"مواجهة الفوضى"... هل من يحمي الارث الثقافي في الشرق؟

الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. حماية الإرث الثقافي والتاريخي من التدمير الممنهج في المنطقة العربية، مسؤولية تقع على عاتق كل شعوب المنطقة. لكن الخطوات لهذه الغاية تظل شحيحة. معهد المخطوطات الشرقية في لينينغراد – سان بطرسبرغ ومواجهة الفوضى من الداخل. معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

عين وقلب روسيا النابض بحب الشرق حتم عليها التعرف على لغات وعادات الدول المحيطة بها في المشرق. هذا الأمر دفع الروس في نهاية القرن السابع عشر إلى تدريب المختصين للتعامل مع ثقافات تلك البلاد، ومن هنا انطلق المشوار في تجميع الكتب والمقتنيات الثقافية والمخطوطات باللغات الشرقية. أما الكتب فقد أحضرها الدبلوماسيون والتجار وقدّمت إلى الإمبراطورية من قبل سفراء بلاد الشرق. في أواخر عام 1818 قررت الأكاديمية الروسية للعلوم شراء 700 مخطوطة إسلامية من القنصل الفرنسي في حلب وطرابلس، وهذه الخطوة أدت إلى خلق إدارة جديدة داخل الأكاديمية هي المتحف الآسيوي، والتي حُولت بعد إذن إلى معهد الدراسات الشرقية. وفي حزيران / يونيو عام 2007 أمرت هيئة رئاسة أكاديمية العلوم بإعادة تنظيم فرع سان بطرسبرغ من معهد الدراسات الشرقية ةوحويله إلى معهد المخطوطات الشرقية المستقل. المعهد احتضن مجموعات المخطوطات والكتب المطبوعة في وقت مبكر، وضم أكثر من 100 ألف عنوان في 65 لغة من اللغات الميتة والحية. ويضم المركز أيضاً وثائق هامة عن تاريخ الدراسات الشرقية في روسيا بالإضافة إلى مكتبة فيها أكثر من 800 الف مجلد يتعلق جلّها بأفرع الدراسات الشرقية. ألكسي يانكوفسكي المؤلف والمخرج الروسي والسكريتير التنفيذي للمؤتمر الدولي "مواجهة الفوضى" المنظم من قبل معهد المخطوطات الشرقية يتحدث من الداخل عن نشاطات المعهد وأهمية قيامه بتبني هذا المؤتمر المكرّس لمناقشة المشكلات والمعوقات في حماية الإرث الثقافي في الشرق، والخرج بحلول عملية لتلك الأزمة المتفاقمة والخطرة. ولماذا روسيا مهتمة بذلك؟

 

زينب الصفار: ألكسي يانكوفسكي المؤرخ والسكريتير التنفيذي للمؤتمر الدولي "مواجهة الفوضى" المنظم من قبل معهد المخطوطات الشرقية، حيث نحن متواجدون الآن، أهلاً وسهلاً بك في برنامج من الداخل.

 

ألكسي يانكوفسكي: شكراً جزيلاً، أنا مسرور جداً لتمكني من التحدث معكم، وإنه لشرف عظيم لي أن قناة تلفزيونية عربية لفتت الأنظار إلى مشروعنا المهم والمتواضع.

 

زينب الصفار: هذا من دواعي سرورنا. اسمح لي في البداية بعرض يسمح لمشاهدينا فهم روسيا. في روسيا وبحلول نهاية القرن السابع عشر، ضرورة معرفة لغات وثقافات دول الشرق المجاور كانت تعني أنه من الذرورة تحضير خبراء للتعامل مع ثقافات تلك البلدان، وبدأ في القرن السابع عشر جمع الكتب باللغات الشرقية إلى جانب المواضيع الثقافية، ومع بداية القرن الثامن عشر ظهرت الحاجة إلى مكتبة خاصة للكتب باللغات الشرقية ليستعملها خبراء الدولة والطلاب، وفي حزيران / يونيو 2007 أمرت أكاديمية العلوم الروسية بإعادة تنظيم فرع سان بطرسبرغ للدراسات الشرقية ليصبح المعهد المستقل للمخطوطات الشرقية. حدثنا من فضلك عن هذا المعهد وإسهاماته في العملية.

