ النضال ضدّ هذا الأمر ولذلك أقيمت لجنة الدفاع عن الأراضي التي عقدت أوّل مؤتمرٍ لها في 18-10-1975، كان مؤتمراً كبيراً في الناصرة شارك فيه حوالى 3000 شخص، كان هناك تنظيم لهذا المؤتمر وكانت هناك لجان قومية محلية.   

غسان الشامي: أستاذ ميعاري أريد أن أنطلق من كلامك، من الواضح أن المسألة الفلسطينية لم تربطوها فقط بما يحدث داخل فلسطين، ما حدث مع عبد الناصر ومع عبد الكريم قاسم وما كان يحدث في سوريا النموذج العروبي كان مؤثّراً عليكم كجيلٍ يريد البحث عن هوية، سؤالي الأساسي هنا كيف تجاوزتم عامل الأسْرلة؟ 

محمد ميعاري: أنا لا أدّعي أن كل فلسطينيي ال 48 انخرطوا في هذا الفكر وفي هذا التيار، أنا مضطر للقول إنه كانت هناك نخبة من بعض المُثقفين والوطنيين وبدافع الشيء الطبيعي والانتماء القومي والوطني. القصة كانت كالآتي، هذه بلادنا، أنا مثلاً من قرية البروة كما ذكرت، هي قرية مُهجّرة وكان يُمنع الوصول إليها حيث تمّ تحديد المناطق العسكرية بالأرقام، منطقة 9 ومنطقة 10 إلى آخره، كل قرية مُهجّرة تمّ إعلانها منطقة عسكرية مُغلقة داخل المنطقة الكبرى المُغلقة حتى لا يستطيع اللاجئون الذين هُجّروا منها من دخولها مع أن أهالي البروة لم يخضعوا لمثل هذا الأمر، وفي مواسم التين والصّبر والزيتون كان اللاجئون من قرية البروة في القرى المجاورة، مجد الكروم والمكر وكفر ياسيف يندفعون ويذهبون إلى هذه القرى، هذه المجموعة شعرت أنها موجودة في المكان الطبيعي ولكن ما يجري لها هو أمر غير طبيعي. هناك أناس خضعوا لهذا الوضع وكانت الأوضاع المعيشية صعبة ولكن كانت هناك الطليعة التي كانت ترى أن هذا الوضع غير طبيعي وتعمل بقدر الإمكان على محاولة الخروج من هذه البوتقة، والتأثير على الآخرين كي يكونوا في الخارج وتكون لهم الهوية والانتماء الذي هو أحد مركبات الشخصية في هذه المرحلة.

غسان الشامي: أنت دخلت إلى الكنيست على دورتين من 1984 إلى 1992 على ما أعتقد، أولاً ماذا قدّمتَ؟ ثانياً أليس هذا مُخالفاً لطبيعة حركة الأرض ويوم الأرض؟

محمد ميعاري: بعد 1982 وما حصل لمنظمة التحرير الفلسطينية ووصولها إلى تونس، أولاً في تلك الفترة كنتُ أنا وزملائي على علاقة مع الإخوة الفلسطينيين، هناك سرٌّ أريد أن أصرّح به، حركة الأرض كان لها علاقة مع حبيب قهوجي ونايفة اللذين تقدّما بمحاكمة وطُردا منها لأنه كانت لهما علاقة مع الإخوة الفلسطينيين في غزّة عن طريق صيّادي السمك من يافا، ولا مجال هنا لذِكر كل ذلك. في تلك الفترة كنتُ على علاقة مع الإخوة في الضفة الغربية، وكنتُ المحامي لبسام الشكعة، وكريم خلف وفهد القواسمي وكل هؤلاء الإخوة والمُعتقلين، عدد المحامين حينها كان قليلاً جداً ولذلك كان مجال عملنا من هضبة الجولان إلى النقب وغزة إن كان على مستوى الاتصالات أو على مستوى الدفاع. في العام 1982 وما قبله وما بعده تبيّن أن العمل الفلسطيني بعد الوصول إلى تونس وخروج المنظمة من لبنان أنه يجب أن يكون هناك عمل داخل فلسطين إن كان في مناطق الضفة الغربية وفي أراضي 48، وكنا على علاقة مع المرحوم أبو جهاد عن طريق رئيس بلدية الخليل المرحوم فهد القواسمي وهو الذي اقترح إنشاء تنظيم.

