تحية للشاعر الراحل امل دنقل

اتم الشاعر أمل دنقل ثلاث وثلاثون عاما على الرحيل وعلى الرغم من ذلك الغياب فهو الشاعر الذي يستعاد اليوم من شباب ثوري ومن أصحاب قضايا وحقوق حول العالم العربي. من هو أمل دنقل وما الذي يميزه كإنسان وشاعر في تحية للشاعر الراحل أمل دنقل.

زاهي وهبي: مساءُ الخير. العودةُ إلى "أمل دنقل" هي عودةٌ إلى الشِعر الخام بكلّ ما فيه من تمرّدٍ ورفضٍ وغضب. عودة إلى المعنى الإنسانيّ العميق للكلمة وللقصيدة التي تعرِف متى وكيف تقول لا، لا للذلّ والخنوع ولا لامتهانِ كرامة الإنسان. في هذا الوقت بالذات، وفيما بلاد العرب تمرّ بأخطر مراحلها، تغدو استعادة "أمل دنقل" أكثر إلحاحاً وراهنية، ليس فقط للتذكير بأهمية القصيدة الثائرة المتمرّدة بل أيضاً للتأكيد على أهمية الكلمة المُبدِعة في رفع منسوب الوعي وفي إضاءة بصيصٍ في مواجهةِ قوى الظلم والظلام. يُسعِدنا في "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب، أن نُضيء على تجربة الشاعر الغائِب الحاضر "أمل دنقل" بصحبة ضيفينا، رفيقة دربه الكاتبة السيّدة "عبلة الرويني" وصديقه الناقد والكاتب والشاعر الدكتور "محمّد بدوي". السؤال الأول سيّدتي، ما الذي أحببته في "أمل دنقل"؟ ما الذي جمعكما معاً وأنتما إلى حدٍّ ما من عالمين مُختلفين أو من طلقتين مختلفتين إذا جاز التعبير؟

عبلة الرويني: ربما فعلاً نكون مختلفين شكلاً أو من عالمين مختلفين، لكن "أمل" كان يمتلِك ما هو أقوى من الاختلاف وهو حقيقتيه. هو شخصٌ مُختلِف واستثنائي ويُمكنك أن تُدرِك أنّه شخص حقيقي تماماً بحيث أنّ أيّ اختلاف يتوارى أمام هذه الحقيقة. من اللقاء الأول بالنسبة لي بدا مختلفاً وبدا شخصاً لافتاً ويُثير الإعجاب، وكان التعارف أصلاً من خلال حوار صحافي ثمّ أصبحنا أصدقاء وبدأت تتكشّف ملامِح كثيرة وقِيَم كثيرة في هذا الشخص، وبدأت تكبر المشاعِر أو تنمو المشاعِر. الغريب أنني أنا التي بادرت بإعلان

زاهي وهبي: الإعجاب

عبلة الرويني: الحب وليس الإعجاب، وهو هذا المُتمرِّد الجريء. كان شخصاً جريئاً وجسوراً، وكانت لحظة من لحظات الخجل بالنسبة إليه

زاهي وهبي: هلّ من السهل ترويض شاعِر كـ "أمل دنقل" وإيقاعه في، لا أريد أن أقول فخّاً وأضع هذه الكلمة بين مزدوجين طبعاً، هو إنسان وله مشاعر إلى آخره. لكن إقناعه وإدخاله في المؤسّسة الزوجية

عبلة الرويني: أنا أعتمد على كلمة ترويض لأن الحب ليس ترويضاً ولا الزواج ترويضاً وأعتمد أيضاً على المؤسّسة الزوجية في ما يتعلّق بتجربتي معه لأنها لم تكن مؤسّسة زوجية بقدر ما كانت علاقة صداقة كسرت الشكل التقليدي للمؤسّسة الزوجية، فبالتالي لم يكن ترويضاً إنما كان اختياراً حرّاً وممارسة طبيعية لمشاعره، وهذا من وجهة نظري. ومع ذلك في إحدى المرّات حصل أننا كنّا في سهرة وحصلت مُشادّة بينه وبين أحد الضيوف الذين كانوا في تلك السهرة، وللمرّة الأولى "أمل" يصمُت. عندما عدنا إلى المنزِل بعد هذه السهرة لامَني في أنه بسبب زواجنا دخل في دائرة اجتماعية جعلته مقيّداً، بمعنى آخر أن أصبح هذا الإنسان المُروّض

زاهي وهبي: هذا الذي قصدتَهُ للحقيقة. اسمحي لي أن أسأل الدكتور "محمّد بدوي" الذي قدّم دراسة عميقة عن تجربة الشاعر "أمل دنقل"، وهو أُستاذ الأدب العربي الحديث في جامعة "القاهرة" ورئيس تحرير مجلّة "فصول"، وهو أيضاً شاعرٌ يأتي من حساسّية وذائِقة ربما مُختلِفة عن حساسّية وذائِقة "أمل دنقل". ما أبرز ما يُميِّز "أمل دنقل" كشاعِر؟ وكيف نقرأه بعد هذه السنوات الطويلة على رحيله؟

د. محمّد بدوي: مساء الخير أولاً

زاهي وهبي: مساء النور

د. محمّد بدوي: "أمل دنقل" من الشُعراء الذين تُعادُ قراءتهم مرّة بعد مرّة

زاهي وهبي: لماذا؟

د. محمّد بدوي: لأنّ الموهبة والإخلاص للشِعر تجاوزا أو وصلا إلى الحدود القصوى في هذا المجال. "أمل دنقل" شاعِر قٌرِأ من مُعاصريه ثمّ قُرِأ من التالين لهم، وكلّما مرّت الأيام وظننّا أنّ شِعره قد بدأ يفقِد طاقته الإشعاعية تجدّد هذا الشعر مرّة أُخرى

زاهي وهبي: هلّ اختلفت رؤيتك وعلاقتك بقصيدة "أمل دنقل" مع الأيام؟

د. محمّد بدوي: ليس اختلافاً جوهرياً. "أمل دنقل" كان بالنسبة لي ما يشبه الأخ الكبير أو الأُستاذ، إنساناً وشاعراً. كنتُ أعترض أحياناً على بعض جماليات قصيدته التي كنتُ أراها تقليدية. حدث بعد ذلك أنني تحوّلتُ إلى قصيدة النثر وكنتُ من أوائِل الذين كتبوها في "مصر" وكتبوا عنها، وظلّ "أمل دنقل" يشُدّ انتباهي. ومن الغريب أنّ مُعظم شُعراء قصيدة النثر المصريين، المختلفين مع جماليات القصيدة الموزونة أي قصيد التفعيلة ما زالوا يقرأون "أمل دنقل"

زاهي وهبي: دكتور، سنتوسّع في بعض ما أشرتَ إليه ولكن اسمح لنا أن نُتابِع هذا التقرير عن "أمل دنقل" بعنوان "علامة فارِقة"

علامة فارِقة:

تقرير عن الشاعر الراحل أمل دنقل: في مثل هذه الأيام، منذ 33 عاماً غيّبه الموت وأحياه الشِعر. حتّى اليوم إن لاءه الشهيرة تأخُذُ مكانها في الميادين كلّما تعالت نبرة الرفض وهبّت ثورة البُسطاء والمقهورين. "محمّد أمل فهيم مُحارِب أبو القاسم دنقل" ابنُ الصعيد المصريّ وابنُ شيخ الأزهر الذي تيتّمَ طفلاً وهاجر شاباً وورِثَ إضافةً إلى السُمرةِ القديمة معرِفةً بخبايا القهرِ والشِعر، فعاش مُتّكئاً على قصيدةٍ ترفُضُ أن تنكسِر. منذ ديوانه الشعريّ الأوّل "البُكاءُ بين يديّ زرقاءِ اليمامة" تميّز. وإن كانت "بيروت" قد طبعَت الغالبية الكُبرى من عملِه، فالعالم العربيُّ قرأها كلّها. مَزَجَ بين حداثةٍ وتُراث، نسجَ أبياته بلغةٍ شاعريّةٍ غيرَ طوباوية. شغلته الهزائِم العربية الكبيرة وهموم العابرين المُطرِقين فجاءت قصائِده تنبّؤيّة مُحذِّرةً من عواقب السقوط المُتكرِّر لركائِز القوّةِ في المُجتمعِ الغربيّ. رحل "دنقل" عن 43 عاماً بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض، وكأنّ لاءه أبقت جسده حيّاً بفِعل الإرادة والإرادة فقط. لاؤه أبقت ذكراه متّقدةً، لائُه كانت سلاحه الوحيد سلاحُ شاعِرٍ لم يُساوِم حتّى مع الموت فعاش