 

ألكسي يانكوفسكي: بشكل عام، حققت الدراسات الشرقية الروسية نجاحات كبيرة وتفوقاً كبيرا، لدينا ما نفتخر به. ففي هذا المعهد أناس مميزون لم يدرسوا المخطوطات العربية وحسب بل درسوا الكتابات اليمنية والوثائق المسمارية. وكان أبي "إيغور ميخالوفيتش دياكونوف" باحثاً روسياً مسمارياً عظيماً ودارساً آشوريا عمل سنوات عديدة في هذا المبنى منذ عام 1953 وحتى وفاته عام 1999، لذلك فالعمل هنا بالنسبة لي هو عودة إلى طفولتي أيضاً.

 

زينب الصفار: أود الحديث بشكل مفصل عن المؤتمر الذي نظّمه معهد المخطوطات الشرقية حول "مواجهة الفوضى". أود أولاً أن تسلك الضوء بشكل مفصل على الإسهامات المحددة للمعهد لحماية والحفاظ على الثقافة.

 

ألكسي يانكوفسكي: أي عمل علمي جاهد ومفصّل يؤدي من دون شك إلى الحفاظ على القيم الثقافية، لأنه من أجل الحفاظ على الأشياء يجب عليها أن تتكلم، ولذلك يجب أن يكون الذي يتكلم معها موجوداً، ولذلك يجب أن يعرف أولئك الناس لغتها ويعرفوا الحقائق والحياة حولها، فالحفاظ على بيئة علمية ذات تأهيل عال، محبة ورابطة لمصيرها بتلك الأشياء سواء كانت مخطوطات أو كتابات أو أشياء غير مادية. هذه الأمور الأكثر أهمية متوافرة. إنه الجسر الذي يسمح لنا بالعبور من النواقل المادية، أي المعلومات، إلى أشياء أكثر شمولاً، إلى التعميمات وإلى الأفكار عن التاريخ والفلسفة والدين والثقافة، فمن دون دراسة تلك الحروف من دون معرفة من كتبها وكيف، لن نستطيع أن نفعل شيئا. لذلك فالحديث عن مقاطع محددة متصلة بحماية أي شيء ممكن، ولكنني أعتقد أنه من المهم فهم أن المحيط ككل يستحق الحماية، فالمحيط العلمي والناس القادرون على دعم هذا المحيط، أولئك الذين لا يمارسون العلم ولكنهم يفهمون ضرورة ولزوم العلم.

 

زينب الصفار: أنت في الأساس من نظّم مؤتمر "مواجهة الفوضى". ما هو هذا المؤتمر؟ ما هي أهميته؟ ما هي أهمية توقيت هذا المؤتمر خصوصاً هنا في بطرسبرغ؟

 