غسان الشامي: بصراحة أستاذ ميعاريهل دخلتم إلى الكنيست بتنسيق مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أبو جهاد وأبو عمار؟وهل أنت نادم على الدخول على الكنيست؟ 

محمد ميعاري: ليس بتنسيق فقط وإنما بطلب مباشر لسببين، السبب الأول أنهم كانوا يريدون ذلك وأنا كنتُ حينها قريباً جداً تنظيمياً من فتح مع أننا في حركة الأرض كنا أقرب إلى حركة القوميين العرب وفي ما بعد إلى حركة الجبهة الشعبية، مع كل ذلك هذا الطلب كان لسببين، الأول أن تكون لهم ركائز في الداخل، وثانياً أنهم كانوا غير راضين عن التوجّهات التي يتوجّه بها الحزب الشيوعي في إدارة العمل الفلسطيني، كل قضية أوسلو نمت بمساعدة الإخوة الرفاق في الحزب الشيوعي الإسرائيلي. مَن بدأ وتابع موضوع أوسلو كانوا شخصان هما سعادة رئيسنا اليوم أبو مازن إياه وشخص من الحزب الشيوعي هما مَن تبنّيا قضية أوسلو وبدآ بها، الحزب الشيوعي الإسرائيلي إن كان في الضفة الغربية الذي سُمّي في ما بعد بحزب الشعب، فكانت هناك ضرورة لوجود معارضة كانت هي الأقوى على الساحة ومنظّمة سياسياً مع ميزانيات ومرضي عنهم، بينما إذا أراد أحدنا الذهاب من حيفا إلى الناصرة فلا بدّ من الاستحصال على تصريح. بعد إنهاء الحكم العسكري سنة 1966 فإن ألفي شخص محسوبين على الحركة الوطنية القومية كانوا تحت الإقامة الجبرية وأنا من ضمنهم طيلة 13 عاماً متواصلة.

غسان الشامي: كي أبقى في الموضوع أستاذ ميعاري. 

محمد ميعاري: أنا كُلّفت أن أكون في الحركة الوطنية الفلسطينية، وإذا رجعتَ إلى اليوم السابع هناك مجلة صدرت في باريس في تلك الفترة وأجرت مقابلة معي، والمراسل الذي أجرى هذه المقابلة استغرب من بكائي، قلتُ له أنا مُكلّف في حركة فدائية سأقوم بها، إذا نجحت فهذا جيّد وإذا استشهدت فإنني أنضمّ إلى مجموع الشهداء الفلسطينيين. 

غسان الشامي: أتمنّى عليك أن تجيبني بكلمةٍ واحدة، هل أنت نادم على دخول الكنيست؟   

محمد ميعاري: أنا أريد أن ألغي هذه الفترة من حياتي، أيّما شخص يسألني عن تلك الفترة أقول له إنهاغير قائمة بالنسبة لي، لا أقول إنني خُدِعت وإنما في نهاية الأمر أنا قمتُ في تلك الفترة بدورٍ في الانتفاضة سيذكره التاريخ، إذا سُئل مروان البرغوثي عمّا قامت به الحركة الوطنية والحركة التقدمية ومحمد ميعاري في الكنيست للانتفاضة فهذا سيكون جزءاً من التاريخ. 