زاهي وهبي: هذه اللا سيّدتي أُستاذة "عبلة الرويني"، نزعة التمرّد هذه والرفض عند "أمل دنقل" في رأيِك ما أسبابها أو بذورها؟ إلى ما تعود؟  

عبلة الرويني: ربّما في جزءٍ منها إلى أنه جنوبي. الحرص على أن يكون واضحاً وصريحاً وحادّاً وصادقاً وساطعاً

زاهي وهبي: وحضرتك أسميتِ كتابكِ عنه "الجنوبي"، وهي أيضاً آخر قصيدة كتبها. لماذا اخترتِ أن تُسمّي كتابكِ عن "أمل دنقل" "الجنوبي"؟

عبلة الرويني: أنا اخترت "الجنوبي" في المعنى الذي كنت أتحدّث عنه الآن وليس فقط لأنها كانت آخر قصيدة يبحث فيها عن الأصدقاء الجنوبيين والعقول الغائِبة، ولكن لأنّ لـلجنوب معنى ثقافي ومعنى حضاري يحمِل كلّ هذه المعاني التي كانت موجودة في "أمل". هذا السطوع الشديد، هذه الحديّة، هذا الموقف الصريح الصادق، الجرأة، قيَم الحقّ والعدالة هي قيَم أساسّية في شعر "أمل" وفي حياته وسلوكه    

زاهي وهبي: بما أننا نتحدّث عن "أمل دنقل" كجنوبي، من الواجب القول أنّ أوّل زيارة، أو السفرة الوحيدة إلى خارِج مصر كانت إلى "لبنان" وإلى "جنوب لبنان" تحديداً، إلى مهرجان "الشقيف" الشِعري، أليس كذلك؟

عبلة الرويني: عاش عُمره من دون وثيقة سفر، مندون باسبور. قبل الوفاة بسنتين تمكّن من استخراج جواز سفر، وكانت دعوة منظّمة التحرير الفلسطينية إلى مهرجان "الشقيف"، وكانت المرّة الأولى التي يخرِج فيها من "مصر" في سفر إلى "لبنان". إدارة المهرجان في "لبنان" ومن "بيروت" نظّمت السفر لبعض الشُعراء وكانوا خمسة فقط، وتوجّهوا إلى الجنوب اللبناني وكان "أمل" منهم. وأعتقد أنّ زيارة الجنوب تحديداً كانت وكأنه يذهب إلى موطنه الأوّل كجنوبي

زاهي وهبي: كنتِ برفقته؟

عبلة الرويني: للأسف، لم أكن برفقته، وأيضاً الخمسة توجهوا إلى "لبنان" وإلى الجنوب ثمّ خرجوا من الجنوب في ساعات قصيرة إلى "دمشق" وعادوا مرّة أُخرى إلى الجنوب       

زاهي وهبي: في أيّة انطباعات عادَ؟ هلّ أخبركِ شيئاً عن انطباعاته؟

عبلة الرويني: أخبرني على سبيل المثال عن فرحه بلقاء "سعد يوسف"

زاهي وهبي: نعم، الشاعر العراقي المعروف

عبلة الرويني: كان طبعاً المهرجان كلّه شُعراء ولكن كان لـ "سعد يوسف" خصوصية معيّنة في اللقاء، وهذه كانت فرحته. أسعَدَته فكرة الذهاب إلى الجنوب ربما لأن القيم هي نفسها والمعنى، ونفس الحِس النضالي

زاهي وهبي: خصوصاً وأنّ الجنوب تحوّل، جنوب لبنان، إلى رمز للمُقاومة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي

عبلة الرويني: أنا أذكر أنّ في تلك الفترة كان لبنان في ظروف صعبة جداً، وطوال الرحلة كان يلبس "كوكية"

زاهي وهبي: "كاكي" بذلة كاكية

عبلة الرويني: جاكيت فقط

زاهي وهبي: فيلد عسكري

عبلة الرويني: أجل، فيلد عسكري، وكان سعيداً جداً كما لو كان جزءاً من هذه التجربة، لكنه كان يحكي بمرارة كيف كانت تنتقل السيارة من مكان إلى مكان وكيف أوقفوهم

زاهي وهبي: على الحواجز والمعابر

عبلة الرويني: وهذه كانت تحمل منه قدراً كبيراً من المرارة

زاهي وهبي: دعيني أسأل الدكتور "محمّد"، هلّ ما يُميِز قصيدة "أمل دنقل" وتجرُبة "أمل دنقل" الشِعرية هو الرفض والتمرّد والـ لا؟ أم أيضاً هناك المزج بين هذا الرفض والتمرّد والجماليات الشعرية وما تقتضيه القصيدة في هذا المجال؟

د. محمّد بدوي: أنا أعتقد أنّ قصيدة “أمل دنقل" نجحت في تحقيق الشيء المُهم، وهو أنّ شاعر المُعارضة السياسيّة لا يقف فقط عند الصُراخ الشِعري أو الشِعارات السياسية المنظومة وإنّما يستطيع أن يقيس المتلقّي شعره بالضبط على التفاصيل الإنسانية اليومية، عن المُشتَرَك الإنساني بين أكبر مجموعة من الناس.  حتى في قصائِده الشهيرة الرافضة مثل " لا تُصالِح" سنجِد أنّه باستثناء كلِمة "لا تُصالِح" سوف تجد أنّ التفاصيل التي تجمع المُتحدِّث في القصيدة، الذي هو "كُليب"، والناس، هي قصيدة يُمكن أن تُثير مشاعِر أيّ إنسان في الحياة. قصيدة التفاصيل الصغيرة والنِزاعات الإنسانية الصغيرة التي تُرفَع إلى مستوى الغنائية الجمالية الشعرية. هذا قليل في الشِعر العربي، لا يُمكن أن نجِد في الشعر العربي أن يتلبّس السياسي الجمالي بهذا القدر إلاّ تقريباً لدى شعراء قلائِل مثل "أمل دنقل" و"محمود درويش" على سبيل المثال وبشكلٍ خاصّ في تجاربه الأخيرة. مسوِّغات الرفض السياسي لا تأتي من السياسة كشِعار ولكن تأتي من الحياة والوجود الإنساني المُهدّد

زاهي وهبي: نعم، وهو برعَ أيضاً سيّدتي في استلهام الرموز من التراث العربي، من الموروث، واختارَ شخصيات مُحدّدة من هذا التُراث، ويبدو أنّ علاقته بهذا الموروث علاقة وطيدة، منذ الطفولة ربّما؟

عبلة الرويني: هذا حقيقي، لكن كنت أريد أن أشير إلى موضوع التمرّد والرفض على أنهما ليسا مناقضين للجماليات. على سبيل المثال، أنت ذكرت قصيدة "لا تُصالِح"، هي من أكثر القصائِد استخداماً لجماليات القصيدة، استدعاء التراث واستدعاء الرموز، واستكمال القصيدة. أيضاً مراسي اليمامة هي استخدام فنّي عالٍ في القصيدة، ربما استدعاء التراث هذا في جزءٍ منه رؤية "أمل" القومية كشاعِر قومي وانتماءاته، هذه واحدة. قراءته، كانت على رأس اهتماماته الأساسية هي قراءة التاريخ وهذا أعتقد شكّل جزءاً كبيراً من رؤيته للقصيدة. هذا الاهتمام في قراءة التاريخ، هذا الاهتمام في دراسة اللغة واستدعاء الشخصيات التُرائية، مع حسّه القومي. وهو معروف بأنه الشاعِر القومي