ألكسي يانكوفسكي: هناك أسباب لكل ما ذكرته. لقد بدأنا بالتحضير لهذا العمل منذ زمن. ففي عام 2013 جرى تنظيم معرض في المعرض الملكي في مركز بروكسل لحماية الإرث الثقافي العراقي، وفي خضم التحضير لذلك المعرض، معرض الصور القديمة والفيديوهات، تمكنا من التعرف على كل المجتمعات الصغيرة من الناس الذين يعرفون بعضهم بعضاً حيث كانوا يعملوت حينها في العراق، وكانوا يعملون علي المحافظة على الآثار الأحفورية العراقية، أو كانوا يساعدون في إنقاذ وحماية المكتبة الأثرية في العراق، أصبح مفهوماً أنه من الضروري إخبار الزملاء والمجتمع الروسي عن هذه الجهود، ومن جهة أخرى، يجب إحياء الاهتمام للمشاركة في العملية العلمية والثقافية في الشرق الأوسط. روسيا شاركت في ذلك بنشاط كبير في ما مضى، وبعد ذلك حصل ركود هنا، ونأمل الآن ألا يقتصر الاهتمام على المنحى السياسي بل الفعلي كذلك، فكما قيل اليوم إن بعثة الآثار ستعود إلى سوريا وبعدها ستتمكن من العمل في العراق. لقد أقمنا مؤتمراً يجمع بين التخصصات وتعمدنا دعوة أناس، ليس فقط ممن هم على علاقة بالمصادر المكتوبة. معهد المخطوطات الشرقية لا يعني فقط المخطوطات المكتوبة، فليس بالضرورة أن يكون ذلك الجلود أو البردى، بل هو المكان الذي تدرّس فيه المصادر المكتوبة لتاريخ الشرق، فلم ندعُ فقط الذين يدرسون المصادر المكتوبة بل دعونا أيضاً علماء الآثار والناس الذين يحمون الآثار، وحتى أولئك الذين ليسوا على علاقة بالقيم المادية بتاتاً، بل من يمثلون إرثاً هاماً غير مادي، على سبيل المثال، من دون شك عادات سكان جنوب العراق "عابدان" وكذلك المنديون والأيزيديون غداً، سيكون عندنا كاهن أيزيدي، وعدا ذلك سنتحدث بالتأكيد عن مشكلات اللاجئين لأنه من غير الممكن أن نحمي أحجاراً مكتوب عليها من دون أن نحمي الناس الذين يثبتون ما هو مكتوب، سواء كان بحياتهم العملية أو جذورهم، وهؤلاء الناس يضطرون للأسف إلى ترك أوطانهم بحثاً عن الملجأ، بما في ذلك روسيا، ولا يسعنا سوى التحدث عن أوضاعهم.

 

زينب الصفار: سنتحدث عن ذلك بالتفصيل لاحقاً. سؤالي عن المكان هنا، لماذا روسيا مهتمة بالإرث الثقافي للمنطقة العربية أو ما سميته بالشرق الأدنى؟

 

ألكسي يانكوفسكي: لسبب بسيط جداً. يوجد كتاب روسي رائع هو "فضيل اسكندر"، وهو كاتب روسي، لكنه ترعرع في أبخازيا، الجمهورية القوقازية الصغيرة، وكان يقول إن من يهتم بعائلاته هو أعمى ومن يهتم بشعبه لديه عين واحدة، والمبصرون هم الذين يهتمون بمشكلات العالم أجمع، المنفتحون على البشرية جمعاء. هكذا فقط نستطيع أن نفهم.

 

زينب الصفار: هكذا يجب أن تكون عليه الحال.

 

ألكسي يانكوفسكي: وعندما نفهم، نستطيع أن نتحرك بعقلانية، ومن دون الانفتاح على مشكلات العالم كله، ستخرج روسيا من مسرح التاريخ.

 

زينب الصفار: بإمكاننا أن نرى في العقد الأخير بدءاً من عام 2006، أنه كان هناك استهدافاص ممنهجاً للثقافة للكتب، للمخطوطات، للتماثيل، لكن ما هو مرتبط بالثقافة الإنسانية، ولنبدأ بحرب إسرائيل على لبنان عام 2006 عندما جرى استهداف مجمع كامل من المكتبات والمخطوطات، كذلك الغزو الأميكري للعراق عام 2003، ثم نرى داعش يكمل العمل. بالتأكيد هناك جهود مقصودة للقضاء على ثقافة المنطقة الغنية وتمزيق جوهرها، كيف ترى هذه الصورة القاتمة اليوم؟

 