غسان الشامي: بالطبع أنا لن أستطيع أن أحيط بما قمتَ به خلال خمسين دقيقة، لن أسألك عن حركة كفاح ولا عن اللقاء مع التجمّع الديمقراطي أو عزمي بشارة أو غيرهم، ولكن بقليل قبل أن أنتقل إلى الشأن الحار علاقتك مع أبو مازن قبل أوسلو على ماذا ارتكزت؟ 

محمد ميعاري: عندما استشهد أبو جهاد تمّ تعيين أبو مازن من قِبَل منظمة التحرير مسؤولاً عن الداخل، ولذلك كانت هناك ضرورة لأن ألتقي به وقد تمّ ذلك في شهر تموز من العام 1988 في بلغراد في يوغسلافيا، وكانت الانتفاضة قد هبّت في المناطق المحتلة، وكنتُ في ذلك الحين على علاقة مع قيادة الانتفاضة مثل فيصل الحسيني وآخرين وكل رؤساء السلطات المحلية وما هي مطالب الانتفاضة من منظمة التحرير الفلسطينية، ألتقيتُ أنا وأبو مازن في بلغراد وقلتُ له إنني أحمل طلبات الانتفاضة من منظمة التحرير من أجل التنسيق والدعم، وإذا به يقول لي "بلا انتفاضة بلا بلوط، هذه الانتفاضة أقامتها إسرائيل للفصل بين الداخل الفلسطيني والخارج وضدّ منظمة التحرير الفلسطينية"، هنا أُسقط في يدي وربّما فقدتُ الوعي، قلتُ له الانتفاضة التي أخذت هذا المدى ونقلت القضية الفلسطينية من الموت إلى الحياة على مستوى فلسطين والعالم يقال عنها مثل هذا، وقلتُ له ليس هناك ما أبحثه معك بعد ذلك.

غسان الشامي: إسمح لي أن أقاطعك لأنني أريد أن أنتقل إلى سؤال أخير، ما حدث في عملية سيف القدس وانتفاضة الأهل في فلسطين 48 من شبانٍ وشابات، هذا هو الجيل السادس ينتفض بهذه الصورة، ماذا قدّم لكم شبان وشابات فلسطين؟  

محمد ميعاري: كان لدينا حلم وها هم يحقّقون هذا الحلم الذي راودنا طيلة هذه الفترة، الجيل الأوّل من النكبة كان منهاراً بفعل الوضع الاجتماعي، بدأ نوعٌ من الحراك في ما بعد إلى أن وصلنا إلى هذا الجيل اليوم الذي انحلّت الكثير من مشاكله الاقتصادية، ليس لديه الخوف والرهبة التي عاشتها الأجيال السابقة.

غسان الشامي: هل فاجأكم هذا الجيل؟ 

محمد ميعاري: نحن أعددنا لهذا الجيل وفاجأنا بأنه انفجر فجأةً، نحن اليوم لدينا 1500 مُعتقل، ورغم أنني محامٍ متقاعد لكنني أشارك في قضايا المُعتقلين في المحاكم، وهذا الجيل يأتي مع كل فوج من المعتقلين وينظّم التظاهرات أمام المحكمة ويهتف. قبل أسبوع أو عشرة أيام كنتُ في إحدى المحاكم مع مجموعة معتقلين وقابلتُ هذا الجيل وجهاً لوجه، أتوا بأربعة باصات من أمّ الفحم، وحدث التالي، استلمتُ علم فلسطين وأخذت شابة قوية وسلّمتها العلم وقلتُ لها نحن نسلّم العلم الفلسطيني إلى جيلكم المُنتفض والحمد لله. 

غسان الشامي: أريد أن أشكرك، انتهى الوقت. أعزائي ليست فلسطين في الوجدان الجَمْعي سوى حق في أرضٍ وهوية، وليس الفلسطيني سوى هذا الذي يولَد كل يومٍ ليتابع النضال لانتزاع حقّه وأرضه وهويّته رغم أنف البائعين والمُطبّعين والمُستسلمين والمهزومين في دواخلهم. الشكر العميم للأستاذ محمد ميعاري على حضوره التاريخي وحضوره في أجراس المشرق، الشكر لزملائي في البرنامج والميادين، السلام لفلسطين كل فلسطين، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

 

 

لبنان والطائفية عبر التاريخ

لبنان والطائفية، تاريخاً ومسيرة ونتائج.. كيف ظهرت عبر العصور وتقوننت وباتت نسق دولة وحياة؟ ما هي المشاريع التي طيّفت الدول؟ وما هو تأثير الطائفية على الاجتماع والتربية والتعليم؟

المزيد