زاهي وهبي: صحيح. دعيني أسأل دكتور " محمّد" عن مسألة الرموز في شعر "أمل دنقل" وعلاقته مع هذا الموروث الغني والثرّي وتوظيفه لهذا الموروث بطريقة سلسة وقريبة من المُتلقّي في الوقت نفسه

د.محمّد بدوي "أمل دنقل" غلَبت عليه استراتيجية استدعاء الشخصيات التُراثية العربيّة والإسلامية وبشكلٍ خاصّ ممن يمثلون رموزاً بمعنى مُثُلاً عليا، مثل استخدامه رموز المقاومة مثل "الحسين بن علي" أو رموز الشرّ مثل "ابن إنّ" أو "عبد الله بن سلول"، لكنّه أيضاً استدعى شخصيات من الموروث الإنساني لكنها مُتجاوزة للحدود مثل شخصية "سبارتكوس" مثلاً في قصيدته الشهيرة عن "سبارتكوس" أو في بعض شِعره الذي استلهم فيه بعض التفاصيل والثيمات الفرعونية وبشكلٍ خاصّ في مرحلة مرضه. "أمل دنقل" كان يبحث عن قاسِم مُشتَرك أعظم بينه وبين المُتلقّي لأنّ "أمل دنقل" ابن الوضوح والنصاعة وعدم الالتباس الإنساني والسياسي، ولذلك كان يبحث عن القاسم المُشتَرك الأعظم بينه وبين المتلقّي

زاهي وهبي: عذراً على المُقاطعة دكتور، ولكننا مضطرّون إلى أن نذهب إلى موجز إخباري، نسمع مُقتطفاً بصوت "أمل دنقل" ثمّ موجز إخباري سريع نُتابِع بعده "بيت القصيد"

{تُعرض مقتطفات بصوت "أمل دنقل" من فيلم "حديث الغرفة رقم 8" للمُخرِجة "عطيّات الأبنودي"}

الراحل أمل دنقل: " طبعاً بالنسبة لواحد مثلي يجلس في "قهوة ريش" ويُراقب الناس من جميع الاتجاهات، هذه تجربة تُشكِل رؤية، رؤية اجتماعية ومواقف لهذه الفترة سواءً كانت الفترة السابقة عام 1967 أو أثناء عام 1967 أو الفترة التي أتت بعدها، كلّ هذه الفترات. كان للحقيقة الاختيار الذي اخترته خياراً صعباً جداً، وهو أن أكون أنا نفسي وليس ما يريده منّي الآخرون، سواء كانوا هؤلاء الآخرين سُلطة من المثقفين الدائرين في فَلك السُلطة أو اتجاه عام موجود مثلاً مؤيِّد. كان هناك اتجاه مثلاً يرى أن "مصر" في عام 1967 هي دولة عظيمة ودخّان المصانع أجمل شيء لأنه يُغطّى السماء وأن كلّ شيء زاهٍ وجميل، لكن أنا في حقيقة الأمر مقتنِع بعكس هذا. عندما حتّى كنتُ أكتُب شعراً لم أستطع أن أنشره في ذاك الوقت، وعندما نشرته لاحقاً اعتقد كثيرون أنني كتبته بعد هزيمة عام 1967. فكون الفنان أو الشاعر يلتزِم بموقف ويُصرّ عليه، رغم أنّ كلّ من حوله حتى الناس الذين أحترِم آراءهم هم ضدّ هذا الموقف، فهذه مسألة كان من اللازم على أي إنسان أو فنان أن يدفع ثمنها "       

المحور الثاني:

{تُعرض مقتطفات بصوت "أمل دنقل" من فيلم "حديث الغرفة رقم 8" للمُخرِجة "عطيّات الأبنودي"}

الراحل أمل دنقل: " لم يكن في ذهني أن هذا الشعر يُمكن أن يُألِفه بشرٌ مثلنا لأن للشعر نظاماً خاصاً. تقريباً كلّ الأشعار، التي كنّا سواء ندرسها في المدرسة أو نشتريها، كانت لشعراء لم يكونوا على قيد الحياة كـ "أحمد شوقي" أو "حافظ إبراهيم" أو " خليل مطران" أو" جبران خليل جبران" أو " شفيق المعلوف"، كلّ هذه الأسماء كانت أسماء موتى. فكان الشِعر بالنسبة لي عالم مُغلَق وفنٌّ لا يصنعه الأحياء. طبعاً سألت، كيف يُمكن أن يُصبح الإنسان شاعراً؟ فأُجِبتُ بالإجابة الخالدة، " من حفِظَ ألف بيتٍ صار شاعرا". فقلت إنها مسألة سهلة أن أحفظ ألف بيت، وكنت بين مكتبة المدرسة ومكتبة البلدية أستعير دواوين، ولأنه لا يوجد وقت لأحفظ كنت أنقلها على دفاتر وأكتبها مرة أُخرى. وبعد ذلك، حاولت أيضاً بعد دراستي، العروض ومعرفتي موسيقى الشعر، وبدأت أكتُب شعراً موزوناً ومُقفّى وكنتُ ضدّ الشِعر الحديث في ذلك الوقت لأنني كنت أعتبره هروباً من قيد اللغة وقيد الموسيقى كما أتصوّرها في ذلك الوقت. أنا أعتقد وأتذكّر أنّ أوّل قصيدة كتبتها كانت مُستقيمة وكانت عن "فلسطين"، ربما لأنّ قدر الجدية في داخلها وقدر الصرامة التي في داخلها لم يكونا يُبيحا لي أمام نفسي أن أكتُب قصائِد حبّ أو قصائِد مثلاً إخوانيات أو هجائيات كالتي تكون بين التلامذة في هذه السنّ بين بعضهم البعض، فكتبت قصيدة عن "فلسطين" وكتبت قصيدة عن عيد الأمّ وعن السلاح لأنه في تلك السنة كانت صفقة السلاح وأُسبوع التسليح، صفقة السلاح الأولى للجيش المصري، صفقة أسلِحة تشيكية، فكانت أغلبها مواضيع وطنية تتعلّق بالاهتمامات العامة "           

زاهي وهبي: هذه المقتطفات هي من فيلم السيّدة "عطيّات الأبنودي"، الفيلم الذي يحمل عنوان "حديث الغرفة رقم 8"، وهي الغُرفة التي كان نزيلاً فيها أثناء مُعاناته ومواجهته لمرض السرطان. طبعاً سيّدتي سنتحدّث عن تجربته مع المرض وما كتبه وكيف كنتِ معه وكنتِ شاهدة على كلّ هذه المواجهة إذا جاز التعبير، ولكن قبل أن نستمع لشهادة من الشاعر الكبير "زين العابدين فؤاد"، يبدو أنّ بداياته كانت كأيّة بدايات. قصيدة عن "فلسطين"، قصيدة عن الأُمّ، مثل الشُعراء الباقين في بدايات تقليدية، ولكنه استطاع أن يتجاوز

عبلة الرويني: مع أنني أتصوّر العكس، هذه ليست بداية تقليدية، الشعراء يبدأون بالعلاقة العاطفية

زاهي وهبي: بالحبّ

عبلة الرويني: ومُناجاة الحبيبة وواحد يُحب جارته فيكتب فيها قصيدة

زاهي وهبي: ربما أنا أقيس على جيلنا، ربما جيلنا

عبلة الرويني: هذه البدايات السهلة الأولى لكن البدايات تركِّز جديّة الشخص، في أنّ أول قصيدة يكتبها "فلسطين" وعيد الأم والسلاح المصري في عمر 16 و17 سنة