ألكسي يانكوفسكي: الظاهرة هي ذات طبقات متعددة. دعينا نبدأ من كوننا وسط حرب. الحرب الدائرة عملياً هي عالمية ولم نكن نتوقعها هكذا. لم نكن نظن أنها ستكون كذلك ولكننا واجهناها. عشرات الدول ذات المصالح المختلفة متورطة في هذه الحرب، وفي هذه المصالح تلعب دائماً الرموز دوراً مهماً. الإرث الثقافي حيث يترجم فيه الناس طاقاتهم وحبهم وذاكرتهم، غالباً ما يكون رمزياً. وفي الحرب، الرموز كالراية أو المعيار، تلعب دوراً كبيراً جداً، والناس مستعدون للموت من أجل رايتهم. أما بخصوص الأشكال المختلفة من تدمير الإرث، فإن لها أسباباً متنوعة. تكبد الشرقين الأوسط والأدنى الكثير من الخسائر، بسبب نهب الآثار والتماثيل، ابتداءً من أفغانستان وانتهاءً بإسرائيل، لا توجد رغبة ممنهجة في القضاء على الثقافة. هذا غير صحيح. من جهة يوجد الجهل والفقر وجهل الحكام وأنانيتهم والأنانية الضحلة للسكان الذين وصلوا إلى اليأس، هذا لا يعدّ رغبة في القضاء على الثقافة.

 

زينب الصفار: هل تعتقد أن للتطرف الديني دوراً؟

 

ألكسي يانكوفسكي: لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بالدين. إذا كنت تقصدين داعش فقد حضرنا قبل قليل محاضرة رائعة ألقتها "نتاليا مايا" الأخصائية بالـ "إيكنوكلازم" أي "النضال ضد تحطيم الأيقونات" والتي أوضحت بشكل مقنع، أنه بالنظر إلى الحضارة الأشورية فالملوك والآشوريين حطموا آليهة الدول المعادية لهم ظناً منهم أن تلك التماثيل حية فإذا ما قطعنا رأس هذا التمثال الحجري ستخرج منه الحياة ولن يزعجنا هذا الإله الغريب. فصوَر تدمير الغله "أور" السومري على يد المحاربين الآشوريين، وتدمير التماثيل في متحف الموصل من قبل قاطعي الرؤوس من داعش، هي متطابقة. اعلمي أن الإسلام غير مرتبط بهذه العملية. عندما نتحدث عن الإرث فليس بالضرورة أن يكون إيجابيا. هذا إرث قديم، ولكنه يحمل ما هو سلبي. هكذا كان القدماء يدّمرون آلهة الغرباء، وهكذا الإرهابيون أو سمّهم ما شئت، يدمّرون الآن ما يعتقدون أنها آلهة غريبة، وبعبارة أخرى آلهتنا نحن. هذا العمل موجّه على يد هؤلاء الأعداء، لأنهم ولسبب ما ظهروا.

 

زينب الصفار: سنتوقف الآن مع فاصل قصير، سنتابع بعده الحوار في ما يتعلق باستهداف الثقافة في الشرق الأوسط. فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيدا.

 

فاصل

 

زينب الصفار: إرهابيو داعش في العراق حطموا نمرود ذا الـ 3 آلاف سنة وجرفوا حطرة ذات الـ 2000 عام وهما من الإرث العالمي وفق تصنيف اليونيسكو. ألكسي يانكوفسكي المؤرخ الروسي والسكريتير التنفيذي للمؤتمر الدولي "مواجهة الفوضى"، كيف يصف ويقوّم عمل اليونيسكو في العراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى في هذا السياق؟ 

 

ألكسي يانكوفسكي: لقد قامت اليونيسكو بجهود كبيرة في العراق وسوريا واليمن، والآن تقوم بعمل هام وباسل لتنسيق جهود مختلفة للتغلب على العقبات البيروقراطية. وفي مؤتمرنا كذلك، آنا باوليني، رئيسة مكتب اليونيسكو في الدوحة، ألقت محاضرة قيّمة وحدّثتنا بشكل مفصّل عن ذلك العمل الكبير والهام جداً. أحياناً يقولون إن اليونيسكو عديمة الأهمية وإننا لا نرى نتائج. للعلم، أي عمل لحماية القيم الثقافية هو عمل فني مثابر، ولا يجدر بنا أبداً أن نتوقع هبوط صحن فضائي وينقذ الوضع، للأسف فإن موضوع الثقافة يختلف عن انعدام الثقافة بأنها عمل يومي متواصل. كلمة الثقافة في اللغات الأوروبية مشتقة من الكلمة اللاتينية "كولو" وتعني "أُحرث"، والحراثة عمل صعب.