زاهي وهبي: الانخراط في الانتماء وفي المزاج القومي

عبلة الرويني: حتّى أنني أتصوّر أنّ هذه، ليست مسألة القومي لأنه بالتأكيد منذ صغرِه لم يكن يعي فكرة القومي وليس أكثر، إنما هو انخراط في الجديّة، في هذه الحياة الصعبة التي يتحمّل فيها المسؤولية وهو طفل لأن والده مات حين كان عمره عشر سنوات فصار رجل البيت

زاهي وهبي: حمل مسؤوليات جِسام منذ يفاعته أو طفولته

عبلة الرويني: بالضبط. أعتقد أنّ هذا جزء من جديّة تكوينه

زاهي وهبي: اسمحي لي أن أسأل الدكتور "محمّد". سمعنا "أمل دنقل" يتحدّث عن نظرته في البداية إلى الشعر وإلى الموزون وإلى المُقفّى ونظرته إلى قصيدة النثر باعتبارها هروباً من مواجهة الواقع، ولكن هذه النظرة على ما يبدو تغيّرت وتطوّرت ونضُجت من خلال ما أتى في ما بعد ومن خلال علاقاته وصداقاته ونقاشاته الحارّة مع أصدقائه حول هذه الموضوعات

د. محمّد بدوي: الحقيقة، "أمل دنقل" وبعض مجايليه استطاعوا أن يُحدثوا شيئاً مُهماً، وهو أن يخرجوا من بيئة تقليدية مُحافِظة جداً تُقدِّس التقاليد والموروث إلى الدخول في منطقة الإبداع الإنساني بوجهٍ عام. ومن الطبيعي أن يكتُب "أمل دنقل" قصائِده الأولى موزونة ومقفاة لأنّ التعريف العام للشِعر السائِد، وبالذات في مُحافظات الجنوب، أن يتمكّن المرء من لغته ومن إيقاعه ومن العروض الشعرية. لكن "أمل دنقل" استطاع بعد ذلك، وخصوصاً بعد ارتحاله إلى "الإسكندرية" و"السويس" ثمّ عودته إلى "القاهِرة"، أن يدخُل في فضاء جديد وفي تجربة إنسانية جديدة لم تغيّر فقط من مفاهيمه لـ اللغة أو لجمالها أو لجماليات لغة الشِعر ولكنها غيّرَت من وعيه للعالم، المشاعِر الأولى في الغُبن الكوني لطفلٍ يتيم مظلوم، كما كان يقول، أو أن أهله ظلِموا من بعض أهلِه الآخرين، تحوّلَت إلى إحساس عميق جداً بالتعاطف مع الضعيف والصغير والمُهمّش والمظلوم بالمعنى الإنساني الواسع. المدينة، بدلاً من أن يُضيِّع عُمره في مُناطحتها استسلم لهذا الوعي الجديد وتبنّاه وصار قادراً على أن يُطوّعه لحُلمه كشاعِر وكإنسان

زاهي وهبي: دعنا نستمع، نعم تفضّل أكمِل دكتور

د. محمّد بدوي: أنا أرى أنّ هذا الأمر في ظروف جيل "أمل دنقل" لم يكن أمراً سهلاً. أن تخرُج من بيئة تقليدية لتُصبِح شاعِراً إنسانياً بالمعنى الذي كان عليه "أمل دنقل" رغم أنّه عُرِفَ أنّه شاعرٌ عروبيٌّ أولاً. لكن "أمل دنقل"، من يقرأه جيداً يُدرِك أنّ الشعور بقيمة العدالة وقيمة كرامة الإنسان يبدأ من المواطن الذي يراه وهو جالس في المقهى ثمّ يصل إلى إعادة صوغ الكُتب المُقدّسة كما حدث في قصائِده التي أعاد فيه صوغ "سِفر الخروج" في العهد القديم وفي غيره. "أمل دنقل" خرج من الفضاء الضيِّق إلى فضاء إنساني واسع جداً يستطيع أن يلمس حتّى مَشاعِر من يختلفون معه في قصائِده، مثلاً في قصيدة "زيّ الموت في لوحات" أو في قصيدة مثل " سِفر ألف دال" أو في غيرها

زاهي وهبي: اسمح لنا فقط أن نستمِع إلى شهادة في "أمل دنقل" من الشاعر "زين العابدين "فؤاد"

 

كلام يوصل:

زين العابدين فؤاد – شاعر: لو قلنا "أمل دنقل" يعني أننا نقول الشِعر، الشعر المُرتبط بالحياة والناس والشارع، الشعر الذي عاش بين الشعراء وبين الناس. هو شاعِر الفُصحى الوحيد الذي رسمه شباب 25 يناير غرافيتي في الشوارع ووضعوا قصائده. أخذ من التراث العربي والتاريخ الإسلامي والتراث المصري والتراث العالمي منابِع مُختلفة وجمعها في شيء واحد، فهو شجرة فروعها مسقيّة من منابع مُختلفة تثمر ثماراً متعدّدة جداً. لم يهتمّ على الإطلاق بالزخرفة، لم يهتمّ على الإطلاق بالموسيقى الخارجية الصاخبة، هو خلق موسيقاه. "أمل" شاعِر من "مصر"، من صعيد "مصر"، جاء إلى "القاهرة" في الستينات، واليوم لو أردنا تكريمه لأن ذكراه تقترب، ذكرى رحيل الجسد لأنّ الشُعراء لا يموتون. الشعراء يغيّرون عناوينهم، بدل أن يسكنوا في بيوت يسكنون في كُتُب وفي عقول وضمائِر الناس كما يعيش " أمل دنقل" بالضبط حتى هذه اللحظة. صحيح أنني كنت أحد من الذين رافقوا الجسد في رحلة الرجوع إلى "الصعيد" حيث المقبرة التي نواري فيها الجسد، لكن لا أحد يُمكنه أن يواري " أمل دنقل" في أي مكان آخر لأنّ "أمل" الشاعِر المُعبِّر الذي، لو نحن كنا في أيّة أزمة سياسية سنتذكّر قصيدة " لا تُصالح". هذا هو "أمل دنقل" الشاعر النبراس، الشاعر النبّي، شاعِر النبوءة الذي يرى المُستقبل دائماً أثناء كتابته عن الحاضر.

زاهي وهبي: جميل جداً ما قاله الشاعر "زين العابدين فؤاد" ويتّفق مع الذي تفضّل به الدكتور " محمّد بدوي" حول إنسانية قصيدة ونصّ "أمل دنقل"، وأيضاً أشار إلى مسألة، ذكرها "أمل دنقل" في الفيلم مع السيّدة "عطيات الأبنودي"، وهي أنّ بعض ما كتبه كان قبل عام 1967 وربما يظنّ القارئ أنّه كُتِبَ في ما بعد، بمعنى أنه كانت لديه المقدرة على الاستشراف، على الحدس الشِعري القوي جداً

عبلة الرويني: هي ليست مسألة استشراف. بما أننا ذكرنا فيلم "عطيّات الأبنودي" أنا أُحبّ أن أُشير إلى أنّ هذه هي الوثيقة السينمائية الوحيدة كصوت وصورة لـ "أمل دنقل"، وغيرها لا توجد أية مادة فيلمية موجودة له. في ما يتعلّق بأنه كتب القصيدة قبلاً وهذا الاستشراف، أنا أُريد أن أُشير إلى أنّ القصيدة، على سبيل المثال قصيدة "لا تُصالِح"، اللافِت والمُدهِش أنها استُخدِمت في سياقات مُتعددة لجماعات فكرية وسياسية متناقضة. استخدمها "الإخوان المُسلمين"، استخدمتها "كتائِب القسّام" في بياناتها التي تفتتحها بـ "لا تُصالِح"، استخدمها الثوار في "ميدان التحرير" في "مصر"، كُتِبَت من أجل الصراع العربي الإسرائيلي. بمعنى سياقات ليست فقط مُختلِفة بل أحياناً متناقضة، ولكن في كلّ هذه السياقات كانت القصيدة تُعبِّر عن هذه الرؤية المستقبلية حتّى ولو كانت مختلفة عند الآخرين. المسألة ليست حكاية رؤية مُحددة لكنها رؤية للعدل والحق وممكن أن تكون قبل أو بعد، وهي أصلاً موجودة في التُراث الآتي من قصة "الزير سالِم"

زاهي وهبي: طبعاً، ولكن

عبلة الرويني: فكرة العدل التي يستدعيها هي فكرة قابلة للاستمرار وقابلة للتواجد دائِماً

زاهي وهبي: ولكن المقصود سيّدتي أنّ الموهبة الشعرية أحياناً تكون سبّاقة لزمنها، الإبداع الحقيقي يمكنه أن يقول شيئاً وكأنه لكلّ زمان ولكلّ عصر، وفي الكثير من قصائِد "أمل دنقل" نشعُر وكأنها كُتبت اليوم وليس البارِحة. تشيرين في كتابكِ "الجنوبي" إلى أنه، طبعاً هو ابن شيخٍ أزهري تحمّل المصاعِب باكراً، كان يُصلّي في يوم الجمعة ويلقي خُطب الجمعة. وتشيرين إلى وجود، ليست تناقضات، إنما هو غير يقيني لكنه غير مُلحِد، مُعجب بالماركسية وفي الوجودية في آنٍ واحد، غير يساري ولكنه منحاز إلى الفقراء والمظلومين. أُريد أن أسأل دكتور "محمّد بدوي"

عبلة الرويني: لم أقل ليس يسارياً، قلت ليس حزبياً

زاهي وهبي: ليس حزبياً، ولكنه يساريَّ الفكر والتوجّه

عبلة الرويني: طبعاً

زاهي وهبي: أُريد أن أسأل دكتور "محمّد بدوي" هنا، هلّ تجِد شيئاً من التناقضات أو الأضداد في تجربة أو في قصيدة "أمل دنقل"؟

د. محمّد بدوي: بالنسبة إلى القضية التي نتحدّث عنها الآن، "أمل دنقل" كان يضع الشِعر في موضعٍ أعلى من أيّ شيء في العالم. يقول في رثائه لـ "محمود حسن إسماعيل" مستلهماً إحدى المواقع الإسلامية:

واحداً من جنودك يا سيّدي قطعوا يوم مؤتة منّي اليدين   

فاحتملتُ لواءك بالمرفقين واحتسبتُ لموتِك مُستشهدِي    

د. محمّد بدوي: وكان يرى الشعر أهمّ شيء في الوجود وأنّ العمل السياسي يقف عائِقاً أمام أن يكون الشاعِرُ حرّاً في قراءته للواقع. هذا هو السبب الأساسي، وأنا عاصرتُ ذلك جيداً، الذي كان يرفُض فيه أن يوضع الشاعر في حذاء يُحدِّد حجم قدميه. هو يريد أن يرى الأشياء بحريّته كما يراها، ولذلك "أمل دنقل" ليس متناقضاً، إنّما هو يرى أنّ الشاعِر لكي يكون وفياً للشِعر ولقراءة هذا الوجود الإنساني المُعقّد عليه أن يتحرّر من أيّة سُلطة من السُلطات. على سبيل المثال، كانت موجودة في هذه الأوقات مجموعة اسمها مثلاً " كُتّاب الغدّ" وكان "أمل دنقل يرفُض تماماً هذا، على العكس، كان يقول ميليشيات " كُتّاب الغد". "أمل دنقل" كان يرى أنّ الشِعر مهم جداً لدرجة أنّ يمنح الإنسان كلّ ما لديه للشعر لكي يُصبِح واحداً ممن يبقون في الذاكرة. لهذا "أمل دنقل" يساري بالمعنى الإنساني، بمعنى الانحياز إلى القِيَم الإنسانية العُليا وليس إلى رؤية حزبية ضيّقة

زاهي وهبي: صحيح، أو إيديولوجية

د. محمد بدوي: أريد أن أقول شيئاً

زاهي وهبي: تفضّل

د. محمّد بدوي: أو إيديولوجية.  عُرِفَ عن "أمل" أنه كان شاعِراً متنبّئاً، وأنا أذكر أنني تحدّثت مع "أمل دنقل" في هذا الموضوع، والبعض نشر معه حوارات ففسّرها بأنّها مُجرّد قراءة مُدقِّقة للواقع الواضح الساطع الثقيل الذي يفقأ العينين. فهو قبل عام 1967 كان يرى الزيف والهشاشة في المُجتمعات العربيّة والمصرية بعيداً عن سلطة الإيديولوجيا أو الإعلام أو التزييف التي يقولونها شعراء السُلطة أو كُتّابها

زاهي وهبي: والخطاب الرسمي

د. محمّد بدوي: بمعنى ضدّ الخطاب الرسمي، وهذا موجود حتّى منذ عام 1965 في قصائده التي نعرِفها جميعاً والموجودة في مُعظم ديوان " البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"

زاهي وهبي: اسمح لي أن نستمِع إلى مُقتطف من "لا تُصالِح"، القصيدة الشهيرة، وأن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع

مقتطفات من قصيدة "لا تُصالِح":  

لا تُصالِح، ولو توّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثّة ابن أبيك؟

وكيف تصير المليك...

على أوجه البهجة المُستعارة؟

كيف تنظر في يدِ من صافحوك...

فلا تُبصِرُ الدّمَ في كلِّ كفّ؟

إنّ سهماً أتاني من الخلف...

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدمُ الآن صار وساماً وشارة

لا تصالِح ولو توّجوك بتاج الإمارة

إنّ عرشَك سيفٌ وسيفك زيفٌ

إذا لم تزن بذؤابته لحظات الشرف

واستطبت حياة الترف

أمل دنقل (1983-1940)  

المحور الثالث:

{تُعرض مقتطفات بصوت "أمل دنقل" من فيلم "حديث الغرفة رقم 8" للمُخرِجة "عطيّات الأبنودي"}

الراحل أمل دنقل: " الشاعر أو الفنان في هذا العالم المتخلِّف، المصطلح على تسمية "العالم الثالث"، مُطالَب أن يبحث عن مصادِر ثقافته الخاصّة بعيداً عن أيّة تسهيلات وأن يختار لغته الخاصّة وأن يُجرِّب وأن يُكوِّن لنفسه شخصية خاصّة أو صوتاً خاصاً به من دون أيّة مُساعدة من أحد"

زاهي وهبي: ونحن نسمع، نُذكِر أنّ هذه المقتطفات من فيلم السيّدة "عطيّات الأبنودي" وهو بعنوان "حديث الغرفة رقم 8”. سنتحدّث بعد قليل عن الغرفة رقم ثمانية ولكن، خلفية قرآنية أزهريّة إذا جاز التعبير ورثها عن والده، ولو أن والده رحلَ وهو طفل، وفي نفس الوقت انفتاحه على الكتاب المُقدّس أو على العهدين القديم والجديد، وكأنه أقام نوعاً من تمازُج بين انتماءين أو بين إيمانين إن جاز التعبير

عبلة الرويني: "أمل دنقل" كان يعيش حياته كلّها من دون مسكن. كان ينتقل من مكان إلى مكان وبالتالي لم يكن عنده مكتبة، لذلك لم ينتقل بمكتبة. طوال حياته، مكتبة الآخرين هي مكتبته. عندما تزوّج كلّ مكتبته كانت "القرآن" والعهد القديم والعهد الجديد. التوراة والإنجيل والقرآن فقط كانت معه عندما دخل بيت الزوجية، وهذا يعكس أنّ هذه الكتب الثلاثة تحديداً أثَّرت، ليس تأثيراً دينياً ولا أتصور أن تأثيرها كان دينياً

زاهي وهبي: روحي ربّما

عبلة الرويني: ولكنه تأثير لُغوي وجمالي. أنا أعتقد أنه قرأ، وهذه كلّها رؤيتي أنا، أعتقد أنه قرأ العهد القديم قراءة جماليّة وقراءة شعرية أكثر بالتأكيد من أنّها قراءة دينية