 

زينب الصفار: ألا تعتقد أن هذا العمل ضئيل جداً مقارنة مع الكارثة الكبيرة التي تواجهها المنطقة؟ فالخسارة كبيرة وضخمة.

 

ألكسي يانكوفسكي: أحد الكتّاب الروس الرائعين "ميخائيل بولغاكوف" كان يقول "إن الخراب موجود في العقول". الحل الوحيد لهذه المشكلة يكمن في التعليم يلزم جهوداً كبيرة لتعليم الإنسان ولكن من السهل جداً قتله. يلزمنا العمل على التعليم هنا في روسيا بما في ذلك الدراسات الشرقية، يجب العمل على الدراسات المتوسطة، إذ يجب أن توجد مدرسة حيث يستطيع أبناء العائلات المسلمة والروسية الدراسة معاً بهدف الحصول عل التعليم وفق المعايير الحكومية، وأن يتفاعلوا في ما بينهم من أجل ألا يكون هناك ميل نحو تيارات دينية معينة.

 

زينب الصفار: أحد النشاطات المشتركة قام به "فاليري غورغييف"، قائد أوركيسترا من سان بطرسبرغ على مدرج تدمر الروماني منذ فترة. المايسترو وصف الحفلة الموسيقية بأنها احتجاج على عنف إرهابيي "داعش" ووحشيتهم وهم الذين استخدموا المدن والمدرج الروماني لإعدام الرهائن، فقام حفلة موسيقية كهذه في هذا الوقت بالذات. ما هي الرسائل التي أرادت روسيا أن توصلها إلى شعب روسيا وشعوب العالم؟

 

ألكسي يانكوفسكي: من الصعب أن أجيب عن غورغييف، أعتقد أنه يستطيع الإجابة بنفسه، ولكن روسيا تدخلت عملياً، لاحقاً بالإمكان انتقاد ذلك العمل. في الواقع لقد اتخذت محددة لإزالة الألغام المزروعة في الآثار وبعد ذلك جرى تقييم حالتها وإمكانية ترميمها، وكون مواطنيّ أخيراً توقفوا عن الكلام وبدأوا بالعمل، فهذا مصدر فخر وسعادة لي.

 

زينب الصفار: برأيك، ماذا بالإمكان فعله من أجل الترميم؟ أعني أنك قدّمت اقتراحاً ليتم البث الحي بواسطة الأقمار الصناعية، لإظهار الدمار للمواقع الأثرية في سوريا، ماذا برأيك يمكن فعله؟

 

ألكسي يانكوفسكي: بالإمكان العمل أكثر مع العسكريين. المشكلات ذاتها على الأرجح في أي دولة، وليس روسيا فقط. العسكريون يمتلكون المصادر والإمكانيات والمسؤولية بخصوص الأعمال المتعلقة بتلك الآثار.

 

زينب الصفار: ماذا تقصد بالعسكريين؟

 

ألكسي يانكوفسكي: على سبيل المثال، هناك موقع أثري قيّم جدا، وفيه معسكر أو ما شابه وتتمركز فيه الآليات المعادية ويجري إطلاق النار علينا، فما العمل؟ قد يقرر العسكريون قصف ذلك الموقع الأثري بهدف إبعاد الخطر عن حياة جنودنا أو اتخاذ قرار آخر، ولكن لاتخاذ قرار آخر، يجب أن يعرف القائد ماذا يوجد أمامه أو أن أحداً قد شرح له، أي أن يوجد خبير في قطعته يمكنه أن يخبره بلغته، لغة التخطيط العسكري، أي أنه من الأفضل لنا أن نلتف من هذه الجهة ونضرب هذا المكان وليس ذلك. هذه المشكلات تقنية دائماً ولا تحل بالإعلانات أو الخطابات، إنها تحل بالعمل في الموقع، يجب العمل في هذا المنحى من دون أدنى شك. يجب أن تكون المعلومات متوافرة لدى العسكريين ليتمكنوا من اتخاذ القرار السليم.