زاهي وهبي: بحثَ عن الجماليات في ما يقرأ

عبلة الرويني: بالتأكيد، والعهد الجديد هو تأثّر شديد بالعهد القديم أو هو إضافة له

زاهي وهبي: نعم، مُحاكاة

عبلة الرويني: نعم مُحاكاة

زاهي وهبي: قبل أن نسمع الدكتور "فهمي عبد السلام"، صديق "أمل دنقل"، في شهادة، أُريد أن أسأل دكتور "بدوي". هناك البعض يرى في شعر "أمل دنقل" نوعاً من المُباشرة، ويأخُذ هذا الأمر كمأخذ. هلّ ترى أنّ هناك مُباشرة؟ وهلّ هذه المُباشرة طَغت أحياناً على الجماليات الشِعرية؟

د. محمّد بدوي: "أمل دنقل" كان يعي أنّ مُشكلة الشِعر المعترِض والمُقاوم أن يقع في المباشرة. لذلك، كان يبحث عن كلّ الوسائِل التي تجعله قادراً على خلق قصيدة غير مُباشِرة بالمعنى التقليدي. لكن هناك لحظات لم يستطع "أمل" أن يهرُب من هذه المُباشرة

زاهي وهبي: مثلاً

د. محمّد بدوي: مثلاً، بعد مجازر "أيلول الأسود" كتب بعض القصائِد تعليقاً عمّا حدث. في القصيدة -التعليق عمّا حدث قدرٌ كبير جداً من الألم ومن الصُراخ ومن الكوميديا السوداء المُمثلة للحظة نفسها. لكن في قضايا أُخرى كان "أمل دنقل" يستطيع أن يجِد مُعادلات وموازيات رمزية لمواقفه. على سبيل المثال، حينما يقرأ "أمل دنقل" "العهد القديم"، يقرأه من موقع مُختلِف عن موقع الكارِث أو الداعية أو حتّى المؤمن، إنّما يُعيدُ تفسيره لصالِح الإنسان. هو يقوم بقلب الدلالة فنُصبح مع، الذين قالوا لا هم الذين اعتصموا بالوطن، أمّا الذين ركبوا السفينة فهُم الفارّون الهاربون الذين أكلوا

زاهي وهبي: تركوا

د. محمّد بدوي: تركوا أجل طبعاً، الذين أكلوا خبز الوطن في الزمن الحسن. هنا حتّى السُخرية واضحة جداً، الذين أكلوا خبز الوطن في الزمن الحسن بمن فيهم نحن أي الشعب

زاهي وهبي: اسمح لي أن نستمِع إلى أحد أصدقاء "أمل دنقل"، الدكتور "فهمي عبد السلام"

كلام يوصل:

د. فهمي عبد السلام - صديق: المعروف عن "أمل" أو الذي يُشاع عنه أنّه كان عدوانياً وعنيفاً، والحقيقة أنّ هذه فكرة مغلوطة ومُتعسِّفة لأنّ "أمل" كان شخصية لطيفة جداً وشخصية جميلة جداً. عندما رأيته كان في معهد "الأورام" وطلب أن يقعد في قهوة "ريش". وبعد ذلك أتى، حيث كنت أنا جالساً، وكان هناك كاتب شرس وعدواني يتحدّث مع اثنين من الكُتّاب بشكل ساخر ونكِد. جاء "أمل" للحقيقة وجلس يطيِّب من خاطر هذا الكاتب، والكاتب كان صعيدياً مثله، لكن هذا الكاتب العدواني استمر في السخرية من هذين الكاتبين. "أمل" كان مريضاً ووزنه لم يكن يزيد عن 40 كيلوغراماً، لكنّه تصدّى له وقال له، "أنت شخص غير جيِّد وأنت واطي وأنت لم تعزمهما على مشروبين أو ما شابه لكنك تنتقم منهما"، ومسكه "أمل"، وللحقيقة أنا أُعجِبت بـ "أمل" جداً جداً، أنه في عزّ مرضه يتصدّى للافتراء ويُدافع عن المظلوم بهذه القوة. هذه من المواقف التي لا يُمكن أن أنساها لـ "أمل" ورقّته. للحقيقة، حكاية أنّه عدواني، لم أره يعتدي على فنان حقيقي، لم أره يعتدي على شخصٍ جميل، لم أره يعتدي على شخصٍ نبيل. كنت أتمنى أن تكون عندي القدرة لأن أفعل بهم ما فعله، لكن للحقيقة كان عند "أمل" القدرة والشجاعة والمروءة بحيث أن هذه هي صفته للحقيقة وهذا هو الموقف الذي لا أنساه لـ "أمل" رحِمه الله. والله كانت علاقة "أمل" بأصدقائه علاقة رائِعة وجميلة جداً وكان يعتزّ بقيمة الصداقة اعتزازاً كبيراً جداً، وبعد ذلك، عنده من الإنسانية والرُقيّ بحيث أنه يعرِف المنطقة التي يجب ألاّ يقترب منها ويتحاشاها بحيث أنه لا يخسرك ولا يُزعلك ولا يُضايقك

زاهي وهبي: الصداقة مهمة جداً والأصدقاء في حياة الإنسان عموماً مهمين، فما بالك إذا كان الإنسان شاعراً؟ في كتابكِ "الجنوبي" عن "أمل دنقل" توجد مرارة. توجد مرارة تجاه الأصدقاء والجحود، تذكرين أشياء لا أريد أن استعيدها وأرغب في أن يقرأ مُشاهدينا هذا الكتاب، كتاب "الجنوبي" الذي كتبتِه حضرتك عن زوجك الراحل "أمل دنقل"، لكن وأنكما عانيتما من هذا الأمر؟

عبلة الرويني: ربما قد يكون خذلاناُ من شخص أو اثنين، لكن كلّ البشر لم يخذلوه، وبالتالي أنا في ظنّي، جزء من قيمة التجربة والمواجهة مع المرض ومع الموت نفسه هي هذا الحضور الإنساني والعلاقة القوية بالبشر، بمعنى كانت غرفته في المُستشفى لا تخلو من البشر، يتناول غذاءه ويفطر معهم وليسوا أقل من 20 إلى 30 شخصاً يومياً

زاهي وهبي: والمُفارقة أنّ هذه الغُرفة رقم ثمانية في مستشفى السرطان هي التي عاش فيها أطول فترة بشكلً مستقِرّ ومُستمرّ. سنة ونصف السنة في مكان واحد

عبلة الرويني: كانت حياة كسرت كلّ أشكال وصُوَر المرض التقليدية، واعتقد أنّ "أمل" أيضاً كان مريضاً استثنائياً. كما كان إنساناً استثنائياً وشاعراً استثنائياً كان مريضاً استثنائياً. دائما كانت توجد تجربة أو مُقارنة ما بين تجربة المرض عند "أمل" وتجربة المرض عند "السيّاب"، فكان المرض عند "السياب" قد استدعى حالة من العاطفية والوجدانية وأحياناً البُكائيّة، وعلى عكسها، تجربة المرض عند "أمل" استدعت قدراً كبيراً من الصلابة وقدراً كبيراً من الإرادة أُفسِّرها في أنه شاعر مُقِلّ على المستوى الشِعري

زاهي وهبي: نعم، ستة دواوين في حياته

عبلة الرويني: كتب ستة دواوين وأحياناً كانت فترة الصمت تطول وتمتدّ لسنوات

زاهي وهبي: اسمحي لي هنا أن أسأل الدكتور "محمّد بدوي"، فعلاً كان يمرّ الشاعر "أمل دنقل" بفترات صمت، أحياناً عدّة سنوات لا يكتُب فيها الشعر، ولكن أثناء صراعه مع مرض السرطان في الغرفة رقم ثمانية في مُستشفى السرطان، كتب ديواناً كاملاً. بماذا تُفسِّر هذه المسألة؟