 

زينب الصفار: ماذا عن بحثك؟ علام ركزت فيه؟

 

ألكسي يانكوفسكي: نحن نعاني كثيراً من نقص المعلومات. من الضروري جداً معرفة ماذا يحصل للمواقع الأثرية، وهذا صعب. لقد تحدثت عن تلك المصادر المتوافرة لتقويم حالة المواقع الأثرية في سوريا، وقد لفت انتباه المستمعين إلى أن كل هذه الأمور تدور حولها ضجة إعلامية كبيرة، وأنه غالباً ما يكون كذباً كبيرة وتضليلا، وفي النقاش بعد محاضراتي جرى التأكيد على ذلك، هل الأمر كذلك أم لا؟ هذه الأسئلة تصبح دائماً أوراق لعب تستخدمها الأطراف المتحاربة المختلفة. علينا التعامل مع هذه الأخبار بحذر شديد.

 

زينب الصفار: وفي هذا السياق وكونك مؤرخاً وأنت ايضاً مخرج أفلام وثائقية، وقد أنتجت فيلماً وثائقيا عن والدك، هلا أخبرتنا عن تلك المبادرة من فضلك؟

 

ألكسي يانكوفسكي: شارك والدي في الحرب، وكان يتقن اللغة النرويجية كلغته الأم، فقد درس في النرويج جيث كانت عائلته تعيش هناك، وقد خدم والده في الممثلية التجارية.

 

زينب الصفار: وكان من المستشرقين القدامى؟

 

ألكسي يانكوفسكي: جدي لم يكن مستشرقاً إنما كان خبيراً مالياً، وقد عمل في النرويج وكان والدي يعرف اللغة النرويجية، وعندما حرر الجيش السوفييتي شمال النرويج عام 1943 عمل مترجماً لدى الإدارة العسكرية لمدينة "كيركينس" في شمال النرويج، واستطاع أن يساعد كثيراً المحليين الذين كانوا بلا مأوى ولا مأكل وأحرق الألمان منازلهم وكل مخزون الطعام لديهم. كان هناك في الدائرة القطبية برد وشتاء مقبل، وبفضل وساطته أُنقذت حياة الكثيرين. يتذكره النرويجيون، وبالنسبة إليه فإن هذا الفعل العسكري كان الأهم في حياته، وعلى ذلك بنى الكثير خلال حياته. كتب مقالة صغيرة بعنوان "أخلاق كيركينس" عن مشكلات الخير والشر. كان يبحث عن صيغة عالمية تصلح لكل الأديان والأعراق وصيغة بسيطة يستطيع من خلالها الإنسان اتخاذ قرارات أخلاقية. كانت الصيغة بسيطة ولكن استخدامها في الحياة كان صعباً.

 

زينب الصفار: نحن نأمل أن يحدث هذا في كل مكان. ألكسي يانكوفسكي المؤرخ الروسي والسكريتير التنفيذي للمؤتمر الدولي "مواجهة الفوضى" المنظم من قبل معهد المخطوطات الشرقية أشكرك جزيل الشكر على انضمامك إلينا.

 

ألكسي يانكوفسكي: شكراً لك.

 

زينب الصفار: على الرحب والسعة. إذاً لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة، ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله. 

هل كلمة "شالوم" تعني "سلام" بالعبرية الحديثة؟

جلعاد أتزمون الموسيقي العالمي والناشط السياسي المثير للجدل والمجادل الشرس بأمور تتعلق بالهوية اليهودية يحلل تفاصيل عن قضية كورونا واللقاحات في كيان العدو ويلقي الضوء على بعض المصطلحات غير الموجودة في اللغة العبرية الحديثة، و ما يعنيه ذلك؟ وهل برأيه أضعفت معركة سيف القدس "إسرائيل" داخلياً وعالميًا أكثر اليوم؟

المزيد

برامج أخرى