د. محمّد بدوي: أنا أعتقد أنّ "أمل دنقل"، رغم وعيه الحاد بالوجود الإنساني، لم يكن طبعاً قد التقى تجربة الموت. أنا كنتُ قريباً جداً منه في هذه الفترة، كما تعلم "عبلة"، و" أمل دنقل" كان قد وُضِعَ في منطقةٍ خطرة لا يمرّ بها إلاّ القليلون ولا يعبُر منها إلاّ القليلون، وهي أنّك تُدرِك أنّ الموت يقترِب منك يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، وأنّ عليك أن تحتفِظ بإنسانيتك في مواجهة الموت. ولذلك حتى سنجِد في هذه القصائِد شعوراً بالتعاطف مع الكائِنات الرقيقة كالزهور والطيور والخيل

زاهي وهبي: والفراشات

د. محمّد بدوي: والفراشات لأنّه بالنسبة لـ "أمل دنقل" كانت هذه تجربة صعبة وتجربة شديدة الوطأة على الكائِن الإنساني. فأعتقد أنّه كان يكتُب بإحساس أنه بعد قليل لن يكون موجوداً بيننا ولن يكتب الشعر، وهذا هو الهاجس الذي كان يجعله حتّى يُقاوِم. "أمل دنقل" ظلّ في الغرفة رقم ثمانية يُقاوم فيما الأطباء يندهشون ويتعجّبون من قدرته على المُقاومة لأنّ "أمل دنقل" كان متشبِّثاً بالحياة لكنّه يُدرِك تماماً أنّ الموعِد قريب جداً. هذا ما جعله في تقديري يواجه تجربة وجودية شديدة العُمق، وهي تجربة الموت التي تمتاز بخصوصيتها الشديدة جداً، وهذه التجربة كانت بداية لانعطاف شِعري وتعميقاً لرؤية "أمل دنقل"، في أنّ ما كان إنسانياً ويثير انتباهه ويجعله يكتُب أصبح الآن بالغ العُمق والرهافة لأنّه كان يرى الموتَ قادماً يوماً بعد يوم

زاهي وهبي: فعلاً، والقارئ يُلاحظ هذا الأمر وكيف أصبحت التجربة أكثر وجدانية. اسمحا لنا أن نستمِع إلى مقطع بصوت "أمل دنقل" واستراحة سريعة ثمّ نُتابع

من قصائِد "أمل دنقل":

أيّها الشعرُ يا أيّها الفرحُ المُختلِس

كلُّ ما كنتُ أكتُبُ في هذه الصفحة الورقية

صادرته العسس

أمل دنقل (1983-1940)

المحور الرابع:

{تُعرض مقتطفات بصوت "أمل دنقل" من فيلم "حديث الغرفة رقم 8" للمُخرِجة "عطيّات الأبنودي"}

الراحل أمل دنقل: في حياتي ربما لم أشعر بكلمة الفرح هذه إلاّ مرة واحدة، عندما تزوّجت وشعرت أنني أصبحت اثنين وليس واحداً، في مواجهة العالم أصبحت اثنين وليس واحداً، الإنسان يتعامل مع هذا المرض باعتباره يتعامل مع حقيقة. إذا كان المرض بالنسبة لي مجهولاً أو لغزاً فهو ليس كذلك بالنسبة للأطبّاء، أو بالنسبة للعلم هو ليس لغزاً. حتّى حين أدخُل إلى غرفة العمليات أعتبر نفسي داخلاً عند شخص سيرى هذه الحكاية، إن كان ما يقوم به ينفع إذا ينفع وإذا لا ينفع إذاً لا ينفع. لا أعتقد أنّ درجة إحساس الإنسان بحياته غير درجة أن يتصوّر ويبكي ويفكِّر في أنه مثلاً سيموت فالبشرية ستُحرَم من جهوده وأفكاره، لا. لكن الجزء الأساسي هو الحرمان من الحركة والتفاعُل لأن المرض الذي يأتي للإنسان يجعله مقيداً بمكان ومحاطاً بحالة نفسية، يأتي الناس ليزوروه ويعاملونه على أساس أنه مريض وما شابه، حتّى لو أحبّ أن يحترِق مع أحدهم فيغفر له لأنه مريض وما شابه. هذا قصاص بدائي لوحده طبعاً، ألا يُعامل الإنسان بشكلٍ طبيعيّ مع الأشياء ويتصارع معها ويدخل فيها وتدخل فيه مثل العادة. فالمرض استثناء في هذه الحال، إنما غير ذلك، كلّ من يدخل ليجري عملية يأخذ دواء ويُجلَد في العلاج أو ما شابه. لا يسبب الشِعر بالنسبة لي أية متاعب نفسية

زاهي وهبي: سيّدتي الأُستاذة "عبلة الرويني"، بأية مشاعِر تُشاهدين هذه المقتطفات من فيلم "حديث الغرفة رقم 8"، وكيف تحضُر تلك الغُرفة في ذاكرتكِ وفي وجدانك؟                           

عبلة الرويني: أنا لا أعرف كيف أقول لك بأية مشاعِر لأنّ "أمل" تحوّل إلى فكرة. لن أستطيع أن أدّعي أنني أستحضِر اللحظة، وكأنها تحوّلت إلى فكرة. عندما أتحدّث عن "أمل" أو عن هذه الفترة لا يحضر كجسَد بل يحضر كمعنى، يحضر كقيمة، يحضر كفِكرة. مثلما قال ربما "يوسف إدريس"، أنه يتحوّل إلى ضوء. لا يُمكنني بعد 33 سنة أن أتحدّث عن هذا الحضور

زاهي وهبي: الجسدي المادّي

عبلة الرويني: الجسدي المادّي. ولا يُمكنني أن أقول لك الآن، منذ 33 سنة، كيف كنت أرى. الأمر أصبح قيمة

زاهي وهبي: اسمحي لنا أن نستمِع إلى شهادة من الناقد الأُستاذ "إبراهيم فتحي" قبل أن أنتقل إلى "القاهرة" وإلى الدكتور "بدوي"

 

 

كلام يوصل:

إبراهيم فتحي – ناقد: كان شاعراً مستقلاً يكتُب بإلهامٍ من رؤية شِعرية، رؤية إنسانية. تكثُر السياسة في أشعاره وتتألّق ولكنه لم يكن منضمّاً لأيّ حزب من الأحزاب. لم تكن السياسة لديه حزبيّة أو لها علاقة بالأحزاب أو بالقوى السياسية، ولم يكن مُنضماً إلى الناصرية رغم أنّه لم يكن ضدّها أو منضماً لـ "حزب البعث". لم يكن يرى الواقع أشياء حسنة بل كان يعتقِد أنّ الواقع ليس كما تصوِّره أجهزة الإعلام بل هو مؤلِم ورديء. كان يُحزنه أنه مرفوضٌ من أجهزة الإعلام الرسمية، وكان يصحبني معه للدفاع عنه لأنّه كان يكره الهجوم عليه ولا يُحبّ أن يُدافع عن نفسه بلّ يُحبّ أن يوكل ذلك إلى ناقدٍ يُدافع عنه بدل أن يُدافِع هو عن نفسه

زاهي وهبي: استمعنا إلى شهادة من الأُستاذ "إبراهيم فتحي". دكتور "بدوي" لو سمحت. الآن في ظلّ كلّ ما نعيشه في بلادنا العربيّة، في ظلّ هذا الخراب العربي الكبير، ما هي الأهمية التي ترتديها إعادة قراءة شُعراء كـ "أمل دنقل"؟

د. محمّد بدوي: أنا أعتقد أنّ هذا يؤكِّد حدس الشاعر العميق بأنّ المعركة ضدّ الظلم والمعركة ضدّ الإرهاب، سواء كان إرهاب الدولة أو إرهاب الدولة الصهيونية أو إرهاب السُلطات المُتحكِّمة ستظلّ إلى أمدٍ طويل مع هذه الشعوب. كان "أمل دنقل" يُدرِك هذا جيداً، فهو يقول: " خلف كلّ قيصرٍ يموت قيصرٌ جديد". "أمل دنقل" كان واعياً جداً بأنّ الأُمة العربيّة، هذا الفضاء الثقافي العربي الاجتماعي الإسلامي يواجه مُشكلة تُهدّد هويته وتُهدد إنسانيّة من يعيشون فيه، وأنّ المعركة طويلة جداً. هذا معناه ببساطة شديدة أنّ الشاعر الحقيقي الذي يستطيع أن يختزل كلّ مشاعِر ووجدانيات أبناء شعبه في قصائِده يظلّ خالداً في ذاكرة هذه الأُمة. نحن نواجه ما واجهناه بالأمس بل يُمكن أن نقول أن ما قاله "أمل دنقل" أنه طريقٌ خاطئ ثبَتَ فعلاً أنّه طريقٌ خاطئ. المبدعون العرب الكبار قالوا، ومنهم "أمل دنقل" وعلى رأسهم "أمل دنقل"، أن ما يحدُث خطأ، أننا لن نصِل إلاّ إلى الدمار، وها نحن اليوم، يتأكّد لدينا في كلّ يوم، أنّهم كانوا على حقّ، أنّهم رأوا أكثر مما نستطيع أن نرى. هذ هو المعنى الإجمالي لقراءة شِعر "أمل دنقل" الآن لأنّ "أمل دنقل" كان يضع يده على الجرح جيداً وكان يعتقد أنّ عليه أن يكون في موقف مناوئ لكلّ ظلم واضطهاد وإرهاب. لذلك ظلّ صوته نقياً وظلّ الناس يهرعون إليه كلّما ساءت الأمور

زاهي وهبي: سيّدتي، عطفاً على الذي قاله الدكتور "بدوي". الآن، في ظلّ ما نعيشه، "أمل دنقل" استدعى "المتنبّي" و"صقر قريش" و"صلاح الدين" و"زرقاء اليمامة". لو كان بيننا الآن "أمل دنقل" ماذا كان ليقول؟

عبلة الرويني: أظنّ أنّه بيننا الآن لأنّ

زاهي وهبي: طبعاً هو بيننا قصيدةً وشِعراً ومعنىً

عبلة الرويني: هو لو كان بيننا كجسد سيكون بيننا كقصيدة، فأنا أتصوّر أنّ هذا الحضور، حضوره الآن، ربّما أكثر من حضور شُعراء كثيرين موجودين حالياً لأنني أؤكِّد ما قاله الدكتور "بدوي" وهو أنّ قيمة الحقّ وقيمة العدل وقيمة الحرية هي قِيَم أساسية في شِعر "أمل" وبالتالي هي سؤال الحاضر الذي نعيشه وبالتالي هو حاضر، وأظنّه كان سيكتُب ما يُدافع عنه في قصائِده أو ما كتبه من دفاع عن الحقّ والعدل والحريّة

زاهي وهبي: هلّ لا يزال في جعبتكِ نصوص أو قصائِد لم تُنشَر لـ "أمل دنقل"؟

عبلة الرويني: لا توجد قصائِد لم تُنشر. كان هناك قضية كانت مُثارة قبلاً، أنّ هناك قصائِد البدايات، حوالى ربما 20 أو 25 قصيدة كتبها في عمر 16 أو 17 سنة

زاهي وهبي: ونشرها شقيقه في كتاب وكنتِ حضرتكِ لا تحبّذين الفكرة

عبلة الرويني: ونشرها شقيقه ونُشِرت في بعض الجرائِد ولم أكن أُفضِّل نشرها باعتبار أنّ هذه التجربة جماليّة. الشاعر نفسه لم يُضمِّنها في أيّ ديوان من دواوينه وبالتالي هو بنفسه أخرجها من تجربته الجماليّة باعتبار أنّها لم تكن ناضجة بالدرجة الكافية

زاهي وهبي: هناك سؤال قد يخطُر على بال بعض من يقرأ تجربتكِ مع "أمل دنقل. هلّ شعرتِ في أية مرحلة من المراحل بنوعٍ من التعب أو الأسى أو، " ما الذي دفعني إلى مثل هذا الارتباط وإلى هذه المُعاناة والتنقّل من بيت إلى بيت وتقريباً السكن في المُستشفى؟"

عبلة الرويني: على الإطلاق. الذي كان أحياناً ربما يشعُر بهذا الوجع هو "أمل". أنا كنت مبهورة باختياراته، هو في بداية الزواج كان يرى أنّه من الصعب أن أتحمّل هذه الاختيارات ومن الصعب أن نتزوّج من أجل كذا وكذا وكذا، فأنا قلت إننا سنتزوّج من أجل هذه الاختيارات لأنني كنت مؤمنة بهذه القِيَم ومُعجبة وأقدّرها، وبالتالي على العكس، لأنّ هذه كانت ثمن موقفه. في هذا المعنى، كلّ شيء كان قائِماً على تأكيد قيمة عنده وبالتالي حاجته من الصعوبة هي قيمة له

زاهي وهبي: طبعاً، والبرهان أنّه لا يزال حديث الناس ومُحبّي الشِعر والمُنحازين إلى المعنى الذي تُشيرين إليه. دكتور "بدوي" في الختام لو سمحت، في نصف دقيقة لأنّ الوقت انتهى، وقبل أن أشكرك جزيل الشُكر وأتمنّى رؤيتك ولقاءك في "بيروت"، لو تسنّى لك أن تقول شيئاً ما لـ "أمل دنقل" ماذا تقول؟

د. محمّد بدوي: “أمل دنقل" تقريباً في اعتقادي آخر الشُعراء العرب الذين ألغوا المسافة الفاصلة بين القصيدة والحياة، بين البطل في القصيدة والبطل في الحياة، بين ما يعيشه فعلاً وبين ما يكتبه فعلاً. هناك نوعٌ من التناغم والتجانس العميق جداً وهو في النهاية تجانُس لا يُمكِن أن يحدُث إلاّ من إيمانٍ شبه دينيّ بقداسة الشِعر ودوره

زاهي وهبي: ألف ألف شُكر للدكتور "محمّد بدوي"، الشاعر والكاتب المعروف، حدّثنا من "القاهِرة"، الشُكر الجزيل لكِ سيّدتي الأُستاذة "عبلة الرويني"، إن شاء الله يكون لنا لقاء في قادم الأيام نتحدّث فيه عن تجربتك كسيّدة وككاتبة وكصحافية وكأوّل امرأة تكتُب في الصحافة المصرية عاموداً يومياً، المقال اليومي أمرٌ مُتعِب جداً، والشكر الموصول لمن أدلوا بشهاداتهم في هذه الحلقة ولفريق العمل الذي قام على هذه الحلقة ونعِدكم مُشاهدينا الكرام، قدّمنا حلقات عن "جوزيف حرب" و"سميح القاسم" و"عبد الرحمن الأبنودي" و"جمال الغيطاني" والليلة عن "أمل دنقل" وأيضاً قدّمنا عن "توفيق زياد" وعن "غسّان كنفاني" وعن " فاتن حمامة" و"صباح" و"وديع الصافي" وسنُتابِع هذا الدأب ونُقدِّم عن مُبدعينا الكبار كـ "أمل دنقل" الذي يبقى حياً في وجداننا، في ذاكرتنا، في قصيدته وفي المعنى العميق لتلكَ القصيدة. الشُكر لمُخرِج البرنامج "علي حيدر" لمُنتِجة البرنامج "غادة صالِح"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم في الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله، ونختُم بصوت "أمل دنقل"

من قصائِد "أمل دنقل":

المجد للشيطان معبود الرياح

من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"

من قال "لا" فلم يمُت وظلّ روحاً أبديّةَ الألم!

معلَّقٌ أنا على مشانِق الصباح

وجبهتي بالموتِ محنيّة

لأنني لم أُحنِها حيّاً حيّة!

أمل دنقل (1983-1940)

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل